المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الجامع في أحكام صفة الصلاة من الخروج إليها حتى الانصراف منها تحميل PDF

دبيان الدبيان

صفحة ٥١ من ١٥٦

الجامع في أحكام صفة الصلاة 141 فمن قال: الاستعاذة للقراءة، كانت مشروعة للإمام والمنفرد في هذا الموضع، وأما المأموم، فمن رأى أن الإمام يتحمل القراءة عنه، قال: لا يستعيذ: إما مطلقًا، أو لا يستعيذ في الجهرية مطلقًا؛ أو في الجهرية بشرط أن يسمع قراءة الإمام ، فإن لم يسمعه لبعد أو لطرش تعوذ، وكلها أقوال قيل بها. ومن قال: إن الإمام لا يتحمل القراءة عن المأموم مطلقًا، قال: يستعيذ في الصلاة السرية والجهرية كالإمام والمنفرد. وسوف يأتينا حكم الاستعاذة في الصلاة الجهرية، وحكم قراءة الفاتحة للمأموم إن شاء الله تعالى. والدليل على أن الاستعاذة للقراءة: ﮝ ﮞ ﮟ أن الله أمر بها في كتابه عند إرادة القراءة، لقوله تعالى: ﴿ .، فكان علة الأمر بالاستعاذة هو إرادة القراءة. ]98النحل[، ﴾ﮠ ﮡ وكذلك ما جاء في السنة من أحاديث كحديث جبير بن مطعم وسبق تخريجه، وحديث أبي سعيد الخدري، وسبق تخريجه، وأثر عمر رضي الله عنه، وسبق تخريجه، وغيرها فإنها كلها متفقة على أن الاستعاذة بعد الافتتاح، وقبل القراءة، ولو كان التعوذ من أجل الصلاة لاستعاذ قبل الافتتاح؛ لأن الافتتاح جزء من الصلاة، ولأن من استعاذ مع ابتداء الصلاة دخلت القراءة تبعًا، بخلاف الاستعاذة عند القراءة، فظاهر أن المقصود بالاستعاذة هو القراءة، والله أعلم. ومن قال: إن الاستعاذة من أجل الصلاة؛ لدفع وسوسة الشيطان، أو من أجلها .)1(ومن أجل القراءة، رأى أن المأموم يستعيذ، ولو كان لا يقرأ )، فتح العزيز 102/2)، الحاوي الكبير 129/1)، الأم 489/1حاشية ابن عابدين = )، 33/2)، تحفة المحتاج 150/2)، نهاية المطلب 325/3)، المجموع 304/3( )، مطالب أولي النهى325/1)، كشاف القناع343/1)، المغني476/1نهاية المحتاج )، شرح 47)، دليل الطالب (ص194،193/2)، الفروع مع تصحيح الفروع599/1( .)263،187/1منتهى الإرادات )، درر الحكام شرح غرر 291/1)، العناية شرح الهداية 203،202/1بدائع الصنائع )1( .)68/1الأحكام

