تخريج الحديث 447 وموسى بن إسماعيل، كما عند أبي داود ( 4718 )وعنه: أبو عوانة ( 289.) وممّا جاء في معنى بيان مصير أبوي النبيّ ‘ ، ما رواه أبو هريرة عن النّ بيّ ‘ أنّه قال: > اس ت أ ذ ن تُ ر ب ي أ ن أ س ت غ ف ر لأ ُم ي ف ل م ي أ ذ ن ل ي ، و اس ت أ ذ ن تُهُ أ ن أ زُور ق ب ر ه ا ف أ ذ ن ل ي <. و مدارُ هذا الحديث على يزيد بن كيسان ، الذي رواه عن أبي حازم عن أبي هريرة به . وقد أخرج هذا الحديث : الإمام مسلم في صحيحه ( 105 /976 ) من طريق مروان بن معاوية: وأخرج مسلم أيضاً ( 108 /976 )وأبو داود (2324 )والنسائي ( 2034 ــ صغرى ) و ( 2172 ــ كبرى ) وابن ماجه ( 1516 )و( 1572 :) وأحمدُ ( 9688 )وإسحاقُ ( 2006 )وابن أبي شيبة ( 11807 ) كلّهم م ن طُ رُ قٍ عن محمد بن عبيدٍ : وأخرجه إسحاق ( 205 )أيضاً عن يعلى بن عُ بيدٍ : ثلاثتُ هم ( مروان ومحمد ويعلى ) عن يزيد بن كيسان به . وطريقُ مسلم الثانية ، وطريقا ابن ماجه هي عن ابن أبي شيبة ، لكن رواه ابنُ ماجه عنه مرّ ةً مثل رواية السابقين ، ومرة مختص رً ا مقتص رً ا على قول ه ‘: زوروا القُ بور ؛ فإنّ ه ا تذكّ رُ كُ م الآخر ة. ورواه غيرُ من سبق ذكرهم ممّن جاؤوا بعدهم كالبيهقي وغير ه.
عدد الصفحات ٤٤٨ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 448 المطلب ال ث الب د ك ر الآ ش كالآب ال واردة ع لي ال حذي ث ، وال رد ُ ع لي ها إن أولّ ما ينبغي أن يُستحضر عند الكلام في هذه المسألة كبيرة الشأن هو : مراعاةُ شعور النبي ‘ ، والحزنُ لحز ن ه الشديد بسبب وقوع هذا الأمر المتعل ق بوالديه ‘ ، و هذه المراعاةُ ل شعوره الكريم ‘ يجعلُ نا لا ن تعرّ ض لهذه المسألة ابتداءً ، وإنما ن تكلّمُ عليها في أضيق الحدود ، إذا عرضت حاجةٌ لذلك ، ومن الحاجات التي تدفع إلى الكلام في هذه المسألة : أولاً : بيانُ أن لا مجاملة في دين الإسلام ، وأنّ المرء مهما علت مكان تُ ه وسمت منز ل تُ ه فإنما يُلح قُ ب ه م ن أقارب ه وذرّ يته ما وافق هُ على أصل دين ه ، وقد ذكر اللُ ذلك صريحًا في كتاب ه المُ بين في قول ه تعالى: {ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ} [الطور: 21 ]، وكل هذا هو من زيادة كرم ه سبحانه لصالحي عباد ه ، إذ يُ تم م عليهم ن عم ت هُ ويُ قر أعيُ ن هم بإلحاق ذرّ يت هم بهم ، وإن كانوا دون هم في صالح ع مل هم. أما م ن لم يُ شار ك الصالح في أصل دين ه ، فلا مكان له في جنّ ة
عدد الصفحات ٤٤٩ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 449 الفردوس ، والنظائرُ على ذلك كثيرةٌ ، فعمومُ قول الل تعالى السابق في إلحاق الذرية بصالحي آبائهم لا ي شملُ ابن نوح الذي أصر على الكُ فر ولم يُذعن لدعوة الحق ، معرضًا عن الاستجابة لنداء أبيه الأخير، وهو يصارعُ الأمواج المُ ه ل ك ة ، وقد بيّن الل ذلك صريحاً بقوله سبحانه لنوح : {ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ} [هود: 