ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 54 الأول: أن ي ثبُت أن هنالك شاةً ذُبحت من أجل الن صُب . الثاني: أن ي ثبت أن النّبي ‘ ع لم أن هذه الشاة ذُبحت على الن صب. الثالث: أن ي ثبت أن النبي ‘ قد أكل منها بعد ع لم ه بأنها ذُبحت على الن صُب . فأما ما نُ سب إلى زيد بن حارثة م ن قوله عن النبي ‘ : ( وهو مُ رد في إلى نُصُ بٍ من الأ نصاب وقد ذب ح نا له شاةً فأن ضج ناها ) إلى آخر الخبر ، فقد مضى معنا ع دمُ صحّته وأسبابُ ذلك ، مع ملاحظة أن ما أجاب به زيد بن عمرو لا يطابقُ ما ذكر ه النبي ‘ ، فالنّبي ‘ ــ كما جاء في الرواية ــ ب يّن لزيدٍ بأن هذه الشاة ذُبحت على الن صب ، فكان المفترضُ أن يكون امتناعُ زيد بن عمرو من الأكل منها معلّلاً بقوله : لا آكل ممّا ذُبح على الن ص ب ، لكن جاء جوابُه على امتناع ه عن الأكل منها بقول ه: ما كنتُ لآكل ممّ ا لم يُ ذكر اسمُ الل عليه (1 )،والفرقُ واضحٌ بين ما ذبح لغير الل ، و بين ما لم يُ ذكر اسم الل عليه ، فقد ي ذبحُ الذّابحُ لغير الل ويُسمّي هذا الغير ، وقد ي ذبحُ الذّابحُ لل ،وقد ي ذبحُ الذابحُ ولا يذكرُ اسم الل على ذ بيح ته ، إما ن سيانًا ، أو غ فلةً عن ش رط ية ذكر اسم الل على الذّبيحة لح ل ها عند من يقول بشرطيتها ، إلى غير ذلك من الاحتمالات التي يمكنُ أن ت طرأ على ذلك ، فتفر ق بين الحالين : حال الذي ذُبح لغير الل ، وحال ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) كما عند أبي يعلى برقم7212 .)
عدد الصفحات ٥٥ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 55 الذي ذُبح ولم يُذكر اسم الل عليه . وسيأتي معنا مزيدُ بيان لهذا الفرق في كلام الإمام الخط ابيّ ، وكيف أن أ ك ل ما لم يُ ذكر اسم الل عليه ، هو الذي أُ بيح لأمّ ة الإسلام م ن ذبائح أهل الكتاب ، لا أكل ما ذُبح لغير الل تعالى . وهذا أيضًا يُضاف إلى أوجه النّكارة التي ذكرتُها إيضاحًا لإشارة الحافظ الذهبي إلى ذلك. وجاء في حديث سعيد بن زيد ــ الذي أخرجه الطيالسي والبزّارُ وغيرُهما ــ قولُ ه: و هُم ا ي أ كُلا ن م ن سُف ر ةٍ ل هُم ا ، ف د ع ي اهُ ، ف ق ال : > ي ا اب ن أ خ ي ، لا آكُلُ م م ا ذُب ح ع ل ى الن صُب ، ق ال : ف م ا رُؤ ي الن ب ي ‘ ي أ كُلُ م م ا ذُب ح ع ل ى الن صُب م ن ي و م ه ذ ل ك ح ت ى بُع ث <. وقد أنكر الشيخُ الألباني هذه الزيادة، وعلّق نكارت ها باختلاط المسعودي ، وكون الراوي عنه وهو يزيد بن هارون ممّن نص الحفّ اظُ على رواي ت ه عنه بعد اختلاط ه ، و إنكارهُ جي دٌ ، و مع ذا : فالصّ حيحُ أن هناك من روى هذا الحديث عن المسعودي ، م مّن عُ رف بالرّ واية عنه ق بل اختلاط ه كعبد الل بن رجاء والهيثم بن عمرٍ و ، وقد سبق ذكرُ ذلك كُ ل ه ، وسبق أيضً ا بيانُ ج هالة كل م ن نُ فيل بن هشام وأبيه هشام بن سعيد ، وهذا كل ه يعود على الحديث بالر د ، ومع ذلك ، فإن ص حّت هذه الروايةُ ــ ولا تصح ــ فإنها تُ ح م لُ على أن الن بي ‘ لم يكن ي علمُ بأنها ذُ بحت على الن صُ ب ــ حتى لو افترضنا أنها ذُبحت أمام ه على الن صُب ــ لأن احتمال
