المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

صيانة جناب الحديث النبوي الشريف

أسامة محمد زهير الشنطي

صفحة ٢٦ من ٣٣

ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 414 وأما الشبهة الثانية فهي قول السبحاني: > إنّ الرواية تُ عْ ر بُ عن أنّ لإبليس وجنوده سلطةً على النبي حيث أخذه في غفلة وخديعة ، كما يشهد عليه قوله > يفتك <، وهذا ما يكذِّبه الكتاب العزيز ويقول: {ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ} [النحل: 99 ]وحملُ السلطة على خصوص الإغواء خلاف الإطلاق <. قلتُ : كونُ اللّ فظ يُ حملُ على خ لاف الإطلاق لا ضير فيه ، متى ما كان الحاملُ على ذلك دليلاً آخ ر يُق يّدُ ذلك المُطل ق ، والس لطانُ المّنفي هنا لا بُدّ من ح مل ه على الس لطان الكام ل ، الذي ي ت م ك نُ م ن خ لال ه الشيطانُ م ن ح مل عباد الل المؤمنين على ف عل كُل سُوءٍ ، بما في ذل ك خُروجهم من دين الل ، وهذا ما لا ي ستطيعُه الشيطانُ بحالٍ م ن الأ حوال ما دام الم ذكورون في الآية الكريمة مؤمنين بربّهم مُت و كّلين عليه ، ولذا أتبع الل  هذه الآية الكريمة بقوله: {ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ} [النحل: 100 ]، ف ما نفاه في الآية الأولى في حق أوليائ ه ، أثب ت هُ في الآية الثانية في ح ق أولياء الشيطان ، وهذا واضحٌ لا ل بس فيه لمن ش ر ح الل صدره للهداية والرّشاد . ونصوصُ الشريعة الكريمة تؤي دُ هذا التوجيه ، وتعزّزه بكثيرٍ من الأمثلة الواضحة الب ي ن ة ، والتي م ن أ ص ر ح ها ما وقع لسادة أولياء الل ، وأشد ه م إيمانًا وأكثر هم توك لاً عليه ، وهم : أنبياؤه ،حيث جاءت هذه الأم ثل ةُ ب سرد صُورٍ م ن ت سل ط الشيطان على ب عض هم ، والعمل على إغوائ ه ،

عدد الصفحات ٤١٥

ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 415 كصنيع ه مع آدم،حيث أغواهُ بالأكل من الشجرة ، قائلاً : {ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ} [طه: 120 ]،وكذا فيما يتعلّق بتسل طه على أيوب ،الذي نادى ربّ ه  قائلاً: {ﳓ ﳔ ﳕ ﳖ ﳗ} [ص: 41 ]،وما جاء في هاتين الآيتين الكريمتين كافٍ تمام الكفاية في تأكيد المعنى المراد إثباته ، لأننا نرى في الأولى منها تمك ن الشيطان م ن إغواء آدم  بالأكل م ن الشّجر ة المحرّمة ، وهذا نوعُ تسل طٍ منه على آدم ،وهو لا يخال فُ الآية الكريمة التي احتمى بها الس بحاني لردّ ما جاء في حديث الباب ، وكذا في الآية الثانية رأينا تسلّط الشيطان على ج سد أيوب ،ماسًّا إياه بن صبٍ وعذابٍ ، وفي تفسيرها يقول العلاّمةُ ابن الجوزي: وذلك أنّ الشيطان سُل ط عليه ، فأضاف ما أصاب ه إليه (1 )، وهذا أيضًا نوعُ تسل طٍ منه عليه ، لا ينافي ما جاء في الآية الكريمة المشار إليها آنفًا من سورة النّحل ، والتي فسّرها الإمامُ سفيانُ الثوريّ  بقوله: ليس لهُ عليه م سلطانٌ أن يُ و ق ع هُ م في ذنبٍ لا يتوبون م نه (2 ). وما قاله الإمام سفيانُ الثوري يجلّي المسألة غاية التّجلية، ويُبيّنُ الم فهوم الصّحيح للع صمة عند كبار علماء هذه الأمّة ، حيث أثبت سفيانُ في كلام ه هذا احتمال وقوعهم  في ذ نبٍ، ونفى عنهم ديموم تهم على هذا الذ نب ، وهذه الد يمومةُ هي مُبتغى إبليس عليه لعائنُ الل منهم ، وهي التي لم ولن يُمك ن منها في حق أكرم البشر أنبيائ ه ورسُل ه ،بل وم ن ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) زاد المسير3 /576 .) (2 ) انظر تفسير ابن كثير4 /602 .)