46 ]. ثانياً: بيانُ أن دين الإسلام لا ي كفي فيه شرفُ النّ سب إذا ت جر د عن التديّن ، ويؤيّدُ هذا صريحُ قول ه ‘ : و م ن ب ط أ ب ه ع م لُهُ ، ل م يُس ر ع ب ه ن س بُهُ (1 ) . ثالثاً: التّ طر قُ لمسألةٍ حديثيةٍ مُ ه مّ ةٍ ، وهي الدفاعُ عن صحيح الإمام مسلم ضد من يُ وجه له التّ هم جزافاً ، ويسعى جاهدً ا لتضعيف أحاديث ه لكون ها خالفت المُ ست قرّ في مُ ع ت ق د ه ، وهذا الوجهُ لا يُفهم منه تقديمُ أهمّ ية صحيح مسلم على شعور النّ بيّ ‘ ، ولا ينبغي أن ي دفع أحدً ا للقول بأنّ نا ببياننا صحة هذا الحديث نحرصُ على الدّ فاع عن صحيح مسلمٍ ولو كان بنسبة ما لا ي ليقُ ل لنّ بيّ الكريم ‘ ، لأن هذا القول لا ي صدُ ر م ن مُ سلمٍ عاقل ، إذ كيف يظنّ ذلك ومادةُ ص حيح مسلم إنّما هي م ن أحاديث النّ بيّ ‘ وسُ ن ن ه وأيّ امه؟ وهل عُرف الإمام مسلمٌ إلا باشتغاله ب ج مع صحيح حديث النبي ‘؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) رواه مسلم في صحيحه2699 .)
عدد الصفحات ٤٥٠ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 450 رابعاً: أن في بيان ص حّ ة هذا الحديث دفعً ا لكثيرٍ م ن الأوهام المُ ستقرة في قلوب وأذهان بعض المُ عارضين ، وتوفيقً ا وج م عً ا لما يُظنّ تعارضُ ه م ن نصوص الشّ ريعة ، وهذا مقص دٌ شريفٌ ، فيه حُسنُ الد فاع عن هدي النبي ‘ وشريف سُ نّ ت ه ‘. وقد اعتُ رض على حديث الباب باعتراضات عدّة ؛ منها ما يتعلّق بالسّ ند ، ومنها ما يتعلّقُ بالمتن ، ولنبدأُ بالنّ ظر في الاعتراضات المتعلّقة بالسند ، ثم ننتقل إلى ما يتعلّق بالمتن ، وأول ما عرض له المتكلّمون في السند هو لفتُ الانتباه إلى الك لام المتعلّق بحفظ راويه حمّاد بن سلمة ، ل ن ج د أن أبشع ما قيل فيه أنه كان يروي أحاديث مدسوسةً في كتبه ، ليست هي م ن م سموعاته، وقد ذكر هذه ال ت همة الحافظُ ابن عدي ، فقال : ح د ث ن ا ابنُ حماد ، ح د ث نا أبو ع بد الل مُح مد بنُ شجاع بن الثّ لجي: أخبرني إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي ، ق ال : كان حمّ اد بن سلمة لا يُ عرفُ بهذه الأحاديث حتى خ رج خ ر جةً إلى عبادان ، فجاء و هو يرويها ؛ فلا أحس بُ إلا شيطانً ا خرج إليه في الب حر فألقاها إليه. ثم قال ابنُ عدي : سم عتُ عبّ اد بن صهيب يقول: إن حمّ اد بن سلمة كان لا ي حفظُ ، فكانوا يقولون إنها دُس ت في كُ تُ ب ه. وقد قيل: إن ا بن أبي العوجاء كان ربيب ه فكان ي دُ س في كُ تُ ب ه هذه الأحاديث. ثم عقّب الحافظُ ابنُ عدي قائلاً : وأ بُو ع بد الل بنُ الثّ لجي كذّ ابٌ ، وكان يضعُ الحديث وي دُ س ه في كُ تُ ب أصحاب الحديث بأحاديث كُ فرياتٍ ،
