تخريج الحديث 38 وقال بنص قول ه ابنُ قرقول ، ثم زاد بقوله : ويكون ذلك ظنًّا م ن زيدٍ أن النبي ‘ يأكل مما يأكل قومه (1 ). فتحصّل من جميع ما تقد م : * أن رواية الجماعة جاء فيها أن الذي ق دّم الس فرة هو رسول الل ‘ ، قدّمها إلى زيد بن عمرو بن نفيل . * أن فضيل بن سليمان هو الوحيد الذي رواها بصيغة المبني للمجهول ، أي أن الس فرة قُدّمت للنبيّ ‘ ، ولم يُسمّ فيها المقدّم ، وإنما جاء مُبهمًا. * أن فضيل بن سليمان لا تقبلُ مخالفتُه لراوٍ واحدٍ من الرواة الثلاث ة الذين رووه عن موسى ، فكيف باجتماع هم على خلافه ؟! وعليه ؛ فما جاء في رواية فضيل وهمٌ فيما يظهر ، والل أعلم . وأما معناها فقد يتسّقُ مع الرواية الأخرى ، كما سيأتي معنا في سياق توجيهات أهل العلم لها. * أن كلّ رواة نُس خ صحيح البخاري اتفّقوا على ما جاء في رواية فضيل بن سليمان من إ بهام المقد م ، وكون الس فرة قُدّمت إلى رسول الل ‘ ، إلا ما جاء من طريق الجُرجانيّ ــ محمد بن محمد بن مكي ــ من أن المقد م هو رسول الل ‘ ، مع ملاحظة أن الجُرجانيّ هذا تكلّموا في ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) مطالع الأنوار على صحاح الآثار1 /281 .)
عدد الصفحات ٣٩تخريج الحديث 39 ح فظه، قال أبو نعيم : سمعتُ منه بأصبهان بعض كتاب الصّحيح ، وسمعتُ منه بقيّت ه ببغداد، وقد تكلّموا فيه وضعّفوه (1 ) . حديثزيد بن حارثة : أخرجه أبو يعلى ( 7212 )والحربي في غريب الحديث ( 2 /751 ــ 790 )والبيهقي في الدلائل (456 )من طرق عن مُح م دُ ب ن ع م رٍو ، ع ن أ ب ي س ل م ة ، ع ن ي ح ي ى ب ن ع ب د الر ح م ن ب ن ح اط ب ب ن أ ب ي ب ل ت ع ة ، ع ن أُس ام ة ب ن ز ي د عن زيد ب ن ح ار ث ة ق ال : خ ر ج تُ م ع ر سُول الل ‘ ي و مًا ح ارًّا م ن أ ي ام م ك ة و هُو مُر د ف ي إ ل ى نُصُبٍ م ن الأ ن ص اب ؛ و ق د ذ ب ح ن ا ل هُ ش اةً ف أ ن ض ج ن اه ا ، ق ال : ف ل ق ي هُ ز ي دُ ب نُ ع م ر و ب ن نُف ي لٍ ف ح ي ا كُل و اح دٍ م ن هُم ا ص اح ب هُ ب ت ح ي ة ال ج اه ل ي ة ، ف ق ال الن ب ي ‘: > ي ا ز ي دُ ؛ م ا ل ي أ ر ى ق و م ك ق د ش ن فُوا ل ك <؟ ق ال : و الل ي ا مُح م دُ إ ن ذ ل ك ل ب غ ي ر ن ائ ل ةٍ ل ي م ن هُم ، و ل ك ن ي خ ر ج تُ أ ب ت غ ي ه ذ ا الد ين ح ت ى أ ق دم ع ل ى أ ح ب ار ف د ك ف و ج د تُهُم ي ع بُدُون الل و يُش ر كُون ب ه ، ق ال : قُل تُ : م ا ه ذ ا الد ينُ ال ذ ي أ ب ت غ ي ب ه ، ف خ ر ج تُ ح ت ى أ ق دم ع ل ى أحبار الش ام ف و ج د تُهُم ي ع بُدُون الل و يُش ر كُون ب ه ، قُل تُ : م ا ه ذ ا الد ينُ ال ذ ي أ ب ت غ ي ب ه ، ف ق ال ش ي خٌ منهم : إ ن ك ل ت س أ لُ ع ن د ينٍ م ا ن ع ل مُ أ ح دًا ي ع بُدُ الل ب ه إ لا ش ي خًا ب ال ح ير ة ، ق ال : ف خ ر ج تُ ح ت ى أ ق دم ع ل ي ه ف ل م ا ر آن ي ق ال : ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) تاريخ بغداد4 /362)، وترجم له أبو نعيم في تاريخ أصبهان2 /259)، ولم يذكر هنا كلامهم فيه.
