الإشكالات الواردة على الحديث 266 وفي مقابل أولئك ، نجدُ أه ل العلم الذين وفّقهم الل ل ف هم كلّيات هذه الشريعة ، وشريف مقاصدها ، وعلّمهم كيفية التعامل مع نصوص الشريعة ــ المُحك م منها والمتشاب ه ــ فقاموا بهذا الدور الشّريف خير قيام ، وس ع وا لتوجيه الأحاديث التي قد يُخالفُ ظاهرُها ما قع دتُه الشريعةُ م ن قواعد متينةٍ ، كهذا الحديث الذي يُصرّح ظاهرُه بأنّ الن بيّ ‘ قد بال في أصل جدارٍ لا ي مل كُه، وكون هذا داخلاً في باب الت صر ف في م لك الغ ير، فقال الإمام النووي :وقوله: >بال في أصل الجدار <، أي : قريبًا منه بحيثُ لا يُ فسده ، أو أنه كان غير مملوكٍ ، أو يعلمُ أن مال ك ه لا ي كر هُ ذلك (1 ) . وقال فيالحديث الآخر ــ مدار بحثنا هذا ــ : وأما ب ولُ ه ‘ في سُ باطة قومٍ في ح ت م ل أوجهً ا ، أظهرها : أنهم كانوا يُ ؤثرون ذلك ولا يكرهون ه ، بل ي فرحون ب ه ، ومن كان هذا حال ه جاز البولُ في أرض ه ، والأكلُ م ن طعامه ، ونظائرُ هذا في الس نة أكثرُ من أن تُ حصى ، وقد أشرنا إلى هذه القاعدة في كتاب الإيمان في حديث أبي هريرة ،قال: احتفزتُ كما ي ح ت ف زُ الثّ علب . والوجهُ الثاني : أنها لم تكن مُ ختصةً ب هم ، بل كانت بف ناء دُ ورهم للنّ اس كُ ل هم ، فأُ ضيفت إليهم لقُ رب ها م نهم ، والثالثُ : أن ي كونوا أ ذ نوا لمن أراد قضاء الحاجة ؛ إما بصريح الإذن ، وإما بما في معناه ، والل أعلم ( 2 ). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) الإيجاز88 .) (2 ) شرح النووي على مسلم3 /166 .)
عدد الصفحات ٢٦٧الإشكالات الواردة على الحديث 267 ومقصودي هنامن س وق توجيهات الإمام النووي ؛ بيان أن هذه التوجيهات و إ ن اختلفت في بعض مضامينها ، إلا أن ها تبقى في حيّز اختلافُ ال تنوّ عٍ لا اختلاف ال ت ضاد كما يُ قال ، وهو ـ ـ لرسوخ ه في العلم قام بتوجيه كلا الحديثين بما يوافقُ أصول الشريعة ، دون أن يلجأ لتكذيب أحد الحديثين ، أو تسفيه القائل بأي منهما ، فضلاً عن بُعده تمام البُعد عن إظهار وإخفاء ما يوافقُ أو يخالفُ ما نشأ عليه من م ذهبٍ فقهي . ثم قال المظفّر: > فمع هذه الأخبار ، وأضعافها من أخبارنا ، كيف نصدّقهم على النبيّ أنّه بال قائما ؟! ولا سيّما مع دعوى طلب دنوّ حذيفة منه، وهو مناف للحياء وسنّته ، فإنّه كان يبعد المذهب ، ولم يُ ر على بول أو غائط . ودعوى التشريع واضحة البطلان ، إذ ليس لإباحة البول قائمً ا بقُ رْ ب الناس من الأهمّية ما يحتاج إلى التشريع بالفعل ، وقد كان التشريع بالقول ممكنً ا ، وأظهر بيانً ا <! أقول : أما ما ختم به المظفّرُ كلام ه هذا فهو عينُ الاستدراك على الشارع الحكيم ، حيث قرّر فيه ما الذي ي ليقُ ف علُ ه م ن الشارع وما لا ي ليق فعلُ ه ، وما الذي ينبغي أن يُ قد م من طرق التشريع هذه ؛ وما الذي ينبغي أن يُ ؤخّ ر منها ، وما الذي يُ قبل من طُ رُ ق ا لتعليم وا لبيان منها ؛ وما الذي لا يُ قبل ، إلى غير ذلك من التّقريرات التي نادى بمضمونها المظفّر في استدراكه هذا .
