الإشكالات الواردة على الحديث 298 وي نس بُ إليه إمكانية وضع ه خبرًا أو أخبارًا على النبي ‘ لحاجاتٍ في نفسه ،وحاشاهُ هو وسائر الصحابة الكرام من مثل هذه الظنّون الكاذبة ، والتخر صات الأثيمة ، وصدق الل العليّ العظيم القائل في كتابه: {ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ} [فاطر: 43 ]. وأماالأمر الثاني الذي س وّل للنّجمي إطلاق هذه الافتراءات فهو : اطمئنانُه إلى أن كثيرًا من أتباعه إنمّا يكتفون بما ي سوقه إليهم هو وأمثالُه ممّن شاركوه في توجّهه هذا في نقد أحاديث الصحيحين ورواتها ، ولا ي تج شّمون عناء البحث والمراجعة والتّدقيق فيما يقولُه أو ينقلُه عن غ ير ه ، إعمالاً لحُسن الظنّ في العلماء ، واستبعادًا لفكرة وقوع أحد هم بالكذب والظلم والافتراء على عباد الل الصالحين. ولو اعتاد أتباعُه تتبّع ما جاء في كلامه ، والتأمّل فيما يحمله في ثناياه ، والرجوع إلى المصادر التي ينقُل منها ، وعدم أخذ كلامه على عواهنه وقبول ه دون التدليل عليه بالأدلة المعتبرة المتفّق على الاحتجاج، لما استطاع النّجمي وغيرُه م ن المتصدّرين من أيّ المذاهب كان ؛ أن ي كتبوا سوادًا في بياضٍ إلاّ بعد إحكامه بما يُثبُته ، ول ق ل ت نسبة الكذب أو انعدمت في هذه المصنّفات التي يتوارثها المتأخّرون عن المتقدّمين ؛ بغث ها وسمين ها . وعودًا على ما خطّته يدُ النجمي من سوءٍ واتهامّات للصحابة الأجلاّء ، أقول: ما قاله النجمي هنا لم يكن شاذًّا من القول ، قاله مرّة ولم
عدد الصفحات ٢٩٩الإشكالات الواردة على الحديث 299 يكرّرها، وإنما هي طريقةٌ مسلوكةٌ له يلج أُ إليها كلّما وجد سبيلاً لذلك ، تمامًا كما صنع في قوله ‘: > إنّ أب ي وأباك في النّار <، حيث اختلق أكذوبة كون هذا الحديث م ن و ضع بعض الصحابة لين فوا العار عن آبائ هم ، ويجعلوا م صير أبوي النبي ‘ كمصير آبائ هم ، قائلاً : >أما الذين اختلقوا هذين الحديثين ؛ لم تكن غايتهم إلا محو الخزي والعار الذي أحدق بهم وبقبيلتهم ــ الذين حاربوا الإسلام ، حفظاً للوثنية والشرك وتثبيتاً لهما ــ وقاوموا القرآن والرسول ‘ ، وماتوا وهم مشركين كافرين ، أو أنهم أظهروا إسلامهم مكرهين، وطمعاً في المال والدنيا وهم في الواقع كفار ومشركين ، نعم إن مختلقي هذه الأحاديث أرادوا بوضعهم حديث كفر أبوي النبي ‘ أن يشبهونهما بآبائهم ، وأن يزيلوا العار المطبق على أجدادهم وضماداً لحقارتهم ، ولكن المؤسف أن أكثر المسلمين يعتبرون هذه الروايات الموضوعة صحيحة ، وعليها بنوا أسس عقائدهم < (1 ) . اهـ. ومع سوء ما خطّته يداه (2 )، وسيأتي الرد على كلام ه بصورةٍ تفصيليةٍ في موض ع ه من ك تابنا هذه ــ بإذن الل ــ ، إلا وإنه للإنصاف لا بُدّ أن يُقال: بأن هذا الافتراء ليس خاصً ا بالنّ جمي ، بل هو عامٌ في كل م ن سار في طريق الش قاء هذا ، ونابذ الصحابة الأج لاّ ء العداء ، ولذا نرى الس بحاني في س ياق رد ه لحديث ط لب ه ‘ من رب ه أن يجعل ل ع ن ه أو س ب هُ أو ضرب ه للمؤمنين رحمةً عليهم وصلاةً وزكاةً ، يد عي مثل ذلك فيقولُ : >ولعل ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) أضواء على الصحيحين233 .) (2 ) انظر الحديثالسابع من كتابنا هذا.