عدد الصفحات ٨٠٣

142 الجامعفي أحكام صفة الصلاة 142 لأن الاستعاذة إن كانت لدفع الوسوسة، فهي ترد على الصلاة كما ترد على القراءة، والمصلي بحاجة إلى الاستعاذة بالله من شر الشيطان ووسوسته. ، ) لما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة1329(ح عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي ﷺ: إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط، فإذا قضي أقبل، فإذا ثوب بها أدبر، فإذا قضي أقبل، حتى يخطر بين الإنسان وقلبه، فيقول: اذكر كذا وكذا، حتى لا يدري أثلاثًا صلى أم .)1(أربعًا، فإذا لم يَدرِ ثلاثًا صلى أو أربعًا، سجد سجدتي السهو وقال أبو يوسف من الحنفية: إن التعوذ تبع للثناء يعني بالثناء دعاء الاستفتاح، .)2(وليس تبعًا للقراءة خلافًا لصاحبيه لأنه نوع من الدعاء فهو أشبه بدعاء الافتتاح، لكونه يأتي بعده متصلاً به، ويأخذ حكمه في عدم وجوبه، وعدم الجهر به. : يتعوذ بعد القراءة، وهو قول داود، وإحدى الروايتين عن ابن سيرين،وقيل والنخعي، ونسب لأبي هريرة، وحكي قولاً في مذهب المالكية. )، واللفظ للبخاري. 389-83)، وصحيح مسلم3285 صحيح البخاري)1( )، من طريق الأعرج، عن أبي هريرة389-19)، ومسلم608 ورواه البخاري )، من طريق الأعمش، 389-16 ورواه مسلم ) من طريق سهيل بن أبي صالح السمان، كلاهما (الأعمش وسهيل) 389-17 ورواه أيضًا عن أبي صالح السمان. )، من طريق معمر، عن همام بن منبه، كلاهما (أبو صالح 389-20 ورواه مسلم أيضًا وهمام) عن أبي هريرة. ).291/1)، العناية شرح الهداية203،202/1 بدائع الصنائع)2( ): التعوذ سنة القراءة ... وهو قول أبي حنيفة ومحمد328/1 قال ابن نجيم في البحر الرائق وعند أبي يوسف: هو تبع للثناء. وفائدة الخلاف في ثلاث مسائل: : أنه لا يأتي به المقتدي عندهما؛ لأنه لا قراءة عليه ويأتي به عنده؛ لأنه يأتي بالثناء، إحداها : أن الإمام يأتي بالتعوذ بعد تكبيرات الزوائد في الركعة الأولى عندهما (يعني بتكبيرات ثانيتها الزوائد: تكبيرات العيد) ويأتي به الإمام والمقتدي بعد الثناء قبل التكبيرات عنده. : أن المسبوق لا يأتي به للحال ويأتي به إذا قام إلى القضاء عندهما، وعنده يأتي به ثالثتها مرتين عند الدخول بعد الثناء، وعند القراءة

عدد الصفحات ٨٠٤

الجامع في أحكام صفة الصلاة 143 .)1(وما نسب لأبي هريرة إن صح عنه، وابن سيرين يحتمل التأويل ) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا عبد الوهاب 308(ث الثقفي، عن أيوب، عن محمد أنه كان يتعوذ قبل قراءة فاتحة الكتاب وبعدها، ويقول في تعوذه: .)2(أعوذ بالله السميع العليم من همزات الشياطين، وأعوذ بالله أن يحضرون [ فيحتمل أن يكون تعوذه بعد الفاتحة ليس من أجل الفراغ من الفاتحة، وإنما أعاد التعوذ اجتهادًا منه لقراءة ما تيسر من القرآن، فجعل الاستعاذة في حكم البسملة، يكررها بتكرار القراءة، والله أعلم. ً آخر، فقال لاونقل الرازي في تفسيره قو .)3(بمقتضى الخبر، وبعدها بمقتضى القرآن جمعًا بين الدليلين بقدر الإمكان وهذا يصح لو كانت دلالة القرآن أنه يستعيذ بعدها. وقال مالك: يتعوذ قبل الإحرام حتى لا يكون بعد الإحرام ذكر إلا القراءة، ): أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن سعد بن عثمان، عن صالح 128/1روى الشافعي في الأم )1( ابن أبي صالح، أنه سمع أبا هريرة وهو يؤم الناس رافعًا صوته: ربنا إنا نعوذ بك من الشيطان الرجيم. في المكتوبة وإذا فرغ من أم القرآن. فإذا لم يكن عن أبي هريرة إلا هذا الإسناد فلا يثبت عنه، فإن هذا الإسناد ضعيف جدًّا، فيه شيخ الشافعي إبراهيم بن محمد، كل بلاء فيه. )، عن علي، عن حماد، عن 2593أما القول عن النخعي، فقد روى عبد الرزاق في المصنف إبراهيم أنه كان يستعيذ بعد فاتحة الكتاب، قال حماد: وكان سعيد بن جبير يستعيذ قبلها. ) الراوي عن حماد. ٌّولم يتبين لي من هو (عَلِي )، شرح الزرقاني على مختصر خليل 240وانظر: الدر الثمين والمورد المعين (ص )، المجموع 202/1)، بدائع الصنائع 42/5)، تفسير البغوي ط طيبة 382/1( )،12/5)، أحكام القرآن للجصاص ت قمحاوي 66/1)، تفسير الرازي 325/3( .)281،280/2المحلى ) عن معمر، عن أيوب به. 2590)، ورواه عبد الرزاق2459مصنف ابن أبي شيبة )2( .)67/1تفسير الرازي )3(