عدد الصفحات ٢٦٨الإشكالات الواردة على الحديث 268 ولو أخذنا بظاهر قوله في تصريح ه بأن التعليم بالقول يقدّم دائمًا على التّعليم بالفعل هذا؛ لألزمناهُ ب سريان ه على كل فعلٍ صدر من النبيّ ‘ على وجه التعليم ، كشُ ربه م ن ق د ح الماء وهو في طريق سفره في ن هار رمضان ، ليُ عل م أصحاب ه سُ ن ية الفطر في السفر (1 )، وكقول ه ‘ في الصّ لاة التي هي عمودُ الدين: ص ل وا ك م ا ر أ ي تُمُون ي أُص ل ي ( 2 )،وقد كان بإمكانه ‘ تعليمهم الصلاة وشروط ها وأركان ها وواجبات ها وسن ن ها وأذكار ها بأقواله لا بأفعاله ! فهل يلتزمُ المظفّر ومن قال بقول ه بما يوض حُ ه ظاهرُ كلام ه م ن نفي صحة التعليم بالفعل ما دام القولُ مُ مكنً ا ؟ وي نفون بذلك كلّ ما صحّ عن النبي ‘ في تعليم ه الفعلي دون القولي ؟ وأما طَ لَ بُ ه ‘ من حذيفةَ أن يَ دنوَ منه ، فليس كما حاولَ أن يُصو رَه المظف ر ليشو هَ به هذا الحديثَ ، ويُبغ ضَ الناسَّ به ، من تصويره لزومَ ذلك لاط لاع حذيفةَ على عورة النبي ‘ ـ وحاشاه ‘ من أن يظَنَّ به مثلُ ذلك ـ ، وإنما كان طلبُ النبي ‘ من حذيفة الدنوّ منه ل يقوم بستره ( 3 ) ـ ـ ودفع ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) أخرج مسلمٌ في صحيحه1114) من حديث ج اب ر ب ن ع ب د ا، أ ن ر سُول ا ‘ خ ر ج ع ام ال ف ت ح إ ل ى م ك ة ف ي ر م ض ان ف ص ام ح ت ى ب ل غ كُر اع ال غ م يم ، ف ص ام الن اسُ، ثُم د ع ا ب ق د حٍ م ن م اءٍ ف ر ف ع هُ، ح ت ى ن ظ ر الن اسُ إ ل ي ه ، ثُم ش ر ب ، ف ق يل ل هُ ب ع د ذ ل ك : إ ن ب ع ض الن اس ق د ص ام ، ف ق ال : >أُول ئ ك ال عُص اةُ، أُول ئ ك ال عُص اةُ<. ( 2 ) انظر مناسبة الحديث وسياقه في صحيح البخاري631 .) (3 ) في معجم الطبراني الكبير17 /179) بإسناده إلى عصمة بن مالك: خ ر ج ع ل ي ن ا =
عدد الصفحات ٢٦٩الإشكالات الواردة على الحديث 269 كل مقتربٍ منه لا يعلم بأن النبي ‘ على حاج ت ه، وفي هذا يقول الإمامُ النووي :وأماقولُ ه > فتنح يت فقال: اد نُ ه . فد ن و تُ حتى قُ متُ ع ند ع ق ب يه < قال العلماءُ : إن ما استدناهُ ‘ ل ي ستت ر به عن أعين النّ اس وغير هم م ن الناظرين ، لكون ها حالةٌ يُ ستخفى بها ويُ ستحى م نها في العادة ، وكانت الحاجةُ التي يقضيها بولاً م ن ق يام ؛ يُ ؤم نُ معها خروجُ الح د ث الآخر والرائحة الكريهة ، فلهذا استد ناه ، وجاء في الحديث الآخر > لمّ ا أراد قضاء الحاجة قال: ت ن ح < لكون ه كان يقضيها قاعدً ا، ويحتاج إلى الح د ثين ج ميعً ا ، فت ح صُ ل الرائحةُ الكريهةُ وما يتب عُ ها ، ولهذا قال بعضُ العلماء في هذا الحديث : من الس نة القربُ من البائل إذا كان قائمً ا ، فإذا كان قاعدً ا فالس نةُ الإبعادُ عنه ، والل تعالى أعلم (1 ). قلت: والناظرُ المُنص فُ يرى شاسع الفرق بين طريقة الإمام النووي والعلماء الأجلاّء الذين ن ق ل أقوال هم في حُسن التعامل مع أحاديث النبيّ ‘ ، وبين ط ريقة المُظ فّر وم ن س بقه ولح قه في سوء التعامل مع أحاديث النبي ‘ ، والصحابة الكرام ن قلة هذه الأخبار، وأئمة الحديث الذين تناقلوا سنّة النّبي ‘ بأصح الأسانيد ، وأودعوها كتبهم الكريمة. وأما قول المظفّر : >وليس البول قائما في الجواز إلا كالتغوّط قائمً ا ، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ = ر سُولُ الل ‘ ف ي ب ع ض س ك ك ال م د ين ة ف ان ت ه ى إ ل ى سُب اط ة ق و مٍ ف ق ال : > ي ا حُذ ي ف ةُ اس تُر ن ي < ف ق ام ر سُولُ الل ‘ ف ب ال ق ائ مًا، ثُم د ع ا ب م اءٍ ف ت و ض أ و م س ح ع ل ى ال خُف و ص ل ى. ( 1 ) شرح النووي على مسلم3 /166 ــ 167 .)
عدد الصفحات ٢٧٠الإشكالات الواردة على الحديث 270 وإرسال الريح جالسًا بين الناس ، فهل ترى يحسن فعلهما للتشريع (1 ) <؟! فكلامٌ لا ي حتاج في ر د ه أكثر م ن نقله ، وهو يُرس خ في أذهان المُنصفين مدى ح رص المظفّر ومن سار ب سير ه على عدم احترام عُقول القُرّاء ، ٍ قائمةٍ على حُسن الاستدلال وأ مان ة الن قل وتقديم مادةٍ علمية . ثم تابع المظفّر قائلاً : > وأما قوله : > وأيّ منقصة تتصوّر من البول قائما ؟!<.. فمن مكابرة الضرورة ، ولكن يحقّ له نفي المنقصة ، فقد كان إمامُ هم عمرُ يفعلُ ذلك كما عرفتُ ، وكذلك ابنه عبد الله ! روى مالك في موط ئه ( 2 ) تحت عنوان: > ما جاء في البول قائماً <، عن عبد الله بن دينار ، قال : > رأيت عبد الله بن عمر يبول قائماً <. وعن النووي : > إنّ عمر كان يقول: البول قائماً أحصن للدبر <. ولعل ه لهذه الحكمة كان يفعلُ ه ويفعلُ ه أصحابه < (3 ) ! ! وفي الجواب على آخر شُبه المظفّر أقول : نعم ، ثبت هذا عن عمر كما مرّ معنا، ومرّ معنا أيضً ا توجيهُ الاختلاف المنقول عنه ، وأما أثرُ ابن عمر فقد أخرجهالإمامُ مالكٌ وغيرُ ه م ن طريق عبد الل بن دينار : أنّ ه رآهُ ي بولُ قائمً ا . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) سبق ذكرُه في هامش سابق، وكرّرته هنا مراعاةً لذكره في سياقه، وإتمامًا لنقل كلامه كلّه. ( 2 ) انظر: الموطأ210 .) (3 ) دلائل الصدق4 /136 .)