عدد الصفحات ٤٠تخريج الحديث 40 م م ن أ ن ت ؟ قُل تُ : م ن أ ه ل ب ي ت الل م ن أ ه ل الش و ك و ال غ رب ، ف ق ال : إ ن الد ين ال ذ ي ت ط لُبُ ق د ظ ه ر ب ب لاد ك ، ق د بُع ث ن ب يٌّ ق د ط ل ع ن ج مُهُ ، و ج م يعُ م ن ر أ ي تُهُم ف ي ض لالٍ ، ف ل م أ ح سّ ب ش ي ءٍ بعدُ ي ا مُح م دُ ، ق ال : و ق ر ب إ ل ي ه الس ف ر ة ، ق ال : ف ق ال : م ا ه ذ ا ي ا مُح م دُ ؟ ف ق ال : >ش اةٌ ذ ب ح ن اه ا ل نُصُبٍ م ن الأ ن ص اب <. ق ال : ف ق ال : م ا كُن تُ لآكُلُ م م ا ل م يُذ ك ر اس مُ الل ع ل ي ه . ق ال ز ي دُ ب نُ ح ار ث ة : ف أ ت ى الن ب ي ‘ ال ب ي ت ، قال : وتفرّقنا ، ف ط اف ب ه و أ ن ا م ع هُ و ب الص ف ا و ال م ر و ة . ق ال : و ك ان ع ن د الص ف ا و ال م ر و ة ص ن م ان م ن ن ح اسٍ أ ح دُهُم ا يُق ال ل هُ : ي س افُ ، و الآخ رُ يُق ال ل هُ : ن ائ ل ةُ ، و ك ان ال مُش ر كُون إ ذ ا ط افُوا ت م س حُوا ب ه م ا ، ف ق ال الن ب ي ‘ : > لا ت م س ح هُم ا ف إ ن هُم ا ر ج سٌ <، ف قُل تُ ف ي ن ف س ي : لأ م س ن هُم ا ح ت ى أ ن ظُر م ا ي قُولُ الن ب ي ‘ ، ف م س س تُهُم ا . ف ق ال : > ي ا ز ي دُ ! أ ل م تُن ه <. ق ال : و م ات ز ي دُ ب نُ ع م رٍو ، و أُن ز ل ع ل ى الن ب ي ‘، ف ق ال الن ب ي ‘ ل ز ي دٍ : > إ ن هُ يُب ع ثُ أُم ةً و ح د هُ <. قلت : وفيه محمدُ بنُ عمرو بن علقمة ، وهو وإن كان أخرج له الشيخان ، إلا أن هما لم يُخرجا له في الأصول ، وإنما قر نه البخاري مع
عدد الصفحات ٤١تخريج الحديث 41 آخر، و أخرج له مسلم متابعةً ( 1 )، وقد وثّ قه بعضُ النقاد (2 )،وتكلّم غيرُهم في روايته ، كالإمام يحيى القطان حينما س أله عنه علي بنُ المديني ، فقال يحيى : تريدُ العفو أو تُ شد د ؟ فقال ابن المديني: لا بل أشدّ د. قال : فليس هُو ممن تريد ، كان يقول : حد ثنا أشياخُ نا أبو سلمة ويحيى بنُ عبد الرحمن بن حاطب ، ثم قال يحيى : وسألت مالكً ا عنه فقال فيه نحوً ا مما قلتُ لك ( 3 )،وقال فيه الإمام أحمد: وربما رفع أحاديث يوقفها غيره ، وهذا من قبله (4 )،وقال أيضًا: كان يُحدّثُ بأحاديث فيرسلُها ، ويسندُها لأقوامٍ آخرين ، قال : وهو مضطرب الحديث (5 ) . وقال يحي بن معين: لم يزل الناسُ يتّقون حديث محمد بن عمرو . قيل له : وما علّة ذلك ؟ قال : كان محمد بن عمرو يحدّث مرة عن أبي سلمة بالشيء رأي ه ، ثم يحدّث به مرةً أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة ( 6 ) . وقال فيه ابنُ سعد: كان كثير الحديث ، يُ ستض عف ( 7 )،ولهذا قال الذهبي في الس ير بعد أن ذكر هذه الطريق: في إسناده محمد ؛ لا يُ حتج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) انظر: سير أعلام النبلاء6 /136 .) (2 ) انظر: تهذيب الكمال26 /217 .) (3 ) الكامل9 /286 .) (4 ) سؤالات المروذي49 .) (5 ) انظر: شرح علل الترمذي1 /403 .) (6 ) تاريخ ابن أبي خيثمةــ السفر الثالث ( 2 /322 ) (7 ) الطبقات الكبرىــ متمم التابعين ( 1 /363 .)
عدد الصفحات ٤٢تخريج الحديث 42 به، وفي بعضه نكارةٌ بي نة ( 1 ) . قلت: وبعضُ النّكارة التي أشار إليها الذهبي قد تجري في عددٍ من م حاور هذا الحديث ، منها : ما ابتدأه زيدُ بن حارثة م ن كون النبيّ ‘ أرد ف ه إلى نُصبٍ من الأ نصاب ، قد ذ بحا له شاةً ، مع أن آخ ر الخبر جاء فيه تحذيرُ النّبي ‘ لزيد بن حارثة من أن ي مسّ الصّنمين ؛ معلّ لاً ذلك بكونهما رجسًا ، وهذا يُشير إلى أن النّبي ‘ كان قد نزل عليه التكليفُ بالن بوة ، هذا إذا اعتبرنا أن وصف زيد بن حارثة للنّبيّ ‘ بالن بوة في أول الحديث وفي آخره ليس صريحًا لاحتمال وصفه بما آل إليه أمرُه ‘ بعد ذلك ؛ من حمل ه رسالة الل . وهذا يخالفُ ما جاء في الرّوايات الصحيحة لخبر زيد بن عمرو ، والتي نصّ فيها الراوي بأن هذه الحادثة إنّما حصلت ق بل أن ي نزل الوحيُ على النبي ‘. وأما وصفه ‘ الصّنمين بالر جس ، فلا يلزمُ منه أن يكون النّبي ‘ قد نُب ئ ، لأنّ ر جسية الصنمين كانت مستقرةً في الفطر السّليمة التي لم تدن س بكفر الجاهلية ، وهذا ما حصل لزيد بن عمرو في امتناعه عن الأكل ممّا ذُبح على الن صب ، وهو ما ي دفعُ أيضًا قيام ا لنّبيّ ‘ بالذّبح لها ، وكذا ما نُسب للنبيّ ‘ من كونهم ذبحوا الشاة للن صب ، والل أعلم . وهذا كلّه يُضفي على الخبر بمُجمله نكارة المعنى ، وهذا ما أشار ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) سير أعلام النبلاء1 /222 .)
