الجامع في أحكام صفة الصلاة 381 الله يقول: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن، أنه سمع جابر بن عبد فلم يُصَلِّ إلا وراء الإمام. .)1([ الدليل الخامس مالك في الموطأ عن نافع، ) روى 343(ث الله بن عمر كان إذا سئل: هل يقرأ أحدٌ خلف الإمام؟ قال: إذا صلى أن عبد أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام، وإذا صلى وحده فليقرأ. قال: وكان عبد . )2(الله لا يقرأ خلف الإمام وسنده في غاية الصحة. فكون الصحابة رضي الله عنهم يطلقون هذه الأقوال، ولا يستثنون السرية من الجهرية دليل على أن القراءة ليست واجبة، ولو كانت قراءة المأموم واجبة في السرية لما أطلق الصحابة هذا الكلام دون قيد، وقد جمع الله لهؤلاء الصحابة أنهم من أهل اللسان، وأعلم بدلالات الألفاظ، ومن فقهاء الصحابة وأهل الفتوى، من صلى ركعة وكانوا مع النبي ﷺ طيلة حياته، فحين يقول جابر رضي الله عنه: ( )، فالاستثناء معيار لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يُصَلِّ إلا أن يكون وراء الإمام العموم، فالمأموم لو ترك القراءة لم يضره، وكذلك الكلام ينطبق على قول ابن عمر رضي الله عنهما، ولا يعارَضُ كلامهم هذا بأنه قد جاء عنهم القراءة في الصلاة السرية؛ فإنهم لم يحرموا القراءة في الصلاة السرية، وفعلهم في السرية لا يدل على الوجوب، بل يدل على استحباب القراءة؛ ولأن دلالة القول أبلغ من دلالة الفعل. قال ابن تيمية ا. ولو بين ًّواجبة على المأموم، لكان هذا من العلم العام الذي بيَّنه النبي ﷺ بيانًا عام ً عامًا، ولكان ذلك في الصحابة لم يَخْفَ مثل هذا لاذلك لهم، لكانوا يعملون به عم الواجب على ابن عمر حتى يتركه مع كونه واجبًا عام الوجوب على عامة المصلين قد ). 317سبق تخريجه، انظر: (ث )1( .)138/1الموطأ )2(
عدد الصفحات ١٬٠٤٣382 الجامعفي أحكام صفة الصلاة 382 .)1(بُيِّن بيانًا عامًّا، بخلاف ما يكون مستحبًّا؛ فإن هذا قد يخفى دليل من قال: تكره القراءة في الجهرية: أدلة هذا القول هي أدلة من منع القراءة خلف الإمام مطلقًا، إلا أنهم حملوا هذه الأدلة على الكراهة، وعلى الصلاة الجهرية دون السرية. الراجح من الخلاف: لقد رأيت أخي الكريم -إن كنت قرأت البحث كاملاً- كيف يكون الدليل الواحد في هذه المسألة يستدل به أكثر من قول، والراجح في هذه المسألة الشائكة لن يكون بين قول قوي وضعيف، وإنما بين قول قوي وأقوى منه، وأضعف الأقوال عندي هو مذهب الحنفية القائلين بأن قراءة الفاتحة تحرم في السرية، فإذا كان لا يحرم على المصلي دعاء الاستفتاح، ولا أذكار الركوع والسجود، فكيف يحرم عليه قراءة القرآن، وهو لا يسمع قراءة إمامه؟ ما بال القرآن؟ وأقوى الأقوال عندي أن الفاتحة في الصلاة الجهرية ليست واجبة على المأموم؛ ) بَيِّن الضعف، وذلك بسبب لا تفعلوا إلا بأم القرآنلأن حديث عبادة بن الصامت: ( كثرة الاختلاف على مكحول، وإعلاله بالوقف، وقد ضعفه الإمام الترمذي مع ما يقال من تساهله، كما ضعفه الإمام أحمد، والإمام أحمد إذا ضعف حديثًا فالغالب أن الباحث لا يستطيع أن ينهض به، بخلاف التصحيح فقد يُغَلِّب الإمام أحمد أحيانًا النظر الفقهي على الصناعة الحديثية، ويكون الحكم على الحديث عنده مشمولاً بالنظر إلى عمل أكثر السلف وما ورد في المسألة من آثار، كما شرحت لك ذلك عند الكلام على )، والله أعلم. وإذا قرأ فأنصتواتصحيح الإمام أحمد لحديث: ( لا صلاة وأما قراءة الفاتحة في الصلاة السرية فإنها واجبة احتياطًا؛ لعموم حديث ( )، وإن لم يكن وجوبها على المأموم كوجوبها على الإمام لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب والمنفرد، والباعث على التفريق ما ورد من آثار عن ابن عمر وجابر، وأبي الدرداء وزيد بن ثابت، وابن عباس، رضي الله عنهم، فيصعب تصور وجوبها وجوبًا عامًّا، ثم يجهل هؤلاء الصحابة هذا الحكم، وهو يتعلق بأهم الأعمال في الإسلام، وكانوا ملازمين ). 324/23 مجموع الفتاوى)1(
