المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الجامع في أحكام صفة الصلاة من الخروج إليها حتى الانصراف منها تحميل PDF

دبيان الدبيان

صفحة ٦٧ من ١٥٦

الجامع في أحكام صفة الصلاة 397 ولأن القراءة باللسان فلم تنقطع بالنية، ولأن فعله مخالف لنيته فإن قيل: قد قلتم: إنه إذا نوى في أثناء الصلاة قطع الصلاة انقطعت، فما الفرق؟ قال الشافعية: الصلاة من شرطها النية، فإذا أفسد نيته أفسد صلاته، والقراءة تشترط لها النية، فإذا قطع النية لم تفسد القراءة. لا : وأما تأثير السكوت الطويل غير المشروع على الإخلال بالموالاة فالأصح في مذهب الشافعية وهو مذهب الحنابلة أن السكوت الطويل غير .)1(المشروع يقطع الموالاة مطلقًا سواء أكان معه نية القطع، أم وجهه: أن السكوت الطويل يشعر بقطع القراءة، والإعراض عنها. واختار العراقيون من الشافعية أنه إذا لم يَنْوِ بِهِ قطع القراءة فلا يقطع الموالاة، ولو ً، ورجحه المحب الطبري في التعليقة الكبرى، ووصفه النووي بالقول الشاذ لاكان طوي . )2(في الروضة وقال عنه في المجموع . )3(الاستئناف لكن قال المحب الطبري في التعليقة الكبرى في الفروع ينوي به قطع القراءة، أو ارتج عليه ....فإنه لا يضره، ويبني ً لا لاالفاتحة سكوتًا طوي .)4(على قراءته قال إمام الحرمين في نهاية المطلب )، فتح العزيز 235/2)، الحاوي الكبير 357/3)، المجموع 26منهاج الطالبين (ص )1( )، حلية408)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص141،140/2)، نهاية المطلب328/3( )، مغني المحتاج 243/1)، روضة الطالبين 87/2العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء ). 189/1)، شرح منتهى الإرادات387/1)، المبدع50/2)، الإنصاف357/1( )، روضة 328/3)، فتح العزيز 116/2)، الوسيط للغزالي 140/2نهاية المطلب )2( .)243/1الطالبين ). 357/3المجموع )3( التعليقة الكبرى للمحب الطبري حقق في رسائل علمية لم تطبع بعد، أحدها يبدأ من صفة )4( .)283الصلاة إلى إمامة المرأة (ص

عدد الصفحات ١٬٠٥٩

398 الجامعفي أحكام صفة الصلاة 398 بالسكوت الطويل قصدًا عمدًا لا يبطل القراءة، وهذا مزيف متروك، وإن كان .)1(لا يبعد توجيهه وأما السكوت اليسير دون نية القطع: فلا يقطع الموالاة قولاً واحدًا في مذهب .)2(الشافعية .)3(قال النووي لأن اليسير مغتفر، ولا يسلم منه أحد، ولا يبدو منه الإعراض عن القراءة. واختار القاضي أبو يعلى من الحنابلة أنه يلزمه استئناف الفاتحة . )4(بالسكوت، ولوكان يسيرًا وأما السكوت المصحوب بني فإن كان السكوت طويلاً انقطعت الموالاة بلا خلاف، ووجب عليه استئناف القراءة، وإن كان يسيرًا بطلت في الأصح المشهور؛ لتأثير الفعل مع النية. وفيه وجه عند الشافعية: أنها لا تبطل، حكاه صاحب الحاوي وغيره؛ لأن النية .)5(بمفردها لا تؤثر، والسكوت اليسير وحده لا يؤثر، فكذا إذا اجتمعا .)6(واختار الحنابلة أن السكوت اليسير لا يقطع مطلقًا، سواء أَنَوَى قطعها أم الإخلال بالموالاة بذكر يتخلل قراءة الفاتحة:  إذا أتى المصلي بذكر في أثناء قراءة الفاتحة فإن كان مشروعًا يتعلق بمصلحة الصلاة كتأمينه لقراءة إمامه، وسجوده لتلاوته، واستماع قراءة الإمام، وفتحه عليه ). 140/2 نهاية المطلب)1( )، نهاية المطلب328/3)، فتح العزيز235/2)، الحاوي الكبير26 منهاج الطالبين (ص)2( )، حلية العلماء في معرفة مذاهب408)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص141،140/2( .)357/3)، المجموع87/2الفقهاء ). 357/3 المجموع)3( .)50/2 الإنصاف)4( .)41/2)، تحفة المحتاج357/3)، المجموع244/1)، روضة الطالبين329/3فتح العزيز )5( .)116/1)، الإقناع387/1 المبدع)6(

