الأوسط المغرب في الصوفي الأدب وتطور نشأة 33 - اﻟ ﻌﺪد2 ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ ،2004 الرسائل الإخوانية: -ز وتعرف عند الصوفية بالمكاتبات السنية التي كان الصوفية يتبادلونها فيما بينهم وأغراضها التشوق والثناء والمدح والنصح وطلب الدعاء وفيها لم يلتزم الصوفية بأسلوب النثر المرسل فحسب بل أقحموا الشعر وكان ابن خلدون يستقرئ المتأخرون أساليب الشعر )وقد استعمل :هذا النوع من المراسلات في قوله وموازينه في المنثور من كثرة الأسجاع والتزام التقفية وتقديم النسيب بين يدي 96(. شعر الزهد: -حـ تتمحور أغراضه بين الدعوة إلى ترك الدنيا والزهد فيها والتذكير بالموت .الأشبيليمن اشتهر بهذا الفن أبو محمد عبد الحق والدعوة إلى عمل الآخرة وم شعر التصوف السني: -ط وفيه التزم الصوفية ذكرى مجاهدتهم وأورادهم وأذكارهم بأسلوب بسيط الألفاظ والمعنى بعيدا عن الإفراط في الرموز والإشارات ومن رواده أبو مدين .(م شعر التصوف الفلسفي: - ي عتمد الصوفية الرمزية والإشارات والإيحاءات للتعبير عن اتجاهاتهم وفيه ا في الإشراق ووحدة الوجود والوحدة المطلقة في قالب من المحسنات البديعية والبيانية تميل إلى الغموض غلبت عليهم فيها عاطفة الحب الإلهي التي كانوا وحهم إلى توظيف فضلا على جن -السكر - يرتشفون منها حتى الغياب عن الوعي الألفاظ الغزلية والخمريات للدلالة على حقائقهم الصوفية. إن شعر التصوف الفلسفي تلون كثيرا بالفلسفة وحافظ على صورته الجمالية فضلا على أن القائلين به لم ينظموه على سبيل الصناعة الشعرية وإنما على سبيل الممارسة والاطلاع والشهود. الهوامش: ني: الأدب الصوفي في المغرب والأندلس في عصر كتانور الهدى الشريف ال انظر،
عدد الصفحات ٣٣بونابي الطاهر 34 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ وما بعدها القرنين السادس والسابع بونابي: الحركة الصوفية في المغرب الأوسط خلال الطاهر انظر، وما بعدها ، (د.ت)أبو عبيد الله البكري: المغرب في ذكر بلاد إفريقية، مكتبة المثنى، بغداد، 68. 72. ،ة في أئمة وملوك الإباضية، القسم الأوليسليمان بن عبد الله الباروني: الأزهار الرياض 72. بعدها. وما 84. 59. مة حمادي الساحلي، دار الغرب الإسلامي، الهادي روجي إدريس: الدولة الصنهاجية، ترج 337. أعلامأبو الفضل عياض بن موسى اليحصبي: ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة ، 337. المالـكي: رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية أبو عبد الله بن محمد البشير البكوش، دار الغرب الإسلامي، .، تحوفضائلهم أخبارهموزهادهم ونساكهم وسير من وما بعدها 628. وما بعدها 690. 533. 445 -446. 710. 354-355. ،ابن الزيات التادلي: التشوف إلى رجال التصوف وأخبار أبي العباس السبتي ،انظر 78-79. حمد الغبريني: عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء من المائة السابعة أانظر، أبو العباس
عدد الصفحات ٣٤الأوسط المغرب في الصوفي الأدب وتطور نشأة 35 - اﻟ ﻌﺪد2 ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ ،2004 .وما بعدها وما ؛ عبد الرحمان بن خلدون: شفاء السائل لتهذيب المسائل، نشر الأب أغناطيوس، المطبعة بعدها 34-43. وما بعدها ، 82. 92-93. 158. 73. ، طبعة حمد بن محمد بن القاضي: جذوة الاقتباس فيمن حل من الأعلام بمدينة فاسأ 346. عزت العطار، مطبعة ققيتح ب الصلة،كتاانظر، محمد بن عبد الملك بن الأبار: التكملة ل 676-677. وما بعدها هـ، 104. 67. 114. 215. حمد بن محمد المقري: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، تحقيق إحسان عباس، أ 91-92. 132. فور ومحمد الفاسي، منشورات ابن قنفذ القسنطيني: أنس الفقير وعز الحقير، نشر أودولف 63. المقصد الشريف والمنزع اللطيف في التعريف بصلحاء الريف، تحقيق سعيد انظر، 102. 63. لحاضر، مؤسسة الجزائر من صدر الإسلام حتى العصر اعادل نويهض: معجم أعلام