عدد الصفحات ١٬٠٤٤الجامع في أحكام صفة الصلاة 383 للرسول ﷺ طيلة حياته، فالخلاصة أن مذهب الجمهور القائلين بأن المأموم لا يقرأ في الصلاة الجهرية هو أقرب هذه الأقوال للصواب، ولا أحب له تركها في الصلاة السرية، وأخشى على تاركها ألا تصح صلاته، وإن كنت لا أتجاسر على الحكم ببطلان ما صلاه المأموم مما ترك فيه الفاتحة، والله أعلم. e e e
عدد الصفحات ١٬٠٤٥384 الجامعفي أحكام صفة الصلاة 384 الفرع السادس في شروط قراءة الفاتحة المسألة الأولى في وجوب قراءة الفاتحة كاملة بتشديداتها المدخل إلى المسألة الفاتحة ركن في الصلاة عند جمهور العلماء، وعند الحنفية: الركن القراءة، ولا تتعين في الفاتحة، فعلى الأول: إذا سَلِمَت الفاتحة من النقص صحت الصلاة، وعند الحنفية لا فرق في الحكم بين الفاتحة وغيرها. إذا قلنا: الفاتحة ركن، فهل هو ركن واحد، أو كل حرف منها ركن، الصحيح الأول، ورجحه البهوتي في كشاف القناع وهو مذهب الحنفية والمالكية الطواف ركن في الحج، وقال الحنفية: إذا طاف أربعة من ثلاثة وفارق مكة جبره بدم، فأعطوا جزء الركن حكم الواجب، وليس حكم الركن إذا قلنا: الفاتحة ركن واحد، فمراعاة شداتها واجب لها، والإخلال به لا يُخِلُّ بالركن ما لم يغير المعنى، وسهوه مغتفر؛ لأن للأكثر حكم الكل ضابط الإخلال في قراءة الفاتحة بتخفيف المشدد إذا غير المعنى عند الحنفية، وهو الصواب، فإذا سَلِم المعنى لم يؤثر تخفيف المشدد بطلان العبادة مع سلامة المعنى قول شديد يحتاج إلى برهان، والأصل عدمه. قال القاضي أبو يعلى: لا تبطل بترك شدة؛ لأنها غير ثابتة في خط المصحف، وهي صفة في الكلمة، يبقى معناها من دونه كالحركة، ويسمى تاركها قارئًا ]538[
عدد الصفحات ١٬٠٤٦الجامع في أحكام صفة الصلاة 385 المشدد فكأنه ترك حرفًا من الفاتحة، وكذلك إذا شدد حرفًا مخففًا كان بمنزلة من زاد حرفًا على الفاتحة، وفي الفاتحة إحدى عَشْرَةَ شَدَّةً إن اعتبرنا البسملة ليست آية منها كما هو مذهب جمهور العلماء، أو أربع عشر شَدَّة إن اعتبرنا البسملة منها كما هو مذهب الشافعية، وقد تقدم الخلاف في البسملة. ]539[ من الفاتحة، وكذا المأموم عند من يوجب قراءة الفاتحة عليه إما مطلقًا كالشافعية، أو في السرية كما في اختيار بعض المالكية وبعض الحنابلة، وأقوالهم كالتالي: القول الأول: مذهب الحنفية: لا فرق عند الحنفية بين ترك الشَّدَّة من الفاتحة أو من غيرها؛ لأن الفرض عندهم لا يتعين في الفاتحة، فالركن عندهم قراءة ما تيسر من القرآن، وقد سبق بحث المسألة، وظاهر كلامهم أنه لا فرق بين أن يقع الخطأ في القَدْرِ الذي يقوم به الفرض، أو يقع في القدر المستحب من القراءة. والحكم في ترك الشدة عندهم كالحكم في الخطأ إذا وقع في الإعراب من نصب مرفوع، أو عكسه. .)1(قال ابن الهمام في فتح القدير وقال في حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح .)2(فيه تخفيف المشدد وعكسه (يعني: تشديد المخفف) ... إلخ إن تغير به المعنى فلهم قولان: وحكم الخطأ في الإعراب: الأول: مذهب المتقدمين: فقد ذهب أبو حنيفة ومحمد إلى أن ما يغير المعنى يفسد به الصلاة مطلقًا، ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ سواء أكان اعتقاده كفرًا أم لا، كما لو قرأ قوله تعالى:﴿ ﴾ برفع لفظ الجلالة، ونصب العلماء، وكما لو قرأ (إياك نعبد) بتخفيف ﯣ التشديد، وسواء أكان مثله في القرآن أم لا، حتى ولو كان ذلك في غير القرآن، كما ). 632/1)، حاشية ابن عابدين323/1فتح القدير )1( .)339حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص )2(
