الجامع في أحكام صفة الصلاة 291 المدخل إلى المسألة لا يكبر الإمام قبل الفراغ من الإقامة وتسوية الصفوف. سنة الصلاة الفعلية المنقولة بالتواتر أن الإقامة تقام، ليقوم الناس إلى صلاتهم ويتداعى لها من كان خارج المسجد، حتى إذا فرغ المؤذن من الإقامة فإذا الناس قد تأهبوا قيامًا إلى صلاتهم، حتى إذا سوِّيت الصفوف، كبر الإمام. حرف (قد) في قوله: (قد قامت الصلاة) للتقريب، أي قرب قيامها، وتأتي .]1[ ﴾ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ﴿للتحقيق كما في قوله تعالى: ]470[ .)1(قامت الصلاة، فإن كبر بعد فراغ المؤذن جاز « .)2(وكان إبراهيم النخعي، وسويد بن غفلة وإسماعيل بن أبي خالد: يكبرون كذلك وقال أبو يوسف وجمهور العلماء من السلف والخلف: لا يكبر حتى يفرغ .)3(المؤذن من الإقامة )، 44/1)، الاختيار لتعليل المختار 479/1)، حاشية ابن عابدين 39/1المبسوط )1( )، تبيين353/1)، المحيط البرهاني200/1)، بدائع الصنائع136ملتقى الأبحر (ص ). 108/1الحقائق ). 168/4الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف )2( )، إكمال المعلم بفوائد مسلم 160/1)، المدونة 153/5عمدة القارئ شرح البخاري )3( )،256/1)، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي 469/1)، مواهب الجليل 557/2( )، المجموع 169/4)، الأوسط 78/2)، الذخيرة 291/1شرح الزرقاني على خليل الفصل الثالث في وقت تكبير الإمام بالصلاة
عدد الصفحات ٢٩٠في أحكام صفة الصلاةالجامع 292 جاء في المدونة .)1(ما تستوي الصفوف، ثم يكبر، ويبتدئ القراءة وجاء في مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله إذا قال المؤذن قد قامت الصلاة، أو حتى يفرغ من الإقامة؟ قال حديث أبي قتادة عن النبي ﷺ: (لا تقوموا حتى تروني). وقد روي عن عمر أنه كان يبعث إلى الصفوف، فإذا استوت كبر، وحديث .)2((لا تسبقني بآمين) وأرجو أن لا يضيق ذلك وقال ابن مفلح في المبدع .)3(وهو قَوْلُ جُلِّ أئمة الأمصار دليل من قال: يكبر عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة: الدليل الأول ) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عاصم، 1164(ح .)4(عن أبي عثمان، قال: قال بلال: يا رسول الله لا تسبقني بآمين [ .)5(خزيمة والبيهقي إرساله وجه الاستدلال: في هذا الحديث دليل أن رسول الله ﷺ كان يكبر للإحرام ويقرأ، وبلال )، التعليقة للقاضي حسين 369/1)، روضة الطالبين 380/4)، فتح العزيز 253/3( )332/1المغني)، 123/2)، تنقيح التحقيق69/2)، حلية العلماء للقفال727/2( )، كشاف 39،38/2)، الإنصاف 376/1)، المبدع 626/2مسائل أحمد وإسحاق )، 414/1) ، مطالب أولي النهى183،182/1)، شرح منتهى الإرادات327/1القناع . )87)، الروض المربع (ص242/1الكافي لابن قدامة ). 160/1 المدونة)1( .)61 مسائل أحمد رواية عبد الله (ص)2( .)376/1 المبدع شرح المقنع)3( .)12/6 المسند)4( .)174 سبق تخريجه، انظر ح)5(