عدد الصفحات ٣٥بونابي الطاهر 36 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ 36. 120. 177. 156. الآخرة، تحقيق محمد بن مصطفى بن العلوم الفاخرة في نظر أمور عبد الرحمان الثعالبي 6-7. 359. وما بعدها وما بعدها 28. 321. 176. 158-159. 173. 103-104. العامة، نسخة مصورة عن مخطوط الخزانة عبد الله محمد بن مرزوق الخطيب: المجموع، 13. 163. 128. 173. 136-137. وما بعدها 157. 148. وما بعدها 340. 96. 95. 468.
عدد الصفحات ٣٦الأوسط المغرب في الصوفي الأدب وتطور نشأة 37 - اﻟ ﻌﺪد2 ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ ،2004 19. 22. 194. مؤلف مجهول: النتيجة في تلخيص الـكرامات في مناقب الشيخ عبد القادر الجيلاني، 93. 40. ، 262. 154. 31. 152. 44. 2744. 27. 263. 40. 264. 18. 321. 3. ابن مريم المديوني: البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان، ديوان المطبوعات ، انظر وما بعدها 395. 170. ، الرباط، اه، جامعة محمد الخامسنور الهدى زطيط: المناقب الصوفية، أطروحة دكتور 90. ، 132. 2032-233.
عدد الصفحات ٣٧بونابي الطاهر 38 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ لثامن الهجري، محمد مفتاح: التيار الصوفي والمجتمع في الأندلس والمغرب أثناء القرن ا 1980-1981. ، 271. ، 101. 272. 278. 97. 351. References: * - The Holy Quran. 1 - Al-‘Abdarī, Abū ‘Abdallah: Ar-riḥla, edited by Mohamed al-Fassi, Rabat 1968. 2 - Al-Barūnī, Suleimān: Al-azhār ar-riyāḍiyya, Maṭba‘at al-azhār al-Barūniyya. 3 - A l - B i k r ī , A b ū ‘ A b d a l l a h : A l - M a g h r e b f ī d h i k r b i l ā d I f r i q i y a, Maktabat al- Muthannā, Baghdad (n.d.). 4 - A l - G h a z ā l ī , A b ū Ḥ ā m i d : I ḥ i ā ’ ‘ u l ū m a d - d ī n , D ā r a l - K u t u b a l -‘Ilmiyya, Beirut 1986. 5 - A l - G h u b r ī n ī , A b ū a l - ‘ A b b ā s : ‘ U n w ā n a d - d i r ā y a , e d i t e d b y R a bah Bounar, SNED, Alger 1981. 6 - Al-Mālikī, Abū ‘Abdallah: Riyyāḍ an-nufūs, edited by Al-Bac hīr Bekkouche, Dār al-Gharb al-Islāmī, Beirut 1981. 7 - Al-Maqarrī, Aḥmad: Nafḥ at-ṭīb, edited by Iḥsān ‘Abbās, Dār Ṣ ā d i r , Beirut 1988. 8 - Al-Mediouni, ibn Meriem: Al-boustān fī dhikr al-awliyyā’ wa al-‘ulamā’ bi- Tilimsān, OPU, Alger 1986. 9 - A l - M u ḥ ā s i b ī : A r - R i ‘ ā y a , e d i t e d b y ‘ A b d a l - Q ā d i r A ḥ m a d ‘ A ṭ ṭ a, 2 nd e d . , Cairo 1970. 10 - Al-Shāṭibī: Al-i‘tisām, Matba‘at al-Manār, Cairo 1913. 11 - Al-Tādilī, ibn al-Zayyāt: At-tashawwuf ilā rijāl at-taṣaww uf, edited by Adolphe Faure, Matbu‘āt Ifriqiya al-Shamāliyya, 1958. 12 - Al-Tumbuktī, Aḥmed Bābā: Nayl al-ibtihāj bi taṭrīz ad-dibā j, Maṭba‘at as- Sa‘āda, Cairo 1329H.