عدد الصفحات ٥٦ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 56 ق ص د ذاب حها قد يخفى على النّاظرين ، ومنهم النّبي ‘ ، بحيث يُظن أنّ الموافقة حصلت في المكان م ن غير تحضيرٍ مُسبقٍ ، ٍ مُبي تةٍ ولا نيّة ، ثم لما ن ب ه زيدُ بنُ عمرٍ و على هذا م ن كون هذه الذّبيحة إنما ذُبحت تقر بًا للن صُب ــ استصحابًا منه لما يراه الأصل في ذلك ، أو على وجه الاحتمال ــ ، كف النبي ‘ عن تناول ما هذا حالُ ه . وكل هذا الاسترسال في إمكانية توجيه ما جاء في هذا الس ياق ؛ إنّما هو على افتراض ص ح ته ، ولكن ت بيّن لنا فيما مضى م ن خلال الن ظر في إ سناد ه ، أنه لا ي صح بحالٍ ، لحال راوي ه الم سعودي ، وكون بعض من رواه عنه س مع منه بعد اخ تلاط ه ، ولجهالة اثنين من رواته ، وعدم الوقوف على تعريفٍ بشيءٍ م ن حال ه ما. ومع ذا ، فإن لم ي قنع المعترض بهذه الأجوبة ، ولم يجد تمام بُغي ته في إزالة ما بقي من شكّه فيه ، فل يصبر قليلاً حتى يصل إلى الجواب الأخير الآتي بعد ذ كر إشكالات أصحاب ها والرد عليها . ثم تابع شيخ الشريعة قائلاً : > ولو قيل بموجب ما رواه في كتاب المناقب فكذلك اتحاد الحديثين ، فلابد من إ رجاع الضمير في قوله: ( فأبى ) إلى زيد ، كما هو سياق الكلام والمقام ، والحديث يفسّر بعضه بعضاً ، كما صرّح به أعيانُ العامة فيلزم جميعُ ما ذكرنا . ولو تعسّف متعسّف ف أ رجع الضمير إلى النبيِّ ؛ فلا أقل دعوة النبي زيدً ا إلى هذا الأ مر القبيح ، الذي تقرّرت حرمته في الشرا ئ ع
عدد الصفحات ٥٧ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 57 السابقة، بل في شريعة إبراهيم ، على ما اعترف بعضُ أعيانهم ، وارتكز قبحُ ه في العقول ، ولننقل بعض كلمات القوم مما يتعلق بالمقام <. قلت : أما على رواية البخاري والتي نصّ فيها الراوي على أن الس فرة قُد مت للنبي ‘ فامتنع عن الأكل منها ، ثم قال زيدٌ ما قال ، فلا إ شكال فيها ، إذ لا ي ب عُد أن يقال: إ نها قُدّمت أولاً للنبي ‘ ، فأبى أن يأكل منها ، ولم يُعلّل امتناع ه ، ثم قُد مت لزيد بن عمرٍ و فأبى ، وبيّن سبب إبائ ه قائلاً : لا آكلُ مم ا ذُ ب ح على الن صُ ب ، وإن أعوزك الدليلُ على هذا التّ رتيب ، فلك أن تقول : إ نها قُدّمت ل لنّبي ‘ وزيد بن عمرٍو في وقتٍ واحدٍ ، فأبى كلٌّ من النبي ‘ وزيدٍ الأكل منها ، ولم يُعلّل النبي ‘ سبب امتناع ه ، بينما قال زيدٌّ ما قال ، والجوابُ القائمُ على هذا الترتيب هو الذي قال به ابنُ بطّ ال ، ولا تكل ف فيه ولا إشكال ، و إ ن ع د ه الحافظ ابن حجر مُشكلاً ، مُقد مًا عليه توجيه الخطابي . و ل ل حافظ ابن حجرٍ وغير ه من علماء المسلمين الحق فيما يختارون ه أو يُرج حون ه م ن توجيهاتٍ ، ما دام موافقًا لقواعد الشريعة العامة غير مخالفٍ لها ــ وهم من أعلم النّاس بها ــ ، وم ن هؤلاء الأجلاّء : العلامّةُ ابنُ بطال ، الذي اختار وجه ترتيب سياق الحديث الذي أشرتُ إليه آنفًا ، و لا غرابة فيه ــ كما سبق معنا ــ ولا إشكال ولا تكل ف ، و يعزّز حُسن توجيه ه واختيار ه : اختيارُ العلامة ابن المُ ني ر شارح البخاري له ، وهو المعروفُ بحسن اختياراته و سلامة ذ وق ه و توجيهات ه. وكونُ الموض ح لسبب الرفض هو زيد بن عمرو لا إشكال فيه أيضاً ،
