المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الجامع في أحكام صفة الصلاة من الخروج إليها حتى الانصراف منها تحميل PDF

دبيان الدبيان

صفحة ٣١ من ١٥٦

الجامع في أحكام صفة الصلاة 483 يحكم على هذا الفعل بأنه مكروه، ثم يستدل عليه بما يقتضي أن يكون من كبائر الذنوب؛ لأن النبي ﷺ قال (ما بال أقوام)؟وهذا الاستفهام للإنكار (يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم) فاشتد قوله في ذلك حتى قال: (لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم)، هل يمكن أن يرد مثل هذا الوعيد، وهذا الإنكار على شيء مكروه؟ لا يمكن، ولهذا؛ الصحيح أن رفع البصر إلى السماء والإنسان يصلي .)1(حرام، بل من كبائر الذنوب؛ لماذا؛ لأن النبي ﷺ توعد عليه والقول بالكراهة هو مذهب الأئمة الأربعة، وحكاه إجماعًا طائفة من العلماء، فإن صح الإجماع المنقول فإنه يصرف النهي من التحريم إلى الكراهة، ولعل العلماء ً، وأن علة النهي لاحملوه على الكراهة اجتهادًا؛ لأنهم يرون النهي في الحديث معل تدور عندهم: إما على الالتفات في الصلاة، أو على منافاته للخشوع، ولا تنافي بين العلتين فالالتفات بلا حاجة منافٍ لكمال الخشوع، وكلاهما لا يقتضي التحريم، ولم يقل أحد من أهل العلم فيما أعلم إن العلة تعبدية، وسوف أتكلم عن علة النهي إن شاء الله تعالى بعد قليل. .)2( وقال ابن حزم: تبطل الصلاة بالنظر إلى السماء وحكاه العبدلياني الحنبلي في الحاوي بصيغة التمريض، ونقله عنه المرداوي في الإنصاف. قال في الحاوي .)3(وقيل: تبطل به وحده وبنى حكمه على قاعدة: أن الأصل في النهي التحريم والفساد. ولأنه قد نهي عنه في الصلاة بخصوصها، وفعل المحرم المنهي عنه في العبادة بخصوصها يقتضي بطلانها، ومع أن شيخنا ابن عثيمين رحمه الله يذهب إلى القول ). 12/2تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة )1( .)386المحلى، مسألة )2( )، وفتح 91/2)، وانظر: الإنصاف 367/1الحاوي في الفقه على مذهب الإمام أحمد )3( .)92/2الملك العزيز بشرح الوجيز - لعلي بن البهاء الحنبلي

عدد الصفحات ٤٨٢

في أحكام صفة الصلاةالجامع 484 بمقتضى هذه القاعدة، إلا أنه لم يقل بموجبها في هذه المسألة، فقال بالتحريم، وحكم بصحة الصلاة. : واختلفوا في علة النهي عن النظر إلى السماء .)1(فقيل: لخروجه عن سمت القبلة قال القاضي عياض .)2(عن هيئة الصلاة وهذا بعيد؛ لأنه إذا كان لا يخرج عن سمت القبلة بالنظر إلى موضع سجوده، فَلِمَ يخرج عن سمت القبلة بالنظر إلى السماء؟بل إن الالتفات بجزء من البدن لا يخرجه عن حكم التوجه للقبلة حتى يتلفت بكل بدنه. : لأنه ينافي الخشوع المأمور به في الصلاة، قاله ابن بطال من المالكية، وقيل . )3(وابن تيمية من الحنابلة فمن خشوع البصر: أن لا ينظر العبد إلى جهة العلو تذللاً لله، فلله العلو المطلق علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر، ومن كمال التعظيم عند مناجاة المعظم ألا ترفع بصرك إليه عند الوقوف بين يديه. ولم يذكر العلماء علةً للنهي غير هاتين، الالتفات ومنافاة الخشوع، ولعل ذلك ما جعل الأئمة الأربعة لم يذهبوا إلى القول بتحريم رفع البصر إلى السماء؛ لأن النظر إلى السماء إن كان ينافي خشوع القلب، فالخشوع مستحبٌّ في قول أكثر العلماء، وحكي إجماعًا، وإن كان المقصود به خشوع الجوارح، ومنه البصر، فإن النظر في السماء إن عُدَّ ذلك من الحركة في الصلاة فإنه يدخل في الحركة اليسيرة التي لا تبلغ التحريم، مع أن احتساب ذلك من الحركة بعيد؛ لأن تنكيس الرأس إلى موضع السجود لا يعد من الحركة في صلاته، إلا أن يقال: لم يعد باعتباره مطلوبًا في صلاته في أحد قولي أهل العلم، وسوف يأتي بحث الخشوع إن شاء الله تعالى ). 349/3 مرعاة المفاتيح)1( .)233/2)، وانظر: فتح الباري341/2 إكمال المعلم)2( .)24/7)، درء تعارض العقل والنقل365/2 شرح صحيح البخاري لابن بطال)3(