عدد الصفحات ٣٨الأوسط المغرب في الصوفي الأدب وتطور نشأة 39 - اﻟ ﻌﺪد2 ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ ،2004 13 - Al-Yahsūbī, Abū al-Faḍl: Tartīb al-madārik, edited by Aḥme d B. Maḥmūd, Dār al-Ḥayāt and Maktabat al-Fikr, Beirut 1967. 1 4 - A t h â a l i b ī , A b d e r r a h a m a n e : A l - ‘ u l ū m a l - f ā k h i r a , e d i t e d b y Mohamed ben Mustapha ben Khoudja, printed by Ahmed al-Turki, (n.d.). 1 5 - B o u n a r , R a b a h : A l - M a g h r e b a l - ‘ a r a b ī t ā r ī k h u h u w a t h a q ā f a t uhu, SNED, Alger 1981. 1 6 - B o u t a s h i s h , I b r ā h ī m a l - Q ā d i r ī : A l - I s l ā m a s - s i r r ī , D ā r S ī n ā, 1 st e d . , Cairo 1995. 17 - Ibn al-Abbār: At-takmila li-kitāb as-ṣila, edited by ‘Ezze t al-‘Aṭṭār, Maṭba‘at as-Sa‘āda, Cairo 1953. 18 - Ibn al-Qayyim al-Jawziyya: Madārij as-sālikīn, Al-Maṭba‘a al-‘Āmira, Cairo 1293H. 19 - Ibn Bashkuwāl: Kitāb as-ṣila, Al-Dār al-Miṣriyya li al-Ta’līf, 1966. 20 - Ibn Qunfud al-Qasanṭīnī: Anas al-faqīr wa ‘az ̊ al-ḥaqīr, edited by Adolphe Faure and Mohamed al-Fassi, CURS, Rabat 1956. 21 - Idrīs, Hādy Roger: Ad-dawla as-ṣanhājiyya, (La Berbérie or ientale sous les Zirides), translated by Hammādī al-Sāḥilī, Dār al-Gharb al-Islāmī, Beirut 1992. 2 2 - N u w a i h a ḍ , ‘ Ā d i l : M u ‘ j a m a ‘ l ā m a l - J a z ā i r , M u ’ a s s a s a t N u w a i haḍ, 2 nd e d . , Beirut 1980. 23 - Razzouq, Aḥmad: Qawā‘id at-taṣawwuf, Al-Maṭba‘a al-‘Ilmiyy a, Cairo 1318H. o
عدد الصفحات ٣٩مجلة حوليات التراث
عدد الصفحات ٤٠التراث حوليات ،مجلة العدد2،2004 ص ،41 - 58 ISSN 1112-5020 اﻟﻨﺸﺮﺗﺎرﻳﺦ15/9/2004 dahmanour@yahoo.fr © الجزائر مستغانم، جامعة2004 الصورة الفنية في الخطاب الشعري الصوفي نور الدين دحماني ، الجزائرمستغانم جامعة الملخص: إن الصورة الفنية هي أبرز المقوّمات التي من شأنها أن تجمع بين الشعر وبين التصوّف، فهي الفضاء الذي تناهى فيه الشعر والتصوّف، وهذا ما تحقق فعلا في تراثنا العربي الإسلامي، ا التجربة الصوفية لابن عربي والحلاج والبستي والبسطامي وابن الفارض، وغيرهم إلا خير وم دليل على ذلك. وقد جعل شعراء التصوف من الشعر مقام إشارة حيث لا يدرك المعنى إلا بالتماهي والمجاهدة والمكاشفة والتقلب وغيرها من اصطلاحاتهم التي تندرج ضمن أحوالهم س صلة الشعر بالتصوف العلاقة التي تربط بين الدين والأدب وهي علاقة ومقاماتهم. وتعك لأن الدين والأدب فعاليتان إنسانيتان من حيث ،لم تنقطع على مر العصور ،وثيقة جدا الممارسة والأداء، لا سبيل إلى نكرانهما مهما طرأت على حياة الإنسان من تغيرات وأحوال. الكلمات الدالة: .