ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 70 ولو قيل بأن هذا التّخر ص وأمثال ه م ن التقوّل والتجنّي لا ي صدرُ إ ممن تشبّع قلبُه بالحقد على خير القرون، الذين شرّفهم الل بصحبة نبيّه ‘، لما أبعد القائل، ولا استُبع د القولُ، وكيف يُستبعد مثل هذا الاحتمال ونحن نرى كمّية الكذب والافتراءات التي تُنسب لصحابة النبيّ ‘، وتتداول في كثيرٍ من الكتب ــ الق ديمة منها والحديثة ــ، والتي لا ٍ قبيحةٍ غاية القُبح؛ ألا وهي: توسيع ا تؤدّي إلا إلى غاية لفجوة بين المسلمين في كلّ مكان وزمان، وشحن القلوب بالعداء المستحك م لسائر المسلمين، ابتداءً من خير القرون إلى زمان نا هذا، ولا حول ولا قوة إلا بالل العلي العظيم. أقوال أهل العلم : ولا بد هنا من الإ شارة إلى حُسن طريقة أهل العلم في التعامل مع هذا الحديث ، فهُم مع اختلاف هم في مواق فهم م ن دلالاته ، إلا أن أحدًا منهم لم يشد د النّكير على الآخ ر ، بل وس ع كلٌّ منهم الآخر ، ولم يتطرّق أحدٌ منهم إلى تبديع الآخر أو تجهيله ، أو تفسيقه ، فضلاً عن تكذيب ه أو تكفيره ، وعند الرجوع إلى أقوال هم ، نرى أنه يمكن حصرُها ابتداءً في ثلاثة أقوال : الأول: م ن نفى أكل النبيّ ‘ من الذّبيحة. الثاني: من قال بأكل النبي ‘ م ن الذّبيحة . الثالث: من أشكلت عليه ألفاظُ الحديث ، ورأى في تعارضها
عدد الصفحات ٧١ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 71 اضطرابًا لا يُوصل إلى معنى صحيحٍ. هذا عرضٌ مجملٌ لمواقف هم ، والآن إلى ذكر ذلك بالتفصيل : * الأول: أن النّبيّ ‘ لم يأكل ممّا ذُبح على الن صب : ذكر هذا غيرُ واحد من العلماء منهم السهيلي ، حيث قال بعد أن ذكر الحديث : وفيه سؤال؛ يقال: كيف وفّق الل زيدًا إلى ترك أ كل ما ذُبح على الن صب وما لم يذكر اسم الل عليه، ورسولُ الل ‘ كان أولى بهذه الفضيلة في الجاهلية لما ثبت الل له؟ فالجواب من وجهين أحدهما: أنه ليس في الحديث > حين لقيه ببلدح فقد مت إليه السّفرة < أن رسول الل ‘ أكل منها ، وإنما في الحديث أن زيدًا قال حين قُدّمت السفرة : > لا آكلُ مما لم يذكر اسم الل عليه < (1 ) . وقال الك رماني: ج ع لُه في سفرة رسول الل ‘ لا يدل على أنه كان يأكلُه ، وكم من ش يءٍ يُوضع في سُفرة المُسافر مما لا يأكلُه هو ؛ بل يأكلُه من معه ، وإنما لم ي ن ه الرسولُ ‘ م ن معه م ن أكل ه لأنه لم يُوح إليه بعدُ ، ولم يُؤمر بتبليغ شيءٍ تحليلاً وتحريمًا (2 ) . وكان ابنُ بطال قد قال بهذا القول ، وعدّ الخلاف الواقع بين الروايتين مُظهرًا للترتيب الواقع في تلك الحادثة ، موفّقًا بين الروايتين بأن ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) الروض الأنف2 /233)، وسيأتي الوجه الثاني في القسم الآتي، عند القائلين بأن النّبي ‘ أكل من هذه السفرة. ( 2 ) الكواكب الدراري15 /62 .)