عدد الصفحات ٣٠٠الإشكالات الواردة على الحديث 300 السبب من وضع هذا الحديث هو التقرب إلى آل أبي عاص وسائر بني أُمية حتى يتدارك بذلك ما ثبت عن النبي > < من لعنهم وسبّهم كما في قوله تعالى : {ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ} [الإسراء: 60 ]، والشجرة الملعونة هي الأُسرة الأموية ، أخبره اللّه تعالى بتقلّ بهم على الحكم وقتلهم ذريته ، وعيثهم في أُمته ، فما رؤي النبي مستجمعً ا ضاحكً ا حتى تُ وفّ ي ، كما رواه الحاكمُ في مستدركه <. ثم ساق السبحاني بعض النصوص التي جاء فيها ذم بني أمية ، ثم قال : إلى غير ذلك من الروايات الصادرة في العهد النبوي عنه ص حيث يلعن فيها النبي طائفة ، فأراد أبو هريرة بوضع هذا الحديث التقرب إليهم (1 ) .اهـ كلام السبحاني، وسيأتي الرد على كلام ه بصورةٍ تفصيليةٍ في موض ع ه من ك تابنا هذا ــ بإذن الل تعالى ــ ( 2 ) . ونحن إنما أور د نا هذه الت رّهات لندل ل فقط على أن طعونات المعترضين وإشكالاتهم لا ت قوم على دليلٍ ، بل ولا على شبهة دليلٍ ، وإنما ي سطرُ ون في كُ تُ بهم كل ما ي ظنّون صلاح ه لخدمة أهدافهم ، دون أي احترامٍ لذهن القارئ الكريم المبتغي للحق في قراءت ه وبحث ه في م ثل هذه الم سائ ل. ولنعد قليلاً إلى ما قرّره النجمي فيما يتعل ق بكون البول قائمً ا كان ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) الحديث النبوي353 .) (2 ) انظر الحديث رقم () من كتابنا هذا
عدد الصفحات ٣٠١الإشكالات الواردة على الحديث 301 من سنن العرب في الجاهلية ، فنقول : نعم قد جاء الخبر بهذا النص في سنن ابن ماجه ، فقد جاء فيها ق ول ابن ماجه : س م ع تُ أ ح م د ب ن ع ب د الر ح م ن ال م خ زُوم ي ، ي قُولُ : ق ال : سُف ي انُ الث و ر ي ف ي ح د يث ع ائ ش ة : أ ن ا ر أ ي تُهُ ي بُولُ ق اع دًا <. ق ال : الر جُلُ أ ع ل مُ ب ه ذ ا م ن ه ا . ق ال أ ح م دُ ب نُ ع ب د الر ح م ن : و ك ان م ن ش أ ن ال ع ر ب ال ب و لُ ق ائ مًا ، أ لا ت ر اهُ ف ي ح د يث ع ب د الر ح م ن اب ن ح س ن ة ، ي قُولُ : > ق ع د ي بُولُ ك م ا ت بُولُ ال م ر أ ةُ < ( 1 ). وهذا النص بتمامه يُظهر توجيه سفيان الثوري لما روي عن عائشة في إنكار بوله ‘ قائمً ا ، معلّلاً ذلك بكون الرجال أعلم بهذا منها ، وهو توجيهٌ مستقيمٌ ت عامى عنه الن جمي في نقل ه السابق ، ولو ذكره لن ب ه ل وجه الرد على ما قالته أم المؤمنين عائشةُ ،ولعلّ ه إنّ ما لم ي فعل ذلك لمزيد اطمئنانه أن أحدً ا من أتباعه لن يُ راج ع نقول ه من ورائه ، فأغمض عيني ه عن ذلك ، وأسرّها في نفسه ولم يُبدها لهم . ولو أردنا أن ن حتجّ بعموم هذا القول الذي طار به النّجمي ، لقلنا: بأن عليًّ ا هو من ضمن الع ر ب الخُل ص ، وما كان م ن عادة العرب ؛ لا بد أن يكون من عادته أيضً ا ، بل قد صحّ عنه موافقتُهم في هذه المسألة خاصةً : أي : في مسألة البول قائمً اً ، وادّعاءُ النجميّ بأن ب عض الصحابة قد وضع هذا الحديث نُصر ةً لما كان مشتهرًا بينهم في الجاهلية ؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) سنن ابن ماجه (رقم309 .)