عدد الصفحات ٤١٦

ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 416 سائر عباد الل الصادقين في إيمان هم به سبحانه، وتوك ل ه م عليه . وقد يتساءل المرءُ عن السّ بب الذي حمل الس بحاني على الاستدلال بهذه الآية الكريمة من سورة النّحل ، والإعراض عن هاتين الآيتين المذكورتين المثبتتين للشيطان نوع تسل ط على بعض أنبياء الل ،وما جاء في هذا المعنى في كتاب الل ،وقد يصلُ به تساؤله إلى استنتاج أن الدّافع له في هذا وغير ه هو حرصُه على ردّ الحديث ، وشغ فُه الشديدُ لإسقاط رُواته ومصادر تخريجه ، وهو دافعٌ بائسٌ يُوسّع الش قة بين صاح به وبين الوصول إلى الحق الذي أظهر ه الل  بأوضح الأدلّة والبيّنات. وكان الأولى بالسبحاني وكل باحثٍ عن الح ق والهُدى أن ي حرص على ف هم مراد الل  بآية سورة النّحل، بل وبسائر آيات كتابه سبحانه ، وأن ي عمل على إبراز ما في هذا الكتاب العزيز م ن ت ناسقٍ وت ناسبٍ وت آلفٍ وت وافقٍ وتصديق ب عض ه ل بعضٍ ، وت صد ي ق ه كذلك لما جاء في الس نة النبوية الشريفة ، وأن ي حر ص أشد الح ر ص على ط ر ق باب التوفيق بين الن صوص التي خالفت في ظ واهر ها ب عض الن ص وص الأُخ ر ، وأن يبتعد أشد البُعد ع ن ضرب نُصوص الشّرع بعض ها ببعضٍ ، وأن ي حذر أشد الح ذ ر من الع مل على إ سقاط الاحتجاج بها ، وأن يُباين أشدّ المباينة أولئك الذين يتّبعون {ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ} [آل عمران : 7 ]، ول يعلم ع لم اليقين أن هذه الطُرُق المعوج ة وأخوات ها لا ت زيدُ صاحب ها إلا انغماسًا في أوحال الغواية والضّلال ، نسأل الل السلامة والعافية .

عدد الصفحات ٤١٧

ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 417 ولو ن ظ ر الس بحاني في أ صل ك ل مة ( سُ لطانٍ ) من حيثُ اللّغةُ لع ل م أنّ المُ راد بها الت مُ ك نُ والق ه رُ ( 1 )،وهو ما ل م ي ت مكّ ن الشّ يطانُ م ن ف عل ه مع ن بي نا ‘ في حديث نا هذا ، حيثُ ح اول أن ي تسل ط عليه وي ق ه ر هُ وي تمكّن م ن هُ كي يُ وص ل الأذى إلى ج س د ه بما كان ي ح م لُ هُ م ن ش هاب النّ ار ، ولكنّ الل  أمكن ن ب ي ه ‘ م ن هُ ، و ر د ك يد ه في ن ح ر ه ، وفرّ خاسئًا حسيرًا ، وص د ق فيه قولُه تعالى : {ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ} [النحل: 99،100 ]، وتوافقت أد ل ةُ ك تاب الل تعالى م ع ب عض ها البعض ؛ ومع سنّة نبي نا ‘ الكريمة ؛ وما تفار ق ت ، ولل الحمدُ في الأولى والآخر ة . وأما الشبهة الثالثة فقال فيها السبحاني: > إنّ الرواية تدلّ على مشاهدة الناس للجن ، ولذلك صم م النبي على أن يرب ط ذلك العفريت العاتي المارد من الجن ، على سارية من سواري المسجد حتى يصبح الناس وينظروا إليه ، مع أنّه خلاف القرآن الكريم ، حيث يقول: {ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ} [الأعراف: 27 ]، وحمله على غالب الناس خلاف الظاهر ، وعلى فرض الصحّة فأهل المدينة من تلك الأغلبية الذين لا يستطيعون رؤية الجنّ <. اهـ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) قال ابن فارس في مقاييس اللغة3/95): السّينُ واللاّ مُ والطّ اء أصلٌ واحدٌ ، وهو القوّ ة والق هرُ ، وجاء في مُ فردات الرّ اغب ( 420) قوله فيبيان أصل السّ لطان: السّ لاطةُ : التّمكّنُ م ن الق هر .