عدد الصفحات ١٬٠٤٧386 الجامعفي أحكام صفة الصلاة 386 لو مد همزة (أكبر) من قوله: الله أكبر وقال أبو يوسف وإن كان لا يغير المعنى، فإن كان مثله في القرآن نحو: (إن المسلمون) لم تفسد به الصلاة باتفاق الأئمة الثلاثة. وإن كان لا يغير المعنى، وليس مثله في القرآن مثل: (قيامين بالقسط): فعند أبي حنيفة ومحمد: لا تفسد الصلاة به، وعند أبي يوسف تفسد. فالعبرة في الفساد وعدمه عند الإمام أبي حنيفة ومحمد تغير المعنى تغيرًا فاحشًا، سواء أكان اللفظ موجودًا في القرآن أم لا. وعند أبي يوسف إن كان اللفظ نظيرُهُ موجودٌ في القرآن لم تفسد الصلاة به مطلقًا، سواء أتغير به المعنى تغيرًا فاحشًا أم لا، وإن لم يكن موجودًا في القرآن فتفسد مطلقًا، ولا يعتبر الإعرابُ أصلاً. .)1(هذا خلاصة مذهب المتقدمين وأخذ به بعض المتأخرين؛ لكونه أحوط من الحنفية كابن مقاتل ومحمد بن سلام الثاني: مذهب أكثر المتأخرين وإسماعيل الزاهد وأبي بكر البلخي والهندواني وابن الفضل والحلواني إلى أن الخطأ في الإعراب لا يفسد الصلاة مطلقًا، ولو كان اعتقاده كفرًا، وعلى هذا مشى في الخلاصة، فقال: وفي النوازل: لا تفسد في الكل، وبه يفتى. وحجتهم: أن أكثر الناس لا يميزون بين وجوه الإعراب، ولأن اشتراط الصواب في الإعراب يوقع الناس في الحرج، وهو مرفوع شرعًا. ومحل الاختلاف في الخطأ والنسيان، أما في العمد فتفسد به الصلاة مطلقًا . )2(إذا كان مما يفسد الصلاة، أما إذا كان ثناء فلا يفسد، ولو تعمد ذلك القول الثاني: مذهب المالكية: قالوا: إذا ترك منها الإمام أو المنفرد آية أو أقل أو أكثر أو تركها كلها سهوًا، )، . 323/1 فتح القدير)1( )، حاشية الطحطاوي على361/1)، حاشية ابن عابدين322/1 فتح القدير لابن الهمام)2( .)239مراقي الفلاح (ص
عدد الصفحات ١٬٠٤٨الجامع في أحكام صفة الصلاة 387 ولم يمكنه تلافي ذلك سجد للسهو، ولم تبطل صلاته، حتى على القول بوجوبها في كل ركعة، وظاهر المدونة أنه يعيد أبدًا احتياطًا، وهو ظاهر المذهب. وقيل: يعيد إذا تركها في ركعة من ثنائية أو في ركعتين من رباعية، وهذا مبني . )1(على أن الفاتحة تجب في أكثر الركعات إن كانت الصلاة ثلاثية أو رباعية فإن لم يسجد للسهو، أو تركها عمدًا بطلت حتى على القول بأنها لا تجب في كل ركعة. .)2(وقيل: لا سجود عليه، لأن الأقل تبع للأكثر القول الثالث: مذهب الشافعية: المصلي إن شدد حرفًا مخففًا أساء، وأجزأه، قال بعضهم: إلا إذا تغير المعنى وتعمد. وإن خفف المصلي حرفًا مشددًا من الفاتحة متعمدًا، ولو كان مأمومًا لم تَصِحَّ ، ولم تبطل صلاته. )3(قراءته ولا صلاته؛ فإن لم يتعمد بطلت قراءة تلك الكلمة سبق لنا مذهب المالكية في وجوب الفاتحة، ولهم في وجوبها أربعة أقوال: )1( فقيل: تجب في كل ركعة، وهو قول مالك في المدونة، وشهره ابن بشير، وابن الحاجب، وابن عبد الوهاب، وابن عبد البر، وهو أصح الأقوال في المذهب، وقال القرافي: هو ظاهر المذهب. وقيل: تجب في الجل، وسنة في الأقل، فتجب في اثنتين من الثلاثية، وفي ثلاث من الرباعية، وفي كل الركعات من الثنائية، وإليه رجع مالك. وهذان القولان مشهوران عند المالكية، وفيه قولان آخران: ).238/1 أحدهما: أنها تجب في ركعة، وسنة في الباقي. انظر: حاشية الدسوقي الثاني: وقيل: واجبة في النصف، وسنة في الباقي. )، 312،311/1)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير239،238/1حاشية الدسوقي )2( )، الفواكه الدواني102/2) و519/1)، مواهب الجليل214،213/2التاج والإكليل ). 