عدد الصفحات ٢٩١الجامع في أحكام صفة الصلاة 293 زال في إقامة الصلاة ما ويجاب بأكثر من وجه: الوجه الأول أن الراجح فيه أنه مرسل، والمرسل لا حجة فيه على الصحيح، وعلى القول بالاحتجاج به كما هو مذهب الحنفية فإنه يشترط للاحتجاج به ألا يخالف ما هو أصح منه، وقد عارض هذا المرسل حديث أبي هريرة في الصحيحين، وحديث أنس في البخاري، وسوف نأتي على ذكرها في أدلة الجمهور إن شاء الله تعالى. : الوجه الثاني قال ابن حزم: إذا كان الإمام يكبر بعد أن يقول المؤذن قد قامت الصلاة، فلم يَبْقَ على المقيم شيء إلا أن يقول: (الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله)، فمن المحال الممتنع الذي لا يُْشْكِلُ أن يكون الإمام يتم قراءة أم القرآن قبل أن يتم المقيم قول الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، ثم يكبر. ً على أن الإمام يكبر إذا قال المقيم (قد قامت الصلاة)، لافكيف يكون هذا دلي ً إلا بعد إتمام لابل لو كبر الإمام مع ابتداء المقيم الإقامة لما أتمَّ (أم القرآن) أص المقيم الإقامة، وبعد أن يكبر للإحرام، فكيف بثلاث كلمات؟ فإن قيل: ما معنى قول بلال، وأبي هريرة: لا تسبقني بآمين؟ قلنا: معناه بَيِّنٌ في غاية البيان، لأن النبي ﷺ أخبر أن الإمام إذا قال: (آمين) قالت الملائكة: آمين، فإن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه، فأراد بلال من رسول الله ﷺ .)1(أن يتمهل في قول: (آمين) فيجتمع معه في قولها، رجاءً لموافقة تأمين الملائكة ً كان يقيم في موضع أذانه، ثم يأتي إلى لاوقد يدفع هذا بقول من يقول: إن بلا الصلاة، وقد أجبت عن هذا في مباحث الأذان، فانظره مشكورًا. الدليل الثاني: ) إخبار عن قيام الصلاة، لا عن القيام إليها، وقيامها قد قامت الصلاةقوله: ( ). 32/3انظر المحلى )1(
عدد الصفحات ٢٩٢في أحكام صفة الصلاةالجامع 294 يعني وجودها، وحتى يكون الخبر موافقًا للواقع يستحب له أن يكبر إذا قال: (قد قامت الصلاة). قال السرخسي .)1(أبي حنيفة ومحمد ) محمول على الحقيقة: وذلك يعني وجود قد قامت الصلاة ولأن قوله: ( فعلها، والكلام إذا أمكن حمله على الحقيقة لم يحمل على غيره، ولا تقوم الصلاة ).قد قامت الصلاةإلا إذا كبر بعد قوله: ( وين الوجه الأول لو صح تخريجكم لكان عليه أن يكبر قبل شروع المؤذن بقوله: (قد قامت الصلاة)، حتى إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة كان الخبر مطابقًا للواقع، أما إذا كبروا بعد قوله: (قد قامت الصلاة) لم يكن الخبر محمولاً على الحقيقة. الوجه الثاني: لو كان الخبر محمولاً على الحقيقة لكان التكبير قبل الفراغ من جملة (قد قامت الصلاة) من باب الوجوب، وليس من باب الأفضلية حتى لا يقع الخبر كاذبًا، وأنتم جعلتم الأمر من باب الأفضلية. الوجه الثالث: ) تدخل على الماضي والمضارع، فإذا دخلت على الفعل الماضي قد أن ( جاءت للتقريب، فهي تقرب الفعل من الحال، ومنه قول المؤذن (قد قامت الصلاة). .]1[﴾ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖوقد تأتي للتحقيق كما في قوله تعالى: ﴿ ) أي قرب قيامها، كما تقول: قامت الحرب: قد قامت الصلاةفمعنى قوله: ( .]1[﴾ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌأي أوشكت أن تقوم، وكما في قوله تعالى: ﴿ دليل من قال: لا يكبر حتى يفرغ المؤذن من الإقامة: الدليل الأول ) روى البخاري من طريق عبد العزيز بن صهيب، 1165(ح ). 39/1 المبسوط)1(