عدد الصفحات ١٬٠٦٠

الجامع في أحكام صفة الصلاة 399 .)1(القراءة، فلا يقطع الموالاة وإن طال، وهذا هو الأصح عند الشافعية ومذهب الحنابلة لأن مثل هذه الأذكار مأمور بها شرعًا، وتعود لمصلحة الصلاة فلا تبطل بها الموالاة، كما لا تبطل الموالاة بالطواف والسعي إذا أقيمت المكتوبة، وكما لم تبطل الصلاة بما وقع للنبي ﷺ في حديث ذي اليدين من الكلام، والقيام والمشي، ومثل ذلك يبطل الصلاة لولا أن ذلك كان لعذر، ولمصلحة الصلاة. وقيل: تبطل الصلاة إذا تخللها ذكر مطلقًا، حتى ولو كان مشروعًا، فلو أمن المأموم على قراءة إمامه في أثناء قراءته الفاتحة انقطعت الموالاة، وهو وجه .)2(مرجوح عند الشافعية ً بقراءة لاقال ابن حجر الفاتحة، وبه قال أكثر الشافعية، ثم اختلفوا هل تنقطع بذلك الموالاة على وجهين، أصحهما: لا تنقطع؛ لأنه مأمور بذلك لمصلحة الصلاة بخلاف الأمر الذي لا .)3(يتعلق بها كالحمد للعاطس، والله أعلم ا عن الصلاة: ًّوإن كان الذكر أجنبي فقال الشافعية يقطع الموالاة وإن قَلَّ، كما لو عطس، فحمد الله، أو أجاب المؤذن، أو سبح للداخل؛ وبه قال القاضي أبو يعلى من الحنابلة، ولا تبطل الصلاة، . )4(بل تبطل قراءة الفاتحة، ويجب استئنافها؛ لوجوب الموالاة فيها وجهه: أن الاشتغال به يوهم الإعراض عن القراءة. وقال الحنابلة: إن كان الذكر يسيرًا فلا يقطع الموالاة مطلقًا؛ سواء أكان دعاء )، الجمع 269/2)، طرح التثريب26)، منهاج الطالبين (ص244/1روضة الطالبين )1( )، المبدع 142/2)، نهاية المطلب 154،153/3)، القواعد للحصني 357والفرق )، الإقناع 189/1)، شرح منتهى الإرادات 430/1)، مطالب أولي النهى 387/1( .)338/1)، كشاف القناع116/1( )،269/2)، طرح التثريب264/2)، فتح الباري لابن حجر244/1روضة الطالبين )2( .)264/2فتح الباري لابن حجر )3( )، المبدع 41/2)، تحفة المحتاج 141/2)، نهاية المطلب 244/1روضة الطالبين )4( .)350/1)، الممتع شرح المقنع للتنوخي387/1(

عدد الصفحات ١٬٠٦١

400 الجامعفي أحكام صفة الصلاة 400 .)1(أم قرآنًا أم غيرهما؛ ولو كان غير مشروع؛ لعدم الإخلال بنظمها ومذهب الحنابلة أصح؛ لأن اليسير في الشريعة معفو عنه في الجملة ما لم يرد نص يقضي بعدم العفو. ولأن الذكر والدعاء مشروع جنسهما في الصلاة بالجملة. ولأن الفاصل اليسير لا يشعر بالإعراض عن القراءة وقطعها، وإذا كان الكثير منه -إذا وقع سهوًا- مَعْفُوًًّا عنه عند الشافعية والحنابلة فتعمُّدُ قليلِهِ لا يضر؛ لأن بطلان القراءة حكم وضعي، والسهو يرفع الحكم التكليفي وهو الإثم، وأما الصحة والفساد فلا تلازم بينهما، فلما حكموا بأن الذكر الكثير سَهْوٌا لا يخل بالموالاة، والصلاة صحيحة، فلا يتصور أن الذكر اليسير يفسد الموالاة، ولو وقع عمدًا، والله أعلم. هذا تفصيل المسألة عند الشافعية والحنابلة، وواضح أن هناك توافقًا في أكثر التفريعات بين المذهبين، وقدر الاختلاف بينهما يسير جدَّا، فدعنا نذكر ما يتوافقان عليه، وما يختلفان فيه حتى يسهل تصوره: يتفق الشافعية في المشهور والحنابلة: أن المصلي إذا ترك الموالاة سهوًا لم يضره، سواء أكان ذلك بسكوت، أم قراءة قرآن، أم ذكر، أم دعاء، أم غير ذلك. كما يتفقان على أن ترك الموالاة من أجل مصلحة الصلاة لا يقطع الموالاة، كالتأمين، وسجود التلاوة، ونحوها، وسؤال الرحمة عند آية الرحمة ونحو ذلك. كما يتفقان أن نية القطع وحدها إذا استمر بالقراءة لا تقطع الموالاة. وأن السكوت اليسير إذا لم يكن معه نية القطع لا يقطع الموالاة. هذه الفروع التي يتفقان عليها فيما لا يقطع الموالاة. كما يتفقان أن السكوت الطويل، والذكر الكثير غير المشروع يقطع الموالاة. ويختلفان في مسألتين: في السكوت اليسير إذا كان معه نية القطع، فهو يخل بالموالاة عند الشافعية )، شرح منتهى الإرادات 338/1)، كشاف القناع 387/1)، المبدع 116/1 الإقناع)1( .)189/1(