عدد الصفحات ٧٢ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 72 تقديم الس فرة كان أولاً للنبيّ ‘ فأبى ذلك ، ثم قدّمها بدوره إلى زيد بن عمرو فأبى أيضًا ذلك ، معلّلاً ذلك بما جاء في روايات الحديث ، قائلاً : فالس فرة إنما قد متها قريشٌ للنبي ‘ فأبى أن يأكل منها ، فقد مها النبي ‘ إلى زيد ، فأبى أن يأكل منها ، ثم قال لقريشٍ الذين قدّموها إلى النبي : ( أنا لا آكلُ مما تذبحون على أنصاب كم )، ولم يكن زيدٌ في الجاهلية بأفضل من النبي ، فحين امتنع زيدٌ فالنبي الذى كان حباه الل لوحيه واختاره ليكون خاتم النبيين وسيّد المرسلين أولى بالامتناع منها في الجاهلية أيضًا ( 1 ). وهذا الوجه هو الذي ذكره ابنُ الملقّن، ولم يذكر غير ه ، حيث قال :فالس فرةُ إنما قدّمتها قريش لرسول الل ‘ فأبى أن يأكل منها ، فقد مها إلى زيدٍ فأبى أن يأكل منها ، ثم قال لقريش الذين قدّموها لرسول الل ‘ : إني لا آكل ممّا تذبحون على أنصاب كم . ثم تابع ابنُ الملقّن قائلاً : ولم يك زيدٌ في الجاهلية بأفضل م ن رسول الل ‘ ، فحين امتنع زيد فهو الذي كان حباه الل لوحيه واختاره أن يكون خاتم النبيين ؛ أولى من الامتناع منها في الجاهلية أيضًا ( 2 ) . وقد تعقّب الحافظُ ابن حجر ما جاء في كلام ابن بطال السابق(3 )، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) شرح صحيح البخاري5 /408 .) (2 ) التوضيح26 /430 .) (3 ) ولم يأت في كلام الحافظ ما يشير إلى أن شيخه ابن الملقّن قد قال بمثل قول ابن بطال، فلعلّه لم يقف عليه في هذا الموطن، والل أعلم.
عدد الصفحات ٧٣ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 73 فقال :وما قاله محتملٌ ، لكن لا أدري من أين له الجزمُ بذلك ، فإني لم أقف عليه في رواية أحد ، وقد ت بعه بنُ المنير في ذلك ، وفيه ما فيه (1 ) . قلت: وتعبيرُ الحافظ دقيق في كون ه لم يقف على هذا التّرتيب في رواية أحدٍ ، والظاهر أنّ ابن بطالٍ لم يدّع وجود هذا في رواية واحدةٍ لأحد الرواة ، وإنما هو جمعُ ما جاء في الروايتين ، واستحسانُ ابن المنيّر لتوجيه ابن بطال ، وقولُ ابن الملقّن بمثل قول ه يزيدُ م ن قوّة هذا القول ، رحم الل علماء المسلمين . * الثاني : أن النبيّ ‘ أكل منها : وأصحابُ هذا القول منهم م ن ذكره مُطلقًا دون تقييد ، ومنهم م ن ذكره وقام بتوجيهه توجيهًا يراه مناسبًا لمقام النبي ‘ ، فممّن أطلق القول بأكل النبيّ ‘ م ن هذه الذبيحة : الحافظ ابنُ عبد البر ،حيث قال : ومر ــ أي زيد بن عمرو ــ بالنبي ‘ ومعه أبو سفيان بنُ الحارث (2 ) يأكلان م ن سفرةٍ لهما ، فدعواه إلى الغداء ، فقال : يا ابن أخي ، إني لا آكلُ مما ذُبح على الن صب . قال: فما رُئ ي النبي ‘ م ن يومه ذلك يأكلُ مما ذُبح على الن صب حتى بُعث ‘ (3 ) . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) فتح الباري7 /143 .) (2 ) لعلّ وهمًا وقع هنا، حيث المذكور في الحديث هو زيد بن حارثة، لا أبو سفيان بن الحارث، والل أعلم. ( 3 ) الاستيعاب في معرفة الأصحاب2 /617 .)