عدد الصفحات ٤١٨

ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 418 قلت: أما رؤيتُ هم على غير صور ت هم النّ ارية ، فقد استفاضت الأخبارُ في إثبات ذلك ، سواءٌ كانت هذه الر ؤيا للأنبياء  أو لغير ه م م ن الب شر ، وسيأتي معنا ذكرُ شيءٍ من الأخبار في ذلك ، والآي ةُ لا ت نف ي وقوع هذا النوع من الر ؤية ، وإنما غايةُ ما تُ ث ب تُ هُ الآيةُ الك ريمةُ أنهم يستطيعون رؤيت نا م ن ج هة لا ن ستطيعُ أن نراهم منه ا ، وقد ذُكر في تفسير هذه الآية وجهان: أحدُ هُ ما : من حيثُ لا تُ بصرون أجساد هم . والثاني : من حيثُ لا ت علمون م ك ر ه م وف ت ن ت ه م (1 ) . وعلى هذاالوجه الثاني ف لا إشكال في الآية أصلاً ، حيث لم تتعرّ ض للر ؤية الب صريّ ة لهم ، ف لم تنف ذلك ، كما لم تُث ب ت ه، وسياقُ الآية قد يؤي د هذا الوج ه ، حيث وردت الإشارةُ فيه إلى ت حذير بني آدم م ن كيد الشّيطان وو س و س ته ل هُ م ، وليس في هذا القول جنوحٌ إلى التأويل المذموم ، وإنما هو إعمالٌ للسّياق الوارد فيه ، وعدم إهماله . وكذا على القول الأول نقول : لا حُ جّ ة فيه على م نع رؤي ت هم على حال تهم التي خ ل ق هم اللُ عليها ، وفي هذا يقولُ شيخُ الإسلام ابنُ تيمية  في جواب ه على معنى هذ ه الآية الكريمة : الذي في القرآن أنهم ي ر و ن الإن س م ن حيثُ لا يراهُ م الإن سُ ، وهذا حقٌّ يقتضي أنّ هم ير و ن الإ ن س في حالٍ لا يراهُ م الإن سُ فيها ، وليس فيه أنّ هم لا يراهُ م أحدٌ م ن الإ ن س ب ح الٍ ؛ بل قد يراهُ مُ الصالحون وغيرُ الصالحين أيضً ا ؛ لكن لا ير و ن هُ م في ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) النكت والعيون2 /216 .)

عدد الصفحات ٤١٩

ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 419 كل حالٍ ، والشّ ياطينُ هُ م م رد ةُ الإن س والج نّ ، وجميعُ الج ن ولدُ إبليس ، والل أعلم (1 ) . ولمّا ن فى الز م خشري رؤية الإنس للجن مستدلاًّ بهذه الآية قائلاً : وفيه دليلٌ ب ي نٌ أنّ الج ن لا يُر و ن ولا ي ظ هرون للإنس ، وأن إ ظ هار هم أنفس هم ليس في استطاع ت هم ، وأنّ ز عم م ن ي د عى رؤيت هم زورٌ وم خ ر ق ةٌ (2 ) . ردّ عليه أبو حيّان بقول ه : ولا دليل في الآي ة على ما ذ ك ر ، لأنّ ه تعالى أث بت أنّ هم ي ر و ن نا م ن ج هةٍ لا ن راهُ م ن حنُ فيها ، وه ي الج هة التي يكونُ ون فيها على أ صل خ ل ق ت ه م م ن الأ ج سام اللّ طيفة ، ولو أراد ن في رؤي ت نا ع لى العُ موم ل م ي ت ق ي د ب هذه الح ي ث يّ ة ، وكان يكونُ التّ ركيبُ : إ نّ ه يراكُ م هو وقبيلُ ه وأن تُ م لا ت ر و ن هم . وأيضً ا: ف ل و ف ر ض نا أنّ في الآي ة د لالة لكان م ن العام الم خصوص بالحديث النّ بوي المُ س ت فيض ، فيكونون م رئ يّ ين ف ي بعض الص ور ل بعض النّ اس في ب عض الأ حيان (3 ) . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) مجموع الفتاوى15 /7)، وست أتي معنا إشارتُ ه إلى حوادث حصلت معه ومع غير ه فيما يتعلّق برؤيتهم. ( 2 ) الكشاف2 /92 .) (3 ) البحر المحيط2 /436.) وممّن عارضالزّم خ شري في ما ذ ه ب إليه: ابنُ المُن ي ر في حاش ي ت ه على الك شاف حيث قال: أين يذهبُ ب ه عمّا و ر د في الحديث الص حيح؛ م ن اعتراض إبليس رأس هم ومقد م هم للنبي ‘ رومُ أن ي ش غ ل هُ ع ن صلات ه حتى أ م ك ن هُ الل م ن ه، فأ خ ذ ه عليه الصّ ي لاة والسلام ر ب ط ه إلى ساريةٍ م ن س واري الم س ج د ي ل عبُ به الص بيانُ، حتى س م ع ف د ع هُ وأراد أن ي د عوة سُليمان  ف ت رك ه، وإذا جاز ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام كان جائزًا =