عدد الصفحات ٥٨ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 58 فهو قد قال مقولته بحضرة النّ بي ‘ ، وإقرارُ ه ‘ على ذلك ت مث ل في سكوته ، وهو ــ أي إقرارُه ــ من السنّة المحتج بها عند المسلمين ــ علمائ هم وعامّتهم ــ بعد ب عثت ه ‘ ، وهذه الحادثةُ وإن كانت قد حصلت قبل بعث ت ه ‘ ؛ إلا أنّ العامل المشترك فيها مع حديثنا هنا هو : اعتبارُ إقرار ه ‘ موافقةً ( 1 ) منه، كان كذلك قبل ب عثته ، وصار تشريعًا بعدها ، والل أعلم. ثم قد يُضافُ هنا : احتمالُ وقوع اختصارٍ في متن الحديث ، استُغ ن ي عنه بما ص رّح الراوي ب ذكر ه ، حيث اقتصر على ذكر ما قاله زيدُ بن عمرو ، دون ما علّق به نبي نا ‘، وممّا يقوّي هذا الاحتمال أمران: الأول: أن الحديث إنما س يق في بيان فضل زيد بن عمرٍ و وس ب ق ه لقوم ه في طلب الهداية والر شاد ، وهو ما بوّب له البخاري ب قو ل ه : ب ابُ ح د يث ز ي د ب ن ع م ر و ب ن نُف ي لٍ ، ولذا اقتصر الراوي على ذكر قول ه ، دون ما قاله النّبيّ ‘ . الثاني: أن الراوي صدّر قول زيد بن عمرو بحرف ( ثُم )، و ( ثُم ) ــ كما هو معلوم ــ تفيد الترتيب مع التراخي غالبًا ، فكأن الراوي إنما أشار إلى اختصار ه لجزءٍ من الرواية بابتدائه قول زيدٍ بهذا الحرف ( ثم )، وإلا لو كان زيدٌ قد باشر بهذا الجواب ، لكان الراوي عبّر على ذلك بقوله : ( فقال ) أي بتصدير قول ه بالفاء التي تُفيد الترتيب مع التعقيب ، أي يكون قولُ زيدٍ قد وقع بعد امتناعه مباشرة ، وهو ما لم ن ر ه في هذه الرواية ، وهذا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) على سبيل الاحتمال القريب من الترجيح ــ على أقل الأحوال ــ
عدد الصفحات ٥٩ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 59 ــ كما أسلفت ــ يُقوّي احتمال وقوع اختصارٍ في هذا الحديث ، والل أعلم . وقد ي سري هذا الاحتمالُ على الرواية الأخرى ، والتي جاء فيها تقديمُ النبي ‘ الس فرة لزيد بن عمرو ، ويكون الجزءُ المختص رُ غير المذكور منها : أن الس فرة قُدّمت أولاً للنّبيّ ‘ فأبى أن يأكل منها ، ثم قد مها هو لزيدٍ فأبى هو الآخرُ أن يأكل م نها ، معلّلاً ذلك بما قال ه . ويبقى النّظر في أمرين متعل قين بهذه التوجيهات: الأول في سبب تقديم النّبيّ ‘ الس فرة لزيدٍ ، إن كان النّبي ‘ رافضًا الأكل منها أصالةً ؟ والثاني في سبب انفراد زيد بن عمرو ببيان سبب امتناع ه من الأكل منها ، دون النبي ‘؟ فأما الأول فقد يقال : بأن النّبيّ ‘ أراد أن ي قف على صريح موقف زيد بن عمرو م ن المذبوح على الن صب ، ويُظهر هذا الموقف لغير ه من كفّار قريش ، وقد كان زيدٌ يُظهرُ الحنيفية ويطلبُ التوحيد ، فأراد النبي ‘ م ن زيدٍ التصريح بذلك ، وهذا ما كان . وأما الثاني، فلعلّ الجهر ب الموقف م ن ذبائح المشركين على نُصُبُهم لم يكن في مقدور كل أحدٍ ، ولم يكن ممنوعًا على كلّ أحدٍ ، وكان النبي ‘ م ن أهل الفريق الأول ، وكان زيد بن عمرو من أهل الفريق الثاني .