عدد الصفحات ٢٧١الإشكالات الواردة على الحديث 271 ونحن إنما احتججنا ببول النبي ‘ قائمً ا ابتداءً ، ثم استأ ن س نا بما رُ و ي عن الصحابة الكرام في ذلك ، والسؤالُ المتبادر إلى ذهن كل عاقل هو : ما الذي ي ضير كُ لاًّ من الص حابيين الجليلين أن ي فعلا شيئً ا فعل هُ النبي ‘ ؟ وهل يُ عقلُ أن ي ستن ك ف أحدٌ من الصحابة الكرام عن فعل ما قام به قُ دوتُ هم وقُ دوتُ نا والسابقُ إلى كل خير : نبي نا محمّدٌ ‘ ؟ وهذا ما حمل غير هما من الصحابة الكرام على البول من قيامٍ وعدم التّحر ج م ن ذلك ، وفي مقد مهم عليٌّ (1 )،وقد رُ وي خبرُ ه من طريق ي ز يد ب ن أ ب ي ز ي ادٍ ، ع ن أ ب ي ظ ب ي ان ال ج ن ب ي ق ال : ر أ ي تُ ع ل يًّا > ب ال ق ائ مًا ح ت ى أ ر غ ى ، ثُم ت و ض أ و م س ح ع ل ى ن ع ل ي ه ، ثُم د خ ل ال م س ج د ف خ ل ع ن ع ل ي ه ف ج ع ل هُم ا ف ي كُم ه ، ثُم ص ل ى <. ق ال م ع م رٌ : و ل و ش ئ تُ أ ن أُح د ث أ ن ز ي د ب ن أ س ل م ح د ث ن ي ع ن ع ط اء ب ن ي س ارٍ ، ع ن اب ن ع ب اسٍ أ ن الن ب ي ‘ ، ص ن ع ك م ا ص ن ع ع ل يٌّ ف ع ل تُ . أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ( 783)،ويزيدُ بن أبي زياد فيه كلامٌ جعل بعض أئمة الحديث لا يحت ج ون به ، مع أنّ القول الفصل عند الذهبي أنّ ه مع رداءة ح فظه لا يُ ترك (2 )،و قد ن صّ م ن ترجم له بأنه كان شيعيًّا ، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) نُقلُ التبوّ ل من قيامٍ عن غيره من الصحابة الكرام كزيد بن ثابتٍ وأبي هريرة ، وعن غ ير هم من التابعين الأ ج لاّء كسعيد بن المسيّب والشعبي ومحمد بن سيرين ، وتنظر أسانيد أخبارهم في مصنف ابن أبي شيبة ( 1 /115) وغيره من كتب الآثار ( 2 ) انظر: الكاشف6305 .)
عدد الصفحات ٢٧٢الإشكالات الواردة على الحديث 272 بل عُدّ من ك بارهم( 1 )،ومع ذا ، فقد روى هذا الخبر عن علي ، ولم ير فيه أي غضاضةٍ أو انتقاصٍ له . ثم هو قد توبع في روايت ه هذه ، وذلك في الرواية التي أخرجها عبدُ الرزاق بعد الأثر السابق عن الث و ر ي ، ع ن الأ ع م ش ، ع ن أ ب ي ظ ب ي ان ق ال : ر أ ي تُ ع ل يًّا ب ال و هُو ق ائ مٌ ح ت ى أ ر غ ى ، و ع ل ي ه خ م يص ةٌ ل هُ س و د اءُ ، ثُم د ع ا ب م اءٍ ف ت و ض أ ف م س ح ع ل ى ن ع ل ي ه ، ثُم ق ام ف ن ز ع هُم ا ، ثُم ص ل ى الظ ه ر . وكذا أخرجه ابنُ أبي شيبة ( 1311 )من طريق الأعمش وحصينٍ عن أبي ظبيان مختص راً مقت ص راً على ذكر بوله قائمً ا. ورُ وي أيضً ا م ن طريق سلمة بن كُ هيلٍ عن أبي ظ بيان به ، كما تراه في شرح معاني الآثار للطحاوي ( 4 /268)،وعنده أيضاً من طريق شُ عبة عن الأعمش به. وهذه أسانيدُ ص حيحةٌ تثبتُ وقوع هذا الفعل م ن علي ،وفي هذا كفايةٌ لطالب الحقّ في أن ي ق ن ع بصحة ما نُسب للنبي ‘ وإلى غير واحدٍ من الصحابة الكرام من التبوّل من قيامٍ ، خاصةً إذا كان المعترضُ ممّن يقول ب عصمة علي ،وسائر أئمة أهل البيت الكرام ، فها هي كل الأدلّة النّقلية والعقلية تدفعُه دفعًا إلى القول بصحة هذا الفعل ، فالأدلّة النقليةُ تجلّت صحّتُها بما مرّ معنا عند التعرّض لدراسة أسانيد ها ، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) انظر على سبيل المثال: تهذيب الكمال32 /139) وسير أعلام النبلاء6 /130 ) وفيهما النقل عن ابن فضيلٍ قولُ ه فيه: كان من الشيعة الكبار.