عدد الصفحات ٢٩٣الجامع في أحكام صفة الصلاة 295 ً في جانبلا يناجي رج ﷺعن أنس بن مالك، قال: أقيمت الصلاة والنبي .)1(المسجد، فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم فلو كان يكبر عند قوله (قد قامت الصلاة) ما كانت المناجاة بعد الإقامة. الدليل الثاني: ) ما رواه البخاري من طريق الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي 1166(ح سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: أقيمت الصلاة، فسوى الناس صفوفهم، فخرج .)2(... الحديث، فتقدم ﷺرسول الله أقيمت الصلاة، ورواه مسلم من طريق يونس، عن ابن شهاب به، بلفظ: .)3(..... الحديثفقمنا، فعدلنا الصفوف، قبل أن يخرج إلينا رسول الله ﷺ الدليل الثالث: ) ما رواه البخاري من طريق زائدة بن قدامة، قال: حدثنا حميد الطويل، 1167(ح حدثنا أنس بن مالك، قال: أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله ﷺ .)4(بوجهه، فقال: أقيموا صفوفكم، وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري فدلت السنة على أن النبي ﷺ كان يأمر بتسوية الصفوف بعد الإقامة. ) وروى مالك في الموطأ، عن نافع، 273(ث أن عمر بن الخطاب كان يأمر بتسوية الصفوف، فإذا جاؤوه فأخبروه أن .)5(قد استوت كبر .)6([ .)376)، مسلم642صحيح البخاري )1( .)640صحيح البخاري )2( .)606صحيح مسلم )3( .)719صحيح البخاري )4( .)158/1الموطأ )5( = اختلف فيه على نافع )6(
عدد الصفحات ٢٩٤في أحكام صفة الصلاةالجامع 296 : الراجح المجزوم به من سنة الرسول ﷺ أن الدخول في الصلاة يأتي بعد الفراغ من الإقامة، وتسوية الصفوف، والحنفية لا يرون الجهر بالتأمين، لا من الإمام ولا من المأموم، فكيف يقول بلال: لا تسبقني بآمين، والسبق إنما يحاط به إذا كان الرسول ﷺ يجهر بالتأمين، والجهر به من الإمام والمأموم هو السنة المحفوظة من صفة صلاة النبي ﷺ، والله أعلم. e e e .)330/2= فرواه مالك في الموطأ كما في حديث الباب، وعنه الشافعي كما في المعرفة للبيهقي )، 2437 ورواه ابن جريج كما في مصنف عبد الرزاق )، ثلاثتهم (مالك، وابن جريج، وعبد الرزاق)، عن نافع، 2438 وعبد الرزاق في المصنف ونافع لم يسمع من عمر.عن عمر، ) من طريق محمد بن إبراهيم، حدثنا ابن بكير، حدثنا مالك 34/2 ورواه البيهقي في السنن به. ومحمد بن إبراهيم متروك. ) عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن 2439 وخالفهم أيوب، فرواه عبد الرزاق في المصنف ابن عمر، قال: كان عمر لا يكبر حتى تعتدل الصفوف، يوكل بذلك رجالاً. فوصله أيوب، إلا أنه من رواية معمر عنه، ورواية معمر عن أهل البصرة فيها كلام. ) حدثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن أبي عثمان، 3537 وروى ابن أبي شيبة في المصنف قال: ما رأيت أحدًا كان أشدَّ تعاهدًا للصف من عمر أن كان يستقبل القبلة حتى إذا قلنا: قد كبر، التفت، فنظر إلى المناكب والأقدام، وإن كان يبعث رجالاً يطردون الناس حتى يلحقوهم بالصفوف. فهذا إسناد رجاله كلهم ثقات، وقد قال شعبة: عاصم أحب إلي من قتادة في أبي عثمان النهدي؛ لأنه أحفظهما.