عدد الصفحات ٧٤ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 74 وقد بناه الحافظُ ابنُ عبد البر على رواية سعيد بن زيد لهذا الخبر، وقد مرّ معنا عدمُ صحّة إسناده . وأما من أثبت أكل النبي ‘ منها ، مع توجيه ما جاء في الخبر، فيمكن تقسيمُه بهذه الطريقة : أ ــ كانت الذبيحة للن صب ولم يكن التحريم قد ورد بشأن ذلك: وأصحابُ هذا القول ذهبوا إلى أنه إن ثبت أكلُ النبيّ ‘ منها ، فلا مؤاخذة على هذا الفعل، لأنّ الشرع لم يكن قد نزل بعدُ بتحريم ذلك ، وفي هذا يقول السّهيلي : الجوابُ الثاني (1 ) : أن زيدًا إنما فعل ذلك برأيٍ رآه لا بشرعٍ متقدّمٍ (2 )،وإنما تقدّم شرعُ إبراهيم بتحريم الميتة لا بتحريم ما ذُبح لغير الل ، وإنما نزل تحريمُ ذلك في الإسلام (3 )،وبعضُ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) سبق الوجه الأول والذي فيه أن النبيّ ‘ لم يأكل من الس فرة. ( 2 ) قال الحافظ: وقوله: > إن زيدً ا فعل ذلك برأيه < أولى من قول الداودي إنه تلقّ اه عن أهل الكتاب ، فإن حديث الباب ب يّ ن فيما قال السهيلي ، وإن ذلك قاله زيد باجتهاده لا بنقل عن غيره ، ولا سيما وزيد يصرّ ح عن نفسه بأنه لم يتبع أحدً ا من أهل الكتابين. ( 3 ) قال الزركشي في التنقيح2/797): وهذا الذي قاله ضعيف، بل كان في شريعة الخليل تحريم ما ذُبح لغير الل، وقد كان عدو الأصنام، والل يقول: ثم أوحينا إليك أن اتبع ملّة إبراهيم حنيفًا. وأشار إلى هذا التضعيف كلٌّ من: الدماميني في المصابيح ( 7 /329)، والبرماوي في اللا مع الصبيح ( 10 /393)، ولم يسمّيا قائله قال الكوراني: قيل: ولو أكل منه لا ضرر لأنه كان قبل البعثة، وعندي أن هذا ليس بمرضي، لأنه وإن كان الأمر كذلك إلا أنه كان مصونًا من الرذائل. اهـ من الكوثر الجاري ( 7 /38 .)
عدد الصفحات ٧٥ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 75 الأصوليين يقولون : (الأشياءُ قبل ورود الشّرع على الإباحة ) فإن قلنا بهذا ، وقلنا إن رسول الل ‘ كان يأكلُ مما ذبح على الن صب فإنما فعل أمرًا مباحًا ، وإن كان لا يأكلُ منها فلا إشكال ، وإن قلنا أيضًا : إنها ليست على الإباحة ولا على التّحريم وهو الصحيح ؛ فالذبائحُ خاصةً لها أصلٌ في تحليل الشرع المتقد م كالشاة والب عير ، ونحو ذلك مما أحلّه الل تعالى في دين م ن كان قبلنا ، ولم يقدح في ذلك التحليل المتقدّم ما ابتدعوه حتى جاء الإسلامُ وأنزل الل سبحانه {ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ} [الأنعام: 121 ]، ألا ترى كيف بقيت ذبائحُ أهل الكتاب عندنا على أصل التّحليل بالشّرع المتقدّم ، ولم يقدح في التحليل ما أحدثوه من الكفر وعبادة الصلبان ، فكذلك كان ما ذبح ه أهلُ الأوثان مُح للاًّ بالشرع المتقد م حتى خصّه القرآن بالتحريم ( 1 ) . ب ــكانت الذبيحة على الن صب ، وليس الن صب محرّمًا لذاته: قال الحافظُ ابنُ حجرٍ في سياق ذ كر ه ما قيل م ن توجيهاتٍ لهذا الحديث : فإن فر عنا على القول الآخر ؛ فالجوابُ عن قول ه > ذبحنا شاةً على ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) الروض الأنف2 /233.) وقال السيوطي في التوشيح6 /2407): ليس في الحديث أنهـ ‘ ـ أكل منها، وعلى تقدير: أنه أكل، فزيد إنما كان يفعل ذلك برأي رآه لا بشرع بلغه، وكان ذلك قبل البعثة، والأشياء لا توصف إذ ذاك بحل ولا بحرمة. واقتصر القسطلاني على نقل أقوال كل من الخطابي وابن بطال والس هيلي، وما أُورد على قولي ابن بطال والسهيلي من اعتراضات. انظر: إرشاد الساري ( 6 /171 .)