عدد الصفحات ٦٠ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 60 ولا يعني هذا فضلاً لزيدٍ على النّبي ‘ ، أو زيادةً في شجاعت ه في مقابل شجاعة النبيّ ‘، لأن هذا الأمر ــ الممنوع منه والمقدور ــ قد ٍ أو عُرفية أو شخصيةٍ يكون لأسبابٍ اجتماعية ، فزيدٌ عُرف ببح ث ه عن دين التّوحيد م ن فترةٍ مبكّرةٍ ، وكان كما يظهر من الروايات ذا سن ، ومثلُه لا يُخشى م ن انتشار قوله فضلاً عن ديمومته ، وأما النّبي ‘ فكان م ن أعظم بيوت قريشٍ ، وقولٌ يصدرُ من هذا البيت الشّريف يُخالفُ ما تعاهد الناس عليه وتعارفوا لا شكّ أن و ق عه وث ق له سيكونان ذا أثرٍ بالغ ، يُحدثُ في المجتمع ما ليس بالحُسبان ، ولم يكن النبي ‘ قد تقدّم ب عدُ بالسن ، ومثلُه قد عُرف بتمام الفضل ، وحُسن القبول بين الناس ، ممّا يجعلُ لقوله ثقلاً وتأثيرًا وقبولاً قد لا يوجدُ في مقولة غيره ، أض ف إلى ذلك كلّه : كونه ‘ لم يكن قد نُب ئ بعدُ ، فضلاً عن الوصول إلى مرحلة الجهر بإنكار المُنكر . وهذه الاحتمالاتُ وغيرُها إنما يح سُن سوقها هنا لبيان أن هذه المسألة وغير ها من المسائل الثابتة عن النبيّ ‘ بالأسانيد الصحيحة، قد تختلفُ الأنظارُ في توج يهها والتأم ل في أبعادها ، وغالبًا ما يبقى الخلافُ سائغًا بين العلماء فيها ، والأقوال فيها قريبةٌ محتملةٌ ، ولا يتجاوز الخلافُ فيها الإنكار المناسب المُتقب ل بين الطرفين ، أما أن يصل الأمر فيها إلى تكذيب كل طرفٍ للآخر ، أو تبديع ه أو تفسيق ه ، فضلاً عن تكفير ه ، فهذا كما يقال : ن ف سٌ غريبٌ أجنبيٌّ لا ينبغي أن يكون له وجودٌ في ساحة العلم الشرعي، والل أعلم.
عدد الصفحات ٦١ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 61 ثم شرع شيخُ الشريعة في بيان أن رجلاً من أهل السنة ي قال له : ( ابن روزبهان ) قد اختلق زيادةً نسبها لهذا الحديث بعد أن ضُي ق عليه الخناق ، و هذه الزيادة هي نسبته للنبي ‘ أنه قال : > وأنا أيضاً لا آكلُ من ذبيح تهم ؛ وم مّ ا لم يُ ذكر عليه اسمُ الل تعالى ، فأكلا معً ا <. ثم أعمل شيخُ الشريعة م بضع ه في تشريح ابن روزبهان هذا وبيان > ك ذ ب ه ووض ع ه للحديث ، وخيانته وافترائه ، وسخافة عق ل ه وق لّ ة إدراك ه < ــ وكل ها م ن أوصاف شيخ الشريعة ــ وأطال في ذلك ، ونقل عن الت س تري ما يفيد هذا ، إلى أن ختم شيخُ الشريعة كلام ه بقول الت ستري : > إ ن أصحاب الناصب بعد ما نبّههم الشيعة على شناعة بعض أحاديثهم ، يزيدون على ذلك أو ينقصون عنه ، على حسب ما عرض لهم من ضيق الخناق ، فلا يعتد بما يرويه أهل الشقاق <. وأقول تعقيبً ا على ذلك كل ه : لُقّب بهذا اللقب ممّن له اشتغالٌ بالعلم الشرعي من أهل الس نة عددٌ ليس بالكبير ، لكن الذي يريده شيخ الشريعة بكلامه هو المعروفُ بفضل الل بن روزبهان ، والذي يُعرف بخواجة ملا ، المتوفّى (927 ه)، والمعاص ر للحافظ السخاوي ،والذي بدوره ترجم له في كتابه الضوء اللاّمع ، وذكر ملازمت ه للج مال الأردست اني ، وتقد م ه في فنونٍ من عربيةٍ ومعانٍ وأصلين وغير ها ، مع حُسن سلوكٍ وتوجّهٍ وتقش فٍ ولطف ع شرةٍ ، وانطراحٍ وذوقٍ وتقن ع ، ثم ذ كر السّخاوي لقاء ه به في الم دينة ، وشيئًا م ن ش عر ه ، وذكر أيضًا أنه ــ أي السخاوي ــ أجاز ه، وإخبار فضل الل بجمعه لمناقب شيخه الأردستاني ، ولم يذكر السخاوي