عدد الصفحات ٤٨٣

الجامع في أحكام صفة الصلاة 485 في مبحث مستقل، بلغنا الله ذلك بعونه وتوفيقه وعلل بعض العلماء بأن ذلك فيه سوء أدب مع الله، وبه قال شيخنا ابن . )1(عثيمين يقول شيخنا . )2(فينبغي أن يتأدب معه، وأن لا يرفع رأسه، بل يكون خاضعًا ويشكل عليه أن سوء الأدب مع الله محرم داخل الصلاة وخارجها، ورفع البصر إلى السماء حال الدعاء خارج الصلاة جائز في قول أكثر أهل العلم. ، وهو  قال ابن تيمية . )3(قول مالك والشافعي، ولا يستحب ا عنه في الصلاة ًّوقد اعتبر شيخنا النظر في السماء في أثناء الصلاة منهي بخصوصها، وهذا يعني جوازه خارج الصلاة، مع أن شيخنا رحمه الله يرى تحريم رفع البصر إلى السماء في الصلاة مع القول بصحتها، وهذا مخالف لقواعده رحمه الله من أن فعل المحرم داخل العبادة على وجه يختص النهي بها ، فإن فعله يبطلها، .)4(فتأمل الراجح: إن صح الإجماع على الكراهة، فيجب أن يكون مكروهًا كراهة شديدة، وإن ا، والله أعلم. ًّلم يصح الإجماع فالقول بالتحريم قول قوي جد e e e الإفصاح عن معاني الصحاح )1( .)227/3الشرح الممتع )2( .)338/5الفتاوى الكبرى )3( .)12/2تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة )4(

عدد الصفحات ٤٨٤

في أحكام صفة الصلاةالجامع 486 المدخل إلى المسألة ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﴿: الخشوع: هو السكون في الصلاة، قال تعالى  .فجعل الخشوع في مقابل حركتها بالاهتزاز﴾ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ الخشوع يكون في القلب، وفي البصر بترك رفعه إلى السماء، وفي الجوارح بترك  الحركة والالتفات من غير حاجة، والأول غاية والباقي علامات ووسائل لتحصيله نهى الشارع عن رفع البصر إلى السماء وسكت عن الباقي، وما كان ربك نسيًّا.  الأصل عدم المشروعية مقتضى الامتثال فيما لم يرد في صفته نص صحيح أن يكون المصلي على طبيعته؛ ولا ينتقل عنها إلا بتوقيف أيأتي ذكر لم يحفظ في النظر إلى موضع السجود دليل تقوم به الحجة،  آداب الدخول للخلاء وآداب الأكل والشرب والنوم، في أحاديث صحيحة، ثم لا يأتي في النظر إلى موضع السجود إلا حديث فرد مرسل؟ ضعف الأدلة مع عموم الحكم وتكراره وتعلقه بأعظم العبادات العملية دليل  الخاص والنادرعلى ضعف الحكم نفسه، بخلاف الحكم : ائتموا بي ولْيَأْتَمَّ بكم من بعدكم، واقتداء الصف الثاني بالأول اقتداء ﷺ قال  بالأفعال، لا بسماع التكبير، ويلزم منه النظر إلى الصف لا إلى موضع السجود نظر المصلي إلى قبلته لا ينافي كمال الخشوع، كما أن نظره إلى إمامه،  ونظر الصف الثاني إلى الأول لا ينافيه ما ثبت في حق المأموم ثبت في حق المنفرد والإمام إلا بدليل. ]500[ المبحث الثاني في موضع نظر المصلي في أثن

عدد الصفحات ٤٨٥

الجامع في أحكام صفة الصلاة 487 : ينظر المصلي إلى موضع سجوده، وبه قال الجمهور، قال الشافعية فقيل .)1(وإن كان أعمى أو في ظلمة يكون بصره إلى قبلته من غير أن يلتفت إلى شيء، أو ينكس وقال مالك: بصره، ويكره أن يضع بصره موضع سجوده فقط، وهو من مفردات مذهب الإمام .)2(مالك رحمه الله .)3(: باب رفع البصر إلى الإمام في الصلاةوقال البخاري في صحيحه .)4(ومقصود البخاري مد البصر إلى الإمام وقال في البويطي: وينظر المصلي في صلاته إلى موضع سجوده، وإن رمى .)5(ببصره إمامه كان حسنًا : ينظر المصلي في قيامه إلى صدره، حكاه ابن كثير في تفسيره، ولم يُسَمِّ وقيل .)6(من قال به واستحب الماوردي والروياني وبعض الحنابلة النظر إلى الكعبة إذا صلى في المسجد الحرام، وحكاه المحب الطبري وجهًا، وضعفه البلقيني والإسنوي .)7(وغيرهما، والصحيح أن المسجد الحرام كغيره )، البحر الرائق 215/1)، بدائع الصنائع141/1)، تحفة الفقهاء8/1الأصل للشيباني )1( )،314/3)، المجموع191/2)، الحاوي الكبير645/1)، حاشية ابن عابدين321/1( )، كفاية 390/1)، مغني المحتاج 546/1)، نهاية المحتاج 100/2تحفة المحتاج )، الهداية 290/1)، بداية المحتاج 137/2)، التهذيب في فقه الشافعي 99/3النبيه )، 381/1)، المبدع7،6/2)، المغني244/1)، الكافي82على مذهب أحمد (ص ). 186/1)، شرح منتهى الإرادات114/1)، الإقناع46/2الإنصاف )، 293/1)، شرح الخرشي 166/2)، الذخيرة للقرافي 220/1البيان والتحصيل )2( )،186/1النوادر والزيادات ). 150/1صحيح البخاري )3( .)438/6فتح الباري لابن رجب )4( .)60/2بحر المذهب للروياني )5( .)461/1تفسير ابن كثير، ت السلامة )6( ،)177/2)، النجم الوهاج في شرح المنهاج100/2)، تحفة المحتاج390/1مغني المحتاج )7(