عدد الصفحات ١٬٠٦٢

الجامع في أحكام صفة الصلاة 401 خلافًا للحنابلة والذكر الأجنبي إذا كان يسيرًا فهو يخل بالموالاة عند الشافعية خلافًا للحنابلة. الراجح: دليل الشافعية والحنابلة على اشتراط الموالاة ليس بالقوة؛ لأنهم استدلوا على مواظبة النبي ﷺ على هذا الفعل، وأنه قال ﷺ لمالك بن الحويرث: صلوا كما رأيتموني أصلي وقد ناقشت هذا الدليل فيما سبق، وأن أفعال النبي ﷺ لا تدل على ً عن الشرطية، ويمكن الاستدلال على وجوب الموالاة بطريقتين: لاالوجوب فض : أن يقال: إن العبادة الواجبة إذا وردت على صفة معينة كانت هذه إحداهما الصفة واجبة فيها؛ فكأن الأمر بقراءة الفاتحة من المجمل لكونه يصدق على قراءتها متوالية ومفرقة، فإذا جاء الفعل ووقع متواليًا، وواظب النبي ﷺ على ذلك كان هذا الفعل بيانًا لذلك المجمل، فتكون الصفة لها حكم المجمل، فإذا غير المصلي هذه الصفة فقد أخل بالصفة الواجبة لها، فلم تبرأ ذمته؛ ولم يُؤَدِّ المطلوب منه، وقد قال ً ليس عليه أمرنا فهو رد.لاالنبي ﷺ: من عمل عم : أن يقال: إن العبادة كما أنها توقيفية، والأصل الطريقة الثانية في الاستدلال فيها المنع، فكذلك صفتها الأصل أنها توقيفية، ومن أراد أن يحدث صفة في العبادة فعليه الدليل، وإنما تلقينا صفة قراءة الفاتحة متوالية، فمن فرقها بلا سبب، ولا عذر شرعي فقد أحدث، ومن أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد، فالاستدلال بهذه الطريقة أجود من الناحية الأصولية من الاستدلال بمجرد الفعل. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن آيات الفاتحة يبنى بعضها على بعض، فتفريقها ليس ممكنًا؛ وهكذا كل آيات يرتبط بعضها ببعض يؤثر تفريقها، لأن اتصالها مطلوب، فالآيات الثلاث الأولى تتبع بعضها بالإعراب فقوله تعالى: (مالك يوم الدين) فلفظ مالك مجرور على التبعية للفظ الجلالة في الآية الأولى، وكذلك قوله: (الرحمن الرحيم) مجرور على التبعية كذلك، فلا يمكن تفريق التوابع عن بعضها، والآية الخامسة إلى آخر الآية هي جملة واحدة مشتملة على دعاء، وفيها استثناء المغضوب عليهم والضالين، فلا يتصور تفريقها؛ لأنه تفريق

عدد الصفحات ١٬٠٦٣

402 الجامعفي أحكام صفة الصلاة 402 بين المستثنى والمستنثى منه، بقي آية واحدة مستقلة بمعناها: وهي إياك نعبد وإياك نستعين. فإذا علمنا أن ثلاث الآياتِ الأولى هي ثناء على الله ومقدمة للدعاء، وأن من آداب الدعاء المطلوبة، ومن أسباب استجابته أن يتقدم الدعاءَ ثناءٌ وتمجيدٌ لله، كان ارتباط آخر الآية بأولها مطلوبًا من حيث المعنى، وكان تفريق ثناء الدعاء عن الدعاء إخلالاً بالمقصود شرعًا، حتى قوله تعالى إياك نعبد وإياك نستعين توسل إلى الله بعبادته ليكون سببًا في استجابة ما يليه من الدعاء، ولهذا كانت قراءة ما زاد على الفاتحة لا يشترط له الموالاة إذا كان لا يخل بالمعنى على الصحيح، والله أعلم. e e e