246/2)، الذخيرة للقرافي221/1( )، وقال134/1)، والشربيني في الإقناع355/1هذا تعبير الخطيب في مغني المحتاج )3( ): (لم تصح قراءته) يقصد لتلك242/1)، وفي الروضة392/3النووي في المجموع ): (لم تصح صلاته) يقصد 326/3الكلمة، لا جملة القراءة، وقال الرافعي في فتح العزيز إذا لم يرجع ويصحح الخلل الذي دخل الفاتحة. ): (لو خفف) مع سلامة لسانه (حرفًا مشددًا من 151،150/1قال في أسنى المطالب الفاتحة ) ... (بطلت قراءته) لتلك الكلمة لتغييره النظم يعد البطلان على ما سبقها إن عاد قريبًا وقرأ الكلمة وما بعدها على الوجه الصحيح.
عدد الصفحات ١٬٠٤٩388 الجامعفي أحكام صفة الصلاة 388 فإن ذكر، وهو في الركعة رجع إليها، وأعادها على الصواب، وأعاد ما بعدها؛ ليكون على الولاء. فإن تذكر بعد قيامه إلى الركعة الثانية، بطلت الأولى التي أخل فيها في قراءة الفاتحة، وحلت الثانية مكانها؛ لأن ترك الفاتحة أو بعضها ناسيًا كترك الركوع والسجود؛ ولأن كل حرف من الفاتحة ركن منها، وترك التشديدة كترك الحرف، .)1(وإن لم يذكر حتى خرج من الصلاة وتطاول ذلك، أعاد الصلاة دليل الشافعية على هذا التفصيل: أقمنا في مسألة سابقة وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، والشافعية يوجبون القراءة على المصلي ولو كان مأمومًا خلافًا للجمهور. فإذا وجبت الفاتحة وجبت جميع حروفها؛ لأن حروفها جزء منها، والجملة تنتفي بانتفاء جزء منها، فإذا شدد مخففًا فقد جاء بجميع حروف الفاتحة، إلا أنه أساء بالزيادة عليها، ولم تبطل صلاته. أما إن خفف حرفًا مشددًا من الفاتحة فإنه قد نقص منها، فلم يبطل ما مضى منها لكونه جاء به على الصواب، وبطلت هذه الكلمة لإخلاله بحرف من حروفها، وبطلت قراءة ما بعده؛ لأن ما بعده لا يحتسب له، لأن كل قراءته بعدها في حكم المُلْغَى، فإن أمكن تلافيه بأن عاد قريبًا، فأعاد الكلمة على الصواب وأعاد ما بعده صحت صلاته، كما لو ترك سجودًا وتذكر قبل أن يصل إليه في الركعة الثانية فإنه يعود إليه. وإن ذكر في الركعة الثانية بطلت الركعة الأولى، وحلت الثانية محلها. وإن لم يذكر حتى خرج من الصلاة وتطاول ذلك أعاد الصلاة؛ لأن طول « :)285/1 قال أبو شجاع في تقويم النظر)1( فاتحة الكتاب متعمدًا بطلت صلاته )، نهاية 40،36/2)، تحفة المحتاج مع حواشي الشرواني 96/2 التهذيب للبغوي )، مختصر 176/2)، بحر المذهب للروياني 480/1المحتاج مع حاشية الشبراملسي )، الوسيط 139/2)، نهاية المطلب235،109/2)، الحاوي الكبير111المزني (ص )، روضة الطالبين 76)، فتح القريب المجيب (ص355/1)، مغني المحتاج115/2( .)244،242/1(