عدد الصفحات ٢٩٥الجامع في أحكام صفة الصلاة 297 المدخل إلى المسألة ضابط تسوية الصفوف: اعتدالها على سمت واحد، وسد الْفُرَجِ، وإتمام الأول فالأول الأمر بتسوية الصفوف ثابت بالسنة المتواترة، وعمل الخلفاء الراشدين. تسوية الصفوف من وظيفة الإمام، فكان النبي ﷺ يُقَوِّم الصف ويعدله بقوله وفعله وكان بعض الخلفاء يوكل بالناس من يسوِّي صفوفهم، وعلى آحاد المصلين أن يأمر بذلك؛ لأنه من الأمر بالمعروف والتعاون على البر. التقصير في بعض العبادات سبب لاختلاف القلوب وتنافرها وتباينها، لَتُسَوُّنَّ صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهم، فإما التسوية وإما المخالفة، اختلاف صفوف المسلمين في الظاهر يقود لاختلاف البواطن. الوعيد على ترك تسوية الصفوف بالمخالفة بين الوجوه، ظاهره يدل على تحريم ما توعد عليه تسوية الصف من تمام الصلاة، وتمام الشيء يكون واجبًا ومستحبًّا. التام: تارة يراد به ما يقابل الناقص، وتارة يراد به الكمال: وهو الزيادة على مطلق التمام، والأول واجب، والثاني مستحب ، )1(]471[ قال ابن عبد ال )، التوضيح لشرح 115/3)، المسالك في شرح موطأ مالك288،28/2انظر الاستذكار )1( .)607/4الجامع الصحيح لابن الملقن الفصل الرابع في تسوية الصفوف
عدد الصفحات ٢٩٦في أحكام صفة الصلاةالجامع 298 طرق شتى صحاح كلها ثابتة في أمر رسول الله ﷺ تسوية الصفوف، وعمل الخلفاء .)1(الراشدين بذلك بعده، وهذا ما لا خلاف فيما بين العلماء فيه واختلفوا في وجوبه: .)2(: سنة، وهو مذهب الأئمة الأربعةفقيل : واجب، وهو قول الظاهرية، واختيار البخاري، حيث ترجم له في وقيل .)3(صحيحه بقوله: باب إثم من لم يتم الصفوف، واختيار ابن تيمية، وبعض المتأخرين قال ابن حزم .)4(والمحاذاة بالمناكب والأرجل .)5(ومن صلى ولم يُسَوِّ الصف، فصلاته صحيحة وقال ابن حزم: صلاته باطلة. وقال ابن مفلح في الفروع السلام: سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة متفق عليه، وتمام الشيء .)6(يكون واجبًا ومُسْتحبًّا ). 288/2 الاستذكار)1( )،279/1)، المنتقى للباجي136/1)، تبيين الحقائق359/1 فتح القدير لابن الهمام)2( )، المسالك في شرح موطأ346/2)، إكمال المعلم344/2شرح البخاري لابن بطال )، 702/2)، شرح التلقين211/1)، الفواكه الدواني78/2)، الذخيرة116/3مالك )، منح الجليل 256/1)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير334/1التوضيح لخليل )، 97/2)، الحاوي الكبير593،592/6)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح206/1( )، فتح727/2)، التعليقة للقاضي حسين225/4)، المجموع383/2البيان للعمراني )، الفروع 333/1)، المغني242/1)، الكافي لابن قدامة281/6الباري لابن رجب ). 39/2)، الإنصاف377/1)، المبدع162/2( .)331/5)، الفتاوى الكبرى162/2)، الفروع2،1/4)، مرعاة المفاتيح372/2 المحلى)3( .)372/2 المحلى)4( « :)210 /2 قال ابن حجر في فتح الباري)5( ولم يُسَوِّ صحيحة لاختلاف الجهتين .... وأفرط بن حزم فجزم بالبطلان ). 162/2 الفروع)6(
عدد الصفحات ٢٩٧الجامع في أحكام صفة الصلاة 299 دليل من قال: تسوية الصفوف سنة الدليل الأول ) ما رواه مسلم من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال: 1168(ح سمعت قتادة، يحدث، : سووا صفوفكم، فإن تسوية ﷺعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله .)1(الصف، من تمام الصلاة أقيموا صفوفكم، فإن من ورواه أحمد وغيره عن وكيع، عن شعبة به، بلفظ: ( .)2()حسن الصلاة إقامة الصف .)3()إن من حسن الصلاة إقامة الصفورواه أحمد من طريق