عدد الصفحات ٧٦ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 76 بعض الأن صاب < يعني الحجارة التي ليست ب أ صنامٍ ولا معبودةٍ ، وانما هي م ن آلات الجزّ ار التي ي ذبحُ عليها ، لأن الن صُ ب في الأصل ح جرٌ كبيرٌ ، فمنها ما يكونُ عندهم م ن جُ ملة الأصنام فيذبحون له ؛ وعلى اسم ه ، ومنها ما لا يُ عبد بل يكونُ م ن آلات الذّ بح ، في ذبحُ الذّ ابحُ عليه لا للصّ نم ( 1 ) . ت ــلم تكن قد ذُبحت على الن صب ، وإنما ذُبحت للطعام : ومن أصحاب هذا القول م ن ذهبوا إلى أن الذّبيحة أصلاً لم تكن قد ذُبحت من أجل الأصنام ، وإنما ذُبحت م ن أجل الطّعام ، وأن مشارك تهم فيما ي طعمون ما دام لم يُذبح لأجل آلهتهم لا ضير فيه ، بل ، لا استغناء عنه ل من كان في زمان هم ومكان هم ، وفي هذا يقول الإمام الخطابي : امتناعُ زيد بن عمرو من أكل ما في الس فرة ؛ إنما كان م ن أجل خوف ه أن يكون اللّحمُ الذي فيها مما ذُبح على الأنصاب ، فتنزّه م ن أكله ، وقد كان رسول الل ‘ لا يأكلُ م ن ذبائحهم التي كانوا يذبحون ها لأصنام هم ، فأمّا ذبائحُهم لمأكلت هم فإنا لم نجد في شيءٍ من الأخبار أنه كان يتنزّه منها ، ولأنّه كان لا يرى الذكاة واقعةً إلا بفعلهم قبل نزول الوحي عليه وقبل تحريم ذبائح أهل الشّرك ، فقد كان بين ظ هرانيهم مقيمًا م عهم ، ولم يُذكر أنه كان يتمي ز عنهم إلاّ في أكل الميتة. ثم ذكر الخطّابي أن النبي ‘ كان قد أنكح ابنت ه زينب لأبي العاص بن الربيع ، وهو مشركٌ ، وبقيت عنده بعد هجرة النّبي ‘ مدّةً طويلة إلى ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) فتح الباري7 /144 .)
عدد الصفحات ٧٧ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 77 أن لح قت به ‘ بعد ذلك ، وأن الأمر كان على الح لّ حتى نزل قوله تعالى: {ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ} [الممتحنة: 10]، إلى أن قال الخطّابي : فكان أمرُ الطعام قبل وقوع تحريم ذبائح أهل الشرك على وتيرة أمر الم ناكح في الإ باحة ، وقد كان ‘ ي تنز ه في أمر طعام ه وشراب ه عن كل خبيثٍ م ن الأطعمة ، وذي ضير ، أو ذي رائحةٍ كريهةٍ ، وعمّا ليس منها بطي بٍ في نفس ه في مخرج ك س ب ه (1 ) . وقد استحسن الحافظُ ابن حجرٍ ما جاء في توجيه الخطابي ، فقال بعد أن نقل أهمّ ما جاء فيه : وهذا الجوابُ أولى مما ارتكب هُ ابنُ بطال ، وعلى تقدير أن يكون زيدُ بنُ حارثة ذبح على الحجر المذكورة ؛ فإنما يُحمل على أنّه إنما ذ بح عليه لغير الأصنام ، وأما قوله تعالى {ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ} [المائدة: 3 ]، فالمرادُ به ما ذُبح عليها للأصنام (2 ) . ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلامٌ قريب من كلام الخطّابي يقرّر فيه جواز أكل النّبي ‘ م ن ذبائح أهل زمانه ، ما دام لم تُذبح لأصنامهم ، حيث قال في سياق كلامٍ له طويل في بيان حال الأنبياء قبل ب عثتهم : فقال قومٌ : لم يكن النبي ‘ على دين قوم ه ، ولم يأكل ذبائ ح هم ، وهذا هو المنقولُ عن أحمد بن حنبل ، قال ــ أي أحمد ــ : مَن زعم أنه كان على دينِ قومه فهو قولُ سوء ، أليس كان لا يأكل مما ذُبحَ على الن صُب ؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) الخطابي، أعلام الحديث3/1657 .) (2 ) فتح الباري7 /143 .)