عدد الصفحات ١٬٠٦٤

الجامع في أحكام صفة الصلاة 403 المدخل إلى المسألة ترتيب الآيات توقيفي بالإجماع، فلا مجال للاجتهاد فيه.  ترتيب الآيات واجب للتلاوة، لا فرق فيه بين الصلاة وخارجها، ولا بين الفرض والنفل، ولا بين الفاتحة وغيرها قراءة الصلاة قراءة واحدة، فتنكيس الآيات لا فرق فيه بين وقوعه في ركعة  واحدة أو وقوعه في ركعتين وجوب تلاوة الفاتحة مرتبةً مختصٌ بالصلاة، وإن وجب الترتيب للتلاوة،  والضابط في المختص: أن يقوم الدليل الخاص على وجوبه في الصلاة، وإن وجب في غيرها، كستر العورة. الإخلال بترتيب الآيات مبطل للقراءة، ويوجب استئناف ما كان واجبًا منها  ا بالصلاة؟ًّكالفاتحة، وهل ترك الترتيب عمدًا يبطل الصلاة؛ لتركه واجبًا مختص الإخلال بترتيب الآيات إذا وقع عمدًا، وتغير به المعنى أبطل الصلاة.  ]541[ .)1(بالإجماع « :)256/1قال الزركشي في البرهان في علوم القرآن )1( البسملة أوائلها فترتيبها توقيفي بلا شك، ولا خلاف فيه، ولهذا لا يجوز تنكيسها المسألة الثالثة في تنكيس القراءة المطلب الأول في تنكيس آيات الفاتحة

عدد الصفحات ١٬٠٦٥

404 الجامعفي أحكام صفة الصلاة 404 وترتيب السور ثبت باجتهاد الصحابة في أصح قولي أهل العلم، وهو قول ، ولهذا تنوعت مصاحف الصحابة، وهل توافُقُ الصحابةِ على ترتيب )1(الجمهور المصحف زمن عثمان يرفع الخلاف؟ الصحيح: لا، ولكن اتفاقهم يجعل هذا الترتيب مقدمًا على غيره، لا ناسخًا لغيره، وبحث مثل هذا في علوم القرآن، إلا أن لهذا الخلاف أثرًا فقهيًّا في حكم تنكيس الكلمات والآيات والسور في قراءة الصلاة، وهو الذي يعنينا في صفة الصلاة. ]542[ وأنه يبطل الصلاة عمده وسهوه؛ لأنه يختل لفظًا ومعنى ويصبح كلامًا أجنبيًّا عن القرآن، ولو فعل هذا في كلام البشر لأصبح من التحريف والتبديل لمراد المتكلم فيكف مع كلام الله سبحانه وتعالى، والذي توقيره من توقير الله، والفرق بين كلام .)2(الله وكلام البشر كالفرق بين الخالق والمخلوق .)3(قال ابن رجب ، أي: وفاقًا للأئمة، )4(وقال ابن مفلح: وتنكيس الكلمات محرم مبطل (و ولم يرمز بحرف (ع) الدال على الإجماع، فتأمل، وكلام ابن مفلح يندرج في كلام « :)211/1 ويقول السيوطي في الإتقان في علوم القرآن أن ترتيب الآيات توقيفي، لا شبهة في ذلك، وأما الإجماع فنقله غير واحد، منهم الزركشي في البرهان، وأبو جعفر بن الزبير في مناسباته وعبارته: ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه ﷺ )، ومباحث 346/1وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين ).140)، وللشيخ مناع القطان (ص70في علوم القرآن . د . صبحي الصالح (ص )، حاشية الصاوي على الشرح الصغير 61/1)، تفسير القرطبي242/1 حاشية الدسوقي)1( )، منتهى 119/1)، الإقناع 433/1)، المبدع 344/1)، كشاف القناع 325/1( .)437/1)، مطالب أولي النهى191/1الإرادات )، 172)، الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي (ص380/1 الجمع والفرق لإمام الحرمين)2( )، الفروع 344/1)، كشاف القناع 191/1)، شرح منتهى الإرادات 119/1الإقناع ). 437/1)، مطالب أولي النهى183/2( .)22 تفسير سورة الفاتحة لابن رجب (ص)3( .)183/2 الفروع)4(