همام، عن قتادة به، بلفظ: ( ) فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاةالمحفوظ من حديث أنس أنه بلفظ: ( .)4() فهو محفوظ من حديث أبي هريرةمن حسن الصلاة إقامة الصفوأما لفظ ( الدليل الثاني: ) ما رواه البخاري ومسلم، من طريق عبد الرزاق، قال: أخبرنا 1169(ح معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، أنه قال: .... وأقيموا الصف في الصلاة، فإن .)5(إقامة الصف من حسن الصلاة وجه الاستدلال من الحديثين: ) قد يؤخذ منه من تمام الصلاةقال ابن دقيق العيد: عن قوله ﷺ في الحديث: ( ). 433صحيح مسلم )1( )،1543)، وابن خزيمة 3528)، وابن أبي شيبة في المصنف 274/3رواه أحمد )2( ) عن وكيع به787والحاكم في المستدرك قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وإنما اتفقا على غير هذا اللفظ، وهو أن تسوية الصف من تمام الصلاة. اهـ انظر تخريجه وافيًا إن شاء الله تعالى في أدلة القول الثاني. )3( سوف أخرج حديث أنس بألفاظه عند الكلام على أدلة القول الثاني، إن شاء الله تعالى )4( .)435-126)، وصحيح مسلم722صحيح البخاري )5(
عدد الصفحات ٢٩٨في أحكام صفة الصلاةالجامع 300 أنه مستحب غير واجب، لأنه لم يقل: إنه من أركانها، ولا من واجباتها، ولأن تمام الشيء أمر زائد على وجود حقيقته التي لا يتحقق إلا بها في مشهور الاصطلاح، .)1(وقد يطلق بحسب الوضع على بعض ما لا تتم الحقيقة إلا به « :)إقامة الصف من حسن الصلاةوقال ابن بطال عن قوله: ( يدل على أن إقامة الصفوف سنة مندوب إليها، وليس بفرض؛ لأنه لو كان فرضًا لم يقل عليه السلامُ: فإن إقامة الصفوف من حسن الصلاة؛ لأن حسن الشيء زيادة .)2(على تمامه، وذلك زيادة على الوجوب ) تمام الشيء يحتمل أنه أراد التمام المنافي من تمام الصلاة قلت: قوله: ( ﴾ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ للنقص، فتكون التسوية على هذا واجبة، كقوله تعالى: ﴿ ، فإتمامهما: تأدية كل ما فيهما من الوقوف، والطواف، وغير ذلك. ]196[ ) متفق عليه، وسبق تخريجهوما فاتكم فأتمواوقوله: ﷺ: ( ويحتمل أنه أراد تمامها: أي البلوغ بها رتبة الكمال، كما يقال: تم الشيء إذا إقامة الصف كمل، فتكون التسوية مستحبة، إلا أنه لما قال في حديث أبي هريرة ( ) ترجح الثاني، وهو أنه قصد بالإتمام الكمال.من حسن الصلاة وأهل اللغة يرون أن التمام والكمال مترادفان. وذكر بعض أهل اللغة أن بينهما فرقًا: فالتمام: الإتيان بما نقص، والكمال: الزيادة على التمام، فإذا قلت: رجل تام الخَلْق لا يفهم السامع العربي إلا أنه لا نقص في أعضائه. وإذا قلت: رجل كامل، يفهم منه أنه خَصَّه بمعنى زائد على التمام، كالحسن والفضل، فالكمال: تمام وزيادة. ﭻ ﭼ وقد يطلق كل منهما على الآخر تجوزًا، وعليه قوله تعالى: ﴿ .)3(]3[ ﴾ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ). 217/1 انظر: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام)1( .)347/2 شرح البخاري لابن بطال)2( .)332/31 انظر: تاج العروس)3(
عدد الصفحات ٢٩٩الجامع في أحكام صفة الصلاة 301 الدليل الثالث . )1(حكي الإجماع على أن تسوية الصفوف مستحبة وناقش دعوى الإجماع ابن مفلح، وابن حجر، مما يدل على ثبوت حكاية الإجماع. قال ابن مفلح في الفروع .)2(استحبابه، لا نفي وجوبه وقد يسلم هذا التأويل لو كان هناك من ينازع في ثبوت القول بالاستحباب، فيرد عليه بأنه مجمع على ثبوته، أما وهو قول عامة الفقهاء، ومنهم الأئمة الأربعة، بل لم يُحْكَ غيرُه في القرون المفضلة لم تكن هناك حاجة إلى هذه الطريقة لإثبات القول