عدد الصفحات ٤٨٦

في أحكام صفة الصلاةالجامع 488 .)1(وقال بعض الشافعية: من صلى على جنازة، فالمستحب أن ينظر إليها دليل الجمهور على استحباب النظر إلى موضع السجود:  الدليل الأول ) ما رواه الحاكم في المستدرك من طريق إسماعيل بن علية، عن 1217(ح أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى رفع بصره .)2(فطأطأ رأسه ]2[﴾ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﴿إلى السماء فنزلت .)3([ .)61/1= حاشية اللبَّدي على نيل المآرب ). 390/1)، مغني المحتاج546/1 نهاية المحتاج)1( .)3483 المستدرك)2( .)402/2 ومن طريق الحاكم رواه البيهقي في السنن الكبرى)3( الحديث مداره على ابن سيرين، ورواه عنه جماعة الأول: أيوب، عن ابن سيرين. رواه إسماعيل بن علية، عن أيوب، واختلف على إسماعيل: )، 402/2 فرواه سعيد بن منصور كما في سنن البيهقي )، كلاهما عن 19/8 ويعقوب بن إبراهيم (الدورقي) كما في تفسير الطبري، ت شاكر إسماعيل بن علية، عن أيوب مرسلاً. )، وعنه 3483)، والحاكم في المستدرك626 ورواه الواحدي في أسباب النزول، ت زغلول )، من طريق أحمد بن يعقوب الثقفي (فيه جهالة)، أخبرنا أبو شعيب الحراني 402/2البيهقي (صدوق)، حدثني أبي (ثقة)، حدثنا إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة موصولاً. وهذا إسناد منكر، ولعل الحمل فيه على أحمد بن يعقوب الثقفي، وقد أكثر عنه الحاكم، )، فقال فيه: الزاهد العابد، نسيب أبي العباس 735/7وترجم له الذهبي في تاريخ الإسلام السراج، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلاً، فمثله لا يمكن احتمال مخالفته، فالمعروف ما رواه سعيد بن منصور والدورقي، عن ابن علية به، مرسلاً. « :)402/2 قال البيهقي بعده وقال الذهبي في تلخيص المستدرك: الصحيح مرسل. )، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، قال: كان =3262كما رواه عبد الرزاق في المصنف