عدد الصفحات ٣٠٢الإشكالات الواردة على الحديث 302 يشملُ كل من كان من العرب من أصحاب النبيّ ‘ ، ولا يستثني منهم أحدًا ، ومنهم ــ على هذا التعميم ــ علي بن أبي طالب ،ولو طالب مطال بٌ النّجمي هذا بنص نقلي أو عقلي يُثبت خروج علي م ن هذا العموم ، لسُقط في يده ، ولم يستطع أن يقدّم شيئًا ، وكل دليلٍ سيقدّمه سيشملُ غير ه من الصحابة الكرام ــ العرب منهم خاصّةً ــ ، شاء أم أبى ، لأن هذا الفعل إن كان يُفعل فيما مضى في الجاهلية ، وما تُرك في الإسلام إلا للبُعد عمّا قد يجلبه من نجاسةٍ لفاعله ، فتركُ الصحابة الكرام لهذا كان امتثالاً لعمومات الشريعة ، الجاعلة من الطهارة ركنًا من أركان الصلاة ، وعليٌّ مثلُ غير ه من الصحابة الكرام ، {ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂﳃ ﳄ ﳅ ﳆ} [النور: 51]. ولذا يبقى السؤال قائمًا لا جواب عليه : ما الذي يُميّز عليًّا ، ويدفعُه إلى ترك البول قائمًا ، وقد كان م ن عادة العرب ــ وهو منهم ــ ؟ بينما يبقى الآخرون على عاد ت هم الجاهلية ، بل ويضعون أحاديث ي نسبونها إلى النبيّ ‘ في جواز البول قائمًا ؟ ثم ختم النجمي اعتراضات ه على هذا الحديث بقوله : > والجدير بالذكر أن هذه المسألة قد طُ ر حت بعد وفاة الرسول ‘ وفي حياة عائشة ، وقد دار النقاشُ حوله فبعض نفى نسبت ها إلى الرسول ، والآخرُ أثبته ، وأما عائشة فقد التزمت بالدفاع عن الرسول ، وقامت تفنِّد وتستنكر هذه الأحاديث وتقول : من حد ثكم أن النبي ‘ كان يبول قائمً ا فلا تصدقوه ،
عدد الصفحات ٣٠٣الإشكالات الواردة على الحديث 303 ما كان يبول إلا قاعدًا ، وقال الترمذي بعد تخريجه لهذا الحديث: حديث عائشة أحسن شيء في الباب وأصحّ ، وم ن الذين صادق على صحة رواية عائشة وأكدها ابن حجر العسقلاني في شرحه على صحيح البخاري < (1 ) . قلت: كون هذا الحديث أخبر به حذيفة بعد وفاة النبي ‘ لا يعني شيئً ا في ميزان نقد الرواية ، لأن المقرّر عند أئمة الإسلام بل وعامّ تهم أن الصحابة مؤتمنون على حديث رسول ا ‘ في حياته وبعد مماته ، وأعداء الصحابة لم يتركوا تهمةً فاجرةً إلا وألصقوها بهم ، فكان هذا سبباً لزيادة حسنات هؤلاء الصحب الكرام ، وم ح ق أعمال أعدائ هم ، وعند الل تجتمع الخصوم. وليس هذا الحديث هو الحديث الوحيد الذي أخبر به أحدٌ من أصحاب النبي ‘ بعد م وت ه ، وليس حذيفةُ هو الصحابي الوحيد من بين الصحابة الكرام الذي فعل ذلك ، ولكنّ القوم ي ت ش ب ثون بكل قشّةٍ في سبيل إبطال سنة النبيّ ‘ ، ولشديد غفلة هذا النجمي لم يتنبّه إلى أن أمّ المؤمنين عائشة نفت هذا الفع ل عن النبي ‘ بعد وفات ه أيضً ا ، فما الذي جعل النجمي يرفع خبر أمّ المؤمنين عائشة إلى أعلى الدرجات ، ويُ شكّكُ بل ويُ كذ بُ ما رواه حذيفةُ في ذلك، مع كون كل منهما قد أخبر عن النبي ‘ بعد موت ه ؟! ولو تنبّه النجمي لخطر ما يوردُه من شبهٍ بائسةٍ لع ل م أن هذا التشكيك ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) أضواء على الصحيحين267 .)