عدد الصفحات ٤٢٠

ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 420 وكذا نجدُ أن بعض علماء الإمامية قد أشار إلى ض عف قول الز مخشري السابق ، حيث قال بعد نقل ه ل ه : وفيه ن ظرٌ (1 ) . وصرّح القُم ي الم شهدي ب عدم امتناع رؤ ي ت هم قائلاً : ورُ ؤ ي تُ هم إي انا م ن حيثُ لا نراهُ م في الجُ مل ة ، لا تقتضي امتناع رؤيت هم وتمث ل هم ل نا (2 ) . واستبعادُ ت خصيص الم نع بأناسٍ دون غير ه م مُست ب عدٌ ، وقد ذهب بعضُ العلماء إلى القول بجواز تخصيص النبي ‘ بالقدرة على رؤية الشيطان على صورته الحقيقية دون غيره من الب شر ، مستد لاًّ على ذلك بحديث الباب ، وممّن ذهب إلى هذا العلاّمةُ ابنُ بطّالٍ  حيث قال في شرحه لهذا الحديث : ورؤيُ تُ ه  للعفريت هو ما خُص به ، ك ما خُص برؤية الم لائ كة ، فقد أ خ ب ر أن ج بريل له س تمائة ج ناح ، وأخبرنا الل بذلك ب قول ه { :ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ} [النجم: 18 ]،وبقوله { :ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ} [النجم: 13 ]،وقد رآهم يوم انصراف هم عن الخ ند ق ، ورأى الشّ يطان في هذه الليلة وأُ ق د ر عليه لت ج س م ه ؛ لأنّ الأجسام مُ م كنٌ القُ د رة ع ليها ، ولكنه أُ لقي في رُ وع ه ما وُ هب سُ ليمانُ ، فلم يُ نف ذ ما ق و ي ع لي ه م ن ح ب س ه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ = لأولياء الل والمُت ب عين ل سُنّة رسول الل ‘ كرامةً، لكنّ الزمخشري ي صد ه عن ذلك ج ح دُهُ لكرامة الأولياء لأنه ع قيدة إخوانه، إذ الكرامةُ إنما يُؤ تاها الولي الصّادقُ، فكيف ينالُها م ن يُشك في إ س لام ه؟ فإنّهم لفي عُذرٍ م ن ج ح د ها والتّكذيب بها، رزقنا الل الإيمان بالك رامات وإن لم ن كن لها أ هلاً، والل الموفق. اهـ. ( 1 ) آيات الأحكام للإستراباذي163 .) (2 ) تفسير كنز الدقائق5 /64 .)

عدد الصفحات ٤٢١

ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 421 رغ ب ةً عمّ ا أراد سُ ليمانُ الانفراد ب ه ، وح رصًا على إجابة الل د ع و ت ه ، وأمّ ا غيرُ الرّ سول ‘ م ن النّ اس فلا يُ م ك نُ م ن هذا ، ولا ي رى أح دٌ الشّ يطان على صُ ور ت ه غير الرّ سول ؛ لأن الل يقول { :ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ} [الأعراف: 27 ]،لكنّ ه يراه سائرُ الناس إذا ت ش ك ل في غير ش ك ل ه ، وت صو ر في غ ير صُ ور ت ه ، كما ت شك ل الذى ط ع ن هُ الأ نصاري حين و ج د هُ في ب يت ه في صُ ورة ح ي ةٍ ف قتلهُ ، فمات الر جلُ ب ه ، وبيّ ن الرسول ‘ ذلك ف ي قوله: إنّ بالمدينة جنًّ ا قد أ سلموا ( 1 ) .اهـ. قلت : والتصريحُ بإثبات هذه الخ صّيصة لنبيّنا الكريم ‘ ، كافٍ في التّسليم لتصحيح الحديث ، أو على الأقل ب ع د م مُعارض ت ه بالآية الكريمة ، وما نفاهُ ابن بطّال  من إمكان يّة وقوع ه لغير النّبي ‘ ؛ قد أثبت ه غيرُه من العلماء عن طريق حوادث شخصيةٍ وقعت له ، وسيأتي النّقلُ عن الإمام الخطّابي في ذلك ، بل لو تأمّل المرءُ قليلاً في حال الجن والشياطين في ز م ن سليمان ،وهم تحت سُلطانه وق ه ر ه : {ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ}[سبأ: 13 ]، و {ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ} [الأنبياء: 82 ]، وع فريتٌ من عفار يت هم يُخاطبُ سليمان  عارضًا عليه عرضًا لم يُسمع مثلُه عن أحدٍ من البشر ، قائلاً : {ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ} [النمل: 39 ]، يقول هذا في حق عرش ملكة سبأ الذي أخبر عنه الهدهد ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) شرح ابن بطال2 /109 .)