عدد الصفحات ١٬٠٥٠الجامع في أحكام صفة الصلاة 389 الفصل يمنع من البناء وقال القاضي حسين في ركعة من صلاة عاد إلى الموضع المتروك، وأتى به وبما بعده، وهذا إنما يكون إذا لم يفتتح سورة أخرى، أما إذا افتتح سورة أخرى فإنه يستأنف قراءة الفاتحة، .)1(والله أعلم بالصواب «:وجه قول القاضي حسين والأول أصح؛ قال الشافعي في الأم وإنما أدخل بينها آية من غيرها أجزأت؛ لأنه قد جاء بها متوالية، وإنما أدخل بينها ما له قراءته في الصلاة، فلا يكون قاطعًا لها به، وإن وضعه غير موضعه، ولو عمد ً قطاعًا لها، لاأن يقرأ منها شيئًا، ثم يقرأ قبل أن يكملها من القرآن غيرها كان هذا عم وكان عليه أن يستأنف لا يجزيه غيرها، ولو غفل فقرأ ناسيًا من غيرها لم يكن عليه .)2(إعادة ما مضى منها؛ لأنه مَعْفُوٌّ له عن النسيان في الصلاة إذا أتى على الكمال وقال الشافعي في القديم: إذا نسي الفاتحة صحت صلاته، وجعل النسيان بمثابة إدراك المقتدي الإمام راكعًا، فإنه يصير مدركًا للركعة. واحتج بما يروى عن عمر رضي الله عنه فإنه نسي القراءة في صلاة المغرب، فقيل له في ذلك، فقال: كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا: حسن، فقال: فلا بأس. .)3(قال إمام الحرمين: وهذا قول متروك، لا تفريع عليه، ولا يعتد به القول الرابع: مذهب الحنابلة: قال الحنابلة: إن ترك غير مأموم واحدة من تشديداتها، فإن كان قريبًا منها، أعاد الكلمة التي ترك وصحت صلاته، كمن نطق بالكلمة على غير الصواب، ثم أتى بها على وجهها، فإن فات محلها وبعد عنه بحيث يخل بالموالاة أو فارق القيام لزمه الرجوع إليه واستئناف الفاتحة، لتركه حرفًا منها؛ لأن الحرف المشدد أقيم ). 915/2التعليقة للقاضي حسين )1( .)120/1الأم )2( .)244/1)، روضة الطالبين96/2)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي139/2نهاية المطلب )3(
عدد الصفحات ١٬٠٥١390 الجامعفي أحكام صفة الصلاة 390 مقام حرفين، ما لم يشرع في قراءة الركعة الثانية، فإن شرع في قراءة الركعة الثانية بطلت الركعة السابقة، وقامت الركعة التي تليها مقامها، فإن لينها، ولم يحققها على . )1(الكمال فلا إعادة قولاً واحدًا في المذهب فمذهب الحنابلة قائم على مراعاة الموالاة في قراءة الفاتحة بحيث يصل الكلمات بعضها ببعض. فإذا ترك الشدة فإن كان قريبًا منها بحيث لا يخل ذلك بالموالاة أعاد الكلمة التي وقع فيها الخلل وما بعدها، وصح له قراءة ما مضى، وأمكن البناء عليه. وإن فات محل الفاتحة وبعد عنه، بحيث أخل بالموالاة، فإن كان ما زال في الركعة في أي جزء منها لزمه العودة إلى القيام واستئناف الفاتحة؛ لأن ما وقع بعد ترك الشدة في حكم المُلْغَى، ولا يمكن البناء على ما قرأه من الفاتحة للإخلال بالموالاة، وإن شرع في قراءة الركعة الثانية فقد بطلت الركعة السابقة، وقامت الركعة التي تليها مقامها. هذا هو حكم الأئمة الأربعة في ترك الشدة من الفاتحة، وخلاصته كالتالي: إذا خفف حرفًا مشددًا، فالحنفية لا يبطل الصلاة إذا لم يغير المعنى، فإن تغير المعنى بطلت، لا فرق بين الفاتحة وغيرها؛ لأن الفرض في القراءة، ولم يتعين في الفاتحة. وقيل: إن كان له مثل في القرآن ولو تغير المعنى لم تبطل، وإلا بطلت، وهو قول أبي يوسف باعتبار كأنه تكلم بكلمة من القرآن. وقيل: لا يبطل أبدًا؛ لأن تخفيف المشدد في حكم الخطأ في الإعراب، والتزامه الإعراب حرج، وعليه أكثر المتأخرين من الحنفية. وقال المالكية: إذا نسي آية أو أقل سهوًا مضى في صلاته، وسجد للسهو، وأعاد احتياطًا. وقال الشافعية والحنابلة: إذا خفف حرفًا مشددًا من الفاتحة لزمه إعادة الكلمة إذا لم يخل بالموالاة، فإن أخل لزمه استئناف الفاتحة ما لم يَصِلْ إلى الركعة الثانية، )، 189،188/1)، شرح منتهى الإرادات294/1 حاشية الخلوتي على منتهى الإرادات)1( .)429/1)، مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى338،337/1كشاف القناع