عدد الصفحات ١٬٠٦٦

الجامع في أحكام صفة الصلاة 405 رجب، ومع ابن رجب زيادة علم، فتقبل، ولم أقف على ما يخرقه،ابن .والنظر دال عليه ]543[ القول الأول: مذهب الحنفية يكره تنكيس الآيات في صلاة الفرض دون النفل، سواء أوقع ذلك في ركعة .)1(واحدة أم وقع في ركعتين والأصل في الكراهة إذا أطلقها الحنفية أنهم يريدون بها كراهة التحريم، ولم أجد من نص على ذلك، ويحتمل أنهم أرادوا الكراهة التنزيهية؛ لتفريقهم بين الفرض والنفل، فلو كانت الكراهة تحريمية في الفرض لاحتاج القول في إباحته في النفل إلى نص ينقل المحرم إلى الإباحة، بخلاف ما كان مكروهًا في الفرض فقد يتوسع فيه في النفل، فتأمل. ) إطلاق الآيات ظاهره أنه لا فرق بين الفاتحة تنكيس الآيات وقولهم: ( وغيرها؛ لأن الركن عندهم القراءة، ولا تتعين في الفاتحة كما سبق تقريره. وإطلاق التنكيس ظاهره أنه لا فرق عند الحنفية بين أن ينكس السورة كلها، بأن يبدأ من أسفلها صعودًا إلى أولها، أو ينكس بعض السورة بالنسبة إلى بعضها الآخر، وهوما يمكن تسميته تنكيس جملة آيات من السورة بالنسبة إلى جملة آيات أخرى، كما لو ابتدأ بالنصف الأخير من السورة، فقرأه مرتبًا، ثم قرأ النصف الأول من السورة مرتبًا، فهذا لا يدخل في تنكيس السورة آية آية، وإنما يدخل في تنكيس جملة آيات بالنسبة لجملة أخرى، وهو مكروه عندهم أيضًا، ولهذا الحنفية يفرقون في الكراهة بين تنكيس الآيات وتنكيس السور، وتنكيس السور هو لا تنكيس جملة آيات بالنسبة إلى جملة آيات أخرى. والله أعلم. ولا فرق عند الحنفية بين أن يكون التنكيس وقع في ركعة واحدة، أو أن التنكيس كان بالنسبة لقراءة الركعة الثانية، فهو داخل ضمن التنكيس المكروه. وجه القول بالكراهة عند الحنفية: يظهر والله أعلم أن الحنفية لم يذهبوا إلى تحريم التنكيس لسببين )، حاشية الطحطاوي على مراقي 305/1)، المحيط البرهاني 78/1الفتاوى الهندية )1( .)547/1)، حاشية ابن عابدين353الفلاح (ص

عدد الصفحات ١٬٠٦٧

406 الجامعفي أحكام صفة الصلاة 406 : أن فرض القراءة يتحقق عندهم بقراء آية واحدة، فإذا قرأ آية واحدةأحدهما طويلة كانت أو قصيرة فقد تحقق الركن عندهم، فالتنكيس يقع في قدر زائد على القراءة المفروضة. : ويناقش هذا يصح الاستدلال به للحنفية لو أن الحنفية يرون أن الفاتحة تتعين للقيام بفرض القراءة، فإذا وقع التنكيس خارج الفاتحة قيل وقع في القدر المستحب، وهو متميز عن القدر الواجب، أما إذا كان فرض القراءة عندهم لا يتعين في سورة بعينها، بل الفرض يتأدى في مقدار آية واحدة غير معينة، وكانت القراءة منها ما هو فرض، ومنها ما هو مستحب، واتصل الفرض بالمستحب على وجه لا يتعين هذا من هذا، فالجميعها يأخذ حكم الواجب، فلا يصح هذا الاستدلال. : مما يجعل التنكيس مكروهًا، أن النهي عن التنكيس ليس لذات الثاني ، وإذا عاد النهي لمعنى لا يختص )1(الصلاة، بل لأن ترتيب الآيات حق التلاوة بالصلاة لم يكن محرمًا، والله أعلم. أما وجه كراهة تنكيس قراءة آيات الركعة الثاني فيرى الحنفية أن قراءة الصلاة قراءة واحدة، فالقراءة في الركعة الثانية جزء متمم للقراءة في الركعة الأولى، ولهذا لا يستحبون التعوذ في الركعة الثانية، وإذا كانت القراءة في الركعتين في حكم القراءة الواحدة كان التنكيس مكروهًا مطلقًا، سواء أوقع ذلك في ركعة واحدة، أم وقع ذلك في ركعتين. أما وجه اختصاص الكراهة بالفرض دون النفل:  فنقل ابن عابدين عن بعض الحنفية توجيه جوازه في النفل دون الفرض: بأن النفل لاتساع بابه نُزِّلت كل ركعة منه فعلاً مستقلاًّ، فيكون كما لو قرأ إنسان سورة، .)2(ثم سكت، ثم قرأ ما فوقها فلا كراهة فيه وهذا التوجيه ليس بوجيه، ذلك أن الحنفية نصوا على أن القراءة على الترتيب ). 547/1 حاشية ابن عابدين)1( .)547/1 حاشية ابن عابدين)2(