عدد الصفحات ٤٢٢

ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 422 قائلاً: {ﱉ ﱊ ﱋ } [النمل: 23 ]، وبعد ذلك ؛ وفي ن هاية الم طاف ، ب ي ن سُبحانه حال الج ن لما تبيّن لهم موتُ سليمان ، وهم الذين كانوا ي ص لون اللّيل بالن هار م ن أجل خ دم ت ه وت نفيذ أوام ر ه ، قائلاً سبحانه : {ﳇ ﳈ ﳉ ﳊ ﳋ ﳌ ﳍ ﳎ ﳏ ﳐ ﳑ ﳒ ﳓﳔ ﳕ ﳖ ﳗ ﳘ ﳙ ﳚ ﳛ ﳜ ﳝ ﳞ ﳟ ﳠ ﳡ ﳢ} [سبأ: 14]، أقول : لو استحضر المرءُ كل هذه الآيات الكريمات المُب ي نات لحال الج ن في دولة سُليمان ،وتأمّل وت ف ك ر في أحوال هم وشؤون هم هناك : هل كان سيخطُرُ ب بال ه أن سُليمان  كان يراهُم على غ ير صور ت هم الح قيقية التي خلقهم الل عليها؟ وهل سيتصو رُ القا رئُ لكتاب الل أنّ العفريت الذي ع رض على سليمان  إحضار العرش العظيم بسرعة لا تخطُرُ على قلب أحدٍ من البشر على مرّ العصور : كان سيحضرُه له وهو على غير صورت ه الحقيقية ؟ أو أنّ الجنّ الذين س خّرهمُ اللُ لخ دمة سليمان  كانوا ي ظهرون له وي عملون بي ن يديه بإذن ربّهم على صُورٍ غير صُو رهم الح قيقية ؟ إن المُنصف م ع نفس ه ومع غير ه ، والعاقل في تفكيره : لا يستطيعُ أن ي دفع الصورة التي يُثبتها ظاهرُ القرآن م ن أنّهم كانوا مُس خّرين للعمل تحت سلطان سليمان  وهم على هيئاتهم الحقيقية، بل إن في قوله تعالى : {ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ} [النمل: 17 ]، أتم البيان في تقسيم جيش سليمان  لهذه الأصناف الثّلاثة ؛ كلّ على حقيق ت ه وهي ئ ت ه التي خ ل ق ه اللُ عليها : الج ن على خ لق ت هم ، وكذا الإنسُ

عدد الصفحات ٤٢٣

ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 423 والطّيرُ، وإلا لو كانت صورة كل من الجن والإنس واحدةً ، لكانت القسمة ثنائيةً : إنسٌ وطيرٌ ، وكان الإنس أنفسُهم ينقسمون إلى : إنسٍ في ظاهرهم وباط نهم ، وإنسٍ في ظاهرهم دون باطنهم، وهذا القسمُ الثّاني لا ي ع ر فُ ماه يّت هم ، ولم يطّلعُ على حقي قتهم إلا سليمانُ ،وفي هذا م ن البُعد ما فيه ، وما عه دنا وقوع مثل هذا ا لتّمويه في كتاب الل  المنزّل {ﲓ ﲔ ﲕ} [الشعراء: 195 ]، والل أعلم . وقد صحّ عن غير واحدٍ من أهل الع لم الثّ قات أنّ هم رأوا بعض الج ن على صور ت ه الح قيقية ، فقال الخ طّ ابي: وقد رأينا غير واحدٍ من ث قات أهل الز هد و الو ر ع ؛ وبلغنا عن غير واحدٍ م ن أصحاب الر ياضات ؛ وأهل الصّ فاء والإ خلاص م ن أهل الم عرفة ؛ يُ خبرون أنّ هم يُ در كون أشخاص هم ، فأما قولُ الل تعالى { :ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ}[الأعراف: 27 ]، فإنّ ذلك حُكمُ الأع م الأغلب م ن أحوال بني آدم ، امت ح ن هم اللُ بذلك ، وابتلاهُم ل يفز عوا إليه وي ستعيذوا ب ه م ن ش ر ه م ، وي طلبوا الأمان م ن غائ لت ه م ، ولا يُنك ر أن يكون حكمُ الخاص والنّادر م ن الم صطفين م ن ع باد ه ب خلاف ذلك ، فقد قال تعالى { :ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ}[الحجر: 42 ] وقال{ :ﳩ ﳪ ﳫ ﳬ} [الحجر: 40 ]، فأ خبر أنّهم لا يُس لّطون على أوليائ ه ، ولا ي ج دون السّبيل إلي هم ، وهذا المعنى كأنّه هو ع ل ةُ رؤيت ه م إيّانا وعدم رؤي ت نا إيّاهم ، والل أعل م ، ورُ و ينا عن عُ مر بن الخطّ اب وأبي أيوب الأنصاري وغير واحدٍ م ن