عدد الصفحات ٨٠٥

144 الجامعفي أحكام صفة الصلاة 144 .)1(حكاه الماوردي عن مالك، ولم أقف عليه في كتب المالكية دليل من قال: يستعيذ بعد القراءة: الدليل الأول ]98[ ﴾ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤاستدل بقوله تعالى: ﴿ دلت الآية أن قراءة القرآن شرط، وذكر الاستعاذة جزاء، والجزاء متأخر عن ﮔ ﮕ الشرط، فكان ظاهر الآية يقتضي أن تكون الاستعاذة بعد القراءة، كقوله: ﴿ .]103[﴾ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ : ويناقش ﭔ﴾ يحتمل: إذا أردت قراءته، كما في قوله تعالى﴿ﮝ ﮞ ﮟبأن قوله: ﴿ وحديث أنس: كان إذا دخل ]12[﴾ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، أي إذا أراد دخوله. وكقول القائل: إذا قلت فاصدق وإذا أحرمت فاغتسل يعني قبل الإحرام، .والمعنى في جميع ذلك إذا أردت ذلك ويحتمل: إذا فرغت من القراءة، كما يفيده الفعل الماضي (قرأت). ويحتمل المقارنة، كما في قوله ﷺ إذا أمن الإمام فأمنوا: أي مع تأمينه، كما والله أعلم. يبينه حديث: وإذا قال: ولا الضالين فقولوا آمين. فإذا كانت الاستعاذة لدفع شر الوسوسة في أثناء القراءة تعين حملها على المعنى الأول: أي إذا أردت القراءة، وهو قول عامة أهل العلم. قال ابن العربي .)2(حينئذٍ يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم الدليل الثاني: أن القارئ كان في عبادة، فربما دخله عُجْبٌ أو رِيَاءٌ، وهما من الشيطان، فأمر بالتعوذ منه للسلامة من تسويله. ). 102/2 الحاوي الكبير)1( .)157/3 أحكام القرآن لابن العربي)2(

عدد الصفحات ٨٠٦

الجامع في أحكام صفة الصلاة 145 ويناقش بأن هذا التعوذ عارض لا يشرع إلا عند سببه، فإذا شعر القارئ مثل ذلك تعوذ بعد العبادة، كما في التعوذ من وسوسة الشيطان إذا ورد على المصلي في أثناء الصلاة. الراجح: الاستعاذة تارة ترد لدفع وسوسة تعرض لها المصلي في صلاته، فهذه محلها أن يستعيذ حين يشعر المسلم بتلك الوسوسة في أي موضع من صلاته. وأما الاستعاذة المشروعة لكل صلاة فمحلها بعد الافتتاح وقبل القراءة، وسواء أكانت الاستعاذة للقراءة أم للصلاة، فإن المسلم مطلوب منه الامتثال، بأن يستعيذ في هذا الموضع، والله أعلم. e e e

عدد الصفحات ٨٠٧

146 الجامعفي أحكام صفة الصلاة 146 المبحث الرابع في الجهر بالاستعاذة المدخل إلى المسألة الجهر في أذكار الصلاة مختص بالقرآن والتكبير، والاستعاذة ليست منهما بالاتفاق.  الجهر والإسرار من صفات الصلاة القائمة على التوقيف ولا دخل للقياس فيها الاستعاذة للقراءة إن كانت خارج الصلاة جهر بها، وإن كانت داخل الصلاة أَسرَّ بها، والتعليل الامتثال، ولا دخل للقياس فيه قياس الاستعاذة على التأمين لا يصح، ولا حاجة للقياس في مسألة تتكرر  في عهد النبي ﷺ كل يوم خمس مرات اضطرار المجتهد إلى القياس في مسألة الجهر بالاستعاذة دليل على عدم  وجود نصوص يعتمد عليها في المسألة ]529[ .)1(عند الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة وكره مالك في العتبية الجهر بالاستعاذة في قيام رمضان، وهو أحد القولين .)2(في مذهب المالكية )، حاشية ابن عابدين 95/1)، مجمع الأنهر328/1)، البحر الرائق203/1 بدائع الصنائع)1( )، الحاوي305/3)، فتح العزيز326،324/3)، المجموع13/1)، المبسوط489/1( )، الهداية على مذهب33/2)، تحفة المحتاج353/1)، مغني المحتاج103/2الكبير ). 188/1)، شرح منتهى الإرادات169/2)، الفروع343/1)، المغني82أحمد (ص تقدم لنا أن الإمام مالكًا لا يرى الاستعاذة في الفريضة، وإنما جوز الاستعاذة في قيام )2( )، التوضيح لخليل495/1)، البيان والتحصيل523/1رمضان، انظر: النوادر والزيادات ). 66،65/1)، تفسير ابن عرفة336/1(