عدد الصفحات ٤٨٧

الجامع في أحكام صفة الصلاة 489 النبي ﷺ يرفع رأسه إلى السماء .... وذكر الأثر = ً. لافصار طريق أيوب، رواه حماد بن زيد، ومعمر، عن أيوب مرس ً. لاوكذا رواه سعيد بن منصور، ويعقوب بن إبراهيم، كلاهما عن ابن علية، عن أيوب مرس أبي شعيب الحراني، عن أبيه، عن إسماعيل بن علية به ورواه أحمد بن يعقوب الثقفي عن ً. وهذا الإسناد منكر.لاموصو ، واختلف على ابن عون فيه: الثاني: عبد الله بن عون، عن ابن سيرين ً. لارواه جرير بن حازم، عن ابن عون، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة موصو ) حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: أخبرنا حبرة بن لخم 4082رواه الطبراني في الأوسط الإسكندراني (قال ابن يونس: ثقة من أصحاب عبد الله بن وهب)، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، عن جرير بن حازم به. قال الطبراني: لم يَرْوِ هذا الحديث عن ابن عون إلا جرير، ولا عن جرير إلا ابن وهب، تفرد به حبرة. اهـ فأشار الطبراني إلى تفرد جرير عن ابن عون في رفعه، كما أشار إلى تفرد حبرة بن لخم، عن ابن وهب، وتفرد علي بن عبد العزيز عن حبرة، ولعل علي بن عبد العزيز هو أضعف من في الإسناد، قال فيه الدارقطني: ليس بذاك، تفرد بأشياء، وقال ابن يونس: كان يفهم ويحفظ، وابن يونس أعلم به فهو من بلده، وعبارته وإن كانت عبارة توثيق إلا أنها لا تدل على متانة في الحفظ والفهم، فهو حسن بشرط ألا يتفرد ولا يخالف، وقد تفرد هنا وخالف، فالإسناد شاذ. وتابعه على رفعه سعيد أبو زيد الأنصاري إلا أن الإسناد إليه ضعيف جدًّا. ) من طريق محمد بن يونس (متهم بالكذب) حدثنا سعيدبن 401/2رواه البيهقي في السنن أوس أبو زيد الأنصاري (إمام في النحو غلبت عليه اللغة والنوادر والغريب، صدوق له ً. لاأوهام)، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة موصو فهذه المتابعة، لا تسمن ولا تغني. فما يتفرد به الطبراني في معاجمه حتى ولو كان ظاهره الصحة إذا تفرد به وكان غريب الإسناد، فهو من المنكرات التي لا يمكن الاعتماد عليها. « :)624/2قال ابن رجب في شرح العلل الزمان يغلب عليهم كتب الغريب دون المشهور، وسماع المنكر دون المعروف، والاشتغال بما وقع فيه السهو والخطأ، من رواية المجروحين والضعفاء حتى لقد صار الصحيح عند أكثرهم مجتنبًّا، والثابت مصدوفًا عنه مطرحًا، وذلك لعدم معرفتهم بأحوال الرواة ومحلهم، ونقصان علمهم بالتمييز، وزهدهم في تعلمه. وهذا خلاف ما كان عليه الأئمة من المحدثين الأعلام من أسلافنا الماضين. قال ابن رجب: وهذا الذي ذكره الخطيب حق. ونجد كثيرًا ممن ينتسب إلى الحديث، =

عدد الصفحات ٤٨٨

في أحكام صفة الصلاةالجامع 490 : ونوقش : أن الحديث مرسل، والمرسل لا حجة فيه على الصحيح كما هو مذهبالأول = لا يعتني بالأصول الصحاح كالكتب الستة ونحوها، ويعتني بالأجزاء الغريبة، وبمثل مسند البزار، ومعاجم الطبراني، وأفراد الدارقطني: وهي مجمع الغرائب والمناكير ): إنما قصدوا جمع غرائب الأحاديث، وأوهام 137/4 قال المعلمي كما في النكت الجياد الرواة، وراموا جمع ما لم يكن مخرجًا في كتب الصِّحاحِ والأُصُولِ المعروفة، وإنما كانت تلك الأحاديث متداولةً على ألسنةِ من لم يَكْتُبْ حديثَه المحدثون، فهجروها عمدًا ولم يخرجوها في كتبهم .... وقد أضلَّ هذا القسمُ قومًا مِمَّنْ لم يتدبروا ما سلف من مناهج الأئمة والمصنِّفين، فاغْترُّوا بكثرة الطُّرقِ الواردةِ في تلك المصنفاتِ، وحسِبُوا أنهم وقفوا على ما لم يقفْ عليه المتقدمون، فسمُّوا تلك الطرق (متابعاتٍ وشواهد) فجعلوا الغرائب والمناكير عواضِد يشدُّون بها ما اسْتقرَّ أهلُ النَّقْدِ على طرْحِهِ ووهنِهِ، ولم يفْطِنْ هؤلاءِ القومُ إلى أن عُصُور الرواية قد انقضتْ وتلك الأحاديثُ في عُيون النقاد غريبةٌ منكرةٌ مهجورةٌ، فلم ينصفْ هؤلاءِ أسلافهم ولم يقدرُوهم قدرهم، بل دلَّ صنيعهم على اعتقاد أنهم قصَّرُوا في تحصيلِ تِلْك الطرق، ولم يفطنوا إلى منهج أولئك المصنِّفين في أنهم ما أخرجوا تلك الطرق للاحتجاج ولا للاعتبار وقد خالف جرير بن حازم وأبا زيد سعيد بن أوس الأنصاري جمع من الرواة، رووه عن ابن عون مرسلاً، منهم: )، 7/17)، وتفسير الطبري6322 كما في مصنف ابن أبي شيبةالأول: هشيم بن بشير )،137 كما في تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصرالثاني: عيسى بن يونس ).136، كما في تعظيم قدر الصلاةالثالث: هشام بن حسان (صدوق). أخرجه أبو داود في المراسيل كما في الرابع: أبو شهاب عبد ربه بن نافع الحناط ).357/13)، وانظر: تحفة الأشراف45المراسيل لأبي داود ) من طريق أحمد بن عبد 401/2 (صدوق). أخرجه البيهقي الخامس: يونس بن بكير الجبار (قال الدارقطني: اختلف فيه شيوخنا، ولم يكن من أهل الحديث. اهـ وقال ابن حجر: ضعيف وسماعه للسيرة صحيح)، حدثنا يونس بن بكير، خمستهم (هشيم، وعيسى، وهشام، وأبو شهاب، ويونس بن بكير) رووه عن ابن عون، عن ابن سيرين مرسلاً، وهو المحفوظ. الثالث: خالد الحذاء، عن ابن سيرين: )، عن سفيان الثوري، 3261 رواه عبد الرزاق في المصنف ) من طريق المعتمر بن سليمان، كلاهما عن خالد 8/19 ورواه الطبري في تفسيره، ت شاكر الحذاء به، مرسلاً. فتبين بهذا أن المعروف من الحديث أنه مرسل.