بالاستحباب. وقال الحافظ في الفتح الوجوب بما صح عن عمر أنه ضرب قدم أبي عثمان النهدي لإقامة الصف، وبما صح عن سويد بن غفلة، قال: كان بلال يسوي مناكبنا، ويضرب أقدامنا في الصلاة، .)3(فقال: ما كان عمر وبلال يضربان أحدًا على ترك غير الواجب وقد رجعت إلى كتاب ابن حزم، فوجدته قد ذكر هذا الكلام في معرض استدلاله لقوله، لا في معرض حكاية الإجماع وردها بتلك الآثار، فلعل ابن حجر أخذه من كون ابن حزم حين أثبت وجود القول بالوجوب وذلك من فهمه لضرب عمر وبلال رضي الله عنهما أقدام من لم يسو الصف لزم منه خرق دعوى من حكى الإجماع، وأثر عمر وبلال سوف أذكرهما إن شاء الله تعالى في أدلة القول الثاني، وأناقش ثبوتهما، ودلالتهما على إثبات القول بالوجوب. دليل من قال: التسوية واجبة: الدليل الأول ) ما رواه مسلم من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال: 1170(ح سمعت قتادة يحدث، ). 76/2فيض القدير شرح الجامع الصغير )1( .)163/2الفروع )2( .)259/2)، عون المعبود379/2)، وانظر المحلى بالآثار210/2فتح الباري )3(
عدد الصفحات ٣٠٠في أحكام صفة الصلاةالجامع 302 : سووا صفوفكم، فإن تسويةﷺعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله .)1(الصف، من تمام الصلاة وجه الاستدلال بالحديث من وجهين: : أن النبي ﷺ أمر بتسوية الصفوف، والأصل في الأمر الوجوب.الأول : أن التام في أصل الوضع هو ما يقابل الناقص، يقال: ولد تام الخلق: الثاني أي غير ناقص، والنقص من الصلاة لا يجوز، فكذلك تسوية الصفوف. ويناقش: بأن القرينة الصارفة عن الوجوب إلى الاستحباب قوله في حديث أبي هريرة ).قامة الصف من حسن الصلاة(إ وأن التمام يأتي بمعنى الكمال، ويأتي بمعنى إتمامها عن النقص، وحديث أبي هريرة قرينة أنه أراد الأول، والله أعلم. الدليل الثاني: ) ما رواه البخاري ومسلم من طريق شعبة، قال: أخبرني عمرو بن 1171(ح مرة، قال: سمعت سالم بن أبي الجعد، قال: سمعت النعمان بن بشير، يقول: قال النبي ﷺ: لَتُسَوُّنَّ صفوفكم، أو .)2(ليخالِفَنَّ الله بين وجوهكم وجه الاستدلال: ورود الوعيد على تركه، وأنه سبب لاختلاف الجهات الدال على اختلاف القلوب وتنافرها دليل على أنه واجب؛ إذ المستحب لا عقوبة في تركه. وأجيب: هذا الدليل من أقوى أدلة القائلين بالوجوب، وقد حاول ابن بطال أن يجيب عن هذا الدليل، فقال .)3(يستحق فاعلها المدح عليها، دل ذلك أن تاركها يستحق الذم والعتب ). 433 صحيح مسلم)1( .)436)، وصحيح مسلم717 صحيح البخاري)2( .)347/2 شرح البخاري لابن بطال)3(
عدد الصفحات ٣٠١الجامع في أحكام صفة الصلاة 303 وتعقب ، وأن يترتب عليه عقاب )1(بأنه لا يلزم من ذم تارك السنة أن يكون آثمًا كالمتوَعَّدِ به من ترك تسوية الصفوف. الدليل الثالث: ) ما رواه البخاري من طريق سعيد بن عبيد الطائي، عن بشير بن 274(ث يسار الأنصاري، عن أنس بن مالك، أنه قدم المدينة فقيل له: ما أنكرت منا منذ يوم عهدت .)2(رسول الله ﷺ؟ قال: ما أنكرت شيئًا إلا أنكم لا تقيمون الصفوف وجه الاستدلال: أن إنكار أنس رضي الله عنه على ترك إقامة الصفوف دليل الوجوب؛ لأن الإنكار لا يقع إلا على ترك واجب. ورد هذا الاستدلال: بأن الإنكار قد يقع على ترك السنن المؤكدة، أو على ارتكاب المكروه الدليل الرابع: ) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، 1172(ح قال: سووا صفوفكم، فإن تسوية ﷺعن أنس بن مالك، عن النبي .)3(الصفوف من إقامة الصلاة وجه الاستدلال: إذا كانت تسوية الصفوف من إقامة الصلاة، كانت التسوية واجبة؛ لأن إقامة الصلاة واجبة، وكل شيء من الواجب فهو واجبٌ. ونوقش هذا: بأن أبا الوليد الطيالسي انفرد بهذا اللفظ عن شعبة، وأصحاب شعبة يروونه ). 210/2فتح الباري لابن حجر )1( .)724صحيح البخاري )2( .)723صحيح البخاري )3(