عدد الصفحات ٦٢ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 62 شيئًا ممّا يتعلّق بالمؤل ف المشار إليه في كلام شيخ الشريعة(1 ). وترجم لابن فضل روزبهان كذلك: حاجي خليفةُ في كتابه > سلم الوصول <، وذكر تأليف ه > بديع الزمان في قصة حي بن يقظان <، ولم يتطرّق لذكر ذلك المؤل ف المُشار إليه آنفًا (2 )، فالل أعلم بحقيقة هذا الكتاب ، وصحّة ما نُسب فيه لابن روزبهان ، وأما مسألة الوضع على النبي ‘ ، فلا كرامة لمن ثبت في حق ه ذلك من أي الطوائف كان ، ولا يكفي في ادّعائه على أحدٍ من علماء الإسلام مجرّد إحالةٍ على مجهولٍ . ثم نقل شيخُ الشّ ريعة ما ذكره الحافظُ ابن حجر ونقل ه ع ن غير ه من العُ لماء في توجيه الحديث ، ونقل كذلك ما قاله الزّ ركشي في التنقيح ، ثم عل ق على كل ذلك بقوله: وبالجملة فرواية نسبة أكل مما ذُ بح على النصب إلى النبي ؛ كما صرّح في رواية أحمد وأب ي يعلى والبزار وغيرهم أو دعوته غيره إلى أكله مع أنه ممّا ي جتنب عنه اليهود والنصارى ويختصّ بعابدي الأصنام مما لا تخفى (3 ) . قلت: هذا آخر ما خ طّته يدُ شيخ الشريعة وأورد ه من إشكالاتٍ تتعلّق بهذا الحديث ، وقد ظهر معنا بأن ما نُسب للنّبي ‘ م ن أكله ممّا ذُبح على الن صب ، لم يأت في روايتي البخاري ، وإنما رواه أحمدُ وغيره ، ولم يصحّ ذلك بحالٍ من الأحوال . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) انظر ترجمته في: الضوء اللامع6 /171 .) (2 ) سلم الوصول إلى طبقات الفحول3 /13 .) (3 ) القول الصراح124 .)
عدد الصفحات ٦٣ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 63 وأما رواية تقديم ه ‘ الس فرة لزيد بن عمرٍو بن نُفيلٍ ، فهي التي جاءت في صحيح البخاري ، وجاءت مرّة أخرى بصيغة المجهول ، وكان التقديمُ فيها للرّسول ‘، لا منه لزيدٍ ، وسبق توجيهُ ذلك كلّه ، والحمد لل الذي بنعمته تتمّ الصالحات. وننتقل الآن إلى النّ ظر فيما قاله جعفرٌ الس بحاني في ن قد ه لهذا الحديث الشريف ، لنجد أنه لم يقد م جديدً ا على ما سبق ، إلاّ في قوله : > نعم ؛ أخرجه البخاري في كتاب المناقب بصورة أُخرى ربما تكون نزيهةً عن الإشكال ، ولكن الرواية فاقدة للانسجام العام ، وهي تشهدُ على أنّ الراوي تصر ف في الرواية لدفع الطعن ، وإليك نصّ ها : فساق الرواية ثم قال : إنّ الرواية لا تخلو عن تأملات : أ . قوله: > فقُدِّم تْ إلى النبي وسلم سفرة < بصيغة المجهول، فمن المقدِّم لها إلى النبي ؟ فلماذا لم يُ ذكر ؟ وهذا دليل على أنّ الأصل ما ورد في الصورة الأُولى > فق دّ م إليه رسول اللّه سفرة < وإنّما حرّفه الراوي لدفع الإشكال <. قلت : لا دليل على دعوى التحريف إلا الحرصُ على التّشكيك ب صحّةٍ الرواية ، بل والسعي إلى إ بطالها ، ولو قال : و هم الراوي في ذلك ، أو رواها بمعنىً ظن ه غير مخالفٍ للرواية الأخرى ، لكان الأمر قريبًا لا بأس ب قبول ه ، أمّا تصويرُ ذلك بأنه تحريفٌ من ق بل الراوي فهذا ما لا يُعرف من أحوال رُواة الصّحيح ، وق د سبق معنا ذكرُ أقوال أهل العلم في فضيل