عدد الصفحات ٢٧٣الإشكالات الواردة على الحديث 273 حيث ظهر لنا ثبوتُ ذلك بأصح الأسانيد عن النبي ‘ ، وعن غير واحدٍ من الصحابة الكرام ، ومنهم عليٌّ ،والأدلّة العقلية قد تجلّت بما مرّ معنا من عدم وجود ما ي عيبُ هذا الفعل وفاعل ه ابتداءً ، وأن العيب لا يثبتُ إلا إذا راف قه انكشافُ عورةٍ أو وصولُ نجاسةٍ أو إيذاءُ الناس في طُرُقاتهم ، والل أعلى وأعلم . وأما قول السبحاني عن عزو الإمام ابن قدامة هذا الفعل لعلي : وأمّا نسبة ذلك إلى عليّ، فالمرويّ عن أئمّة أهل البيت خلافه (1 ). فيقال في الجواب عليه: ما الذي قصد ه السبحاني من قوله هذا ؟ هل قصد أن أئ مة أهل البيت رووا عن علي خلاف الذي رواه علماؤنا في كتبهم بالأسانيد الصحيحة ؟ أم قصد أن المنقول عن أئمة أهل البيت ــ ما خلا عليًّا ــ يخالفُ المنقول عن علي ؟ فإن كان الأول هو مراد ه فليُظهر لنا هذه الروايات التي نهى فيها عليٌّ عن البول قائمًا، ونفى ذلك عن نفس ه . وأنا أعلم كما يعلمُ غيري، أن و ضع أخبارٍ على أمير المؤمنين علي في هذا المعنى وغيره من المعاني، لا تُعجز أحدًا ممّن هوّن م ن شأن الكذب ، وسعى في نشر معتقداته عن طريق الأكاذيب ، ومع ذا ، فليت السبحاني ذكر شيئًا من ذلك ، حتى نقارن بين ما ذكر ه وبين ما ثبت عندنا بالأسانيد الصحيحة الثابتة عن علي في ذلك. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) الحديث النبوي235 .)
عدد الصفحات ٢٧٤الإشكالات الواردة على الحديث 274 وإن أراد الثاني: أي أنّ المنقولّ عن أئمة آل البيت م ن أقوالٍ ــ ورُبّما أفعالٍ ــ يخالفُ ذلك ، فيقال في الجواب عليه : متى كانت أقوالُ المتأخّرين وأفعالُهم قاضيةً على أقوال س لفه م م ن أئمة آل البيت ، وهل اعتاد السبحاني وغيره من علماء الإمامية على تقديم قول ذر ية علي على قوله، عند تعارض المنقول عنهم ؟ ولو افترضنا تعارض النّقل عن أئمة آل البيت في ذلك ، فينبغي على من أراد التوفيق أو الترجيح أن يبني ذلك على قواعد صحيحة ، موافقةٍ لطرائق الاستدلال والترجيح في شريعتنا الغرّاء ، وهذا أيضًا مما لم يُظهره السبحاني بحسب اطلاعي ، وإنما اكتفى بالتهويش بهذه المقولة التي نسبها إلى أئمة آل البيت ، لترهيب الأتباع م ن المخالفة . ثُمّ يقال له بعد ذلك: إن استطعت أن تُوع ر طريق الوصول إلى الحقّ على بعض أتباعك ؛ بالاحتماء بمثل هذه المقولات ، فما أنت فاعلٌ بما رواه ع لماء الإمامية في كُتُب هم م ن تجويز البول قائمًا، إذا أم ن فاعلُه التلب سّ بالنّجاسات ، فقد أخرج الطوسي من طريق سعدان عن حكمٍ عن رجلٍ عن أبي عبد الل قال : قلتُ له: أيبولُ الرّ جلُ وهو قائمٌ ؟ قال: نعم ، ولكنّ ه يُ تخوّ فُ أن يلت ب س به الشيطانُ ــ أي يُ خب له ــ ، فقلتُ : يبولُ الرجل في الماء ؟ قال : نعم ، ولكن يُ تخوّ ف عليه من الشيطان( 1 ) . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) تهذيب الأحكام353)، وعنه: الخوانساري في مشارق الشموس85) الحر العاملي في وسائل الشيعة ( 353)، البروجردي في جامع أحاديث الشيعة2 /185 .)