عدد الصفحات ٤٣تخريج الحديث 43 إليه الذهبي عند نقد ه له، كما تقد م نقلُ عبارت ه . وقد عرض الإمامُ إبراهيم الحربي لمناق شة ما جاء في هذه الطريق ، وأنكر أن يكون النّبي ‘ باشر الذّبح بيده الشريفة ، فقال : قوله: >ذ ب حنا شاة لنُ صبٍ م ن الأن صاب <، لذلك وجهان: إما أن يكون زيدٌ فعل هُ من غير أمر رسول الل ‘ ولا ر ضاه ، إلا أنّ ه كان معه ف نُ سب ذلك إليه ، لأن زيدً ا لم يكن م ع ه من الع ص مة والتوفيق ما كان الل أعطاه نبي ه ‘ ، وم نعه مما لا ي ح ل من أمر الجاهلية ، وكيف يجوزُ ذلك وهو ق د م نع زيدً ا في حديث ه هذا بعين ه أن يمسّ صنمً ا ، وما م س ه النبي ‘ قبل نُ بوّ ته ولا بعد ، فهو ينهى زيدً ا عن م س ه ، ويرضى أن ي ذبح له ؟ هذا مُ حالٌ ! والوجه الثاني : أن يكون ذبح ل زاد ه في خروج ه ، فاتفّ ق ذلك عند صنمٍ كانوا ي ذبحون ع نده، فكان الذ بحُ منهم للصّ نم ، والذ بحُ منه لل تعالى ، إلا أن الموضع ج مع بين الذّ بحين ، فأما ظاهرُ ما جاء به الحديثُ فمعاذ الل ، وأما حديث ابن عمر وسعيد بن زيدٍ فليس فيهما بيانُ أنه ذ بح أو أمر بذلك ، ولعل زيدً ا (1 ) ظن أنّ ذلك اللحم مما كانت قريشٌ ت ذ ب حه لأ نصاب ها ، فامتنع لذلك؛ ولم يكن الأمرُ كما ظن ، فإن كان ذلك فُعل فبغي ر أمره ولا رضاه ( 2 ). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) أي: زيد بن عمرو بن نُفيل ( 2 ) غريب الحديث 2 /791)، وفي تتمّة كلامه عرضٌ لمذاهب الصحابة والتابعين والفقهاء فيما ذُبح في كنيسة أو لصنم، أذكره ــ بإذن الل ــ في ختام ردّي على شبه المعترضين.
عدد الصفحات ٤٤تخريج الحديث 44 وقد نقل الذهبي الوجهين اللذين قالهماالإمامُ إبراهيم الحربي ، ثم علّق قائلاً : هذا حسنٌ ، فإنّ ما الأعمالُ بالن ية ، أما زيدٌ فأخذ بالظاهر ، وكان الباطنُ لل ، وربما س كت الن بيُ ‘ عن الإفصاح خوف الش ر ، فإنّ ا مع علمنا بكراهيت ه للأوثان ، نعلمُ أيضً ا أنه ما كان قبل النبوة مُ جاهرً ا بذم ها بين قريش ، ولا مُ علنً ا ب م ق تها قبل المبعث (1 ) . وأعود فأقول: وهذه التوجيهات على افتراض صحة ما جاء من طريق محمد بن عمرو هذه ، ولكن كمّا مرّ معنا فإن إسناد هذه الطريق ومتن هذا الخبر ، لا يصحّان ، والل أعلم . حديث سعيد بن زيد بن عمرو : الطيالسي (231)،والبزار (1266 ــ 1267 )من طريق الطيالسي وطريق عبد الل بن رجاء ، وأخرجه من طريق عبد الل بن رجاء: الطبراني في الكبير (350)، وأخرجه من طريق أبي قطن: الحربي في غريب الحديث (2/790)،كلّهم (الطيالسي وعبد الل بن رجاء وأبو قطن) عن المسعوديّ عن نفيل بن هشام عن هشام بن سعيد عن سعيد بن زيد به ، وفيه: ف م ر ز ي دُ ب نُ ع م رٍو ب الن ب ي ‘ و ز ي د ب ن ح ار ث ة و هُم ا ي أ كُلا ن م ن سُف ر ةٍ ل هُم ا ، ف د ع ي اهُ ، ف ق ال : > ي ا اب ن أ خ ي ، لا آكُلُ م م ا ذُب ح ع ل ى الن صُب ، ق ال : ف م ا رُؤ ي الن ب ي ‘ ي أ كُلُ م م ا ذُب ح ع ل ى الن صُب م ن ي و م ه ذ ل ك ح ت ى بُع ث < . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) سير أعلام النبلاء1 /135 .)