عدد الصفحات ٤٥١ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 451 فهذه الأحاديثُ م ن تدس يس ه (1 ) . قلت: وقد أحسن الحافظُ ابنُ عدي في تبرئته لحمّاد بن سلمة من هذه التهمة الشنيعة ، مبيّنًا أن أصل الشرّ كلّه هو هذا الثلج ي الكذّاب ، الذي اعتاد على وضع الحديث ونسبته ذلك إلى أهل الحديث . وأكّد نسبة هذا الشرّ للثلجي الكذّاب : الحافظُ الذهبي ،الذي سارع بنفي هذه التهمة رأسًا عن حمّاد بن سلمة قائلاً: ابن الثلج ي ليس بمصد ق على حماد وأمثاله ، وقد اتهم (2 ) . وبيّن الذهبي في موطنٍ آخر أن سبب ن في التهمة عن حمّاد ــ إلى جانب ما عُرف به الثلجي من وضع ه للحديث ــ : أنه لم يكن صاحب كتاب ، إذ قال :وأما حمّاد فما كان له كُتُ بٌ ، بل كان ي عت م دُ على ح ف ظ ه (3 )،وهذا القولُ من الذهبي بناهُ على مقولة الإمام أبي داود التي يقول فيها: حمّ اد بنُ سلمة لم يكن له إلا كتابُ قيس بن سعدٍ (4 )، و أفادت مقولةُ أبي داود هذه بيان اعتماد حمّاد بن سلمة على حفظه واستغنائه عن كتبه ، حيث فسّر ها الحافظ الذهبي بقوله: يعنى كان ي ح ف ظُ ع ل م هُ (5 ) . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) الكامل في ضعفاء الرجال3 /47 .) (2 ) ميزان الاعتدال1 /593 .) (3 ) تاريخ الإسلام4 /346 .) (4 ) سؤالات الآجري2 /157 .) (5 ) ميزان الاعتدال1 /592 .)
عدد الصفحات ٤٥٢ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 452 ومع ذا، فقد نُقل في أخباره أنه كان من المُبك رين في تصنيف الكتب ، حتى قيل بأن أول من صنف الكتب بالكوفة : يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، وبالبصرة: حماد بن سلمة (1 ) . ولعلّه كان يُملي هذه الأحاديث من ح فظ ه، سواءٌ ما أود عه في كُتُب ه ، أو ما كان في مجالس إسماعه ، والل أعلم . والثلجي الكذّاب صاحبُ هذه الأخبار المنحولة على حمّاد بن سلمة كان معروفًا ب شدة عدائ ه لأهل الحديث ، ولذا كان يسعى لت شويه صور تهم ، ورمي هم بأبشع الأوصاف لتنفير النّ اس عنهم ، وقد أشار لشيءٍ من هذا العداء المستحكم لأهل الحديث : الحافظُ ابنُ عدي في ترجم ت ه للثّ لجي هذا ، حيث قال في نهاية ترجمت ه : وكان يضعُ أحاديث في التّ شبيه ، ينس بُ ها إلى أصحاب الحديث لي ث ل ب هم به ، روى عن ح بّ ان بن هلال ــ وح بّ ان ثقة ــ عن حمّ اد بن سلمة ، عن أبي المُ ه ز م ، عن أبي هريرة ، عن النّ بيّ ‘ ، قال: إن الل خ لق الف رس فأجراها فع ر ق ت ، ثم خ ل ق نفس ه منها . مع أحاديث كثيرةٍ وضعها م ن هذا النّ حو ، فلا ي جبُ أن يُشتغل ب ه ، لأنه ليس م ن أهل الرّ واية ، حمل ه الت عصبُ على أن وضع أحاديث لي ث ل ب أهل الأثر بذلك (2 ) . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) قاله يعقوب بن شيبة، انظر: شرح علل الترمذي1 /342 .) (2 ) الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي9 /424 ــ ط. الرشد). وقد جمع العلامةُ المعلمي اليّ ماني ما قيل فيه م ن جرحٍ ، وذلك في كتابه التنكيل ( 10 /406 ــ مجموعة الآثار) فانظره للوقوف على سُ وء حال ه.