عدد الصفحات ٨٠٨

الجامع في أحكام صفة الصلاة 147 : يسن الجهر بها في الصلاة الجهرية، وهو قول للشافعية في مقابل وقيل .)1(الأصح، وجوز مالك الجهر بها في قيام رمضان، وهو ظاهر المدونة ، وفهم أصحابه منها التخيير بينهما.)2(وقال الشافعي في الأم .)3(وقال ابن أبي ليلى دليل من قال: لا يجهر بالاستعاذة: الدليل الأول .)4(قال ابن تيمية وقال السرخسي .)5(ً مستفيضًا لابه لنقل نق .)6(وقال ابن قدامة وإذا لم يصح الإجماع فإنه يدل على أنه قول أكثر الأمة. الدليل الثاني: أن الإسرار بها عمل الخلفاء الراشدين، إلا أن يجهر لعارض كما لو جهر بقصد التعليم، أما أن يجهر بها على سبيل الدوام فاعتبر ابن تيمية ذلك بدعة في العبادة. ) تعليقًا على ما جاء في العتبية 496/1جاء في البيان والتحصيل )1( كراهة الجهر بالاستعاذة في قيام رمضان خلاف قوله في المدونة « :)218/1وجاء في شرح زروق على متن الرسالة .... ظاهر المدونة ... جواز الجهر، وفي العتبية كراهة الجهر قولان « :)163/1وجاء في المدونة يتعوذ في قيام رمضان إذا قرأ، قال: ولم يزل القراء يتعوذون في رمضان إذا قاموا فلولا جهرهم بالتعوذ لم يعلم منهم ذلك، والله أعلم. )، 114)، كفاية الأخيار (ص324/3)، المجموع305/3وانظر في قول الشافعية: فتح العزيز ). 113/1)، تفسير ابن كثير ت السلامة324/3)، وانظر: المجموع129/1الأم )2( .)326/3المجموع )3( .)405/22مجموع الفتاوى )4( .)13/1المبسوط )5( .)343/1المغني )6(

عدد الصفحات ٨٠٩

148 الجامعفي أحكام صفة الصلاة 148 سُئِلَ ابن تيمية عن حكم من جهر بالاستعاذة إذا صلى، فقال في مجموع الفتاوى « بدعاء الاستفتاح مدة، وكما كان ابن عمر وأبو هريرة يجهران بالاستعاذة أحيانًا. وأما المداومة على الجهر بذلك فبدعة مخالفة لسنة رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين؛ فإنهم لم يكونوا يجهرون بذلك دائمًا، بل لم ينقل أحد عن النبي ﷺ أنه جهر .)1(بالاستعاذة والله أعلم والخلفاء الراشدون لهم سنة متبعة بأمر النبي ﷺ، لحديث العرباض بن .)2(سارية: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي الدليل الثالث: ) ما رواه البخاري، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، 1330(ح عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ وأبا بكر، وعمر رضي الله عنهما .)3(]2[﴾ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ﴿كانوا يفتتحون الصلاة بـ الدليل الرابع: أن الاستعاذة ليست من القرآن بالإجماع، فهو ذكر بين تكبيرة الإحرام والقراءة فكانت صفته الإسرار أصله دعاء الاستفتاح. دليل من قال: يجهر بالاستعاذة:  :الدليل الأول أن الاستعاذة تابعة للقراءة، فأشبهت التأمين. ويناقش:  بأن قياس الشبه من أضعف أنواع القياس، فالجهر بالتأمين محفوظ، ولم ينقل ). 405/22 مجموع الفتاوى)1( ) من طريق ضمرة بن حبيب،43) وابن ماجه126/4 رواه أحمد)2( )،96)، والدارمي 2676)، والترمذي 4607)، وأبو داود 126/4 ورواه أحمد )، وفي شرح معاني الآثار 1186،1185)، والطحاوي في مشكل الآثار44وابن ماجه )، من طريق خالد بن معدان كلاهما 5)، وابن حبان27)، والسنة لابن أبي عاصم81/1( (ضمرة بن حبيب، وخالد) عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، عن العرباض ). 743 صحيح البخاري)3(