عدد الصفحات ٤٨٩

الجامع في أحكام صفة الصلاة 491 الشافعية، ورواية عن أحمد، فإذا خالف المرسل ظاهر الأحاديث الموصولة كان طرحه متعينًا حتى عند من يحتج بالمرسل من الأئمة. : رفع البصر إلى السماء منهي عنه في حديث لا خلاف في صحته، ورفعه الثاني ينافي خشوع البصر، ولا يتوقف خشوع البصر على طأطأة الرأس، ولهذا روى الرزاق مقرونًا بهذا الأثر، عن معمر، سمعت الزهري يقول في قوله: (خاشعون): عبد .)1(قال: السكون في الصلاة، وقاله الثوري، عن منصور، عن مجاهد مثله : الدليل الثاني ) روى ابن ماجه، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، قال: 1218(ح حدثنا خالي محمد بن إبراهيم بن المطلب بن السائب بن أبي وداعة السهمي، قال: ، حدثني موسى بن عبد الله بن أبي أمية المخزومي، قال: حدثني مصعب بن عبد الله عن أم سلمة بنت أبي أمية زوج النبي ﷺ أنها قالت: كان الناس في عهد رسول الله ﷺ إذا قام المصلي يصلي لم يعدُ بصرُ أحدِهم موضع قدميه، فتوفي رسول الله ﷺ، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعدُ بصرُ أحدِهم موضع جبينه، فتوفي أبو بكر، وكان عمر، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعدُ بصرُ أحدِهم موضع القبلة، وكان عثمان بن عفان فكانت الفتنة، فتلفَّت الناس .ً لاا وشماًّيمين .)2(اًّ[ ولو صح الحديث لكان فيه دليل على مشروعية النظر إلى القدمين حال القيام، ). 3262مصنف عبد الرزاق )1( .)1634سنن ابن ماجه )2( ) حدثنا عبد الله بن الصقر السكري،4456ورواه الطبراني في الأوسط ) حدثنا مسعدة بن سعد، كلاهما حدثنا إبراهيم بن المنذر به، إلا أنهما 9104ورواه أيضًا ً من موسى بن عبد الله بن أبي أمية لاقالا: عبد الله بن موسى بن عبد الله بن أمية المخزومي بد المخزومي، وسواء أكان عبد الله بن موسى، أم موسى بن عبد الله فهو مجهول، ومصعب بن عبد الله لم يَرْوِ عنه إلا مجهول، ولم يوثقه إلا ابن حبان والعجلي، ففيه جهالة. ومحمد بن إبراهيم بن المطلب مجهول أيضًا، مع نكارة متنه في مشروعية النظر إلى موضع القدمين.

عدد الصفحات ٤٩٠

في أحكام صفة الصلاةالجامع 492 وليس إلى موضع السجود، ولا أعلم أحدًا قال به إلا في حال الركوع الدليل الثالث: ) ما رواه البيهقي في السنن الكبرى من طريق صدقة بن عبد الله، 1219(ح عن سليمان بن داود الخولاني قال: سمعت أبا قلابة الجرمي يقول: في ﷺعن صلاة رسول الله ﷺحدثني عشرة من أصحاب رسول الله قيامه، وركوعه، وسجوده بنحو من صلاة أمير المؤمنين، يعني عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال سليمان: فرمقت عمر في صلاته فكان بصره إلى .)1(قال البيهقي:... وذكر باقي الحديث وليس بالقوي موضع سجوده. .)2([ الدليل الرابع ) روى ابن عدي في الكامل من طريق بقية بن الوليد، قال: حدثني 1220(ح علي بن أبي علي القرشي، قال: حدثني ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة لم ينظر إلا إلى .)3(موضع سجوده .)4([ .)402/2 السنن الكبرى)1( )294/28) و304/22)، ابن عساكر في تاريخ دمشق270/4 ورواه بن عدي في الكامل)2( من طريق صدقة بن عبد الله به وفي إسناده صدقة بن عبد الله السمين الدمشقي، يكنى بأبي معاوية، ويقال: أبو محمد، )، وقال أحمد كما في الجرح والتعديل 1506قال أحمد: ليس بشيء، كما في العلل لابنه « :)429/4( )، والتاريخ الصغير296/4أسهل، وهو ضعيف جدًّا )، وقد ضعفه ابن معين والبخاري وأبو زرعة والنسائي، وتركه الدارقطني، وقال 174( البوصيري : متفق على ضعفه ). 313/6 الكامل لابن عدي)3( لا يعرف هذا الحديث عن ابن جريج إلا من رواية علي بن أبي علي القرشي، تفرد به عنه، وهو مجهول)4( ): علي القرشي مجهول434 قال فيه أبو حاتم كما في العلل لابنه