عدد الصفحات ٤٥٣ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 453 وهذه التهمة هي أخطرُ وأشد ما رُ م ي به حمّ ادُ بنُ سلمة ،فإذا بان كذ بُ ها وعدمُ صحت ها ــ وقد ح صل ــ ، كان ما س واها مما أُخذ عليه أسهل وأهون . وكان مما أُخذ عليه جم عُ ه للأسانيد في إسنادٍ واحدٍ ، فقد انتقد الإمامُ أحمد حديثً ا رواه حمّ اد بنُ سلمة عن أيوب وقتادة ، قائلاً : هذا م ن ق بل حمّ اد ، كان لا يقومُ على م ثل هذا ؛ ي جمعُ الرّ جالُ ، ثم يجعلُ ه إسنادً ا واحدً ا ، وهم يختلفون (1 ) . وقال الخليلي : ذاكرتُ يومً ا بعض الحُ فّ اظ ، فقلتُ : البخاري لم يُ خرج حماد بن سلمة في الصحيح ، وهو زاهدٌ ثقةٌ ؟ فقال : لأنّ ه جمع بين جماعةٍ م ن أصحاب أنسٍ ، فيقولُ : حدثنا قتادةُ وثابتٌ وعبدُ العزيز بنُ صهيب ، وربّ ما يخالفُ في ب عض ذلك (2 ) . وهذا الصّنيعُ الذي عيب به حمّاد ، لا يُعابُ فعلُه على الدوام ، كما لا يُقبلُ على الدّوام ، واختلافُ الموقف م ن هذا الصنيع ؛ إنما يعودُ إلى حال الراوي الفاعل لذلك ، فإن عُرف عنه الدّقةُ في ذلك ، وتمامُ الضّبط ، وعدمُ الاقتصار على بعض الألفاظ دون غيرها ، مع عدم اتفاق ما ذُكر وما حُذف من الألفاظ على معنىً واحدٍ ، ممّا قد يوهمُ السامع اتّفاق أولئك الشيوخ المجموع بينهم على هذه الألفاظ ، وممّن عُرف بذلك ــ و قُبل منه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) شرح علل الترمذي2 /815 .) (2 ) الإرشاد1 /417 .)
عدد الصفحات ٤٥٤ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 454 صنيعُه، ولم يُعت رض عليه فيه ــ : الإمامُ ابنُ شهاب الزهري ، فقد قال الحافظُ ابنُ رجبٍ شارحً ا مسألة الج مع بين الش يوخ : ومعنى هذا أنّ الرّ جل إذا جمع بين حديث جماعةٍ ، وساق الحديث سياقةً واحدةً ؛ فالظّ اهرُ أنّ لفظ هم لم يت ف ق ، فلا يُ قبلُ هذا الجمعُ إلا م ن حافظٍ مُ ت قنٍ لحديث ه ، يعرفُ اتفاق شيوخ ه واختلاف هم؛ كما كان الز هري يجمعُ بين شيوخٍ له في ح ديث الإفك ، وغ ير ه ( 1 ). وكذاقُب ل هذا الصنيعُ م ن ابن وهبٍ ،فقد جاء في ت ت مّ ة كلام الخليلي السابق في مُ ذاك ر ت ه ل بعض الحُ فّ اظ ق ولُ هُ : فقلتُ : أ ل ي س ابنُ وهبٍ اتفّ قوا عليه ، وهو ي جمعُ بين أسانيد ؟ فيقولُ : حدّ ثنا مالكٌ وعمرٌ و بنُ الحارث ، واللّ يثُ بنُ سعدٍ ، والأوزاعي بأحاديث ، وي جمعُ بين جماعةٍ غير هم؟ فقال: ابنُ وهبٍ أتقنُ لما ي رويه ، وأ حفظُ له (2 ) . وما يهم نا هنا أنّ هذه المسألة التي أُخذ ت على حم اد ولم تُ قبلُ م نهُ ، ليس منها شيءٌ في ح ديث نا هذا ، فحديثُ الباب هنا إنّ ما رواه ح مّادُ عن شيخٍ واحدٍ له وهو ثابتٌ ، وهو أثبتُ النّ اس فيه ، بحيثٌ يقد مُ على غ ير ه إن خال ف ه ، وهذا الذي يهم نا هنا في حديث نا، وهو ما سُ ند ل ل عليه م ن كلام الن قاد الكرام ، إذ إ ن النّ اظر في ت رجمة حمّادٍ يرى ش ب ه إجماعٍ على تقديم هم لحمّاد بن سلمة في رواي ت ه عن ثابتٍ على ما سواه م ن الث قات ، وم ن ذلك ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) شرح علل الترمذي2 /816 .) (2 ) الإرشاد1 /418 .)