عدد الصفحات ٤٥تخريج الحديث 45 قال البزّار : وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن سعيد بن زيدٍ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد . قال الشيخ الألباني :وأخرجه الإمام أحمد ( رقم 5369 )من حديث ابن عمر ، وقد رواه أيضا من حديث سعيد بن زيد بن عمرو ( 1648 )وفيه زيادة منكرة، وهي تتنافى مع التوجيه الحسن الذي وجّ ه به الحديث حضرةُ المؤلف ( 1 )، وهي قوله بعد : > إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم . قال: فما رؤي النبيّ ‘ بعد ذلك أ كل شيئً ا مما ذُبح على الن صُ ب <، وعلّ ة هذه الزيادة أنها من رواية الم سعودي ، وكان قد اختلط ، وراوي هذا الحديث عنه يزيدُ بن هارون ، سمع م نه بعد اختلاطه ، ولذلك لم يُ حسن صنعً ا حضرةُ الأستاذ الشيخ أحمد محمد شاكر حيث صر ح في تعليق ه على المُ سند أن إسناد ه صحيح ، ثم صر ح بعد سطورٍ أنه إنما صح حه مع اختلاطه لأنه ثبت معناه م ن حديث ابن عمر بسندٍ صحيح ( 2 ) ــ يعني هذا الذي في الكتاب ــ ، وليس فيه الزيادةُ المنكرةُ ، فكان عليه أن يُ نب ه عليها حتى لا ي توهم أحدٌ أن معناها ثابتٌ أيضاً في حديث ابن عمر (3 ) .اهـ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) وهو الشيخُ محمد الغزالي ، وتوجيهُه المشار إليه هو قوله : توهّم زيد أن اللحم المقدّم إليه من جنس ما حرّم الل، ومن المقطوع به أن بيت محمّد ‘ لا يطعم ذبائح الأصنام، ولكن أراد الاستيثاق لنفسه والإعلان عن مذهبه، وقد حفظ مُ حمّ د له ذلك وسُر به. اهـ. ( 2 ) انظر كلام العلامة أحمد شاكر في تحقيق المسند2 /296 .) (3 ) في تعليقه على فقه السيرة87) للشيخ محمد الغزالي .
عدد الصفحات ٤٦تخريج الحديث 46 قلت: أصاب الشيخُ الألباني في تعقّبه على العلامة أحمد شاكر تصحيح ه لهذه الطريق لكونها مندرجةً في معنى حديث ابن عمر ، فكما بيّن الأولُ أنّ الثاني كان ينبغي أن ينبّه على نكارة هذه الزيادة، حتى لا يُغتر بها ، ولا يُرف عُ شأنُها من الضّعف الذي لا يصح بحالٍ ؛ إلى الحكم بصحّتها لكونها موافقةً للحديث الصحيح في المعنى العام . لكنّ يزيد بن هارون لم ينفرد بالرواية عن المسعودي ــ عبد الرحمن بن عبد الل بن عتبة ــ ، بل رواه عنه أيضً ا : أبو داود الطيالسي وعبدُ الل بن رجاء وأبو قطن ، وقد نصّ الحافظ العراقي على أن كلاًّ من يزيد بن هارون والطيالسي إنما سمعا منه ب عد اختلاطه ، وأن عبد الل بن رجاء والهيثم بن عمرو أبا قطن وغير هما قد سمعا منه قبل اختلاطه ( 1 ). وعليه، فالقول بتضعيف هذه الطريق بسبب روايته هذا الحديث عن المسعوديّ بعد اختلاطه ، لا يسلّم ، لكون راويين من الأربعة ثبت سماعُهُما له قبل اختلاطه ، والل أعلم. مع التنبيه إلى أن بعض أهل العلم كان يذهبُ إلى ردّ روايات المسعودي كلّها ، قبل اختلاطه وبعد ه ، كابن حبّانٍ ، حيث قال في ترجمته: كان المسعودي صدوقًا ، إلا أن ه اختلط في آخر عمره اختلاطًا شديدًا ، حتى ذهب عقلُه، وكان يحدّث بما ي جيئُه فيحملُ عنه ، فاختلط حديثُه القديمُ بحديث ه الأخير ولم يتميز ، فاستحق الترك (2 ) . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) التقييد والإيضاح452 .) (2 ) المجروحين( 2 /48 .)