عدد الصفحات ١٬٠٥٢الجامع في أحكام صفة الصلاة 391 وقال الحنابلة: ما لم يشرع في قراءة الركعة الثانية، فإن شرع بطلت الركعة السابقة، وقامت الركعة التي تليها مقامها على خلاف بينهم في مسألتين: الأولى: قراءة الآيات من سورة أخرى لا يقطع الموالاة عند الشافعية خلافًا للحنابلة فإن البعد عن الفاتحة عرفًا يقطع الموالاة. الثانية: لا فرق بين المأموم وغيره عند الشافعية في الحكم خلافًا للحنابلة، حيث لا يرون القراءة واجبة على المأموم. وقد علمت تعليلاتهم عند عرض أقوالهم. الراجح: أميل إلى أن الركن هو قراءة الفاتحة، وليس كل حرف منها يعتبر ركنًا قال البهوتي في كشاف القناع . )1(حرف ركن وقد قال الحنفية في الطواف إذا طاف أربعة من ثلاثة وفارق مكة جبره بدم، فأعطوا الأقل حكم الواجب، وليس حكم الركن، مع أن مسألتنا لم يأت في الأكثر فقط، بل أتى بعموم الفاتحة ولم يترك منها إلا شدة، فإذا تركها سهوًا وكان المعنى لم يتغير لم تبطل الصلاة بتركه وهو قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن، وقول القاضي أبي يعلى من الحنابلة، وقول قديم للشافعية، وهو أقوى من قول المالكية الذين يرون أن ترك الآية سهوًا لا يبطل الصلاة، وأما إن غير المعنى فالقول بالبطلان أحوط والجزم ببطلان الصلاة بترك شدة منها قول شديد يحتاج إلى برهان قوي يذهب فيه المفتي إلى إفساد العبادة، والأصل عدم البطلان، والله أعلم. e e e .)338/1كشاف القناع )1(
عدد الصفحات ١٬٠٥٣392 الجامعفي أحكام صفة الصلاة 392 المسألة الثانية في اشتراط الموالاة في قراءة الفاتحة المدخل إلى المسألة الموالاة: أن يصل كلمات الفاتحة بعضها ببعض، ولا يفصل بينها بفاصل طويل عرفًا، وقيل: بما زاد على قدر التنفس، وقيل: أن يسكت سكوتًا يشعر مثله بأن القراءة قد انقطعت، وهو قريب من الأول. كل ما لا حد له في الشرع فإنه يرجع في حده إلى العرف، ولا يجوز التقدير بالتحكم. الوقف المشروع في آي القرآن لا يقطع الموالاة، وهو زائد على قدر التنفس الفاصل اليسير بين المبتدأ والخبر، والشرط والجزاء، والإيجاب والقبول، والاستثناء في الكلام، لا يخل بالموالاة، والضابط في الموالاة يختلف من مسألة إلى أخرى، والاتصال المعتبر في كلام الشخصين أوسع منه في كلام الشخص الواحد، والعبادات التي يبنى آخرها على أولها أضيق من العبادة التي ليست كذلك. العذر الشرعي لا يخل بالموالاة ولو فارق محل القراءة كما في سجود التلاوة، وقياسًا على قطع الطواف للصلاة المكتوبة والبناء عليه قطع القراءة إذا أشعر بالإعراض عنها فهو مبطل للموالاة إلا أن يكون معذورًا. اليسير لا يبطل الموالاة في قراءة الفاتحة قياسًا على كلمات الأذان إذا تخلله كلام يسير في أصح القولين ما كان لمصلحة الصلاة فلا يقطع الموالاة كما في حديث ذي اليدين، فقد سَلَّم من الصلاة وانصرف عن القبلة، وتكلم مع المصلين، وبنى على صلاتهﷺالنبي كل مأمور به أسقطه الفقهاء بالنسيان فهو دليل على ضعف مأخذ الوجوب
عدد الصفحات ١٬٠٥٤الجامع في أحكام صفة الصلاة 393 عندهم، وأن منزع القول بالوجوب هو الاحتياط، بخلاف ما كان من باب المنهيات فإنها تسقط بالنسيان على الصحيح. الإخلال بالموالاة يوجب استئناف الفاتحة ولا يبطل الصلاة ما دام في الركعة، فإن وصل إلى الركعة التالية بطلت الركعة دون الصلاة، فإن فارق العبادة مع قرب الفصل أتى بركعة وبنى، فإن طال الفصل أعاد الصلاة. ً عن الشرطية.