عدد الصفحات ٤٥٥ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 455 قولُ الإمام أحمد : حمّ ادُ بنُ سلمة أثبتُ النّ اس في ثابتٍ البُ ناني (1 )،وقال على بن الم ديني : لم يكن في أصحاب ثابتٍ أثبتُ م ن حمّ اد بن س ل م ة ( 2 )، وقال يحيى بنُ معينٍ : م ن خالف حمّ اد بن سلمة في ثابتٍ فالقولُ قولُ حمّ ادٍ . قيل له : فسليمانُ بنُ مغيرة عن ثابتٍ ؟ قال: سليمانُ ث ب تٌ ، وحمّ ادٌ أعلمُ النّ اس بثابتٍ (3 ) . وقد بيّن الحافظ ابن رجبٍ سبب اختصاص حمّاد بن سل مة بثابت البُناني ، وتقديمه على من سواه بطول صحبته له، حيث قال :إنه من أثبت الناس في بعض شيوخه الذين لزمهم كثابت البناني (4 ) . قلت: ومع ذا، فقد نُقل عن يحيى بن سعيدٍ القطّ ان وهو م ن كبار شيوخ ابن معينٍ أنّ ه كان يُ قد م سليمان بن مغيرة على حمّ ادٍ إذا اختلفا في رواي ت هما عن ثابتٍ ، فقد قيل لأ بي داود: سليمانُ بنُ المغيرة أو حمّ ادُ بنُ سلمة في ثابتٍ ؟ فقال: كان يحيى بنُ سعيدٍ يُ قد مُ سليمان بن المُ غيرة(5). لكنّ الظّ اهرّ أن القول الأض بط هو قولُ الأكثر في تقديم حمّادٍ على كل م ن خال ف هُ في ثابتٍ البُ ناني ، ولو س ل منا بوقوع خلاف ذلك فيما يتعلّق ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) العلل ومعرفة الرجال2 /131 .) (2 ) الجرح والتعديل3 /142 .) (3 ) تاريخ يحيى بن معين4 /265 )ــ رواية الدوري. ( 4 ) شرح علل الترمذي1 /414 .) (5 ) سؤالات أبي عبيد الآجري2 /125 .)
عدد الصفحات ٤٥٦ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 456 بسليمان بن المغيرة ، فإنّ نا نقول : حديثُ نا هذا لم يُخال ف فيه حمّادٌ م ن قبل سليمان بن المغيرة ، فبقي حمّادٌ في المُ قد م ة ، ولم يتعر ض حديثُ ه هنا لأي نقدٍ صحيح . نعم ، قد اد عي بأنّ م ع م رً ا خالف حمّ ادً ا في رواي ت ه هذ ه ، وق بل الموازنة بين هما في الرّ واية عن ثابتٍ البُ ناني : دعونا ن ن ظُ ر في أصل هذه الدّ عوى ، و الأسس التي قامت عليها. فأقول وبالل التوفيق : ذكر هذه المخالفة الحافظُ السيوطي ،حيث قال في ك تابه الذي ألّفه لإثبات نجاة أبوي النّ بيّ ‘ : وقد خالف هُ م ع م رٌ عن ثابتٍ فلم ي ذكر : > إن أ بي وأ باك في الن ار <، ولكن قال له : > إذا مررت بقبر كافرٍ ف بش ر ه بالن ار <، وهذا اللّ فظُ لا د لالة فيه على والد ه ‘ بأ م رٍ البت ة ، وهو أثبتُ م ن حيثُ الروايةُ ، فإنّ معمرً ا أثبتُ م ن حمّ اد ، فإن حمادً ا تُكل م في ح ف ظ ه ، ووقع في أحادي ث ه مناكير، ذكروا أنّ ربيب ه د س ها في كُ تُ ب ه ، وكان حمّ ادٌ لا ي حفظُ ف ح د ث بها ؛ فو ه م فيها (1 ) . قلت: وفيما قال ه الس يوطي هنا نظر قويٌّ من وجهين: الوجه الأول : أ ن معمراً ليس بأثبت من حمّاد في ثابت ، بل نصّ العلماء على أن حديثه عن ثابت من أضعف ما يكون ، فقد قال العُقيلي: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) الحاوي للفتاوي2 /273 .)