عدد الصفحات ٢٧٥الإشكالات الواردة على الحديث 275 وفي الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عُ مير عن رجلٍ عن أبي عبد الل قال: سألتُ ه عن الرجل ي ط لي فيبولُ وهو قائم ؟ قال: لا بأس به (1 ). وجهالةُ الراوي عن جعفر الصادق لا تقدّم ولا تؤخّر شيئًا بالنسبة إلينا ، ففي صحيح أسانيد أخبار نا ما يُغني عن كل ذلك ، وإنمّا ذكرنا هذا الأثر من كتب الإمامية دفعًا لمكابرة السبحاني في تعظيم الإنكار على من تلبّس بهذا الفعل ، مع ملاحظة رواية مثل هذه الآثار في كتبهم ، وعدم صد ع هم بإنكار ها ، مقارنةً بشديد نكير هم الذي أظهروه في حق الإمام البخاري وغير هم م ن أئمة الإسلام الذين رووا خبر بول النّبيّ ‘ في كُتُب هم وبأصحّ الأسانيد . وبذا نكونُ قد انتهينا من ردّ شبهات المظفّر ، مُلحقين بها الردّ على إحدى شبه الس بحاني ، والحمدُ لل رب العالمين. وفي النّظر إلى ما زاده السبحاني على ما سبق ، نراه يقول: أخرج ابن ماجه عن أبي وائل عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله ‘ أتى سباطة قوم فبال قائمً ا . والرواية لو صحّت فإنما تحمل على صورة الاضطرار ، فإن البول قائماً ينافي ما ثبت منه خلافه. ثم نقل السبحاني كلام ابن قدامة المُ تضمّن لكل ما يتعلّق بهذه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) الكافي6/500)، وعنه: الحر العاملي في وسائل الشيعة351)، المجلسي في مرآة العقول ( 22 /402)، البروجردي في جامع أحاديث الشيعة ( 2 /186) وغيرهم
عدد الصفحات ٢٧٦الإشكالات الواردة على الحديث 276 المسألة سواءٌ من حيث موافقةُ هذا الفعل أو مخالفتُ ه ، وم ن ضمن ذلك نقل ه الر خصة في جواز البول قائمً ا عن غير واحدٍ من الصّ حابة الكرام ، وفي مُ قد م هم عليٌّ ،ثم خ تم ابنُ قدامة كلامه بقول ه : ولعل النبي ‘ فعل ذلك لتبيين الجواز ، ولم يفعل ه إلا مرّ ةً واحدة ، ويُ حتمل أنه في موضعٍ لا ي ت مّ كن م ن الجلوس فيه . اهـ. ثم نقل السبحاني الم نع عن البول قائمً ا م ن قول أم المؤمنين عائشة وعمر ،وم ن قول النّ بيّ ‘ مرفوعً ا من حديث جابر ،ثم اعترض على توجيه ابن قُ دامة السابق قائلاً : > وما و ج ه به ابنُ قدامة صدور ه من النبي من أنه كان لتبيين الجواز وجه تافه ، إذ بإمكانه أن يبيّنه بكلامه دون حاجة إلى بيانه بالفعل الذي يعد من صفات غير المبالين بأحكام الشريعة ، وأما نسبة ذلك إلى عليٍّ فالمروي عن أئمة أهل البيت خلافه < (1 ) . قلت: أما الجزءُ الأخيرُ م ن كلامه ، فقد سبق الرد عليه ، بإثبات هذا الفعل عن علي بالأسانيد الصحيحة، وكذا بنقل جواز ه عن جعفر الصادق ،وأما طلبُ ه أن يكون بيان النّ بيّ ‘ لهذه المسألة بالقول لا بالفعل ، فهو عينُ الاستدراك على الشّ ارع الكريم ، تمامً ا كما فعل س ل فُ ه المُ ظفّرُ ومرّ معنا كلامُ ه و ر د نا عليه في موض عه ، لكن ؛ أحب أن أنبّه هنا إلى مسألة تتعلق بكلامِ هما وهي : هل اعتراض القومِ على حديث حذيفة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) الحديث النبوي235 .)