عدد الصفحات ٣٠٢في أحكام صفة الصلاةالجامع 304 .)1()فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاةبلفظ: ( ورد هذا الحديث عن أنس بثلاثة ألفاظ، )1( فالحديث رواه شعبة، عن قتادة، عن أنس، وقد روي عن أنس بثلاثة ألفاظ ). فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة: (اللفظ الأول رواه أبو الوليد، عن شعبة، واختلف عليه: ).من إقامة الصلاة)، عن أبي الوليد، عن شعبة، بلفظ: ( ....723 فرواه البخاري ).141/3)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى668 وخالف البخاري أبو داود في سننه ).94/54)، وتاريخ دمشق لابن عساكر2174 وأبو خليفة الفضل بن حباب كما في صحيح ابن حبان )، ثلاثتهم رووه عن أبي الوليد 141/3 وعثمان بن سعيد كما في السنن الكبرى للبيهقي الطيالسي، عن شعبة به، كلفظ الجماعة: (تسوية الصفوف من تمام الصلاة). )، منهم.فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة: رواه أصحاب شعبة، عنه بلفظ: (اللفظ الثاني )، 433-124: محمد بن جعفر غندر، وهو من أثبت أصحاب شعبة، كما في صحيح مسلمالأول )، وصحيح 7158،7109)، ومسند البزار2997)، ومسند أبي يعلى274،177/3ومسند أحمد ).9)، والفوائد لأبي الشيخ968)، ومستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم1543ابن خزيمة ). 1543)، وصحيح ابن خزيمة993: يحيى بن سعيد القطان، كما في سنن ابن ماجهالثاني )، 742،740)، ومسند السراج3137: عبد الرحمن بن مهدي، كما في مسند أبي يعلىالثالث ). 170،169/1والجرح والتعديل لابن أبي حاتم )، 2171: خالد بن الحارث، كما في صحيح ابن حبانالرابع )، 3212)، ومسند أبي يعلى291/3 بهز بن أسد، كما في مسند أحمدالخامس: ). 368/3)، وشرح السنة للبغوي254/3: عفان بن مسلم، كما في مسند أحمدالسادس )، 274/3: حجاج بن محمد كما في مسند أحمدالسابع )، 141/3)، ومن طريقه البيهقي668 سليمان بن حرب، كما في سنن أبي داودالثامن: )، 3137: يزيد بن زريع، كما في مسند أبي يعلىالتاسع )، 993: علي بن نصر الجهضمي، كما في سنن ابن ماجهالعاشر )، 3213)، ومن طريقه أبو يعلى2094: أبو داود الطيالسي، كما في مسندهالحادي عشر ).968)، وأبو نعيم في مستخرجه على صحيح مسلم1373وأبو عوانة في مستخرجه . )1373)، ومستخرج أبي عوانة1298: أبو النضر هاشم بن القاسم، كما في سنن الدارميالثاني عشر ).1298: سعيد بن عامر الضبعي، كما في سنن الدارميالثالث عشر ).993: بشر بن عمر الزهراني كما في سنن ابن ماجهالرابع عشر ).97: بَدَل بن المُحَبَّر، كما في معجم ابن الأعرابيالخامس عشر )، =3055: أبو عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، كما في مسند أبي يعلىالسادس عشر
عدد الصفحات ٣٠٣الجامع في أحكام صفة الصلاة 305 .)743: حَبَّان بن هلال، كما في مسند السراج السابع عشر = ).227/11 شعيب بن حرب، كما في تاريخ بغدادالثامن عشر: ). 1372 أسد بن موسى، كما في مستخرج أبي عوانةالتاسع عشر: ). 