عدد الصفحات ٤٥٧ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 457 وأروى الناس عن ثابت، عن أنس : حمادُ بن سلمة ، وأنكرهم حديثا عن ثابت: معمر (1 ) . وقبله قال الإمام يحيى بن معين: وحديث م عم ر عن ثابت ، وعاصم بن أ بي النجود ، وهشام بن عُرو ة ، وهذا الضرب : مضطربٌ ؛ ك ثير الأوهام (2 ) . وأما الوجه الثاني: أن هذا الإسناد لا أصل له ، إذ لم تُ وجد ــ بحسب اطلاعي ــ روايةُ معمرٍ هذه عن ثابتٍ باللّ فظ الذي ساق هُ الس يوطي . وأما ما ختم به السيوطي كلام ه من كونهم ذكروا أن ربيب حمّ ادٍ دس في كُ تُ ب ه ما ليس م ن مرويات ه ؛ فهي فريةٌ قد سبق بيانُ بُ طلان ها ، وما كان ينبغي للسيوطي أن يذكرها هكذا دون بيان ما فيها ، ليصل بذلك إلى مراد ه فيما يتعلّق بمصير أبوي النبي ‘ . وأمّ ا الحديثُ الذي أشار إليه السيوطي ناسبً ا روايته لم ع م رٍ عن ثابت ، فالصوابُ في سياق ه أنه روي مرةً عن سعد بن أبي وقاصٍ ، ومرّ ة عن عبد الل بن عُ مر ، ومرّ ةً عن الز هري ، وتفصيل هذا الإجمال هو كما يلي : ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) ضعفاء العقيلي (التأصيل2 /393 .) (2 ) موسوعة أقوال يحيى بن معين4 /359)، وانظر التعليق في هامش الكتاب ، وانظر أيضً ا كتاب: نثل النبال ( 4 /462) للشيخ أبي إسحاق الحويني، فقد سبق لنقل النقلين السابقين.
عدد الصفحات ٤٥٨ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 458 *رواية سعد بن أبي وقاص: هذه الرواية أخرجها البزار في مسنده ( 1089 )وابن السني في عمل اليوم والليلة (595 )عني ز يد ب ن ه ارُون ، ق ال : أنا إ ب ر اه يمُ ب نُ س ع دٍ ، ع ن الز ه ر ي ، ع ن ع ام ر ب ن س ع دٍ ، ع ن أ ب يه ، أ ن أ ع ر اب يًّا أ ت ى الن ب ي ‘ ف ق ال : ي ا ر سُول الل أ ي ن أ ب ي؟ ق ال ف ي الن ار . ق ال : ف أ ي ن أ بُوك ؟ ق ال : > ح ي ثُم ا م ر ر ت ب ق ب ر ك اف رٍ ف ب ش ر هُ ب الن ار <. ثم قال البزّ ارُ : وهذا الحديثُ لا نعلمُ رواه إلا سعدٌ ، ولا نعلم رواه عن إبراهيم بن سعدٍ ، إلا يزيد بن هارون . قلت : وإخراجُ ابن الس نّ ي له كان م ن طريق زيد بن أخزم عن يزيد ب لفظٍ أطول منه . وقد توبع يزيدُ على هذه الر واية : تاب ع هُ كلٌّ م ن ابن أبي نُ عيمٍ ، والوليد بن عطاءٍ ، وأبي نعُ يمٍ الفضل بن دُ ك ينٍ : أما رواية ابنُ أبي نعيم ــ وهو محمّ د بنُ موسى الواسطي ــ فقد أخرجها الطبراني في الكبير ( 326.) وأما طريقُ الوليد بن عطاء فقد ذكرها الدارقطني في ع لله (4 /334 ) ولم يذكر إسناد ها . وأما طريقُ أبي نُ عيمٍ الفضل بن دكينٍ فقد أخرجها البيهقي في دلائل النّ بوة ( 1 /191.)