عدد الصفحات ٨١٠

الجامع في أحكام صفة الصلاة 149 أحد من الصحابة عن النبي ﷺ أنه جهر بالاستعاذة، ولا نحتاج إلى هذا النوع من القياس في أمر كان يفعل في عهد النبي ﷺ في اليوم خمس مرات، فلو كان النبي ﷺ يجهر بالاستعاذة لنقل إلينا. الدليل الثاني: القياس على القراءة خارج الصلاة. ويناقش: أن القياس لا يصح، فالصلاة لها أحكامها، والجهر والإسرار من صفة الصلاة القائم على التوقيف، وإذا احتاج المجتهد لاستخدام القياس في مسألة يتكرر فعلها كل يوم، فاعلم أنه لو كان عنده من النصوص ما يعتمد عليه، لم يضطر إلى القياس. دليل من قال: يتخير:  استدل ابن كثير لقول الشافعي في الأم بأنه يتخير، قال: لأنه أَسَرَّ ابن عمر وجهر أبو هريرة. ويناقش:  بأن ذلك إن صح عن أبي هريرة، ولا إخاله، فإنه إنما فعل ذلك من أجل التعليم كما جهر عمر بالاستفتاح أحيانًا بقصد التعليم، والله أعلم. الراجح:  أن الاستعاذة لا يجهر بها؛ لكون الجهر بها لم ينقل من فعل النبي ﷺ وإذا كان المصلي لا يجهر بالبسملة، وهي آية من كتاب الله، فلا يجهر بالاستعاذة، وهي ليست آية من القرآن، والتعليل الأول أقوى؛ لأن التأمين يجهر به، وهو ليس آية من كتاب الله، والله أعلم. e e e

عدد الصفحات ٨١١

150 الجامعفي أحكام صفة الصلاة 150 المبحث الخامس في تكرار الاستعاذة في كل ركعة المدخل إلى المسألة لا يوجد نص ولو ضعيفًا يُؤْثَر عن النبي ﷺ أنه تعوذ في غير الركعة الأولى. لو كان التعوذ في الركعة الثانية محفوظًا لوجدنا النقل من آثار الصحابة  وعملهم بما تقوم به الحجة، وتحفظ به الشريعة القراءة في الصلاة قراءة واحدة، والتعوذ في أولها تعوذ لجميعها. لا يقطع قراءة المصلي إلا سكوت طويل، أو ذكر طويل غير مشروع، فأما السكوت اليسير والذكر المشروع فلا يقطع القراءة الأصل عدم تكرار التعوذ إلا بتوقيف. إذا لم يقطع سجود التلاوة قراءة المصلي مع أنه لا يختص بالصلاة، لم  يقطع قراءته الركوع والسجود المختص بالصلاة من باب أولى ]530[ واحدة للصلاة أم تكرر الاستعاذة في كل ركعة؟ : لا يتعوذ مَنْ تعوذ في الركعة الأولى، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة، فقيل .)1(وأحد قولي الشافعي، ورجحه ابن القيم )، تبيين الحقائق 99/1)، مجمع الأنهر 341/1)، البحر الرائق 13/1 المبسوط)1( .)54/1)، الجوهرة النيرة309/1)، العناية شرح الهداية119/1( « :)129/1 قال الشافعي في الأم يفتتح كل ركعة قبل القراءة فحسن، ولا آمر به في شيء من الصلاة أمرت به في أول ركعة « :)138 /1 قال الشيرازي في المهذب تعليقًا على نص الشافعي في الأم قال فيما سوى الركعة الأولى قولان: =