عدد الصفحات ٣٠٤الإشكالات الواردة على الحديث 304 لا بد أن ينسحب أيضً ا على أحاديث كل صحابي أخبر ب أي خبرٍ عن النبي ‘ بعد وفات ه ، ومنهم عليٌّ رضي الل عنه وأرضاه، وجمعنا معه في ج نان الخُ ل د ، لأن عليًّ ا من ضمنكبار الصحابة الذين رووا حديث النبي ‘ في حياته وبعد مماته ‘ ، وهو داخلٌ في الن صوص العامّ ة ، سواءٌ في ثبوت عدال ت هم ،ممّا يجعله معرّضًا للتشكيك بهذه العدالة من ق بل أعداء الإسلام ، حالُه في هذا حال إخوانه من الصحابة الكرام ، رضي الل عنهم وأرضاهم ، وتخصيصُ بعض الصحابة بالتصديق أو بالتكذيب ، وبالتعديل أو بالتجريح من غير مخص صٍ ليس من فعل العقلاء الحكماء أهل الديانة والتقوى ، والل الهادي إلى سواء السبيل . ب كل ما سبق ، نكون قد أجبنا على كل ما ساقه النجمي من شبهٍ لنقض بنيان هذا الحديث الصحيح ، والحمد لل الذي بنعمته تتم الصالحات . وكان من ض من المعترضين على هذا الحديث: عبدُ الصمد شاكر ، ولم يقدّم فيما ساقه من شُبهات شيئًا جديدًا زائدًا على ما جاء في كلام السابقين له ، ولذا يُكتفى بالإشارة إلى ذلك في حقّه (1 ) . وممّ ن قام بردّ هذا الحديث : مروان خليفات ، الذي لم يأت بجديدٍ سوى سوق شُ ب ه ه بأسلوب أقرب إلى أسلوب العوامّ المبتعدين عن الاشتغال بالعلم الشرعي الشريف ، ف ذهب يتحدّ ى كل من يصحّحُ هذا الحديث أن ي ت ب وّ ل قائمً ا عند سباطة قومٍ آخرين ! معتبرً ا أن نسبة هذا الفعل ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) نظرة عابرة إلى الصحاح الستة95 .)
عدد الصفحات ٣٠٥الإشكالات الواردة على الحديث 305 للنبي ‘ يُ صو ره كالمعتدي على أملاك الغير ــ وحاشاه ‘ من أن يُنسب إليه شيءٌ م ن سوء ــ . وقد أجاب العلماء الكرام عن هذا الإشكال المتهاف ت بعددٍ من الأجوبة ، فمنهم من نفى ابتداءً أن تكون هذه الس باطةُ مملوكةً لأحدٍ ، مبيّنًا أن الإضافة في الحديث ليست من أجل التمليك ، وإنما هي للتخصيص ، وقد مرّ معنا هذا من كلام الفت ني الهندي وم ن قبل ه الإمامُ النووي ، وأجاب بمثله السفّيري عند شرحه لهذا الحديث في صحيح الإمام البخاري حيث قال : سؤال : فإن قيل : كيف بال رسولُ الل ‘ في سُ باطة القوم بغير إ ذنهم مع أنه لا يجوز لأحدٍ أن ي ستجمر في حائط غير ه بغير إ ذ ن ه؟ جوابه : إمّ ا أنه ـ ‘ ـ ع ل م رضاه م بذلك وأذ نوا له ، أو أنّ ها لم تكن مختصةً بهم ، بل عامةً أُ ضيفت إلى القوم لقُ ربها منهم (1 ) . وكان مما افترضه مروانخليفات احتمالية خروج امرأة من البيت الذي وقف النبي ‘ يتبول بجانبه ، ورؤيتها لفعل النبي ‘ ذلك !! إلى أن قال : > ثم إن البول في الطريق ليس من العدالة ، وهذا ما قاله الإمامُ السّ بكي ، فقد قال في تعريف العدالة بأنها : ملكة تمنع عن اقتراف الكبائر ، وصغائر الخسة، كسرقة لقمة ، والرذائل المباحة ، كالبول في الطريق <! ! ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية2 /320 .)