عدد الصفحات ٤٥٩ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 459 وأماطريق ابن عمر ، فقد أخرجه ابنُ ماجه في سُ ننه ( 1573 )فقال :ح د ث ن ا مُح م دُ ب نُ إ س م اع يل ب ن ال ب خ ت ر ي ال و اس ط ي ، ح دّث ن ا ي ز يدُ ب نُ ه ارُون ، ع ن إ ب ر اه يم ب ن س ع دٍ ، ع ن الز ه ر ي ، ع ن س ال مٍ ع ن أ ب يه ، ق ال : ج اء أ ع ر اب يٌّ إ ل ى الن ب ي ـ ‘ ـ ف ق ال : ي ا ر سُول الل ، إ ن أ ب ي ك ان ي ص لُ الر ح م ، و ك ان و ك ان ، ف أ ي ن هُو ؟ ق ال : > ف ي الن ار < ق ال : ف ك أ ن هُ و ج د م ن ذ ل ك ، ف ق ال : ي ا ر سُول الل ، ف أ ي ن أ بُوك ؟ ق ال ر سُولُ الل ـ ‘ ـ : > ح ي ثُم ا م ر ر ت ب ق ب ر مُش ر كٍ ف ب ش ر هُ ب الن ار < ق ال : ف أ س ل م الأ ع ر اب ي ب ع دُ ، و ق ال : ل ق د ك ل ف ن ي ر سُولُ الل ـ ‘ ـ ت ع بًا ، م ا م ر ر تُ ب ق ب ر ك اف رٍ إ لا ب ش ر تُهُ ب الن ار . وابن الب ختري هنا قد خالف السابقين في ج عل الحديث م ن رواية ابن عمر ،وهو وإن كان ثقةً في نف س ه ، لكنّ الوهم هنا واضحٌ لمخال ف ت ه الأكثر ، والل أعلم. وأما رواية الزهريِّ المرسلة لهذا الحديث ، فهي التي أخرجها عبدُ الرّ زاق عن م عمرٍ ( 19687 ــ جامعُ م عمرٍ ) ع ن الز ه ر ي ، ق ال : ج اء أ ع ر اب يٌّ إ ل ى الن ب ي ‘ ف ق ال : ي ا ن ب ي الل ، إ ن أ ب ي ك ان ي ك فُلُ الأ ي ت ام ، و ي ص لُ الأ ر ح ام ، و ي ف ع لُ ك ذ ا ، ف أ ي ن م دخ لُهُ ؟ ق ال : > ه ل ك أ بُوك ف ي ال ج اه ل ي ة ؟< ق ال : ن ع م ، ق ال : > ف م د خ لُهُ الن ارُ <، ق ال : ف غ ض ب الأ ع ر اب ي ، و ق ال : ف أ ي ن م د خ لُ أ ب يك ؟ ف ق ال ل هُ الن ب ي ‘: > ح ي ثُم ا م ر ر ت ب ق ب ر ك اف رٍ ف ب ش ر هُ ب الن ار < ف ق ال الأ ع ر اب ي : ل ق د ك ل ف ن ي ر سُولُ الل ‘ ت ع بًا ، م ا م ر ر تُ ب ق ب ر ك اف رٍ إ لا
عدد الصفحات ٤٦٠ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 460 ب ش ر تُهُ ب الن ار . وهذه الرواية هي التي قدّمها أبو حاتم ، وصوّبها ، قال ابنُ أبي حاتم: سألتُ أبي عن حديثٍ رواه يزيدُ بن هارون ، ومحمّ د بن موسى بن أبي نعيم الواسطي ، عن إبراهيم بن سعدٍ ، عن الز ه ري ، عن عامر بن سعد ، عن أبيه ، قال : جاء أعرابيٌّ إلى النّ بي ‘ ، فقال : أين أبي ؟ قال : في النّ ار . قال : فأين أ بوك ؟ قال : حيثُ مررت بقبر كافرٍ ف ب شّ ر هُ بالن ار . فقال : كذا رواه يزيدُ ، وابنُ أبي نعيم ، ولا أعلم أحدً ا يُ جاوز به الز ه ري غير هما ، إن ما يروون ه عن الز ه ري ، قال: جاء أعرابيٌّ إلى النّ بيّ ‘ ، والمرس لُ أش ب هُ (1 ). وكذا صو ب الإرسالَ: الدارقطنيُّ ،حيث سُئِلَ عَنْ هذا الحديث ، فقيل له: ح د يثُ ع ام ر ب ن س ع دٍ ، ع ن س ع دٍ ، ق ال ر جُلٌ ي ا ر سُول الل ، إ ن أبي كان يحمل الكل ويفعل و ي ف ع لُ ف ي ال ج اه ل ي ة ، ق ال : هُو ف ي الن ار . فقال : ي رويه مُحمّدُ بنُ أبي نُعيمٍ ، والوليدُ بنُ عطاء بن الأغر ، عن إبراهيم بن سعدٍ ، وغيره يرويه عن إبراهيم بن سعدٍ ، عن الز هري مرسلاً . ثم قال الدّارقطني : وهو الصواب (2 ) . قلت: وت ل خ ص لنا م ن سياق ما س بق م ن الط رق ما يلي: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) علل الحديث2263 .) (2 ) العلل4 /334 .)