عدد الصفحات ٤٢٤

ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 424 الصّحابة رؤية الج نّ ، ومعالجتهم إيّ اهم في غير طريقٍ م ن حديث الأثبات والثّ قات م ن الن ق لة ( 1 ). وقد نقل هذا ع ن هُ ابنُ المل ق ن ، ثم أت ب ع ه قائلاً : ورأيتُ أنا ب عض هم في الي ق ظ ة ، وس ل متُ عليه ، وسل م ع لي بعضُ هم نهارًا م ن غير رُ ؤية ش خ ص ه (2 ). وكان شيخُ الإسلام ابنُ تيمية  قد سُئل عن قائلٍ يقولُ : إن ل م ي ت ب يّن لي حقيقةُ ماهية الج ن وكُن ه ص فات هم ؛ وإلا ف لا أ تبعُ العلماء في شيءٍ ؟ فأجاب  بقول ه: أمّا كونُه لم ي تبيّن له كيفيةُ الج نّ وماهيّاتهم ؛ ف هذا ليس فيه إلاّ إخبارُه بعد م ع ل م ه ؛ لم يُنك ر وجود هم ، إذ وجودُهم ثابت بطر قٍ كثيرةٍ ، غير دلالة الكتاب والس نة ، فإنّ م ن النّاس م ن رآهم ، وفيه م م ن رأى م ن رآهم ، وث بت ذلك عند ه بالخبر والي قين ، وم ن النّاس م ن كلّمهم وكلّموه ، وم ن النّاس م ن يأمرُهُم وينهاهُم ويتصرّفُ فيهم: وهذا يكونُ للصالحين وغير الصالحين ، ولو ذكرتُ ما جرى لي ولأصحاب ي م عهُم لطال الخ طابُ ، وكذلك ما جرى لغ ير نا ؛ لكنّ الاعتماد على الأجوبة الع ل م يّة يكونُ على ما ي شت ر كُ النّاسُ في ع لم ه ، لا يكونُ بما يختّص ب علم ه المُجيبُ ، إلاّ أن يكون الجوابُ ل م ن يُصد قُه فيما يُخ ب رُ ب ه (3 ) . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) أعلام الحديث1 /399 ــ 400 .) (2 ) التوضيح5 /590 .) (3 ) مجموع الفتاوى4 /232 .)

عدد الصفحات ٤٢٥

ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 425 قلت: وهذه الأقوالُ وغيرُها ممّا جاء في معناها م ن أُناسٍ لم يُعرفوا إلا بالصّدق والنّزاهة والعمل الدؤوب على خ دمة دين الل  :تُثبتُ وقوع مثل هذه الحوادث، وتناقل الأخبار فيها دون تكذيبٍ لأصحابها ، ولا تشكيكٍ بوقوع ها ، ولذا ن ب ه العُقلاءُ إلى أن ع دم وُقوع رؤيت هم ل كل أحدٍ من البشر لا ي نفي ج واز ذلك، ولا وقوع ه، وفي هذا يقولُ الع لاّمةُ الب قاعي  :وعدمُ رؤيت نا لهم في الجُ م ل ة لا ي قتضي امتناع رؤيت هم ، على أنّ ه قد ص ح تصو رهُ م في الأجسام الكثيفة ورؤيةُ بني آدم لهم في ت لك الأجسام (1 ). ثم ذكر الب قاعي بعض الأمثلة على وقوع رؤيتهم من ق ب ل غير واحدٍ من البشر ، ولم ي فُت ه أن ي ستدلّ بحديث الباب على ص حّة ذلك . ولا بُدّ هنا م ن الت نبيه على أنّ الج ن وإن كان أصلُ خ لق ت ه م م ن نارٍ كما بيّن اللُ  في كتابه، وأ خبر به رسولُهُ ‘ في سنّت ه المُشرّفة ، إلا أنّ هذا لا يعني ظُهوره م بهذه الصورة النّار يّة لمن رآهم على ح قيق تهم ، وحالُهم في ذلك ك حال الب شر ، ال ذين ابتدأ الل  خ لق هم م ن طينٍ، ثم أقام مادّة أجساد هم م ن لحمٍ ودمٍ ، وقد ذ ك ر الل  الج نسين في كتابه الكريم ، مبيّنًا م بد أ خ لق كُل م نهما ، قائلاً سُبحانه : {ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ}[الحجر: 26، 27 ]، فكما أنّ ب ني آدم لم ي بقوا على أصل خ لق ته م ط ينًا ، فكذلك الأم رُ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) نظم الد رر7 /383 .)