الصورة الفنية، العرفان، التراث، الوجدان الشعر الصوفي، o The artistic image in the mystical poetic discourse Noureddine Dahmani University of Mostaganem, Algeria Abstract: The artistic image is the most prominent component that would c ombine p o e t r y a n d m y s t i c i s m , a s i t i s t h e s p a c e i n w h i c h p o e t r y a n d m ysticism have c e a s e d , a n d t h i s i s w h a t h a s a c t u a l l y b e e n a c h i e v e d i n o u r A r a b a n d I s l a m i c heritage, and what the mystical experience of Ibn Arabi, Al-Hal laj, Al-Bastami, Ibn al-Farid, and others is the best proof of that. The poets o f Sufism made p o e t r y i n t o a s i g n a l s t a t u s , w h e r e m e a n i n g i s o n l y p e r c e i v e d t hrough identification, endurance, openness, volatility and other idiom s that fall within t h e i r p u r v i e w , c o n d i t i o n s a n d p o s i t i o n s . T h e r e l a t i o n o f p o e t r y with Sufism reflects the relationship between religion and literature, and i t i s a v e r y c l o s e relationship that has not been i nterrupted throughout the ages, because religion
عدد الصفحات ٤١دحماني الدين نور 42 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ a n d l i t e r a t u r e a r e t w o h u m a n a c t i v i t i e s i n t e r m s o f p r a c t i c e a nd performance, and there is no way to deny them no matter what changes and con ditions occur in a person’s life. Keywords: mystic poetry, artistic image, sufism, heritage, conscience. o نود أن نلج إلى هذا الموضوع انطلاقا من الإشكالية الآتية: لماذا وجد التصوف الإسلامي في الشعر إطارا تبليغيا؟ وبمعنى آخر ما هي نقطة التماس التي يلتقي عندها هذان الأفقان الوجدانيان؟ وبتحديد أدق: ما طبيعة المقومات الجمالية لا -لأمر بتمعن وروية، فسنكتشف التي أغرت أحدهما بالآخر؟ إذا استقصينا ا بأن الصورة الفنية هي أحد أبرز تلك المقومات التي من شأنها أن تجمع بين -محالة ف ذلك الشعر هذا الجنس الأدبي الممتلئ كثافة انفعالية إيحائية، وبين التصو فيه الشعر قد حرارة عرفانية نورانية، فهي الفضاء الذي تماهى السلوك الروحي المت ق فعلا في تراثنا العربي الإسلامي، وما التجربة الصوفيةالتصوف، وهذا ما تحقو وغيرهم إلا خير لابن عربي والحلاج وابن البستي والبسطامي وابن الفارض، ا لم يكن منظورهم لنظم الشعر أدبيا محضا، ولم يكن للغاية دليل على ذلك. حق لاتهم الروحية والوجدانية ة مقوالإبداعية في حد ذاتها، وإنما كان وسيلة لتزكي قة ببلوغ أرقى ما يمكن بلوغه من درجات الصفاء.المتعل ايا الفنية في التراث لقد كانت الصورة إذن إحدى أبرز الاهتمامات والقض فضلا عن الجهود ، ا أو الوافدة إلينا من مذاهب النقد الغربي.الحديثة والراهنة، العربية منه إن معنى الصورة الذي نريد هنا قريب مما تصوره الجاحظ قديما عندما ، فمصطلح التصوير يحيل هنا إلى ثلاثة مبادئ: أولاها أن للشعر منهج خاص في وصياغتها، وتكمن وظيفة هذا المنهج في إثارة الانفعال تحديد المعاني والأفكار هو عرض - غالبا -أسلوب الشعر في الصياغة واستمالة المتلقي، وثانيها أن قوام