عدد الصفحات ٧٨ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 78 ثم عقّب شيخ الإسلام قائلاً: ولعلّ أحمد قال: أليس كان لا ي عبُ دُ الأصنام ؟ فغل ط الناقلُ عنه ، فإن هذا قد جاء في الآثار أنه كان لا يعبدُ الأصنام ، وأما كونُ ه لا يأكل م ن ذبائحهم فهذا لا يُ علم أنه جاء به أثرٌ ، وأحمدُ من أعلم الناس بالآثار ، فكيف يُ طل ق قولاً عن المنقولات لم يرد به نقلٌ ؟ ولكن ؛ قد ي شتبه بهذا وشركٌ حرمه من حين أرسل ، وأما تحريمُ ما ذبح على الن صب فإنما ذُ كر في سورة المائدة ، وقد ذُ كر في السور المكية كالأنعام والنّ حل تحريمُ ما أُ ه لّ به لغير الل. فتحريمُ هذا إنما عُرف من القرآن ، وقبل نزول القرآن لم يكن يعرفُ تحريمُ هذا بخلاف الشّ رك ، وقد كان هو وأصحابُ ه مقيمين بمكة يأكلون م ن ذبائ حهم ، لكن فرقٌ بين ما ذبحوهُ للّ حم وما ذبحوه للن صب على جهة القُ ربة للأوثان ، فهذا م ن جنس الشرك لا يُ باح قط في شريعةٍ ، وهو م ن جنس ع بادة الأوثان ، وأما ذبائح المشركين فقد تردُ الشريعةُ بحل ها كما كانوا ي تزوّ جون م ن المُ شركات أولاً (1 ) . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) انظر كلامه بطوله في تفسير آيات أشكلت1 /160 ــ 239 .) قلت: ومقولة الإمام أحمدالتي أشار شيخ الإسلام إلى احتمال وقوع خطأ في نقلها، قد نقلها حنبل في سياق كلامٍ طويلٍ للإمام أحمد، حيث عرض عليه حنبل قول بعضهم في أن النبيّ ‘ كان على دين قومه قبل بعثته، فأنكر الإمام أحمد هذا القول أشدّ الإنكار، وعاب قائله، ثم ذكر حنبل أن ذاك القائل: زعم > أن خديجة كانت على ذلك حين تزو جها النبي ‘ في الجاهلية، فقال ــ أي الإمام أحمد ــ : أما خديجة فلا أقول شيئًا، قد كانت أول من آمن به من النساء، ثم ماذا يحدث الناس من الكلام، هؤلاء أصحاب الكلام؛ من أحب الكلام لم يفلح، سبحان الل، سبحان الل لهذا القول! =
عدد الصفحات ٧٩ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 79 *الثالث: الإشارة إلى اضطراب وقع في ألفاظ الحديث : ما وقع من اختلاف في روايتي البخاري ، حيث جاء التصريح في إحداهما بأن الذي قدّم الس فرة هو النبيّ ‘ ، قدّمها لزيد بن عمرو بن نفيل ، بينما أُبهم المقدّم في الرواية الأخرى ، وكان رسول الل ‘ هو المقد م له ، أوقع إيهامًا عند بعض أهل العلم ، جعلهم لا يرجّحون وجهًا من وُجوه توجيه الحديث ، وفي هذا يقول الكشميري : وفيها إيهامٌ شديدٌ لخلاف المراد ، فإنها تدل على جواز أكل ه عند النبي ‘ ، وعدم جوازه عند زيد بن نفيل ، ولذا أبى أن يأكل ه ، وتكل م عليه القاضي بدر الدين أبو عبد الل الشبلي في > آكام المرجان <، وأخرج طرق ه ، فراجع ها تنفعك في هذا المقام ، وإياك ؛ وما ذكره الحافظُ ههنا (1 ) . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ = واستعظم ذلك، واحتج في ذلك بكلام لم أحفظه، وذكر أمّه حيث ولدت رأت نورًا، أفليس هذا عندما ولدت رأت هذا، وقبل أن يبعث كان طاهرًا مطهرًا من الأوثان، أوليس كان لا يأكل ما ذبح على الن صُب، ثم قال: احذروا أصحاب الكلام، لا يؤول أمرهم إلى خير. اهـ النقل بطوله من ا لسنة للخلال ( 1 /195 .) وهذا يظهر صدق ظنّ شيخ الإسلام في أن الإمام أحمد لم يتعرّض لنفي أكل النبيّ ‘ من ذبائح أهل الجاهلية، وإنما أراد نفي عبادته ‘ للأصنام قبل بعثته. فرحم الل شيخ الإسلام، الذي كان من أعلم الناس بأقوال أئمة الإسلام، خاصة منهم: الإمام أحمد . (1 ) فيض الباري4 /510)، وقد راجع تلميذه كتاب آكام المرجان فلم يجد ما أشار إليه الكشميري، والل أعلم، وأما ما ختم به من التحذير من الأخذ بكلام الحافظ، فلا يلتفت إليه، لعدم خروج كلام الحافظ وتوجيهاته عن جادّة أهل العلم في التعامل مع الأحاديث المشكلة في ظاهرها، و لكون هذا يعود إلى خلفيات التخالف الواقع بين بعض محدّثي الحنفية، والحافظ ابن حجر، رحم الل الجميع.
عدد الصفحات ٨٠ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 80 وقد عرض غير واحدٍ من أئمة الإسلام إلى مسألة الأكل م ن ذبائح غير المسلمين ، ونقل أقوال الفقهاء فيها ــ خاصة المتقدّمين منهم ــ ، بحيثُ لا يملك النّاظرُ فيها إلا أن يُسلّم لهم بسعة الأُفق ، والتمرّس في الفقه ، وحُسن فهم مُرادات الشّارع الحكيم ، وس عة الصّد ر في التعامل مع المخالف ، وتمام الإنصاف في إنزال المسائل منازلها ، م ن غير إفراطٍ ولا تفريطٍ ، وم ن هؤلاء الكبار : الإمامُ إبراهيم الحربي الذي ذكر ما يمكن به توجيه أحاديث الباب، ثم ختم قائلاً : وبعدُ : فإنّ الفقهاء مّ ن الصحابة والتابعين مختلفون فيما ذُ بح لصنمٍ أو كنيسةٍ ، فرخ ص فيه قومٌ إذا كانت الذكاةُ وقعت موقع ها ، ولم يلتفتوا إلى ما أض مر هُ الذّ ابحُ ، فرخّ ص أبو الدرداء وأبو العرباض وعبادةُ ، وجماعةٌ من التابعين ، وك ره هُ ابنُ عمر ، وعائشةُ ، وجماعةٌ م ن التابعين ، وكراهةُ رسول الل ‘ أصوبُ وأحسنُ م ن غير طعنٍ على م ن رخ ص ولا مُ خ ط ئ ه (1 ) .اهـ. وقد نقل مثل هذا الخلاف بأوسع منه (2 ) :العلاّمة ابن الملقّن ، فقال :ومعنى ( أُه ل لغير الل ب ه ): ذُكر عليه غيرُ اسم الل من أسماء الأوثان التي كانوا يعبدون ها ، وكذا المسيح وكلّ اسمٍ سوى الل ، فالمعنى ما ذُبح للآلهة وللأوثان فسُم ي عليه غيرُ اسم الل ، واختلف الفقهاءُ في ذلك ؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) غريب الحديث2 /791 .) (2 ) وذلك لتأخّر زمانه عن زمان إبراهيم الحربي ، فإبراهيم الحربي توفي ( 285هـ)، وابن الملقّن توفي في ( 804هـ)، وكانت المذاهب في زمن ابن الملقّن بل وفي أزمان متقدّمة ــ قد استقرت واعتمدت أقوالها، وانتشر التّ صنيف فيها، ممّا مكّن المتأخرين من العلماء ــ زمانًا، ومنهم ابن الملقّن ــ من التوس ع في نقل أقوالهم، رحم الل الجميع.