عدد الصفحات ٤٢٦

ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 426 قد ي كونُ بالن سبة للج نّ(1 )، وبهذا التّنبيهُ ي ن د فعُ ما قد ي رد على ذهن البعض م ن استحالة قُدر ة النّبيّ ‘ على م س الج ن ــ وم ن باب أولى خ ن ق ه ــ ؛ بسب ب كون ه خُل ق م ن نارٍ حارقةٍ ، لأنّ الجواب على ذلك بما ذ كرتُ م ن ع دم لزوم ب قاء الج ن على أصل خ لق ته النّاريّة ، والل أعلم . وحالُ الجنّ في ذلك ــ كما أسلفتُ ــ ك حال الإنس تمامًا ؛ كلٌّ من الفريقين لم يبق على أصل خلقته ، وكلٌّ من الفريقين يتأذّى م ن المادّة التي خُلق منها ، فالإنسان يتأذّى من الطين إذا ضُرب به ، والجني يتأذّى من النّار إذا ع ر ض لها أو أُل ق ي فيها ، ب ل إنّ هذه النّار التي أ صلُ مادة خ ل ق الشيطان ، ستكون م ادّة عذاب ه يوم الق يامة ، وم قر خُلود ه هو وم ن اتّبعه م ن الجنّ والإنس ، نسألُ الل السّلامة والعافية . ومن كلام الحافظ ابن حجر  الدائ ر حول هذا المعنى، قولُه: واعتل من أ ن ك ر ذلك بأن الل تعالى أ خ بر أنّ الجانّ خُ ل ق م ن نارٍ ، وفي النّ ار م ن اليُ بوس ة والخ فّ ة ما ي من عُ معه التوالُ د ، والجوابُ : أنّ أص ل ه م م ن النّ ار كما أنّ أصل الآد م يّ م ن الت راب ، وكما أنّ الآدمي ليس ط يناً ح قيقةً ، كذلك الج ن ي ليس نارً ا ح قيقةً ، وقد و قع في الصّ حيح في ق صّ ة ت ع ر ض الشّ يطان للنّ بيّ ‘ أنّ ه قال : فأخ ذ تُ ه فخ ن ق تُ ه حتّ ى وجدتُ ب ر د ر يق ه على ي دي. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) إنما فرّقنا بينالتعبيرين في حقّ الجنسين فج ز م نا بعدم بقاء الإنس على أصل خلقتهم، وصدّرنا ما يتعلّقُ بالجنّ بصيغة الاحتمال، لأننا ب ني نا على واقعٍ مشهودٍ في حق الإنس، وأخبارٍ صحيحةٍ تتلى في حق بعض الجنّ ؛ لا كُلّهم، والل أعلم.

عدد الصفحات ٤٢٧

ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 427 قلت ــ والكلام للحافظ ــ : وبهذا الجواب يند ف عُ إيراد م ن استشكل قول ه تعالى{ :ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ} [الصافات: 10 ]فقال: كيف ت حر قُ النّ ارُ النّ ار (1 )؟اهـ كلامُ الحافظ ابن حجرٍ . ثم ختم السبحاني اعتراضات ه بالش بهة الرّ ابعة التي قال فيها: > الرواية تدلّ على أنّ النبي انصرف عن عمله ، لأنّه ذكر قول أخيه سليمان: {ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥﲦ ﲧ ﲨ ﲩ} [ص: 35]، فلأجل ذلك رد الله ذلك الجن خاسئً ا ذليلاً صاغرً ا مطرودً ا ، ولكن الآية لا تصلح أن تكون سبباً لانصرافه ، وذلك لأنّها لا تدل على أنّ ربط الجن العاتي من خصائص سليمان ، فما هو من خصائصه هو المُلك المبني على قدرة قاهرة ، واستخدام الجن والإنس والطير إلى غير ذلك مما جاء في الذكر الحكيم من الجنود ، وأين هذا من ربط الجن العاتي بسارية من سواري المسجد في مورد واحد <؟ قلت : بل إن كتاب الل  قد دلّ على أنّ مما فضّل الل به عبد ه سليمان على سائر م ن س بقهُ م ن الأنبياء  :تمكين ه له م ن السيطرة على الج نّ والشّياطين ، وإخضاع ها له ،ون صّ سبحانه في كتاب ه على صورٍ م ن أعمال الجنّ والشياطين بين يدي سليمان ،فقال سبحانه : {ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) فتح الباري6/345 .)