عدد الصفحات ٤٧تخريج الحديث 47 وفي الإسناد أيضاً: نُ فيلُ بن هشام ، ترجمه البخاري في تاريخه (1 )، وابن سعد (2 )، ولم يذكرا فيه جرحً ا ولا تعديلاً ، وترجم له ابن حبان في الثقات (3 )،وعدّه راويً ا لهشام بن عروة . وكذا صنع ابنُ حبان في ترجمة هشام بن سعيد، حيث ذكره في ثقاته (4 ) من ضمن الذين رووا عن الصحابة. وما ذكره ابن حبان ليس كافيًا في رفع الجهالة عنهما ، وعليه ؛ فالإسنادُ لا يصح ، لكونه من رواية اثنين لا يُعرفان ، فضلاً عمّا جاء في الموقف م ن روايات المسعودي ، خاصةً بعد اختلاطه ، والل أعلم. حديث عائشة أم المؤمنين : أبو نعيم في الدلائل ( 131 )من طريق إسحاق بن وهب عن يعقوب بن محمد الزهري عن عبد الل بن محمد عن هشام بن عمرو عن أبيه عن عائشة قالت: ق ال ر سُولُ الل ‘: > س م ع تُ ز ي د ب ن ع م ر و ب ن نُف ي لٍ ي ع يبُ أ ك ل م ا ذُب ح ل غ ي ر الل ، ف م ا ذُق ت ش ي ئًا ذُب ح ع ل ى الن صُب ، ح ت ى أ ك ر م ن ي اللُ ب م ا أ ك ر م ن ي ب ه م ن ر س ال ت ه <. ثم قال أبو نعيم : و م م ا عُظ م (5 ) ب ه ‘ و حُر س م ن هُ أ ن لا ي ت ع ر ى ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) التاريخ الكبير8 /136 .) (2 ) الطبقات الكبرى5/333 .) (3 ) الثقات7 /548 .) (4 ) الثقات5 /500 .) (5 ) كذا في المطبوع من الدلائل (ص188 ــ دار النفائس)، ولعل ها (عُصِم) بالصاد لا بالظاء، =
عدد الصفحات ٤٨تخريج الحديث 48 ك ف ع ل ق و م ه و أ ه ل ه ، و إ ذ ا حُف ظ م ن الت ع ر ي ف م ا ف و ق هُ أ و ل ى أ ن يُع ص م م ن هُ ، و يُن ه ى ع ن هُ . قلت : وفيه عبدُ الل بن محمد بن يحيى بن عروة بن الزبير ، قال فيه أبو حاتم : متروكُ الحديث ، وقال ابنُ حبان : يروي الموضوعات عن الأثبات ، ويأتي عن هشام بن عروة ما لم يحد ث به هشام قط ، لا ت ح ل كتابةُ حديثه ، ولا الر واية عنه (1 ) . والراوي عنه يعقوب بن محمد الزهري ، أطلق الإمامُ أحمد القول بذمّ روايته فقال: ليس بشيءٍ ، ليس يسوى شيئً ا (2 ) . قلت: و م ن ق ب ل حديث ه كيحيى بن معين اشترط أن تكون روايتُه عن ثقة ، وشيخه هنا هو: عبد الل بن محمد ؛ متروكُ الحديث. وعليه ؛ فلا تصحّ هذه الطريق بحال ، والل أعلم. حديث محمد بن إسحاق : أخرجه في سيرته ( 118 )ومن طريقهابن عساكر ( 19 /507)،وفيه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ = لموافقتها لما جاء في نظائرها من أخبار ع صمته ‘ قبل بعثته، والتي بوّب لها أبو نعيم بقوله: الفصل الثالث عشر: ذكر ما خصّه الل به منالعصمة ، وحماه من التدي ن بدين الجاهلية، وحراسته إياه عن مكائد الجن والإنس واحتيالهم عليه صلى الل عليه وعلى آله وسلم. ( 1 ) انظر الجرح والتعديل5 /258)، والمجروحين2 /11 .) (2 ) العلل3/396)، الجرح والتعديل9 /215 .)