عدد الصفحات ٣٠٦الإشكالات الواردة على الحديث 306 ثم ختممروان كلام ه بقول ه: > ولأن النبي أشدّ حياء من العذراء في خدرها فلا يعقل أن يبول على سباطة قوم ، فهو أشد حياء من العذراء ! والمثير للاستغراب إن السباطة تكون عادة من بقايا الطعام فكيف يبول الرسول عليها < ( 1 )؟ قلت : أما ما ختم به كلام ه من افتراض ه احتواء الس باطة التي بال عليها النبي ‘ على طعامٍ ، ف هي دعوى مجرّدة عن ما يؤيّدها ، بل إن المتباد ر إلى الذّهن هو العكس من ذلك تمامًا ، أي : عدم احتوائها على شيءٍ من بقايا الطعام ، وإلاّ لما كان النبي ‘ يفعلُ ذلك ، هذا هو الفرضُ القائم على حُسن الظنّ ، وأما ما ذكره مروان فهو افتراضٌ لا يفعلُه أدنى الناس تديّنًا ، فكيف يُذكر مثلُ هذا الاحتمال ؟! وأما احتجاجُ ه بقول الإمام السبكي ؛فيقال ابتداءً : إن كان يقص د بإيراده هذا رد حديث النبي ‘ ؛ فهذه طريقة لم تُعرف عند أحدٍ من علماء المسلمين ، بل ولا عند عوامّهم: إذ لم يُعهد عند أحدٍ من علماء المسلمين أن يقدّم قول أي منهم ــ تقدّم زمانُه أو تأخّر ــ على حديث النبي ‘ الصحيح الثابت ، بل كل هم يحكي عن نفس ه وعن غير ه من أئمة الإسلام ــ من الأئمة الأربعة المتبوعين وغير هم ــ المقولة المشهورة التي وإن اختلفت ألفاظها ، فقد اتفقت معانيها ، والتي مفادُها: لا يُقدّم على قول رسول الل ‘ قولُ أحدٍ من البشر كائنًا من كان ، وم ن أشهر أصحاب ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) وركبت السفينة117 .)
عدد الصفحات ٣٠٧الإشكالات الواردة على الحديث 307 هذه الإطلاقات: الإمامُ الشافعي ،وهو الإمامُ الذي ي فخرُ الإمام السبكي بالانتساب لمذهبه ، وفي رجال هذا المذهب الكريم ألّف السبكي كتابه العجاب : طبقات الشافعية الكبرى. وفي المعنى المُشار إليه آنفًا ؛ يقول الإمام الشافعي :إذا صحّ الحديث فهو مذهبي (1 )،بل ونُقل عنه ن قل الإجماع على ذلك ، قال العلامةُ ابنُ القيّم :وقد حكى الشافعي رضي الل تعالى عنه إجماع الصحابة والتابعين وم ن ب عدهم على أن م ن استبانت له سُنةُ رسول الل ‘ لم يكن له أن يد ع ها لقول أحدٍ ، ولم يستر ب أحدٌ من أئمة الإسلام في صحّة ما قاله الشافعي رضي الل تعالى عنه ، فإنّ الحُج ة الواجب اتباعها على الخلق كافة إنما هو قولُ المعصوم الذي لا ينط ق عن الهوى ، وأما أقوالُ غيره فغايتُها أن تكون سائغة الاتباع ، فضلاً عن أن يعار ض بها النصوصُ وتقدم عليها ، عياذًا بالل من الخُذلان (2 ) . وعلى ما سبق: فلا ينبغي أن ي ج ن ح مروانُ ولا غيرُه بمثل هذه الطريقة لردّ أحاديث النبي ‘ ، بل عليه أن ي سير في طريق الهداية ، ولا يقدّم على حديث النبي ‘ حديث أحدٍ من البشر ، مهما علت منزل ته! ثم بالعودة إلى ما نُقل عن السبكي ،نجدُه قال ذلك في كتاب ه جمع الجوامع ، ونص ه : وشرطُ الراوي العدالة ، وهي ملكةٌ ت منعُ م ن اقتراف ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) انظر: المجموع شرح المهذب للإمام النووي1 /63 .) (2 ) الرسالة التبوكية37 .)