عدد الصفحات ٨١٢

الجامع في أحكام صفة الصلاة 151 : يشرع التعوذ للقراءة في كل ركعة، وهذا مذهب الشافعية، ورواية عنوقيل أحمد، رجحها ابن تيمية، وبه قال ابن حزم، واختاره ابن حبيب من المالكية إلا أنه .)1(خصه في النافلة. قال الشافعية: إلا أنه في الركعة الأولى آكد .)2(وقال عطاء: إذا صلى أكثر من صلاة كفاه الاستعاذة للصلاة الأولى وسبب الخلاف: اختلافهم في قراءة الصلاة: أهي قراءة واحدة، فيكفي فيها استعاذة واحدة أم أن قراءة كل ركعة مستقلة بنفسها؟ ً يفصل قراءته لاً طويلاوإذا ركع وسجد، ثم قام، أيعتبر الركوع والسجود فاص ً، كما لو لاً طويلافإذا عاد إلى القراءة شرعت له الاستعاذة مرة أخرى، أم لا يعد فاص سجد للتلاوة في الصلاة، فإنه يعود إلى قراءته ولا يكرر الاستعاذة؟ دليل من قال: لا يكرر التعوذ: الدليل الأول لا يوجد نص يؤثر عن النبي ﷺ أنه تعوذ في غير الركعة الأولى، والأصل عدم المشروعية. : يستحب؛ لأنه يستفتح القراءة فيها، فهي كالأولى. أحدهما = : لا يستحب؛ لأن استفتاح القراءة في الأولى. والثاني ً واحدًا، وإنما قال في الركعة الأولى أشد لاومن أصحابنا من قال: يستحب في الجميع قو استحبابًا، وعليه يدل قول الشافعي رحمه الله تعالى )، الفروع وتصحيح 64/1)، المحرر في فقه الإمام أحمد241/1وانظر: روضة الطالبين )، المسائل الفقهية من كتاب 409/1)، المبدع 382/1)، المغني 206/2الفروع ). 200/1)، منتهى الإرادات116/1الروايتين والوجهين )، نهاية المطلب 33/2)، تحفة المحتاج 326/3)، المجموع 305/3فتح العزيز )1( .)574/1)، شرح التلقين181/2)، الذخيرة للقرافي109/2)، الوسيط137/2( ) عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: فاستعذت بركعتين2584روى عبد الرزاق في المصنف )2( ثم أخرى، ثم أخرى، فأستعيذ لكل صلاة على السبع؟ قال: يجزئ عنك الأول، فإن استعذت أيضًا فحسن، قلت: صليت فبينا أنا أصلي جاءني إنسان لحاجة، فانصرفت إليه فقضى حاجته، ثم قمت أصلي مرة أخرى قال: يجزئ عنك الأول، فإن استعذت أيضًا فحسن. وسنده صحيح.

عدد الصفحات ٨١٣

152 الجامعفي أحكام صفة الصلاة 152 الدليل الثاني ) روى مسلم تعليقًا، قال: وحدثت عن يحيى بن حسان، ويونس 1331(ح المؤدب، وغيرهما، قالوا: حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال: حدثني عمارة بن القعقاع، حدثنا أبو زرعة، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: كان رسول الله ﷺ إذا نهض من الركعة الثانية .)1( ولم يسكت﴾ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ﴿استفتح القراءة بـ .)2([ وجه الاستدلال ) نفي لمطلق السكوت، فكان هذا دليلاً على أنه لم يستفتح ولم يسكتقوله: ( ولم يتعوذ؛ إذ لو تعوذ لتطلب ذلك قدرًا من السكوت لكي يتعوذ سِرًّا. ونوقش هذا الاستدلال: يحتمل بالنفي أنه أراد مطلق السكوت، وهذا يشمل حتى سكوته للبسملة، ويحتمل أنه أراد بالنفي سكوته المعهود في الركعة الأولى، والتي فيها دعاء الاستفتاح، والتعوذ والبسملة، وهي سكتة طويلة، بخلاف سكوته للتعوذ والبسملة فهي سكتة لطيفة لا يحس بها المُؤْتَمُّ؛ لاشتغاله بحركة النهوض للركعة، والله أعلم، وإذا احتمل هذا لم يكن في الحديث حجة على نفي التعوذ للركعة الثانية، والله أعلم. ). 599-148 صحيح مسلم)1( )، والبيهقي في السنن1603)، وابن خزيمة1193 وصله الطحاوي في شرح معاني الآثار)2( ) عن الحسين بن نصر بن معارك المصري (ثقة ثبت280/2الكبرى ) حدثنا محمد بن مسكين (ثقة). 9805 والبزار )، وأبو نعيم 1601)، وأبو عوانة في مستخرجه885)، وفي مسنده1585 والسراج في حديثه )، عن محمد بن سهل بن عسكر (ثقة). ثلاثتهم عن يحيى بن حسان (ثقة).1330في مستخرجه )، قال: حدثنا يونس بن محمد (ثقة)، 1936 ورواه ابن حبان ) من طريق 280/2)، وعنه البيهقي في السنن الكبرى 782 والحاكم في المستدرك عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي (ثقة)، ثلاثتهم (يحيى بن حسان، ويونس بن محمد، والحجبي) رووه عن عبد الواحد بن زياد به. ). 280/2 وصححه البيهقي في السنن الكبرى