عدد الصفحات ٤٢الصوفي الشعري الخطاب في الفنية الصورة 43 - اﻟ ﻌﺪد2 ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ ،2004 المعنى بطريقة حسية، وهذا المبدأ يعادله في النقد الحديث مصطلح )التجسيم(، الرسم، إذ يجعله أما ثالثها أن هذا العرض الحسي للمعنى الشعري يقربه من مفهوم 3(. ينطوي الشعر على سر لا يدركه إلا الشعراء، "لذا اعتبر الصوفية الشاعر مصنوعا على عين الله... جسمه في الأرض، وقلبه في السماء يتسقط أخبار العالم ر العلوي الذي يمده بومضات إلهية بها يكون شعره نارا تهجم على الأفئدة بغي ذلك أن الشعر حالة إبداعية تباغت الإنسان إثر تجربة انفعالية تعرض له أو موقف شعوري يتمثله فنا. وقد جعل شعراء التصوف من الشعر مقام إشارة حيث لا يدرك المعنى إلا بالتماهي والمجاهدة والمكاشفة والتقلب وغيرها من اصطلاحاتهم التي تندرج تهم. فهو لا يأتيك وإنما ترحل إليه، وينهل من التجربة ضمن أحوالهم ومقاما الصوفية. فمنهم من عمد إلى شحن النصوص الشعرية بالمعتقدات والتصورات الدينية وقصدها لذاتها مثلما هي الحال مع ذي النون المصري والحلاج ابن عربي، ومنهم من خلبه أسلوب التعبير الصوفي ووجد فيه متنفسا يعكس رؤية ة وتولد أسئلة تكشف عن العالم الخفي للإنسان واللغة والوجود، دون أن غني قيد بمعايير محددة أو تخضع لنظرية جمالية ما نحو ما نحا ابن الفارض وعفيف ٺت الدين التلمساني وبعض شعراء الحداثة. وتعكس صلة الشعر بالتصوف العلاقة التي تربط بين الدين والفن لأن الدين والأدب ،لم تنقطع على مر العصور ،جدا )الأدب( وهي علاقة وثيقة فعاليتان إنسانيتان من حيث الممارسة والأداء، لا سبيل إلى نكرانهما مهما طرأت على حياة الإنسان من تغيرات وأحوال. إلا أن أحدهما قد يتقدم على الآخر في يات ح تجللذي لا مراء فيه. ولعل أوضلـكن تفاعلهما الدائم هو الأصل ا ،زمن ما لتثري الفكر الإنساني في مرحلة ،ذلك التفاعل بزوغ الأسطورة ثم ترعرعها بينهما وتبېن عن حيرته في التردد بين الفاعليتين. وقد سبق أن قرر ،من مراحل تطوره سيد قطب تلك الحميمية التي يتآلف تحت جناحها كل من الدين والفن، لما
عدد الصفحات ٤٣دحماني الدين نور 44 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ 5(. ولعل عرب ما قبل الإسلام كانوا على وعي بشكل أو بآخر بتلك العلاقة، وما يعزز ذلك نعتهم النبي )ص( بالشاعر تارة والكاهن تارة أخرى والساحر تارة على جوانب تلك العلاقة بين المجالات الثلاثة في ثالثة، والقرآن الـكريم يلقي ضوءا . فسواء أكان هذا الإدعاء مشيرا إلى تسفيه د وجود نه يؤكفإ ،أو إلى اللبس الحاصل في أذهانهم ،الدعوة وصاحبها بنظرهم والتقارب العملي بين ،العلاقة عند من ادعوا ذلك بسبب المعتقدات المتوارثة .