968 عمر بن مرزوق، كما في مستخرج أبي نعيم على صحيح مسلمالعشرون: )، 177/4: عبد الملك بن إبراهيم الجدي، كما في الأوسط لابن المنذرالحادي والعشرون كلهم رووه عن شعبة، عن قتادة عن أنس مرفوعًا بلفظ الصلاة أظنه (عن النبي ﷺ)، وأنا أحسب أني قد أسقطته. ) من طريق الحسين بن الفضل البجلي، عن 368/3وقد أخرجه البغوي في شرح السنة عفان به، مرفوعًا من دون شك. فالذي يبدو للباحث أن لفظ (فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة) قد انفرد بهذا اللفظ أبو الوليد الطيالسي على اختلاف عليه في لفظه، وقد خالفه أمة من الحفاظ، ولو خالف بن جعفر وابن مهدي ويحيى بن سعيد القطان لكفى بالحكم على روايته بالشذوذ، محمد فكيف وقد خالف معه أكثر من عشرين حافظًا، والله أعلم. وخالف كل هؤلاء وكيع، )، 1543)، وابن خزيمة 3528)، وابن أبي شيبة في المصنف 274/3فرواه أحمد أقيموا صفوفكم، ) عن وكيع، عن شعبة عن قتادة به، بلفظ: (787والحاكم في المستدرك ).فإن من حسن الصلاة إقامة الصف قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وإنما اتفقا على غير هذا اللفظ، وهو أن تسوية الصف من تمام الصلاة. اهـ قلت: بل هو لفظ شاذ من حديث أنس، وإن كان محفوظًا من حديث أبي هريرة، واللفظ هذا جاء من رواية همام، عن قتادة، وشعبة مقدم على همام، انظر اللفظ الثالث. ). فإن إقامة الصف من حسن الصلاةاللفظ الثالث: ( )، حدثنا يزيد بن هارون، عن همام، عن قتادة، عن أنس.122/3أخرجه أحمد ) وأبو نعيم في الحلية 5271،475وتابع همامًا مسعر بن كدام، أخرجه الطبراني في الأوسط ) من طريق محمد بن أبي عمر العدني، قال: حدثنا بشر بن السري، قال: 301/8) و259/7( حدثنا مسعر (بن كدام) عن قتادة، بلفظ: (أقيموا صفوفكم، فإن من حسن الصلاة إقامة الصف قال الطبراني: لم يروه عن مسعر إلا بشر بن السري، ولا رواه عن بشر إلا ابن أبي عمر. وقال أبو نعيم: تفرد به بشر بن السرى عن مسعر. وقال مرة أخرى: غريب من حديث مسعر، تفرد به: بشر. . =قلت: أشار الطبراني إلى علته، وهو تفرد ابن أبي عمر العدني، وهو صدوق فيه غفلة، والله أعلم
عدد الصفحات ٣٠٤في أحكام صفة الصلاةالجامع 306 الدليل الخامس ) ما رواه مسلم، من طرق عن الأعمش، عن عمارة بن عمير 1173(ح التيمي، عن أبي معمر، عن أبي مسعود قال : كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: .)1(استووا، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ... قال أبو مسعود : فأنتم اليوم أشد اختلافًا فاختلاف الصف سبب لاختلاف القلوب، والعقاب لا يكون إلا على واجب. الدليل السادس: ) روى الحارث بن أبي أسامة في مسنده، قال: حدثنا يحيى بن أبي 275(ث بكير، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون ، قال : شهدت عمر بن الخطاب رضي الله عنه غداة طُعِنَ، فكنت في الصف الثاني، وما يمنعني أن أكون في الصف الأول إلا هيبته، كان رضي الله عنه يستقبل الصف إذا أقيمت الصلاة ، فإن رأى إنسانًا متقدمًا أو متأخرًا .)2(أصابه بالدرة، فذلك الذي منعني أن أكون في الصف الأول .... وذكر بقية الأثر .)3([ قال ابن حزم .)4(ضرب عمر بن الخطاب قدمه لإقامة الصف ) وهو المحفوظ فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة= وخالفهما شعبة، فرواه عن قتادة، بلفظ: ( من حديث قتادة عن أنس. فإن تسوية الصفوف من وشعبة مقدم على همام في قتادة، فحديث أنس المحفوظ أنه بلفظ: ( ) محفوظ من حديث أبي هريرة. رواه فإن إقامة الصف من حسن الصلاة)، ولفظ (تمام الصلاة ) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، 435-126)، ومسلم722البخاري عن أبي هريرة ... والله أعلم. ). 432-122 صحيح مسلم)1( .)3898 المطالب العالية)2( ) من طريق يحيى بن أبي بكير به151/4 رواه أبو نعيم في الحلية)3( ) أخبرنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل به340/3 ورواه ابن سعد في الطبقات ). 378/2 المحلى بالآثار)4(
عدد الصفحات ٣٠٥