لا المواظبة على الفعل لا تدل على الوجوب فض ]540[ لأن الفرض عندهم لا يتعين في الفاتحة، فالركن عندهم يتأدى بقراءة آية واحدة، ولو .)1(كانت قصيرة، وهو رواية عن أحمد، ، فلا يتصور وجوب الموالاة في مذهبهم ولا يتنزل أيضًا على مذهب المالكية؛ لأن نسيان الفاتحة كلها لا يبطل الصلاة عندهم، فإذا نسي الفاتحة، ولم يكن بالإمكان تلافي ذلك بأن ركع قبل أن يتذكر يعود، بل يمضي في ركعته، وصلاته صحيحة، ويسجد للسهو، ذلك، فإنه لا .)2(ويعيدها احتياطًا على الأشهر ولم يتفرد المالكية بهذا القول فقد وافقهم الشافعي في القديم: فقال: لو ترك .)3(الفاتحة ناسيًا لم يضر؛ لأن النسيان عذر كالسبق خلافًا للجديد من قوليه عند الحنفية تكفي آية واحدة يؤدي بها فرض القراءة ولو كانت قصيرة إذا كانت مكونة من )1( كلمتين فأكثر مثل قوله تعالى:﴿ ثم نظر﴾، وأما الآية إذا كانت من كلمة واحدة كمدهامتان، أو حرف مثل (ص)، فالأصح أنه لا تجوز بها الصلاة خلافًا للقدوري، انظر: مجمع الأنهر ) المحيط 537/1)، الدر المختار مع حاشية ابن عابدين358/1)، البحر الرائق104/1( )، حاشية 226،225)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص 298/1البرهاني ).129/1الشلبي على تبيين الحقائق « :)172/2وقال ابن مفلح في الفروع ).112/2)، الإنصاف385/1وظاهره ولو قصرت، وظاهره ولو كانت كلمة )، 312،311/1)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير239،238/1حاشية الدسوقي )2( )، الفواكه الدواني102/2) و519/1)، مواهب الجليل214،213/2التاج والإكليل ). 246/2)، الذخيرة للقرافي221/1( .)117/2الوسيط للغزالي )3(
عدد الصفحات ١٬٠٥٥394 الجامعفي أحكام صفة الصلاة 394 وهذا من عجيب القول، أن تكون قراءة الفاتحة ركنًا، ثم تسقط بالنسيان، وصلاته صحيحة، ويمضي فيها، وكون العبادة تعاد مع الحكم بصحتها عند المالكية، فهذا من مفردات المذهب المالكي، وقد تمت مناقشته عند الكلام على شروط الصلاة، فانظره هناك يا رعاك الله. بقي بحث هذا الشرط معتبرًا عند الشافعية والحنابلة، وقد توجه المذهبان في الكلام على هذا الشرط بشيء من التفصيل، ودراسة هذه المسألة ستكون مقصورة على كلام المذهبين إن شاء الله تعالى. فقد نص الشافعية والحنابلة على أن المولاة بين كلمات الفاتحة شرط في . )1(صحة القراءة، وأن الإخلال بالموالاة يوجب استئناف الفاتحة دليلهم على الشرطية: أن النبي ﷺ كان يقرأ الفاتحة مرتبة متوالية، ولم يُخِلَّ بذلك، فلوكان الإخلال بالمولاة جائزًا لفعل ذلك ولو مرة واحدة لبيان الجواز، وقد قال النبي ﷺ في حديث مالك بن الحويرث في البخاري: صلوا كما رأيتموني أصلي. ونوقش الاستدلال: بأن هذا الدليل لا يكفي للقول بأن الموالاة شرط، فالاستدلال به على الوجوب قد ينازع فيه، فضلاً على القول بالشرطية؛ لأن الاستدلال بالفعل يدل على المشروعية، وأما الوجوب فيحتاج للقول به أكثر من الفعل، فضلاً عن القول كان يواظب على المضمضة والاستنشاق في الوضوء، ﷺ فالنبي ، بالشرطية، ولا يجبان على الصحيح. وأما الجمع بين الفعل وبين قوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ليخرج الحكم مركبًا من دليلين فهذا المنزع ضعيف الدلالة، فصلاة النبي ﷺ مشتملة على سنن وأركان وواجبات، ولم تكن صلاته مقتصرة على الواجبات فقط، فلا يمكن الاستدلال بهذا الفعل العام المشتمل على هيئات وأقوال وأفعال أحكامها مختلفة )، مغني المحتاج 357/3)، المجموع243/1)، روضة الطالبين482/1 نهاية المحتاج)1( .)40/2)، تحفة المحتاج328/3)، فتح العزيز140/2)، نهاية المطلب356/1(