عدد الصفحات ٦٤ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 64 بن سليمان، وأنهم تكلّموا في بيان حاله ، ووصفوه بما يُظهر وقوع ه في أخطاء بسبب قلّة ضبطه، ولم يتهّم ه أحدٌ بالكذب ، لا بالنسبة لحديث النبيّ ‘ ، ولا بالنّسبة لحديث الناس ، ولو صحّ عندهم شيءٌ من ذلك ، لصاحوا به ولم ي كتموه ، وهم الذين عُهد عنهم عدمُ المجاملة فيما يتعلّق برواية حديث النّبيّ ‘، وكيف يُظن فيهم ذلك ؛ ومنهم م ن تكلّم في ضبط أقرب الناس إليه ، ولم يكتُم ه ( 1 )، وذلك لمصلحة حفظ هذا الدين القويم ، ولقد اشتهر في أوساط هم من المقولات التي تعظم شأن الإسناد ، وتُحذّر من التساهل مع رواته الشيءُ الكثير ، ومنها مقولةُ يحيى بن سعيد القطّان لمّا قال له أبو بكر بن خلاد: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تذكُرُ حديث هم خصماء ك عند الل يوم القيامة؟ فقال يحيى : لأن يكون هؤلاء خُصمائي أحبّ إلي من أن يكون خصمي رسول الل ‘، يقول : لم ح د ثت عني حديثًا ترى أنه ك ذ بٌ (2 ). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) ومن أشهر الأمثلة على ذلك ما قاله علي بنُ المديني لماسُ ئل عن أبيه عبد الل: اسألوا غيري . فقالوا: سألناك . فأ ط ر ق ، ثم رفع رأسه وقال: هذا هو الدين، أبي ضعيفٌ . اهـ من المجروحين لابن حبان ( 2 /15 .) وهذا جريرُ بنُ عبد الحميد سُ ئل عن أخيه أنسٍ : فقال: لا يُ كتبُ عنه ، فإنه ي كذبُ في كلام الناس. اهـ من الجرح والتعديل ( 2 /289 .) قال الخطيب: فليس أحدٌ من أهل الحديث يُحابي في الحديث أباه، ولا أخاه، و و لده، وهذا علي بن عبد الل المديني، وهو إمام الحديث في عصره، لا يُروى عنه حرفٌ في تقوية أبيه، بل يُروى عنه ضد ذلك، فالحمد لل على ما وفقنا<. اهـ من شرف أصحاب الحديث (ص 41 .) (2 ) المدخل إلى الصحيح (ص111 .)
عدد الصفحات ٦٥ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 65 والأمثلةُ م ن أقوال هم وأفعال هم وتقريرات هم كثيرةٌ، ي صعبُ حصرُها ، ثم يأتي بعد ذلك أُناسٌ لا يعرفون م ن علم الجرح والتعديل إلا الشيء بعد الشيء لكي يزاح موا أئمة هذا الشأن ، بل ويعارضوهم فيما فضّلهم الل به على كثيرٍ من خلقه تفضيلاً، وهذا م ن أعجب العجب! وخلاصةُ القول : إن تحريف ألفاظ الحديث النّبويّ الشريف لا يصدُر إلا من و ضّاعٍ كذّابٍ ، اشتهر أمرُه بين الناس ، ورواةُ هذا الحديث في داخل الصحيح وفي خارج ه لم يُعرف عن أحدٍ منهم شيءٌ من ذلك ، ولا قريبٌ منه ، والحمد لل ربّ العالمين . ثم إنّ ما طرحه السبحاني من إشكالٍ لو أُخذ على ظاهره لأظهر قصورًا في تصوّره للعلوم الشرعية التي يخوضُ غمار ها ويسعى لمنافسة أهلها فيها ، ذلكم أنه يُظهر خفاء نوعٍ من أنواع الحديث عليه ؛ تناوب ا لعلماءُ على التأليف فيه على مرّ العصور ، ألا وهو المتعلّق بمبهمات الأسماء الواردة في الأحاديث النبويّة الكريمة ، وم ن أشهر ها : كتاب الخطيب البغدادي المسمّى بالأنباء المُحكمة في الأسماء المبهمة ، ثم كتابُ الغوامض والمُبهمات لابن بشكوال ، وكتابُ الإمام النووي : الإشاراتُ إلى بيان أسماء المبهمات ، وكتاب المستفادُ من مبهمات المتن والإسناد لأبي زرعة العراقي ، فضلاً عن المؤلفات الخاصة بمُبهمات كتبٍ بعينها ، ككتاب الإف هام لما في البخاري من إبهامٍ للجلال البُلقيني ، وكتاب سبط ابن الع ج مي : تنبي ه المُع لم بمبهمات صحيح مُسلم (1 )، وغير ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) وكلّ ما سبق ذكره مطبوعٌ بتحقيقات متفاوتة، متداولٌ بين طلبة العلم.