عدد الصفحات ٨١٤

الجامع في أحكام صفة الصلاة 153 وأجيب عن هذا بأن الحديث ظاهره أنه لم يسكت لا للتعوذ ولا للبسملة، فنتمسك بهذا الظاهر حتى يأتي ما يعارضه، والواجب قراءة الفاتحة، والبسملة ليست آية منها على الصحيح كما سيأتي بيانه، ولو كانت آية منها لجهر بها، ولو قيل: إن سكوته للبسملة وحدها مقدار لطيف لا يشعر به المأموم لربما احتمل؛ لأنه لا ينهض المأموم إلا وقد شرع الإمام بالقراءة، بخلاف السكوت للتعوذ والبسملة فلن يكون مقداره لطيفًا، فلابد أن يشعر به المأموم، وإن كان مقداره أقل من السكوت للركعة الأولى، فإذا اجتمع هذا النفي في هذا الحديث، ولم يعارض بنقل صحيح أن النبي ﷺ كان يستعيذ للركعة الثانية، كان الاحتياط في ترك التعوذ؛ لأن الأصل عدم المشروعية، ولو كان النبي ﷺ يتعوذ لنقل، ولو كان التعوذ محفوظًا لوجدنا ]64 [ ﴾ﰖ ﰗ ﰘ ﰙولو في حديث ضعيف، ﴿ تقوم به الحجة، وتحفظ به الشريعة، فإذا لم يوجد النقل من آثار الصحابة وعملهم بما سنة مرفوعة، ولا آثار عن الصحابة رضي الله عنهم، ووجد حديث ينفي مطلق السكوت في الركعة الثانية فلا يمكن الجزم بمشروعية التعوذ في الركعة الثانية، والله أعلم. الدليل الثالث: أن الأحاديث التي نقلت لنا صفة التعوذ مع ضعفها قد ذكرت محله بعد الاستفتاح، وقبل القراءة، ولم تنقل لنا غيره، ولو كانت الاستعاذة تتكرر لنقلت لنا ذلك، والأصل عدم التكرار، من ذلك: ) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا عبد السلام بن مطهر، حدثنا جعفر، 1332(ح عن علي بن علي الرفاعي، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل كبر، ثم إله غيرك، يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا ثم يقول: لا إله إلا الله ثلاثًا، ثم يقول: الله أكبر كبيرًا ثلاثًا، أعوذ بالله السميع .العليم من الشيطان الرجيم من همزه، ونفخه، ونفثه، ثم يقرأ [

عدد الصفحات ٨١٥

154 الجامعفي أحكام صفة الصلاة 154 .)1( المتوكل، عن أبي سعيد الخدري، وإنما هو عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلاًأبي ) ومنها: ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا 1333(ح شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عاصم العنزي، عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيه. رأيت رسول وقال يزيد بن هارون: عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: الله ﷺ حين دخل في صلاة، فقال: الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الحمد لله بكرة وأصيلاً -ثلاثًا- سبحان الله بكرة وأصيلاً -ثلاثًا- اللهم . إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه .)2(قال عمرو: وهمزه: الموتة، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعر .)3([ ) ومنها: ما رواه أحمد، قال: حدثنا بهز، قال: حدثنا حماد بن 1334 (ح سلمة، أخبرنا يعلى بن عطاء، أنه سمع شيخًا من أهل دمشق، أنه سمع أبا أمامة الباهلي يقول: كان رسول الله ﷺ إذا دخل في الصلاة من الليل كبر ثلاثًا، وسبح ثلاثًا، وهلل ثلاثًا، ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك من .)4(الرجيم من همزه ونفخه وشركه الشيطان ).شركه بدل (ونفثهورواه شريك، عن يعلى به، وقال: .)5([ ) ومنها: ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا ابن فضيل،309(ث عن حصين، عن سفيان، عن الأسود، قال: سمعت عمر، افتتح الصلاة وكبر، فقال: سبحانك اللهم وبحمدك، .وتبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم تعوذ ). 24 سبق تخريجه، انظر (ص)1( .)85/4 المسند)2( .)1290 سبق تخريجه، انظر (ح)3( .)121/68). ومن طريقه: ابن عساكر في تاريخ دمشق253/5 أخرجه أحمد)4( .)1323 سبق تخريجه، انظر (ح)5(