عدد الصفحات ٤٩١

الجامع في أحكام صفة الصلاة 493 الدليل الخامس ) ما رواه ابن خزيمة، قال: أخبرنا أحمد بن عيسى بن زيد بن عبد 1221(ح الجبار بن مالك اللخمي التِّنِّيسِيُّ، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، ثنا زهير بن محمد المكي، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله، أن عائشة، كانت تقول: عجبًا للمرء المسلم إذا دخل الكعبة كيف يرفع ً لله وإعظامًا، دخل رسول الله ﷺ الكعبة لابصره قِبَلَ السقف، يدع ذلك إجلا .)1(ما خَلَفَ بَصَرُهُ مَوْضِعَ سُجُودِهِ حتى خرج منها ونوقش من وجوه:  .)2(: أن الحديث ضعيفالوجه الأول لو صح الحديث فهو في دخول الكعبة وليس في الوقوف بالصلاة، الوجه الثاني: ولعل ذلك كان في فتح مكة فكانت هذه الصفة عارضة شكرًا للرب وتواضعًا منه ﷺ . دخول مكةللخلق كما فعل حين دخل مكة فاتحًا، ولم يكن ذلك سنة في كل ) فقد روى الحاكم في المستدرك من طريق عبد الله بن أبي بكر 1222(ح وقال فيه ابن عدي: مجهول، ومنكر الحديث ... يحدث عنه بقية غير ما ذكرت. = ). 3012صحيح ابن خزيمة )1( .)258/5) وعنه البيهقي في السنن1761والحديث رواه الحاكم في المستدرك )2( وفيه أكثر من علة ).152/10: أن سالم بن عبد الله لم يسمع من عائشة، قاله البخاري، انظر: تهذيب الكمالالعلة الأولى : في إسناده أحمد بن عيسى الخشاب المصري، متفق على ضعفه. العلة الثانية بن القاسم. فقد كذبه مسلمة ): 235/4وقال ابن طاهر المقدسي: كان يضع الحديث، قال الذهبي في شذرات الذهب صدق ابن طاهر. ): كان مضطرب الحديث جدًّا. 46وقال ابن يونس المصري كما في تاريخه وقال الدارقطني: ليس بالقوي. في إسناده عمرو بن أبي سلمة التنيسي، ضعفه ابن معين، وقد تكلم الإمام أحمد العلة الثالثة: في روايته عن زهير، وهذا منها، قال أحمد: روى عن زهير أحاديث بواطيل؛ كأنه سمعها من ).183/10( صدقة بن عبد الله، فغلط، فقلبها عن زهير. إكمال تهذيب الكمال ).895قال ابن أبي حاتم: ...سمعت أبي يقول: هو حديث منكر. (علل الحديث

عدد الصفحات ٤٩٢

في أحكام صفة الصلاةالجامع 494 المقدمي، حدثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، .)1(عن أنس رضي الله عنه، أن النبي ﷺ دخل مكة، وذقنه على رحله متخشعًا . )2([ : أن هذا الاستدلال من باب قياس الصلاة على دخول الكعبة،الوجه الثالث فكيف يقاس الكثير المتكرر العام على النادر، فلو كان في المسألة دليل ما اضطر المستدل إلى مثل هذا القياس الغريب في الاستدلال. دليل المالكية على استحباب النظر إلى قبلته:  الدليل الأول لم يَأْتِ دليل صحيح يمكن الاعتماد عليه في استحباب النظر إلى موضع السجود، والأصل عدم المشروعية، فلو كان النظر إلى موضع السجود مشروعًا في الصلاة لجاءت الأدلة الصحيحة الواضحة خاصة أن مثل هذه العبادة تتكرر في اليوم عشرات المرات، ويحتاج إلى هذه الصفة عموم المصلين، فضعف الأدلة مع عموم الحكم وتكراره وتعلقه بأعظم العبادات العملية دليل على ضعف الحكم نفسه، أيأتي ذكر آداب الدخول للخلاء في الصحيحين، وكذا آداب الأكل والشرب والنوم، .)3(ثم لا يأتي في النظر في موضع السجود في الصلاة إلا حديث فرد مرسل؟ الدليل الثاني: .]144[﴾ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫقال تعالى: ﴿ فأمر الله المصلي أن يستقبل جهة الكعبة بجملته، ونص على الوجه لكونه ه أشرف الأعضاء، والبصر من جملة وجهه، فمن نظر إلى السماء فقد التفت بوجه ). 7888 المستدرك)1( ) عن الحاكم به68/5 ورواه البيهقي في الدلائل)2( :)18/5 وفي إسناده عبد الله بن أبي بكر المقدمي، قال فيه أبو زرعة كما في الجرح والتعديل ليس بشيء، أدركته، ولم أكتب عنه. وضعفه ابن عدي في الكامل. ). 3012 صحيح ابن خزيمة)3(