عدد الصفحات ٤٩تخريج الحديث 49 يقول محمد بن إسحاق: فحُ دّ ثتُ أنّ رسول الل ‘ قال ــ و هو يُ حدّ ث عن زيد بن عمرو ــ : إن كان لأولّ م ن عاب على الأوثان ون هاني عنها ، أقبلتُ م ن الطائف ومعي زيدُ بنُ حارثة ، حتى مررتُ بزيد بن عمرو بن نُ فيل وهو بأعلى مكّ ة ، وكانت قريشٌ قد شهرتُ ه بف راق دين ها حتّ ى خر ج من بين أظهُ ر هم ، وكان بأعلى مكّ ة فجلستُ إليه ومعي سُ فرةٌ لي فيها لحمٌ يحملُ ها زيدُ بنُ حارثة ؛ من ذبائ حنا على أصنام نا، فقر ب تُ ها إليه وأنا غلامٌ شابٌّ ، فقلتُ : كُل م ن هذا الطعام ؛ أي عم . قال: فلعل ها أي ابن أخي م ن ذبائح كم هذه التي ت ذ ب حون لأوثان كم؟ فقلتُ : نعم . فقال : أما إنك يا ابن أخي لو سألت بنات عبد المطّ لب لأخبر ن ك أ نّ ي لا آكلُ هذه الذبائ ح ، فلا حاجة لي بها ، ثم عاب الأوثان وم ن يعبدُ ها ويذب حُ لها ، وقال : إنما هي باطلٌ لا تضر ولا تنفعُ ، أو كما قال . قال رسولُ الل ‘: فما ت م س ح تُ بوثنٍ منها ب عد ذلك على معرفةٍ ب ها ، ولا ذبحتُ لها ، حتّ ى أكرمني الل تعالى برسالته . قلت : والواسطةُ التي بين ابن إسحاق والنبي ‘ مجهولةٌ ، وعليه ؛ فلا تصح هذه الطريق.
عدد الصفحات ٥٠بيان الغريب الواقع الحديث 50 المطلب الث الب ب ي ان ال غ ري ث ال واق ع ف ي ال حذي ث بلدح : بفتح أوّله ، وبالدّال والحاء المّهملتين: موضعٌ فى ديار بنى ف زارة ، وهو وادٍ عند الج رّاحية ، فى طريق التّنعيم إلى مكة (1 ) . سُفْرة : السّينُ والفاءُ والرّاء أصلٌ واحدٌ يدل على الانكشاف والجلاء ( 2 )،والس فرة بالضّم : طعام يُتَّخذُ للمسافر ، ومنه سميت الس فرة ( 3 ) . الن صُب: النُّونُ والصادُ والباء أصل صحيح يدلُّ على إقامةِ شيء ؛ وإهداف في استواء ، والنَّصب : حجر كان يُنصب فيعبد ، ويقال : هو النُّصُب ، وهو حجر يُنصبُ بين يدي الصَّنم تُصبُّ عليه دماءُ الذبائحِ للأص نام (4 )، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) البكري، معجم ما استعجم1 /273)، وذكر البكري وياقوت أنّ في هذا الموضع ورد المثلُ: >لكن على بلدح قومٌ ع ج فى<، وقائله هو بيهس بن صُهيب ــ وقيل: خلف الفزاري، ق اله لما أُسر وقُتل أخوته، وفرح آسروه بكثرة ما غنموا، حتى قال قائلُهم: ما أخصب يوم نا هذا وأكثر خيره! فقال بيهس مقولته تلك التي أصبحت مثلاً للتحز ن على الأقارب. انظر: معجم البلدان ( 1 /480 .) (2 ) مقاييس اللغة3 /82 .) (3 ) العين7 /247)، الصحاح2 /686)، المحكم ( 8 /478 .) (4 ) مقاييس اللغة5 /434 .)
عدد الصفحات ٥١بيان الغريب الواقع الحديث 51 وجمعُه: نصائبُ ونُصُب ، قال تعالى: {ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ} [المعارج: 43 ]، وقد يقالُ في جمع ه : أنصابٌ ، قال تعالى : {ﳄ ﳅ } [المائدة: 90](1). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) الراغب الأصبهاني، المفردات (ص807 .)