شخصية النبي والكاهن والساحر والشاعر وفق تصورهم ولا أتصور أن الأمر يأتي هكذا لمجرد التعريض بالنبي )ص( والتقليل من المكانة المرموقة فالوقائع التاريخية تشير إلى ،شأنه من خلال رميه بتلك الادعاءات ع بها شخصية كل من الشاعر والكاهن والساحر في المجتمعات الغابرة التي كانت تتمت في الشعر الجاهلي وصلتها بالبيت العتيق بشكل عام. ولعل ما قيل عن المعلقات التأكد من حقيقة هذه العلاقة. يحدونا أيضا إلى ل ري الصوفي إلا في إطار تمثولا يمكن أن نفهم حقيقة الخطاب الشع ؛ حيث يشد العابد رحاله الله )المعبود( -إنسان )العابد( معادلة روحية طرفاها ال عدته في ذلك المجاهدات، ومقصده في الوجدانية للعروج إلى مستويات مقامية ذلك بلوغ أسمى درجات الروحانية والانفراد بأنوار المحبة الإلهية التي تستمد نسائمها من سلم الأحوال. وهو من -ففي هذا الصدد مثلا نلفي المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون ، أو العلاقة يتلمس ماهية الخالق عند الحلاج -أهم الدارسين المعاصرين للحلاج بين الخالق والمخلوق، أو بين اللاهوت والناسوت فيما يسميه بنظرية )هو هو(، على الرغم من تأكيد الحلاج تعالي فكرة الإله لم يكن يفهم من "وفيها نرى أنه: المسيحي الذي -ذلك أن الإنسان لا يستطيع الوصول إليه، ومن التراث اليهودي على صورته، استخلص الحلاج مذهبا في الخلق يقول بأن الله خلق الإنسان 7(.
عدد الصفحات ٤٤الصوفي الشعري الخطاب في الفنية الصورة 45 - اﻟ ﻌﺪد2 ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ ،2004 وتتحدد طبيعة الخيال الشعري لدى المتصوفة انطلاقا من جملة الصور التي يترسمونها لإفضاءاتهم الروحية، فأسلوبهم متذبذب يتراوح ما بين التقريرية لانفعالية الإنشائية حينا آخر، وسيأتي بيان ذلك فيما والإخبارية حينا، وا سنعرض له من شواهد، والتخييل يجد ممرات له عبر كثافة التعبير الانفعالي إذ يبعث الصور من مكامنها ويقدمها بين يدي الدلالة والفكرة، فيتحد الحسي بالمعنوي وتتمخض عن ذلك الصورة وكأنها كائن حي يشع بالحياة. دى حديثنا عن الخيال الشعري الصوفي الذي يقترب إلى حد ما وينبغي ل على غرار ما ذهب إليه الشاعر والناقد الإنجليزي -من خيال الرومانسيين أن نميز بين الخيال وبين الوهم، فالأول يمثل العدسة الذهبية التي من -وردزورث في حين أن خلالها يرى الشاعر موضوعات ما يلحظه أصيلة في شكلها ولونها، كما يتعين أن نضع نصب أعيننا تمييز كولردج بين الخيال الأولي الذي يشترك فيه عامة الناس ل أداة الإبداع الفني، وهو أرقى م، وبين الخيال الثانوي الذي يمثفي معرفة عالمه 9(. الصورة الفنية تجسيد للمعنوي في هيئة المرئي الحسي وإخراجه من بما أن عايش فيه المادة والروح، وإن ٺتحيز التجريد، فإن الخطاب الشعري الصوفي فضاء ظل يزعم أنه لا يحفل بالمادي. ولـكن يجمل بنا أن نشير إلى أن احتفاله بالمادة