عدد الصفحات ٦٦ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 66 ذلك م ن المؤل فات الكثيرة في هذا الباب ، المطبوع منها والمخطوط والمفقود (1 )، وفيها بيانُ أسباب الإبهام الواقع في بعض هذه الروايات ، أو أكثر ها ، وهذا كلّه يعود بالتقليل من شأن الإشكالات التي طرحها السبحاني ، وإظهار عدم وجاهتها ، فضلاً ــ كما أسلفت ــ في كونه قادحًا واضحًا في دائرة معارف السبحاني نفس ه ، والل أعلى وأعلمُ . ثم ذكر السبحاني كلامًا يتعل ق باستشكال امتناع النّبيّ ‘ من الأكل ممّا ذُبح على الن صُب ، وعدم تعليل ه لامتناعه ، ثم تعليل زيد بن عمرو لذلك ، وقد سبق توجيه ذلك عند ذكر اعتراضات شيخ الشّريعة . ثم تابع السبحاني ذكر اعتراضاته على الحديث قائلاً : > ثمّ إنّ ابن حجر رجّ ح الحديث الأوّل على الثاني ، فقال في شرح الحديث الثاني: > فقدِّمتْ بضم القاف إلى النبي < كذا للأكثر ، وفي رواية الجرجاني : فقد م إليه النبي سفرة ( إشارة إلى النقل الأوّل )، قال عياض : الصواب الأوّل < ( 2 ). قلت: وهذا مثالٌ ثانٍ يُظهر قصورًا بيّنًا في ت صو ر المسائل العلمية التي يأبى السبحاني إلا أن يخوض غمار ها ، حيث ظنّ السبحاني بأن كلام العلماء هو في اختلافٍ واقعٍ بين الروايتين من حيث الضبطُ ، وأنهم لذلك رّجحوا إحداها على الأخرى ، بينما الصوابُ أن كلام العلماء هو في ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) انظر لما ذُكر وزيادة: الرسالة المستظرفة للكتاني (ص122 .) (2 ) انظر كلامه بتمامه في كتابه: الحديث النبوي569 .)
عدد الصفحات ٦٧ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 67 ضبط ألفاظ كل روايةٍ على حدةٍ ، دون عرض ها أو معارضتها بالأخرى ، لأن همّهم الأكبر الوقوفُ على النصّ الصّحيح في أحاديث النبي ‘ كما رواه ص احبُه ، فيُنعمون النّظر في نُسخ الصّحيح ، للوصول إلى هذه النتيجة ، وعليه ؛ قاموا فنظروا في ضبط رواية فضيل بن سليمان على ح دة ، كما نظروا في ضبط ألفاظ الروايات الأخرى م ن أحاديث صحيح البخاري ، ليقفوا على اختلافهم أو اتفاق هم عليها ، فوجدوا أن رواية فضيل بن سليمان قد جاءت في جميع نسخ البخاري بالم بنيّ للمجهول أي : ( فقُدّمت )، إلا في رواية الجُرجاني ، فقد جاء ضبطها ( ف قدّمها ) بالمبني للمعلوم ، وهذا يؤكّد أن فضيل بن سليمان رواها بالضّبط الذي عليه الأكثرُ ، وأن وهمًا وقع في نُسخة الجرجاني ، ولعلّ الخلل منه ،فقد مضى معنا نقل أبي نعيم تضعيفهم له. وهذا الذي قاله القاضي عياضٌ ، ون قلهُ عنه الحافظُ ابن حجر ، حيث قال القاضي : > فقُد مت إلى النبي ‘ سفرة <، كذا لكافة الر واة ، وعند الجُ رجاني > فق د م إليه النبي سفرة < والأول إن شاء الل الصّ واب ، ولا يبعدُ صحةُ الثاني (1 ). وقد نقل كلامَه هذا الحافظُ ابنُ حجر ثم زاد قائلاً : روايةُ الإسماعيلي توافق روايةَ الجُ رجاني ، وكذا أخرجه الز بيرُ بنُ بك ار والفاكهيُّ وغيرهما (2 ) . اهـ كلام الحافظ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) مشارق الأنوار1 /36)، وسبق ذكر ما زاده ابن قرقول عليه ( 2 ) فتح الباري7 /143 .)