عدد الصفحات ٣٠٨الإشكالات الواردة على الحديث 308 الكبائر وصغائر الخ سّة كس ر ق ة لُقمةٍ ، وهوى النّفس والرذائل المباحة كالبول في الطريق (1 ) . وبنظرةٍ أوّلية للفظ السبكي نجده لا يفيد ما أراده مروانُ في سعيه الحثيث لإبطال الحديث الصحيح ، فمروانُ وإن صدّر كلامه بقوله :: > ثم إن البول في الطريق ليس م ن العدالة < إلا أنه ساق ما ساق من كلام السّبكي للتّدليل على المنعّ من البول قائمًا ، بينما نرى لفظ السبكي عامًا في ذمّ كلّ من بال في طريق الناس ، دون التعرّض إلى هيئة معيّنة يذم من أجل فعل ذلك ، فالسبكي يذمّ من بال في طرق النّاس، ومروان يريد أن يُج ي ر النصّ لذم البول قائمًا ، ولا ارتباط بين تقعيد السبكي وفهم مروان. ولا شكّ أن كلّ عاقل يذم م ن قضى حاجته أمام أعين النّاس وفي طرقاتهم ، لما في ذلك م ن تقذيرٍ للطرقات ، وإيذاءٍ لمشاعر المارّة ، فإن رافق ذلك كشفٌ للعورات ازداد الأمر ضغثًا على إبّالة ، وانتقل الحكم من رذائل المباحات ليصبح من المحرّمات ، وعرّض فاعله نفسه للعن الل ،وهي صورةٌ قبيحةٌ يذم ها كل صاحب فطرةٍ سليمة ، تُظهرُ استخفاف صاحب ها بخواط ر النّاس ، وعدم اكتراثهم بما يقولونه في حقّه ، ولذا قال العلامة الزركشي معلّلاً كلام السبكي السابق بقوله بعد ذكر هذا الأوصاف المذمومة : ونحوه مما يدلّ على أنه غير مكترث باستهزاء الناس (2 ) . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) جمع الجوامع بهامش2 /992 ــ ضمن تشنيف المسامع). ( 2 ) تشنيف المسامع بجمع الجوامع2 /992 .)
عدد الصفحات ٣٠٩الإشكالات الواردة على الحديث 309 أما من تنحّى عن طريقالنّاس ، وقضى حاجته بعيدًا عن أعين هم ، ولم يراف ق ذلك كشفٌ لعورة ، فهذا لا ح ر ج في فعله ، وقد فعله خيرُ البشر نبي نا ‘ الذي بعثه الل لهداية الناس والتيسير عليهم في عباداتهم، وإبعاد هم عن الغلوّ والتكلّف المرهق لصاحبه ، وليظهر لهم سماحة هذا الدين القويم قائلاً : {ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ} [المائدة: 6] . وفعلُ النبي ‘ يوافق الأرفق في حياة النّاس ، ويُطب ق معنى نفي التشدّد عنهم عمليًّا ، لأنه ‘ ف عل ذلك حينما ح ضر ه البولُ ، ولم يكن هنالك م ن مصلحةٍ في تأخير ه ، بل قد يتسبّب تأخيرُه في ضرر صاحبه ــ كما هو معلومٌ ــ ، فاستص ل ح ‘ ت لك البقعة ليتبوّل فيها من قيامٍ ، مُتنحّيًا عن أعين الناس ، آمرًا حذيفة أن ي حول بينهم وبين الوصول إليه حتى ي فرُغ م ن حاجته ، رافعًا ‘ ب فعله الح رج عن كلّ من قد يتعرّض لمثل هذ ه الحالة ، ل يفعل مثل ف عله ‘. وهذا الفعل لا ع لاقة له من قريبٍ ولا من بعيدٍ بما جاء في كلام السبكي ممّا عُد مخالفًا للمروءة، والحمد لل رب العالمين ، الهادي من يشاء من عباده إلى صراطٍ مستقيم. وبالجواب عمّا حاول أن يستدل به مروان خليفات من كلام السبكي ، نكون ــ بحمد الل ــ قد أنهينا ردّنا على كل ما وقفنا عليه من شبهٍ سيقت في رد هذا الحديث الصحيح الكريم ، والفضل لل أولاً وآخرًا ، {ﳍ ﳎ ﳏ ﳐ ﳑﳒ ﳓ ﳔ ﳕ ﳖ} [القصص: 70].