عدد الصفحات ٤٩٣

الجامع في أحكام صفة الصلاة 495 إلى السماء عن القبلة، وكذلك من نكس رأسه إلى الأرض يكون قد التفت بوجهه عن القبلة إلى الأرض، مثله كما لو التفت بوجهه يمنة أو يسرة، لا يبطل الصلاة، ولكنه خلاف المشروع، فالمستحب أن يستقبل بوجهه وجسده الكعبة، فإن أقام رأسه وتكلف النظر ببعض بصره إلى الأرض ففي ذلك مشقة وحرج. : ويناقش بأن النظر إلى موضع السجود ليس فيه التفات عن القبلة، بدليل الركوع والسجود، فإن وجه المصلي لا يكون إلى القبلة، ولم يخرجه ذلك عن التوجه إليها، فكذلك لو صح النظر إلى موضع السجود لم يخرجه ذلك أن يكون متوجهًا إلى القبلة، وإنما العمدة فيه أنه لم يرد في النظر إلى موضع السجود شيء يمكن الاعتماد عليه، والله أعلم. الدليل الثالث: ) ما رواه البخاري من طريق فليح، قال: حدثنا هلال بن علي، 1223(ح عن أنس بن مالك، قال: صلى لنا النبي ﷺ، ثم رقي المنبر، فأشار بيديه قِبَلَ قِبْلَةِ المسجد، ثم قال: لقد رأيت الآن منذ صليت لكم الصلاة الجنة والنار .)1(مُمَثَّلَتَيْنِ في قِبْلَةِ هذا الجدار، فلم أر كاليوم في الخير والشر ثلاثًا فدل الحديث على أن نظر النبي ﷺ في صلاته كان إلى قبلة هذا الجدار، صح من الإمام صح من المنفرد والمأموم، ولو كان النظر إلى قبلة الجدار ينافي وما الخشوع أو كماله لم ينظر إليه رسول الله ﷺ في صلاته، أو لَمُثِّل له ذلك في موضع ً من أن يمثل له ذلك في قبلة الجدار. لاسجوده بد الدليل الرابع: ) روى مسلم في صحيحه من طريق أبي الأشهب، عن أبي نضرة العبدي، 1224(ح عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ رأى في أصحابه تأخرًا، فقال .)2( ... الحديثلهم: تقدموا، فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم ). 749صحيح البخاري )1( .)438-130صحيح مسلم )2(

عدد الصفحات ٤٩٤

في أحكام صفة الصلاةالجامع 496 وجه الاستدلال فقوله: (فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم) أي اقتدوا بأفعالي، وليقتد بكم من بعدكم مستدلين بأفعالكم على أفعالي، فدل الحديث أن الصف الأول ينظر إلى الإمام ليقتدي بأفعاله، وينظر الصف الثاني إلى الصف الأول للغرض نفسه، فكل صف منهم إمام لمن وراءه، ويلزم منه أن يكون النظر إلى غير موضع السجود. الدليل الخامس: ) ما رواه البخاري ومسلم ، واللفظ للأول من طريق الزهري، عن 1225(ح عروة، قال: قالت عائشة: خسفت الشمس ... فذكرت صلاة النبي ﷺ ثم قالت قال النبي ﷺ: إنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتم ذلك فصلوا، حتى يفرج عنكم، لقد رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدته، حتى لقد رأيت أريد أن آخذ قطفًا من الجنة، حين رأيتموني جعلت أتقدم، ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها .)1( ... الحديثبعضًا، حين رأيتموني تأخرت ما ورواه مسلم من طريق عبد الملك، عن عطاء، عن جابر بنحوه، وفيه: ... من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه، لقد جيء بالنار، وذلكم حين رأيتموني تأخرت، مخافة أن يصيبني من لفحها ....ثم جيء بالجنة، وذلكم .)2( ... الحديثحين رأيتموني تقدمت حتى قمت في مقامي وجه الاستدلال: في الحديث دليل على أن الصحابة كانوا ينظرون إلى النبي ﷺ، وهو يصلي لا ينافي كمال ذلك بهم، ويلزم منه أنهم لم ينظروا إلى موضع سجودهم، وإذا كان الخشوع في حق المأموم فكذلك في حق غيره، وما ثبت في حق المأموم ثبت في حق المنفرد والإمام إلا بدليل، ، والله أعلم. الدليل السادس: ) ما رواه البخاري من طريق سفيان، عن الأعمش، عن عمارة بن 1226(ح ). 901-3)، صحيح مسلم1212 صحيح البخاري)1( .)904-10 صحيح مسلم)2(