عدد الصفحات ١٬٠٦٨

الجامع في أحكام صفة الصلاة 407 من واجبات القراءة، فيلزم من ذلك أن حكم القراءة خارج الصلاة حكمها داخل .)1(الصلاة، فلا يتوجه فرق بين الفرض والنفل القول الثاني: مذهب المالكية: يحرم تنكيس آيات سورة واحدة بركعة واحدة، وظاهره مطلقًا في الفرض والنفل، أما إن قرأ نصف السورة الأخير، ثم نصفها الأولى فهذا من التنكيس .)2(المكروه، سواء أكان ذلك في ركعة أم في ركعتين، وهذا مذهب المالكية قال الزرقاني في شرح خليل .)3(أخير، ثم نصفها الأول، كل ذلك في ركعة أو ركعتين، ولا تبطل الصلاة ويفارق مذهب المالكية مذهب الحنفية بالأمور التالية: : عدم التفريق بين الفرض والنفل خلافًا للحنفية.الأول : تقييد النهي عن التنكيس في الركعة الواحدة، لأن لكل ركعة قراءة الثاني مستقلة؛ خلافًا للحنفية حيث يرون أن القراءة في الصلاة قراءة واحدة. : تقسيمهم التنكيس إلى محرم مبطل للصلاة مطلقًا، ومكروه. الثالث : هو تنكيس القراءة كلها، فيبدأ من آخر آية صعودًا إلى أولها. فالمحرم قال القاضي عياض . )4(الآن في المصحف توقيف من الله تعالى، وعلى ذلك نقلته الأمة عن نبيها ﷺ وعلل التحريم الدسوقي بقوله .)5(واحدة، وأبطل الصلاة؛ لأنه ككلام أجنبي . )6(وقال بعضهم: لأن فيه خروجًا بالكلام عن هيئة القرآن المرجع السابق. )1( )، شرح الزرقاني على مختصر116الثمر الداني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني (ص )2( )، حاشية الدسوقي272/1)، حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني359/1خليل ). 61/1)، تفسير القرطبي325/1)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير242/1( .)359/1شرح الزرقاني )3( .)62/6)، شرح النووي على صحيح مسلم40/9فتح الباري )4( .)242/1حاشية الدسوقي )5( .)350/1ضوء الشموع شرح المجموع )6(

عدد الصفحات ١٬٠٦٩

408 الجامعفي أحكام صفة الصلاة 408 فكل ما أَخَلَّ بنظم الآيات، وخالف التوقيف المتلقى من الوحي، فهو محرم، وقد تكون الآية الثانية جزءًا متممًا للآية التي قبلها، فيفسد المعنى، وهو كثير في القرآن. فهو كما لو قَسَّم قراءة السورة، فقرأ من السورة مرتبة وأما التنكيس المكروه: نصفها الأخير، ثم قرأ من نفس السورة مرتبة نصفها الأول، فهذا التنكيس مكروه مطلقًا عندهم، سواء أكان في ركعة واحدة أم في ركعتين. وإنما لم يحرم؛ لأن القراءة لم تخالف الترتيب التوقيفي المُنَزَّل على الرسول ﷺ؛ ولأنه يشبه تنكيس السور، فكأن النصف الأخير سورة مستقلة، والنصف الأول سورة مستقلة، فلم يخل بنظم القرآن، ولم يخرج القرآن عن هيئته، فكان حكمه حكم تنكيس السور عندهم. ولماذا كره مع سلامة المعنى، وسلامة الترتيب؟ : بأن هذه الصفة لم تنقل.فيجاب فإن قيل: إذا لم تنقل، فلماذا لم تحرم؛ لأن صفة العبادة بمنزلة العبادة؟ ﴾ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲفيقال في الجواب: إن الله سبحانه وتعالى قد قال: ﴿ ، فتدخل هذه الصفة في الامتثال في الجملة. ]20[ إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معكوقال ﷺ للمسيء صلاته: . )1(.. من القرآن فلم تحرم هذه الصفة احتياطًا للعبادة، وكرهت لكونها لم تنقل، والله أعلم. وقد يناقش هذا: بأننا لو نزلنا قراءة الركعة الثانية بالنسبة للركعة الأولى بمنزلة تنكيس السور، فما الجواب عن ذلك إذا وقع مثل هذا التنكيس في ركعة واحدة، والحكم واحد عند المالكية، فإذا وقع في ركعة واحدة فقد اختل الترتيب التوقيفي في آخر آية من النصف الأخير مع أول آية من النصف الأول حين ينتقل إليها، ولا فرق في النهي أن يقع التنكيس مرة واحدة في آيتين، أو يقع مرارًا مع كل الآيات، فهذه صورة من صور التنكيس المحرم، فلماذا كان مكروهًا؟ ).397-45)، ومسلم793 البخاري)1(