عدد الصفحات ١٬٠٥٦الجامع في أحكام صفة الصلاة 395 على وجوب جميع أفعال الصلاة إلا بدليل يخرجها عن الوجوب، بل أفعال النبي ﷺ تدل على المشروعية، وأما الاستدلال على الوجوب والشرطية والركنية فيحتاج إلى دليل آخر يتضمن انتفاء العبادة بانتفاء الفعل، كما قال ﷺ: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ، والله أعلم. هذا فيما يتعلق بالاستدلال على اشتراط الموالاة: وقطع الموالاة يقع إما بالنية، وإما بالسكوت، وإما بذكر يتخلل قراءة الفاتحة، وهذه الأمور قد تقع سهوًا وقد تقع عمدًا، وتأثير هذه الأفعال على الموالاة على النحو التالي: الإخلال بالموالاة سهوًا: إذا أَخَلَّ بالموالاة ناسيًا لم يضره مطلقًا؛ سواء أخل بالموالاة بسكوت، أم بقراءة غير الفاتحة في أثنائها، نص عليه في الأم، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة، .)1(ترك الفاتحة سهوًا فإنه يضره؛ لأن الموالاة صفة، والقراءة أصل لو بخلاف ما وللشافعي قولان في ترك الفاتحة ناسيًا، القديم: لا يضره، خلافًا للجديد. يعذر ومال إمام الحرمين، والغزالي، إلى أن الموالاة تنقطع بالنسيان إذا قلنا: لا .)2(به في ترك الفاتحة، وهذا أقيس . )3(وقال بعض الحنابلة: لا يعفى عن النسيان قال النووي ونقلوه عن نص الشافعي رحمه الله: أنه لا يضر، وله البناء، سواء قلنا: يعذر بترك .)4(الفاتحة ناسيًا، أم وجه هذا القول: أن النسيان عذر، وقياسًا على ترك الموالاة في أركان الصلاة كما لو طوَّل ركنًا )، الكافي لابن 356/1)، مغني المحتاج357/3)، المجموع244/1روضة الطالبين )1( )، كشاف القناع 189/1)، شرح منتهى الإرادات 50/2)، الإنصاف 247/1قدامة ). 430/1)، مطالب أولي النهى338/1( .)244/1روضة الطالبين )2( .)50/2الإنصاف )3( .)244/1روضة الطالبين )4(
عدد الصفحات ١٬٠٥٧396 الجامعفي أحكام صفة الصلاة 396 قصيرًا ناسيًا لم يضره ويناقش: إذا كانت الموالاة شرطًا، وكانت من المأمورات الشرعية، فكيف تسقط بالنسيان، فالمأمورات كالوضوء والغسل لا تسقط بالنسيان بالاتفاق، بخلاف المنهيات كاجتناب النجاسة، فإنها تسقط بالنسيان، فالراجح أن كل مأمور قال فيه الفقهاء يسقط بالنسيان، إما أن يكون القول بسقوطه ضعيفًا، وإما أن يكون هذا دليلاً على ضعف مأخذ الوجوب عندهم، فهم يحتاطون من الناحيتين فيقولون بوجوبه قبل الفعل، ويسقطونه بالنسيان لعدم الجزم بالوجوب، وذلك كقول الحنابلة عن التسمية في الوضوء: تجب بالذكر، وتسقط بالنسيان. وكقول الأئمة الأربعة عن سقوط الترتيب بين الفوائت بالنسيان. وكاشتراط التسمية على الذبيحة، فالمالكية والحنابلة وبعض الفقهاء أسقطوا التسمية بالنسيان مع قولهم بوجوبها، وهي من المأمورات. وقد نقلت كلام الفقهاء في هذه المسألة عند الكلام على سقوط ترتيب الفوائت بالنسيان فارجع إليه. وقد يقال: إن النسيان يرفع الإثم، وهو حكم تكليفي، وأما الصحة والفساد فهي من الأحكام الوضعية، فإذا ثبت القول بأن الموالاة شرط، فإن قطع الموالاة بالنسيان يوجب استئناف الفاتحة، وإن ذهبنا إلى أن النسيان لا يخل بالموالاة فهو أمارة على ضعف القول باشتراط الموالاة، والله أعلم. الإخلال بالموالاة بالسكوت: إذا نوى قطع القراءة، ولم يسكت لم تبطل قراءته بلا خلاف عند الشافعية، .)1(نص عليه في الأم، واتفق الأصحاب عليه، وبه قال الحنابلة وجه هذا القول: قال في الأم: لأنه حديث نفس، وهو معفو عنه )، روضة الطالبين 140/2)، نهاية المطلب235/2)، الحاوي الكبير357/3المجموع )1( )، الشرح الممتع على247/1)، الكافي لابن قدامة357/1)، مغني المحتاج243/1( .)350/1المقنع للتنوخي
عدد الصفحات ١٬٠٥٨