عدد الصفحات ٤٦١ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 461 أن أحسن ها ما كان مرسلاً من طريق الزهري ، ومثلُ ه لا ينبغي أن يُعار ض به الحديثُ المرفوعُ الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه ، وتأكيدُ ذلك م ن وجوهٍ : * لما مضى من قوة ووثاقة رواية حماد بن سلمة عن ثابت البُ ناني ، وتقديم ه على كل من خالف ه من الثقات . * لو افترضنا صحّة الحديث مرفوعاً من طريق سعد بن أبي وقاص ، فالنظر يقتضي أن لا يقدّم ابتداءً على ما أخرجه مسلمٌ في صحيحه ، وذلك لأن صحيح مسلمٍ أصح م ن كل هذه الكتب (البزّ ار ــ ابن الس نيّ ــ دلائل الن بوة للبيهقي ). مع بيان أنه إنما يلجأ إلى المفاضلة بعد النظر في صحّ ة الإسناد عند تعارض ظاهر الحديثين ، وأما في حال ت نا هذه فلا تعارض بين الحديثين بحالٍ من الأحوال ، كل ما في الأمر أن الرّ جلين اشتركا في السّ ؤال نفس ه ، وت نوّع جوابُ النبي ‘ لهُ ما بما لا يتعارض ، فالأول تحدّث فيه النبي ‘ عن مصير أبيه كما تحدّث عن مصير أبي السائل ، وأما الثاني فقد أ م ر هُ النبي ‘ بأ ن يُ ب ش ر الكفار الأموات بالنار إذا ما م رّ على قبورهم ، فكأنّ النبي ‘ أراد أن يُ رس خ في ق لب هذا الأعرابي مبدأ البراءة م ن المشركين {ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ} [التوبة: 113 ]. والناظرُ المُ نصفُ في س ياق هذه الأخبار لا ي جدُ إلا أن يُ ذع ن لهذه
عدد الصفحات ٤٦٢ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 462 النتيجة الواضحة التي دلّ عليها هذا الحديثُ الصّحيحُ الذي رواه الإمامُ مُسلمٌ في ص حيحه بأصح الأسانيد ، خاصة إذا تذكّرنا بأن لهذا نظائر في قصص الأنبياء ،حيث ابتلي بعضُهُم بكفر أقرب النّ اس إليهم وعدم استجاب ت ه م لد ع و ت ه م ، كنوحٍ الذي ابتُلي بام رأت ه واب ن ه ، ولوطٍ الذي ابتُلي بام رأت ه ، وكإبراهيم الذي ابتلي بأب يه الذي ناص ب هُ الع داء متوعّدًا ب ر ج م ه إن لم ي ن ت ه عن ق ول ه ، وكتابُ الل جاء صريحً ا في كل ذلك ، حيث قال في حق نوح ولوط وامرأتيهما : {ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ} [التحريم: 10] . وقال في حق ولد نوح : {ﱃ ﱄ ﱅ ﱆﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ} [هود: 46 ]. وقال في حق أبي إبراهيم: {ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ} [التوبة: 114 ]. وما يستن ك رُ ه البعضُ م ن قول هذا في حق أبوي النبي ‘ قد قال ب ه أئم ةٌ كبار شه د لهم القاصي والدّاني بس عة الاطّلاع ، وحُسن الإنصاف ، كالإمام البيهقي إذيقول : وكيف لا يكون أبواهُ وج د ه بهذه الصّ فة في الآخ رة ، وكانوا ي عبدون الو ث ن حتى ماتوا ، ولم ي دينوا دين عيسى بن مريم ،وأمرُ هُ م لا ي قدحُ في ن سب رسول الل ، ‘ ، لأن أن ك ح ة الكُ فّ ار
عدد الصفحات ٤٦٣