عدد الصفحات ١٬٠٧٠

الجامع في أحكام صفة الصلاة 409 : ويجاب إذا كان يمكن لنا أن نجيب نيابة عن المالكية فربما يمكن القول بأحد جوابين الجواب الأول: أن يقال: إن النظر في التنكيس إلى آخر آية من النصف الأخير بالنسبة إلى أول آية من النصف الأول يقع كذلك في تنكيس السور، فالرسول ﷺ عندما قرأ النساء قبل آل عمران، فإن آخر آية من النساء بالنسبة إلى أول آية من آل عمران فيها صورة من تنكيس الآيات، ومع ذلك اغتفر هذا. الجواب الثاني: أن يقال: إنه يشترط أن يقرأ النصف الأول بنية استئناف القراءة، وليس بنية البناء على القراءة السابقة، حتى لا يقع في صورة التنكيس المحرم. فإن ارتضى هذا التوجيه إخواننا المالكية فالحمد لله، وإلا فليدعوه، فالحق لهم، والله أعلم. القول الثالث: مذهب الشافعية: قالوا: يحرم تنكيس الآيات في سورة واحدة، من غير فرق بين أن يكون التنكيس لجميع السورة أو لبعضها، كما لو قرأ نصف السورة الأخير، ثم نصفها الأول، وفي هذا التفريع يفارق مذهب الشافعية مذهب المالكية. تبطل صلاته، ويلزمه فإذا ترك المصلي الترتيب عمدًا بطلت قراءته، ولم استئناف الواجب منها وهي الفاتحة؛ لوجوبها نصَّا، وإن كان ساهيًا لم يُعْتَدَّ بالمؤخر، ويبني على المرتب من أول الفاتحة إلا أن يطول الفصل فيجب استئناف .)1(القراءة، وإن غير المعنى بطلت صلاته، هذا تفصيل مذهب الشافعية .)2(قال ابن حجر الهيتمي الدليل على تحريم التنكيس:  سبق لي أن ذكرت في القول السابق الدليل على تحريم التنكيس قال ابن حجر الهيتمي )، . 481/1)، نهاية المحتاج356/1)، مغني المحتاج40/2تحفة المحتاج )1( .)172الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي (ص )2(

عدد الصفحات ١٬٠٧١

410 الجامعفي أحكام صفة الصلاة 410 بعضهم الإجماع عليه؛ لإجماعهم على أن ترتيب آيات كل سورة معجزة، وأن .)1(النبي ﷺ هو الفاعل له، بخلاف ترتيب السور .)2(ولأن إثبات الآي لا يجوز إلا بالتواتر، فكذلك مواضعها ) وقد روى أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن، قال: حدثنا 344(ث وكيع وأبو معاوية، قال: حدثنا الأعمش، عن أبي وائل، قال: جاء رجل إلى عبد الله، فقال: إن فلانًا يقرأ القرآن منكوسًا، قال: ذاك منكوس .)3(القلب .)4([ وقد اختلفوا في تفسير أثر ابن مسعود، أَقَصَدَ به تنكيس السور، أم عنى به تنكيس الآيات ؟على قولين، وسوف يأتي مناقشتهما إن شاء الله تعالى عند الكلام على تنكيس السور. وجه اختصاص التحريم بكون التنكيس في ركعة واحدة: يرى الشافعية أن لكل ركعة قراءة مستقلة؛ فهم يتفقون في هذا مع المالكية، ويخالفون الحنفية الذين يرون أن القراءة في الصلاة قراءة واحدة. وجه عدم التفريق بين التنكيس آية آية ، وبين تنكيس بعض الآيات  بالنسبة إلى بعضها الآخر يتفق الشافعية مع الحنفية بأنه لا فرق بين أن ينكس السورة كلها، بأن يبدأ من أسفلها صعودًا إلى أولها، أو ينكس بعض السورة بالنسبة إلى بعضها الآخر، وذلك ). 172 الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي (ص)1( .)22 انظر تفسير سورة الفاتحة لابن رجب (ص)2( فضائل القرآن للقاسم بن سلام)3( ) من طريق وكيع170 ورواه حرب الكرماني في مسائل أحمد)4( ) عن أبي معاوية،2110)، والبيهقي في الشعب30307 ورواه ابن أبي شيبة في المصنف ، 8846) ح170/9)، والطبراني في المعجم الكبير7947 ورواه عبد الرزاق في المصنف ) من 142،141)، والمستغفري في الفضائل 342وابن أبي داود في المصاحف (ص طريق سفيان الثوري، ) من طريق ابن نمير، كلهم عن الأعمش به. 140 ورواه المستغفري في فضائل القرآن