لا ترى قول أبي الحديد:يتحقق إلا في طريقة تقرير شعري لموقف روحي، ألا عليك وقد هلـكت عليك وجدا أهابك أن أقول هلـكت وجدا جلدت جفونها بالدمع جلدا ولو أن الرقاد دنا لطرفي فصاحب هذين البيتين يوجه خطابه إلى الله معبرا عن موقف انفعالي ينتابه ا لتوضيح حياله، وهو الهيبة من أن يبوح بفنائه في الوجد، ويستعير سلوكا مادي ة( الفناء التي تعد لرقاد حتى لا يفوت على نفسه )لذشده حرصه على مغالبة ا قيمة روحية، فشخص في صورة استعارية الرقاد وتمثله كائنا تحرك يدنو من العين
عدد الصفحات ٤٥دحماني الدين نور 46 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ وينأى عنها، كما جعل من الدمع جلادا لها إن حاولت أن تغفو. ولا يخفى ما في لصوفية بين ما هو مادي وروحي.هذا الصنيع من سعي إلى المقاربة ا ب بها ضيلة الذكر التي يرطأما ابن الفارض فقد التمس في سياق عرض ف الصوفية ألسنتهم ويزكون بها قلوبهم صورة السكر والنشوة، ومعلوم أن هذه صل في حقيقتها المألوفة بمجالس الشراب والمنادمة الحسية، والذكر في ٺتالصورة إنما واذكر ربك إذا )تنسى ما سوى المذكور في الذكر، لقوله تعالى: لغة المتصوفة "أن ر: الذكر طرد الغفلة، فإذا ارتفعت الغفلة فأنت ذاكر كبا... وقال بعض ال(نسيت وهو أيضا "الخروج من فضاء الغيبة إلى فضاء المشاهدة على 11(. اصطناع اصطلاحات وألفاظ تستقي صور بيد أن المتصوفة درجوا على معانيها من موضوعات شتى، ويعد السكر من أوفرها لصوقا بالخطاب الشعري الصوفي، فالسكر لغة نقيض الصحو، وبالنظر إلى التماثل المعنوي نجده يحمل نفس الأشياء ولا الدلالة ولـكن في مستوى آخر عند المتصوفة، فهو أن يغيب عن تمييز قوي، واستيلاء سلطان الحال، ويكون باعثا وهو كذلك غيبة بوارديغيب عنها، فيما يرى - للنفس على الطرب والالتذاذ، وهو أقوى من الغيبة وأتم منها، والسكر أحد مقامات الواجد الأربعة إضافة إلى الذهول والحـيرة -الواسطي 12(. ام الصوفية حالي ويذكر السراج الطوسي من جملة الألفاظ الجارية في كل غيبة "السكر والصحو، فيما يقابل حالي الغيبة والحضور، بحيث أن الأولى تعني ، خلافا "القلب عن مشاهدة الخلق بحضوره، ومشاهدته للحق بلا تغيير ظاهر العبد للغشية التي هي أيضا شكل من أشكال الغيبة، ولـكنها تتميز بتجليها في ظاهر العبد، يقصد بها "حضور القلب لما غاب عن عيانه بصفاء في حين أن الثانية 13(. ولا يكون السكر في العادة )الواقع الحسي( إلا بشراب هو الخمر أو المدامة والمدام والمدامة: الخمر، سميت مدامة، لأنه ليس شيءٌ يستطاع إدامة شربه إلا