عدد الصفحات ٣١٠ذكر تراجم المحدثين لهذا الحديث 310 المطلب الخ امس د ك ر ت راج م ال محذ ِث ي ن ال مخ ر ِج ي ن ل هذ ا ال حذي ث ال كري م ، مسي ن ن طة م ي ة ل وب عض ال ق وائ ذ ال ق ف هي ة ا عنون عبدُ الرزاق لهذا الحديث في مصنّ فه فقال :بابُ البول قائمً ا (1 ) . وعند ابن أبي شيبة: من رخّ ص في البول قائمً ا ( 2 ) . وعنده أيضاً في موطن آخر: بابٌ في المسح على الخُ ف ين ( 3 ) . بوّب الدارمي في سننه لهذا الحديث فقال : بابٌ : في البول قائماً ( 4 ) . وقال البخاري في صحيحه : بابُ البول قائمً ا وقاعدً ا ( 5 ) . ثم قال: بابُ البول عند صاح به ، والت ست رُ بالحائط ( 6 ) . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) المصنّفــ كتاب الطهارة ــ حديث رقم ( 751 .) (2 ) المصنفــ كتاب الطهارات ــ حديث رقم ( 1309 .) (3 ) المصنّفــ كتاب الطهارات ــ حديث رقم ( 1855 .) (4 ) سنن الدراميــ كتاب الطهارة ــ حديث رقم ( 729 .) (5 ) صحيح البخاريــ كتاب الوضوء ــ حديث رقم ( 224 .) (6 ) صحيح البخاريــ كتاب الوضوء ــ حديث رقم ( 225 .)
عدد الصفحات ٣١١ذكر تراجم المحدثين لهذا الحديث 311 ثم أت بع هذا الباب ببابٍ آخر ع نون له بقول ه : بابُ البول عند سُ باطة قومٍ (1 ) . وفي تبويبٍ رابعٍ له على هذا الحديث ، قال البخاري :بابُ الوقوف والبول عند سُ باطة قومٍ ( 2 ). وبوّب شراح مسلم: بابُ الم سح على الخُ فّ ين (3 ) . وبوّب ابن ماجه على هذا الحديث بقوله : بابُ المسح على الخفين (4 ) . وبوّب أبو داوود لهذا الحديث في سننه بقوله : بابُ البول قائمً ا ( 5 ) . وبوّب الترمذي على الحديث بقوله: باب ما جاء في الر خصة في ذلك (6 ) . وبوّب النسائي بقوله: باب ما جاء في الرخصة في ذلك (7 ) . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) صحيح البخاري ــ كتاب الوضوء ــ حديث رقم ( 226 .) (2 ) صحيح البخاريــ كتاب المظالم والغصب ــ حديث رقم ( 2471 .) (3 ) صحيح مسلمــ كتاب الطهارة ــ حديث رقم ( 273 .) (4 ) سنن ابن ماجهــ كتاب الطهارة وسننها ــ حديث رقم ( 305 ــ 306 .) (5 ) سنن أبي داودــ كتاب الطهارة ــ حديث رقم ( 23 ــ 24 .) (6 ) سنن الترمذيــ أبواب الطهارة ــ حديث رقم ( 13)، وكان قد عنون للباب السابق بقوله: باب النهي عن البول قائماً. وبه يتضح مراده من الرخصة في تبويبه هنا. ( 7 ) السنن الكبرىــ كتاب الطهارة ــ حديث رقم ( 18)، وكان قد عنون للباب السابق بقوله: الإبعاد عند إرادة الحاجة. وبه يتضح مراده من الرخصة في ت بويبه هنا، وكذا في الصغرى ( 18 .)