عدد الصفحات ٨١ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 81 فكره عمرُ وابنُه وعليٌّ وعائشةُ ما أُه لّ به لغير الل ، وعن الن خعي والح سن مثلُه ، وهو قول الثوري ، وكره مالكٌ ذبائح النصارى لكنائسه م وأعياد هم ؛ وقال : لا يُؤكلُ ما سُم ي عليه المسيح . وقال إسماعيلُ بنُ إسحاق : كرههُ مالكٌ من غير تحريم. وقال أبو حنيفة: لا يؤكلُ ما سُم ي المسيحُ عليه . وقال الشافعي : لا ي حل ما ذُب ح لغير الل ، ولا ما ذُب ح للأصنام . ورخص في ذلك آخرون ؛ رُوي ذلك عن عباد ة بن الصامت ، وأبي الد رداء ، وأبي أُ مام ة ، وقال عطاءٌ والشعبي : قد أ حل اللُ ما أُه ل به لغير الل ؛ لأ ن ه قد علم أنهم سيقولون هذا القول وأحل ذبائحهم . وذهب الليثُ وفقهاءُ أهل الشّام ، مكحولٌ وسعيدُ بنُ عبد العزيز والأوزاعي قالوا: سواءٌ سم ى المسيح على ذبيحت ه ، أو ذبح لعبدٍ أو كنيسةٍ ، كل ذلك حلال ؛ لأنه كتابيٌّ ذبح لدين ه ، وكانت هذه ذبائ حُهم قبل نزول القرآن ، وأ حل ه الل تعالى في كتابه (1 ) . وأختمُ بذكر ما ختم به الإمامُ الذهبي تعليق ه على حديث الباب، حيث ذكر رواية امتناع النبيّ ‘ م ن الأكل ممّا ذُبح على الن صب بعد أن تبيّن له ذلك ، ثم علّق قائلاً : فهذا اللّ فظ مليحٌ ، يُ ف سّ ر ما قبل ه ، وما زال المصطفى محفوظً ا محروسً ا ق بل الوحي وب عد ه ، ولو احتمل جوازُ ذلك ، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) التوضيح26 /431.) وقد نقل نصّه بتمامه، مع تغيير يسير ــ لا يكاد يُذكر ــ في صيغ بعض الجُ م ل : البدر العيني في عمدة القاري ( 21 /114)، ولم يُشر إلى كون هذا م ن نصّ ابن الملقّن، والل أعلم.
عدد الصفحات ٨٢ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 82 فبالضّرورة ن دري أنه كان يأكلُ م ن ذبائح قريشٍ قبل الوحي ، وكان ذلك على الإباحة ، وإنما تُ وصف ذبائحُ هم بالتّ حريم بعد نزول الآية ، كما أن الخ مرة كانت على الإباحة إلى أن نزل تحريمُ ها بالمدينة بعد يوم أُ حُ دٍ . والذي لا ريب فيه أنه كان معصومً ا قبل الوحي وبعد ه وقبل التشريع من الزنى قطعً ا ، ومن الخيانة ، والغدر ، والكذب ، والس كر ، والس جود لوثنٍ ، والاستقسا م بالأزلام ، وم ن الرذائل ، والسّ فه ، وبذاء اللسان ، وكشف العورة ، فلم يكن يطوفُ عُ ريانً ا ، ولا كان يقفُ يوم عرفة مع قوم ه بمُ زدلفة ، بل كان يقفُ بعرفة . وبكل حالٍ ، لو بدا منه شيءٌ من ذلك ، لما كان عليه ت ب ع ةٌ ، لأنه كان لا ي عرفُ ، ولكن رُ تبةُ الك مال تأبى وقوع ذلك منه ‘ تسليمً ا ( 1 ) .اهـ كلام الذهبي وهو جامعٌ كافٍ وافٍ في معناه. والحمد لل رب العالمين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) سير أعلام النبلاء1 /130 .)