عدد الصفحات ٨١٦

الجامع في أحكام صفة الصلاة 155 .)1([ ) ومنها: ما رواه الحاكم وعنه البيهقي من طريق محمد بن أيوب،1335(ح عن ابن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن ابن مسعود، قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل في الصلاة يقول: اللهم .)2(إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، وهمزه، ونفخه ونفثه .)3([ هذه هي الآثار التي نقلت لنا محل التعوذ في الصلاة، وهي آثار مع ضعفها متفقة على أن التعوذ في الركعة الأولى، ولم أقف على شيء منها يذكر التعوذ في الركعة الثانية، ولو كان القوم يتعوذون في باقي الركعات لتوفرت الدواعي على نقله، ولحفظ لنا ذلك مرفوعًا أو موقوفًا. الدليل الرابع: أن القراءة في الصلاة بمنزلة القراءة الواحدة، فإذا استعاذ في الركعة الأولى فقد استعاذ لكل قراءته، بدليل أن غالب قراءة النبي ﷺ في الصلاة يراعي فيها الترتيب بين السور فكان يقرأ الجمعة قبل المنافقون، ويقرأ سورة الكافرون قبل الإخلاص، ويقرأ سورة سَبِّحْ قبل الغاشية، وكل ذلك يدل على أنها قراءة واحدة، ولو كانت قراءة كل ركعة مستقلة لم يراعِ الترتيب بين السور. الدليل الخامس: ٍ أن ركوع المصلي وسجوده، لا يقطع قراءته؛ لأنه عمل يسير مشتمل على ذكر لله تعالى، فكانت القراءة في باقي الركعات موصولة بالقراءة الأولى حكمًا، ما رواه مسلم من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن ) بدليل 1336(ح أبي المهلب، ). 303سبق تخريجه، انظر (ث )1( )،54/2)، والسنن الكبرى للبيهقي749المستدرك )2( .)1322سبق تخريجه، انظر (ح )3(

عدد الصفحات ٨١٧

156 الجامعفي أحكام صفة الصلاة 156 عن عمران بن الحصين، قال: سلم رسول الله ﷺ في ثلاث ركعات، من العصر، ثم قام فدخل الحجرة، فقام رجل بسيط اليدين، فقال: أَقُصِرَتْ الصلاة يا رسول الله؟ فخرج مغضبًا، فصلى الركعة التي كان ترك، ثم سلم، ثم سجد .)1(سجدتي السهو، ثم سلم وجه الاستدلال: فإذا كان كلام الساهي في صلاته، وانحرافه عن القبلة، ودخوله الغرفة، ثم خروجه منها إذا كان كل ذلك لم يقطع صلاته، ولم يمنع النبي ﷺ من بناء آخر صلاته على أولها؛ لكونه معذورًا بالنسيان فكيف يقطع الركوع والسجود والذكر المتصل بالصلاة كيف يجعل ذلك قاطعًا لقراءته، حتى جعلت كل ركعة قراءة مستقلة. قال ابن القيم: وإنما يكفي استعاذة واحدة؛ لأنه لم يتخلل القراءتين سكوت، بل تخللهما ذكر، فهي كالقراءة الواحدة إذا تخللها حمدُ اللهِ، أو تسبيح، أو تهليل، .)2(أو صلاة على النبي ﷺ، ونحو ذلك الدليل السادس: إذا عرض للمصلي سجود التلاوة في قراءته سجد، ثم عاد لقراءته بلا استعاذة، ولم يقطع سجود التلاوة قراءته، فكذلك الشأن في الركعة الثانية، هي متممة لقراءة الركعة الأولى. دليل من قال: يتعوذ لكل قراءة: الدليل الأول .]98[﴾ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤتعالى: ﴿قال وجه الاستدلال: أن الأمر المعلق على شرط أوالمقيد بوصف يقتضي تكرار المأمور به ﮝ ﴿بتكرارهما خاصة إذا كان الشرط أو الوصف علة في الحكم كقوله تعالى: ). 574 صحيح مسلم)1( .)234/1 زاد المعاد)2(

عدد الصفحات ٨١٨