عدد الصفحات ٥٢ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 52 المطلب الراب ع د ك ر الآ ش كالآب ال واردة ع لي ال حذي ث ، وال رد ُ ع لي ها سأقوم بعرض ما وقفتُ عليه من كلام موردي الشبه ، ب نص ه ما استطعتُ إلى ذلك سبيلاً ، ومختص رً ا متى ما طال بغير فائدةٍ تُ ذكر ، وسأتسلسلُ في الجواب على تلك الإشكالات واحدةً تلو الأخرى بحول الل وقوّته ، وأبدأ بشيخ الشريعة ، الذي قال بعد أن ذكر الحديث برواياته : > وأيّاً من هذه الروايات قلنا به ؛ يوجبُ ا ثبات طعن عظيم على سيِّ د الن بيين وأفضل المرسلين ، واثبات أعرف ي ة زيد بالله وتعظيمه منه ، ويدل على أن مثل هذا الأ مر الذي ارتكز قبحُ ه في عقل زيد الغير المتدين بدين وفي عقول المتقطِّ نين وإن لم يكونوا بالشرائع ملتزمين ، قد خ في على سيد البشر ، نعوذ بالله من هذه الهذيانات <. فأقول : لا نكارة ــ ابتداءً ــ في وقوع عموم هذه المسألة ، فقد يعل مُ المفضولُ شيئً ا يغيبُ علمُ ه عن الفاضل ، سواءٌ اشتركا في الن بوة وتفاوتا بالف ضل ، كما حصل بين الخ ض ر وموسى ،أو كان المفضولُ م ن صالحي البشر ، والفاضلُ خير هما ، كما هو هنا في حديثنا ، وع ل مُ زيد بن عمرو بمسألةٍ ما قد تكون خفيت على نبي نا ‘ ق بل بعثته ؛ لا ي قدحُ في
عدد الصفحات ٥٣ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 53 مقامه الكريم ‘ ، خاصةً إذا علمنا أن زيد بن عمرو ، كان على تواصلٍ مع علماء أهل الكتاب ؛ بدليل ما جاء في تمام الحديث من ارتحال ه في طلب الحق ، وهو في هذا كورقة بن نوفلٍ ، إلا أنّ ورقة كان أكثر اطلاعً ا على كتب أهل الكتا ب ، كما عُ لم من حال الرجلين ، والل أعلم . فالتهويل الخطابي بشأن هذا الأمر ، وهو ما بدأ به شيخُ الشريعة لإبطال خبرٍ جاء في أصح كتب الحديث ؛ لا تعويل عليه بحالٍ من الأحوال . ثم تابع شيخ الشريعة قائلاً : > إذ لو قيل بموجب رواية أحمد وأبي يعلى والبزار م ن أكل ه ممّ ا ذُ ب ح على ال نصب ، بل مباشرت ه لهذا الذّ بح مع زيد بن حارثة فالأ مرُ واضح ، ولو قيل بموجب ما رواه البخاري في كتاب الذ بائح فهو أي ضً ا لا يخلو من ر ضائه ـ ـ بهذا الأ مر الشنيع ، وحفظ هذا اللحم في السفرة وعدم إبائه عن أكله ـ ـ ودعوته لزيد في الأ كل منه وإباء زيد وأعرفيّ ته بالله منه وأورعيّ ته وأعقليّته<. قلت : مضى معنا بيانُ الصحيح م ن غير ه من روايات هذا الحديث الشريف ، وليس في ألفاظ روايات صحيح البخاري أن النبي ‘ باشر الذ بح بيد ه ، أو شارك زيد بن حارثة في ذلك ، وإنما جاء ذلك خارج الصحيح ، وقد تقدّم التنبيه على عدم ثبوته ، وسيأتي مزيدُ ذلك . ويبقى النظرُ فيما إذا ثبت أكلُ ه ‘ مما ذُ بح على النصب ، وهذا الفرع يتناوله النظر من نواحٍ ثلاث :
عدد الصفحات ٥٤