عدد الصفحات ٨٣ذكر تراجم المحدثين لهذا الحديث 83 المطلب الخ امس د ك ر ت راج م ال محذ ِث ي ن ال مخ ر ِج ي ن ل هذ ا ال حذي ث ال كري م ، مسي ن ن طة م ي ة ل وب عض ال ق وائ ذ ال ق ف هي ة ا جاءت تبويبات أئمة الإسلام على هذا الحديث بما يلي : أما البخاري فقد بوّب له مرّة بقوله : حديث زيد بن عمرو بن نفيل (1 ) . وبوّب مرّة أخرى بقوله: باب ما ذُبح على الن صب والأصنام (2 ) . وبوّب النسائي له بقوله: زيد بن عمرو بن نفيل (3 ) . وأما ابن حبان، فقد بوّب له قائلاً : ذكرُ الخبر الدالّ على أن الجُب ن الذي أكل ه المصطفى ‘ كان م ن عمل المُسلمين( 4 ) . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) كتاب مناقب الأنصار، حديث رقم3826 .) (2 ) كتاب الذبائح والصيد، حديث رقم5499.) فائدة: قال الكرماني في شرحه على الصحيح ( 20 /96): فإن قلت : ما وجهُ العطف في الترجمة؟ قلتُ: إذا كان الن صُبُ أحجاراً فهو ظاهرٌ ، وأما على تقدير أن يكون هو المعبود فهو من الع طف التفسيري . ( 3 ) كتاب المناقب، حديث رقم8133 .) (4 ) صحيح ابن حبانــ باب آداب الأكل ــ حديث رقم ( 5242). وتبويبه هذا له تعلٌّق=
عدد الصفحات ٨٤ذكر تراجم المحدثين لهذا الحديث 84 وبوّب له البيهقي بقوله: باب ما ذُبح لغير الل (1 ) . وبوّب له في دلائل النبوّة قائلاً: ذ كرُ حديث زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل ، وما في حديثهما من آثار رسول الل ‘ (2 ) . الفوائد: * فيه قوةُ يقظة زيد بن عمرو بن نفيل وجودة فهمه( 3 ) . * دلالة العقل والفهم السديد على وجود الخالق،واستحالة الشريك والندّ في حقّه ( 4 ) . * خُصّ ال غ ض ب باليهود واللعنة بالنصارى ؛ لأن ال غ ض ب أردى من الل ع ن ة ، فكان ال ي هُود أ ح ق به لأ نهم أ شد ع د او ةً لأهل الحق (5 ) . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ = بالحديث الذي قبله، والذي جاء فيه أكلُ النبي ‘ جبنًا من تبوك. وابن حبان بتويبه هذا يؤكّد أن النّبي ‘ لم ي أ كلُ م مّ ا ذُبح على الن صب في حديث زيد بن عمرو بن نفيل، والل أعلم. ( 1 ) السنن الكبرىــ كتاب الصيد والذبائح ــ ( 9 /419 .) (2 ) دلائل النّبوة2 /120 .) (3 ) ابن الجوزي، كشف المشكل2 /578 .) (4 ) ابن الجوزي، كشف المشكل2 /578)، بتصرّف. ( 5 ) العيني، عمدة القاري شرح صحيح البخاري16 /287)، وأصل الكلام للكرماني في شرحه على البخاري ( 15 /62 .)
عدد الصفحات ٨٥ج ذي ث ئ ذء ال وح ي المطلب الأ ول : ذكر الحديث. ي المطلب الث ان : تخريج الحديث. المطلب الث الب : بيان الغريب الواقع في الحديث. المطلب الراب ع : ذكر الإشكالات الواردة على الحديث، والرد عليها. المطلب الخ امس : ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه.
عدد الصفحات ٨٦