عدد الصفحات ٤٢٨

ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 428 ﲻ} [سبأ: 12،13 ]، وقال سبحانه: {ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉﱊ ﱋ ﱌ ﱍ} [الأنبياء: 82 ]، وقال سبحانه: {ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ} [ص: 37،38 ]، وهذه الصورة الأخيرة التي فسّرها التابعي الجليلُ قتادة  بقوله: > مردةُ الشّياطين في الأغلال < ( 1 )، تُظهر تمام قدرة سليمان  على الجنّ والشياطين بأصناف هم وأنواع هم ، وهو المُلك الذي خ ص ه الل  به، وامتنّ عليه قائلاً سبحانه : {ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ} [ص: 39 ]، وقد نقل العلاّمة ابنُ عطية ما جاء في تفسير هذه الآية الكريمة فقال  : واختلف الناسُ في المُشار إليه بقوله: {ﲾ ﲿ} فقال قتاد ةُ : أشار إلى ما ف ع ل هُ بالج نّ ؛ ف ام نُن على م ن ش ئت م نهم ؛ وأط ل ق ه م ن و ثاق ه ؛ وس رّح ه م ن خ د م ت ه ، أ و أ م س ك أ مر ه كما تريد. وقال ابنُ عبّاس : أشار إلى ما و ه ب هُ م ن النّساء وأقد ر ه عليه م ن ج ماعهنّ . وقال الح سنُ بنُ أبي الح سن: أشار إلى جميع ما أعطاهُ م ن المُلك ، وأ م ر هُ بأن ي مُنّ على م ن ي شاءُ ويُمسك عمّن يشاءُ ، فكأنّه وق ف ه على ق د ر النّعم ة ، ثُمّ أباح له التّصر ف فيه ب مشيئ ت ه ، وهو تعالى ق د ع ل م م نه أنّ م شيئ ت هُ  إنما ت ت صرّفُ ب حُكم طاعة الل ، وهذا أصح الأقوال وأجمعُها لتفسير الآية (2 ) . وهذا التفسيرُ الأخيرُ القاضي بشمول الآية لكلّ ما أنعم ا  به على سليمان  لا يعودُ على أفراد تلك النّعم بالاستثناء، بل هو شاملٌ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) تفسير الطبري20 /98 .) (2 ) تفسير ابن عطية4 /506 .)

عدد الصفحات ٤٢٩

ذكر الإشكالات الواردة على الحديث 429 لجميع صور ها، والتي م ن بين ها قدرتُه  على تقييد م ن شاء م ن مرد ة الشياطين وتصفيد هم بالأغلال ، وهو عينُ ما أراد فعل ه النبي ‘ ؛ ثم ت رك هُ مراعاةً لدعوة سليمان ،ولو اقتصر القرآنُ الكريمُ على ذ كر صورةٍ أو أكثر من ت سليط الل  لسليمان على الجن والشياطين، ولم يكن م ن ض من ها هذه الصورةُ بعينها ؛ ولم يأت ما يُفيد عموم القدرة والسّيطرة عليهم ، لكنّا قد ت ن زّل نا ووافق نا الس بحاني فيما ذهب إليه م ن ع د م مطابقة الحديث لما جاء في كتاب الل ،لكننا نرى أن كلّ ما جاء في القرآن الكريم ممّا يتعلّق ببيان علاقة سليمان  مع الجنّ والشياطين يُبطل كل ما قال هُ السّبحاني في شُبه ت ه الأخيرة هذ ه ، ذلكم أن الل  ن ص على ت سخير ه الج نّ لخدمة سليمان  والائتمار بأمر ه، والانتهاء بنهيه ، وذكر لنا بعض أفراد هذا التسخير ، ومنها: تصفيدُهم بالأقران ، وأظهر تمام قُدرت ه عليهم وعلى ع قاب هم ، مما أدّى إلى ت مام خوف هم منه ،وعدم جرأة أحدٍ منهم على ترك ما كُل ف به م ن عملٍ ، إلى أن ع لموا بموته ، وعندها {ﳗ ﳘ ﳙ ﳚ ﳛ ﳜ ﳝ ﳞ ﳟ ﳠ ﳡ ﳢ} [سبأ: 14 ]، مع ملاحظ ة أن سياق س رد النّعم التي أنعم الل  بها على سليمان  إنما جاء ذ كرُه بعد دعاء سليمان  الذي قال فيه: {ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥﲦ ﲧ ﲨ ﲩ} [ص: 35]، فجاء جوابه  بقوله: {ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇ ﳈ ﳉ ﳊ ﳋ} [ص: 36 ــ 40 ]، فكان

عدد الصفحات ٤٣٠