عدد الصفحات ١٬٠٧٢

الجامع في أحكام صفة الصلاة 411 أن جميع الصورتين توقع في تنكيس الآيات، فإذا قرأ النصف الأخير من السورة ً، فإن آخر آية منه فيها تنكيس بالنسبة لأول آية من النصف الأول من السورة، لاأو فكلتا الصورتين لم يسلم من تنكيس الآيات. بترتيب القرآن المتلقى بالتوقيف كان كله حرامًا.لاًّوإذا كان تنكيس الآيات مُخِ القول الرابع: يحرم تنكيس الآيات مطلقًا داخل الصلاة وخارجها، وهو رواية عن أحمد، ورجحه ابن تيمية. قال حرب الكرماني .)1(أولها، أويأخذ القلم، فيكتب مثل ذلك، فكرهه كراهة شديدة والكراهة الشديدة أقرب إلى التحريم منها إلى الكراهة التنزيهية، وظاهره فرق بين الفاتحة وغيرها، ولا بين الصلاة وخارجها. لا ا، وأما ترتيب السور فمفوَّض إلى ًّوقال ابن تيمية .)2(اجتهادهم وظاهره لا فرق بين الفاتحة وغيرها، وبين الصلاة وخارجها. قال الخلوتي .)3(أيضًا تنكيس الآيات، ولكن لا تبطل به الصلاة؛ لعدم إخلاله بالنظم لعله يقصد: لا تبطل به الصلاة وإن بطلت به القراءة، ووجب معه استئناف الفاتحة، والله أعلم. دليل هذا القول:  أن ترتيب الآيات حق التلاوة، فكان محرمًا مطلقًا، داخل الصلاة، وخارجها، وسهوه مبطل للقراءة، ويستأنف الواجب منها كالفاتحة. وأما إذا ارتكب التنكيس متعمدًا، أتبطل صلاته باعتبار أنه ارتكب محرمًا متعمدًا ). 182/2)، وانظر الفروع169مسائل حرب الكرماني من أول كتاب الصلاة، ت الغامدي )1( .)396/13مجموع الفتاوى )2( .)298/1حاشية الخلوتي على منتهى الإرادات )3(

عدد الصفحات ١٬٠٧٣

412 الجامعفي أحكام صفة الصلاة 412 داخل العبادة، كما ذهب إليه المالكية في التنكيس المحرم، وقال به الشافعية إذا أفسد المعنى، أم أنه يبطل القراءة وحدها، ويوجب استئناف الفاتحة؟ فيه تأمل، والمعتمد في المذهب لا تبطل به الصلاة، كما سيأتي بيانه في القول الخامس، والله أعلم. قال ابن مفلح . يعني إجماعًا. )1(ترتيبها بالنص (ع القول الخامس: مذهب الحنابلة: قالوا: يجب ترتيب الفاتحة مطلقًا، فإن تركه عمدًا أو سهوًا لزمه استئنافها، .)2(ويكره في غيرها، وهو المعتمد في مذهب الحنابلة قال في شرح منتهى الإرادات .)3(استئنافها؛ لأن ترك الترتيب مخل بالإعجاز وقال أيضًا لأنه لا يخل بنظم القرآن، لكن الفاتحة يعتبر ترتيبها، وتقدم، ويكره تنكيس السور .)4(والآيات في ركعة أو ركعتين، واحتج أحمد بأنه ﷺ تعلم على ذلك ولا فرق عندهم في تحريم تنكيس الفاتحة بين أن يقدم آية على أخرى، أو يقدم جملة من الآيات على جملة آيات أخرى. وأما دليلهم على تحريم التنكيس في الفاتحة فقد سبق ذكره في أدلة الشافعية. وأما كراهتهم التنكيس في قراءة ما زاد على الفاتحة؛ باعتبار أن هذا المقدار إذا بطل بالتنكيس لم يجب استئنافه لعدم وجوبه، لهذا الخلل إذا وقع فيه لم يكن محرمًا كالفاتحة. وين أن ترتيب الآيات أهو من حقوق التلاوة، أم هو من حقوق الصلاة، فإن كان ). 182/2 الفروع)1( )، المغني 344،336/1)، كشاف القناع 246/1)، الكافي 119،115/1 الإقناع)2( .)183/2)، الفروع191،189،188/1)، شرح منتهى الإرادات348/1( .)189/1 شرح منتهى الإرادات)3( .)191/1 المرجع السابق)4(

عدد الصفحات ١٬٠٧٤