عدد الصفحات ٦٨ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 68 ثم إن الحافظ عرض للرواية الأخرى والتي جاءت م ن طريق عبد العزيز بن المختار عن موسى بن عقبة، وبيّن بأنه حصل فيها نظيرُ ما حصل في رواية فضيل بن سليمان، من حيث اتفاقُ الن سخ كل ها على رواية (فقدّمها) إلا نسخة الكُشميهني، حيث جاء فيها (فقُد مت)، فقال : ووقع فيه منالاختلاف نظيرُ ما وقع في الرواية التي في أواخر المناقب، وهو أنّ ه وقع للأكثر ( فقد م إليه رسول الل ‘ سفرة )، وللكُ شم ي ه ني: ( ف ق د م إلى رسول الل ‘ سفرةٌ )، وجمع ابنُ المني ر بين هذا الاختلاف بأنّ القوم الذين كانوا هناك قد موا السفرة للنبي ‘ فقد م ها لزيدٍ ، فقال زيدٌ مخاطبً ا لأولئك القوم ما قال ( 1 ). اهـ كلام الحافظُ ابن حجر. وهذا كلّه يُظهر أن نظر العلماء كان في اختلاف النّسخ أو اتفاقها بالنسبة لكلّ روايةٍ م ن روايات البخاري، ومنها هاتان الروايتان، لي صلوا إلى الضّبط الأصحّ لكلّ م ن الروايتين، لا م ن أجل أن يُرج حوا إحدى الروايتين على الأخرى، كما ف ه م السّبحاني ؛ وأراد م ن خلال ف هم ه الخاطئ هذا أن يرسّخ مفهوم وقوع التّحريف في رواية فُضيل بن سليمان، والحمد لل رب العالمين. ثم بعد هذا، نظرنا في كلام النّ جمي، فلم نره أتى بجديد، وإنما حام حول ما جاء في كلام السابقين له ، إلاّ ما جاء في تنبيه ه على أمرٍ رآه خطيراً! وذلك حينما توصّل إلى أن زيد بن عمرو هو ابنُ عمّ أمير المؤمنين ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) فتح الباري9/630 .)
عدد الصفحات ٦٩ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 69 عمر بن الخطاب، وأبو زوجته، وهذا يدل على مدى ح رص الرواة على بيان فضائله، فقال: >وأما زيد هذا هو ابن عم الخليفة عمر بن الخطاب وأبو زوجته، وقد أطراه الكثير من المؤرخين وأصحاب التراجم، فقالوا: إنه في الجاهلية كان موحِّدً ا، وكان يعبد الله وهو على دين إبراهيم الحنيف، وعما يعتقده عربُ الجاهلية، ويصلّ ي ويسجد لله تعالى، وذكره في السجود دليل على إيمانه وحنيفيته <. ثم قال النّ جمي: > وأعتقد أن هذين الحديثين وُ ضعا لتبيين فضائل أحد أبناء عمومة الخليفة عمر بن الخطاب، كما اختلقوا مئات الأحاديث والروايات في بيان الفضائل للخلفاء وقبائلهم، وما أرى دافعاً وداعياً لاختلاق مثل هذه الروايات غير التعصب القبلي المفرط، ومما يؤيد رأي نا إنه لم يرو هذا الحديث أحد سوى عبد الله بن عمر، ونوفل بن هشام بن سعد وهذا الآخر هو حفيد زيد بن عمرو بن نفيل < (1 ) .اهـ المراد نقله من كلام النجمي، وفي رأينا أن عرض كلامه يكفي في ر د ه، لأنه لا يعدو أن يكون ت خر صًا ورجمًا بالغيب، واتّهامًا لا يقوم على شبهة دليل، وكلٌّ قادرٌ على أن يسلك هذه الطرق المُلتوية في الوصول إلى مُراده، ومثلُ هذه الأساليب تُوسّع الطريق أمام أعداء الدين للوُلوج من خلالها إلى إبطال ما شاءوا إبطال ه م ن نصوص الشريعة، >و م ن س ن ف ي الإ س لا م سُن ةً س ي ئ ةً، ف عُم ل ب ه ا ب ع د هُ، كُت ب ع ل ي ه م ث لُ و ز ر م ن ع م ل ب ه ا، و لا ي ن قُصُ م ن أ و ز ار ه م ش ي ءٌ< (2 ) . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) أضواء على الصحيحين233 .) (2 ) انظر: صحيح مسلم1017 .)
عدد الصفحات ٧٠