عدد الصفحات ٤٩٥

الجامع في أحكام صفة الصلاة 497 عمير، عن أبي معمر، قال قلت لخباب بن الأَرَتِّ: أكان النبي ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: .)1(نعم، قال: قلت: بأي شيء كنتم تعلمون قراءته؟ قال: باضطراب لحيته فدل الحديث على أن المأموم ينظر إلى إمامه، ولم يحفظ في الشرع التفريق بين نظر المأموم في صلاته، وبين نظر المنفرد والإمام، فالأصل أن ما ثبت لواحد منهما ثبت للباقي إلا بدليل. الدليل السابع: ) روى البخاري ومسلم من طريق أبي حازم بن دينار، 1227(ح عن سهل بن سعد، قال: أرسل رسول الله ﷺ إلى فلانة امرأة من الأنصار، قد سماها سهل، فقال لها: مُرِي غلامك النجار، أن يعمل لي أعوادًا، أجلس عليهن إذا كلمت الناس، فأمرته فعملها من طَرْفَاءِ الغابة، ثم جاء بها، فأرسلت هنا، ثم رأيت رسول الله ﷺ صلى إلى رسول الله ﷺ، فأمر بها فوضعت ها عليها، وكبر، وهو عليها، ثم ركع، وهو عليها، ثم نزل القهقرى، فسجد في أصل المنبر، ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس، فقال: أيها الناس، إنما صنعت .)2(، واللفظ للبخاريهذا لتأتموا، ولتعلموا صلاتي .)3(وفي رواية للبخاري: كبر، وقام الناس خلفه، فقرأ وركع، وركع الناس خلفه .)4(ولفظ مسلم: فكبر، وكبر الناس وراءه فصلى رسول الله ﷺ على المنبر، وصلى الناس معه، ثم بين الحكمة من فعله، فقال: لتأتموا بي، فلو كان الناس يضعون أبصارهم موضع سجودهم، أكانوا ينظرون إليه، وهو أعلى منهم؟ مناقشة هذه الأدلة:  حديث أنس في البخاري، وحديث أبي سعيد في مسلم، وحديث عائشة في ). 761صحيح البخاري )1( .)544)، وصحيح مسلم917صحيح البخاري )2( .)377صحيح البخاري )3( .)544-44صحيح مسلم )4(

عدد الصفحات ٤٩٦

في أحكام صفة الصلاةالجامع 498 الصحيحين، وحديث خباب في البخاري، وحديث سهل في الصحيحين، هذه القضايا التي حدثت للنبي ﷺ سواء ما كان منها في صلاة الكسوف، أو في صلاته على المنبر، أو في نقل خباب أنه عَلِمَ قراءة النبي ﷺ في الصلاة السرية من اضطراب لحية النبي ﷺ في صلاته، هذه الأدلة نتفق فيها أن الراوي ذكر هذه الأحاديث ولم يكن يقصد منها أن يبين موضع نظر المصلي في صلاته، فهذه الأحاديث دلالتها على مسألتنا ليست مقصودة بالحكم، فإذا حاول الفقيه أن يستنبط منها حكم هذه المسألة، وهي لم تُسَقْ لبيان مثل هذا الحكم، فإنه محل اجتهاد، فحتى يُسَلَّم هذا الاستدلال يشترط في هذه الأفعال الواردة في هذه الأحاديث أن يكون لها عموم في جميع الصلوات، وليست قضايا عينية فعلت في أحوال غير عادية، وقد قال الفقهاء: الفعل عند أهل الأصول لا عموم ، كما أنها أفعال، وقضايا الأعيان لا عموم لها ، بخلاف القول. لهذا دعني آخذ هذه الأحاديث حديثًا حديثًا: له فصلاة النبي ﷺ على المنبر لم يكن ذلك من عادته ﷺ، فإذا علا المنبر ليصلي بأصحابه فمن المؤكد أن هذا يستدعي النظر إلى الإمام؛ لكون النبي ﷺ فعل ذلك على خلاف العادة، وبغرض التعليم كما جاء مصرحًا به في الحديث، والتعليم بالفعل يستدعي النظر إلى هذا الفعل، فإذا عُقِل الفعل لم يكن ثمَّت حاجة إلى النظر إلى الإمام في الصلاة، وبالتالي لا يمكن أن يؤخذ من هذا الفعل حكم عام في جميع أحوال الصلوات، وأن المشروع أن ينظر المأموم إلى إمامه في الصلاة كما أنه لا يمكن أن يؤخذ من هذا الحديث استحباب صلاة الإمام على المنبر في جميع الأحوال. ﷺ وكذلك يقال عن فعله ﷺ في صلاة الكسوف من التقدم والتأخر، فإن النبي كان يتأخر فيتأخر معه أصحابه، ثم يتقدم فيتقدم معه أصحابه كما جاء ذلك مبينًا في حديث جابر عند مسلم من طريق عبد الملك، عن عطاء، عن جابر في صفة صلاة ثم تأخر، وتأخرت الصفوف خلفه حتى انتهينا وفي رواية: حتى الكسوف، وفيه: .... .)1(.... الحديثانتهى إلى النساء، ثم تقدم، وتقدم الناس معه حتى قام في مقامه ). 904-10 صحيح مسلم)1(

عدد الصفحات ٤٩٧