عدد الصفحات ٣١٢ذكر تراجم المحدثين لهذا الحديث 312 وبوّب أيضاً فقال: الر خصة في البول قائماً ( 1 ). وقال في السنن الصغرى: الرخصةُ في البول في الصحراء قائمً ا (2 ). وبوّب ابنُ خزيمة فقال : باب الر خصة في ترك التباعد عن النّ اس عند البول (3 ) . وبوّب على هذا الحديث بابً ا آخر ، فقال :بابُ الر خصة في البول قائماً (4 ) . وعند ابن الجارود في منتقاه : الر خصة في البول قائمً ا ؛ وقرب الناس (5 ) .وبوّب أبو عوانة بقول ه : بيانُ إيثار الت ست ر بالهدف للمتغو ط ، والدليل على إباحة الخلاء في ظ ل الش جر والهدف ، والإباحة للبائل أن لا يخلو ببول ه عن الناس، وأن يبول قائمً ا في ظ ل الحائط (6 ) . وفي شرح معاني الآثار، بوّب الطحاوي بقوله: بابُ البول قائمً ا (7 ) . وبوّب ابنُ حبان في صحيحه فقال: ذ كرُ الز جر عن أن يبول المرءُ وهو قائمٌ في غير أوقات الضرورات . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) السنن الكبرىــ كتاب الطهارة ــ حديث رقم ( 23 .) (2 ) السنن الصغرىــ كتاب الطهارة ــ حديث رقم ( 26 ــ 27 ــ 28 .) (3 ) صحيح ابن خزيمةــ كتاب الوضوء ــ حديث رقم ( 52 .) (4 ) صحيح ابن خزيمةــ كتاب الوضوء ــ حديث رقم 61 .) (5 ) المنتقىــ كتاب الطهارة ــ حديث رقم ( 36 .) (6 ) مستخرج أبي عوانةــ متبدأ كتاب الطهارة ــ حديث رقم ( 499 .) (7 ) شرح معاني الآثارــ كتاب الكراهة ــ حديث رقم ( 6807 .)
عدد الصفحات ٣١٣ذكر تراجم المحدثين لهذا الحديث 313 ثم قال ابن حبان: ذ كرُ الخ بر الدّ ال على ص حّ ة ما تأوّ لنا قول ه ‘: > لا ت بُ ل قائمً ا <، فذكر حديثنا هذا (1 ) . ثمبوّب قائلاً : ذ كرُ إباحة دُ نُ وّ الم رء م ن البائل إذا لم ي كُ ن ي ح ت ش مه (2 ). ثم قال: ذ كرُ البيان بأنّ حذيفة إنّ م ا د نا م ن المُ صطفى ‘ في تلك الحالة بأ م ر ه ‘ (3 ) . ثم قال: ذ ك رُ الخ ب ر المُ د ح ض قول م ن ز ع م أنّ هذا الخ بر تفرّ د ب ه سُ ليمانُ الأعمش (4 ) . وبوّب البيهقي فقال : باب البول قائمً ا (5 ) . وبوّب أيضاً لهذا الحديث بقوله : بابُ الر خصة في الم سح على الخفين (6 ) . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) صحيح ابن حبانــ كتاب الطهارة ــ باب الاستطابة ــ حديث رقم ( 1424 ــ 1425 .) (2 ) صحيح ابن حبانــ كتاب الطهارة ــ باب الاستطابة ــ حديث رقم ( 1457 .) (3 ) صحيح ابن حبانــ كتاب الطهارة ــ باب الاستطابة ــ حديث رقم ( 1428 .) (4 ) صحيح ابن حبانــ كتاب الطهارة ــ باب الاستطابة ــ حديث رقم ( 1429 .) (5 ) السنن الكبرىــ جماع أبواب الاستطابة ــ حديث رقم ( 486 .) (6 ) السنن الكبرىــ جماع أبواب المسح على الخفين ــ حديث رقم ( 1279 ــ 1299 ــ 1300 .)
عدد الصفحات ٣١٤