عدد الصفحات ٤٦الصوفي الشعري الخطاب في الفنية الصورة 47 - اﻟ ﻌﺪد2 ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ ،2004 قيل: سميت هي، وقيل: لإدامتها في الدن زمانا حتى سكنت بعدما فارت، و 14(. والشرب في تصور السراج الطوسي "تلقي الأرواح والأسرار الطاهرة لما يرد عبيها من الـكرامات وتنعمها بذلك، فشبه ذلك بالشرب لتهنيه وتنعمه بما يرد على ولـكن ذا النون المصري لا يربط ، وأما الشراب في نظر التهانوي فالمعنى الذي يلتقي عنده هؤلاء هو الارتواء من عذوبة الذكر وسائر الطاعات. ولعل استعمال الشاعر لفظ )المدامة( لم يكن عفويا اعتباطيا، بل كان صف بصفة الدوام، ٺتأنه أراد أن حال السكر هذه عن قصد في غالب التقدير، ل في التحديد اللغوي. فالمتصوف على اتصال دائم بمعبوده )الحبيب( التي رأيناها وهو دائم الذكر له حتى لكأنه يجد في ذلك ما يبعثه على النشوة والسكر، وحال لأنه المحبة الخالصة التي تستشفها من )ذكر الحبيب( تقتضي هذا السكر الروحي أو هو ، 19(. إن الذكر هو قوام المجاهدات الصوفية، بمعنى "طرد الغفلة، فإذا ارتفعت ن الغفلة إلى فضاء وهو أيضا: "الخروج من ميدا ، فهو سلوك ذو قيمة روحية الخمرة ويطلب يلتزمه الصوفي ليبقى على صلة دائمة بالله عز وجل كما يلازم الثمل النشوة. ثم يصف هذه المدامة وطبيعة الإناء الذي صبت فيه، فهو البدر والبدر هو اء والاكتمال، ويرتبط ظهوره بالتقويم الهجري، حيث القمر في حالة الامتل تكون ليلته الليلة الرابعة عشر، ولا يخفي ما تنطوي عليه دلالة البدر من قيم جمالية لدى العرب بخاصة، فكثير من الشعراء راحوا يشبهون محبوباتهم وممدوحيهم وسائر :من يتوددون إليهم ويستجدون رضاهم بالبدر، فهذا عنترة يقول
عدد الصفحات ٤٧دحماني الدين نور 48 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ في الـكمال وفي السعد وقال لها البدر المنير ألا أسفريي فإنك مثل ويقول ابن الرومي: وبدر الدجى في النحر صيغ له عقدا كان الثريا علقت في جبينه ويقول البحتري: بدر لعين الناظر المتأمل بحر لـكف المستميح المجتدي لتي ينتشي بها الصوفي، إن البدر عند ابن الفارض كأس لتلك الشراب ا ا طبيعي وتأتي هذه الصورة لتآلف بين مستويين من الحسن والجمال، أحدهم ة الذكر(.)البدر( والآخر روحي )لذ وابن الفارض يربط تلك النشوة الروحية بالنشوة المادية، وهذا يتماشى مع ة، فجعل الوظيفة البلاغية للصورة الفنية التي تقدم المعنوي المجرد في هيئة حسي من البدر كأسا لمدامة الذكر، فكل من البدر والمدامة مدركان بالحس والمعاينة، والصوفي بعي ذلك بطبيعة الحال، وإنما كان هذا صنيعه حتى يجعل من فكرته وإفضائه التقريري قريب المأخذ من أذهان السامع )المتلقي(، فالتقرير هاهنا أقرب إلى المجاز منه إلى الحقيقة. في وصف حال النشوة هذه، ويأتي هذه المرة بتشبيه ابن الفارض اصليو بليغ استغنى فيه عن أداة التشبيه، فنلفيه يشبه هذه المدامة وهي مصبوبة بالكأس بالشمس، وهذا صنيع تقليدي نمطي في أشعار العرب، شأن ما ذكرنا عن البدر إليهم مظهرا من مظاهر توهج ل بالنسبة ا بهذا المشهد الطبيعي الذي يمثفلطالما فتنو العظمة واتقادها ونصاعة الحق وشدة الوضوح، ولذلك ظلت هذه الصورة ماثلة في مخيلتهم الإبداعية، فهذا النابعة يقول في بيت صار شاهدا بلاغيا: منهن كوكبإذا طلعت لم يبد فإنك شمس والملوك كواكب وقال بشار في الغزل: شمس النهار إليك في جلبابه دنتأهو الحبيب بدا لعينك أم
عدد الصفحات ٤٨