عدد الصفحات ٢٧٧الإشكالات الواردة على الحديث 277 كان بسبب عدم ج واز ص دور هذا الف عل من أي مسلمٍ كائنً ا م ن كان؟ أم كان بسبب عدم جواز صدور هذا الفعل م ن النّ بي ‘ خاصّةً ؟ والجواب على هذا أن نقول : إنّ الناظر في كلام المعتر ضين على هذا الحديث يرى اضطرابً ا بيّنً ا في س ياق شُ ب ههم ، فهم تارةً يُ نكرون مشروعية هذا الفعل دون النّ ظر إلى م ن ص د ر منه ، ويحتجّ ون لذلك بكون فاعل ه لا بدّ من أن ي طال هُ شيءٌ من ر شاش البول، أو لكون عورت ه لا بد أن تُ كشف في هذه الحالة ، أو لأنه من خ وارم المروءة وقواد حها ، وتارة ي ستعظمون صدور مثل هذا الفعل من النبيّ ‘ خاصةً بدعوى أنه ي نقُ ص م ن م كان ت ه المُ شرّفة ، وهذا الاضطرابُ واضحٌ في كلام السبحاني فهو من جهة يمنع هذا الفعل و ي ستعظم صدور ه من النبي ‘ ، عادًّ ا إياه من ص فات غير المبالين بأحكام الشريعة ، وهو من ج هةٍ أُخرى ي طلبُ م ن النبي ‘ أن يبيّن جو از هذا الفعل بقول ه ‘ لا بف عل ه ، والسؤال : متى كان النبي ‘ يجو ز ف علاً يُصن فُ فاعلُه بأنه م ن غير المبالين بأحكام الشّ ريعة؟ ومتى كان النبي ‘ يُ جو ز فعلاً ي ت سب بُ في نجاسة صاحب ه ؟ ومتى كان النبي ‘ يجوّز فعلاً تظهر فيه عورةُ صاحبه أمام أعين الناظرين (1 )؟ أليس هذا من أعظم التّ ناقض والاضطراب و قلة العلم بموار د الشّ ريعة وم قاص دها ؟ فهُ م إما أن ي نفوا ح ل هذا الف عل جملةً وتفصيلاً ، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) بل إن السبحاني نفسه وصف هذا الفعلــ الذي طلب من النبي ‘ أن يبيّن جوازه بقوله لا بفعله ــ : بأنه لا يليق بمنزلته ومكانته، ولا يرتكبه إلا الأراذل من الناس. انظر كتابه الآخر: الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف ( 1 /109 .)
عدد الصفحات ٢٧٨الإشكالات الواردة على الحديث 278 سواءٌ كان الفاعلُ له نبي نا ‘ أو غيرُ ه ، وإما أن يُ ثبتوا جواز فعل ذلك من الناس كافّة ، وعلى رأس هم نبي نا ‘ . أما أن يُشدّدوا النكير على من ن سب هذا الفعل للنبي ‘ ، ويكذّبوه في نقله ، ه من أقبح ما يُمكن أن يفع ل هُ المُسلمُ معتبرين ف عل ، أيًّا كان هذا المُسلم ، ثم بعد ذلك يطال بون الشارع بأن يُشر ع للناس جواز فعل ذلك م ن ق وله لا من ف عله ، فهذا من أعجب العجب ! والناظر في هذا التخبّط والتناقض الصادر عن أصحاب هذه الشبه ؛ يتيقّن بأنه إنما حصل لهم لكثرة اتّباعهم لأهوائهم ، وعدم وقوف هم على أرضٍ ثابتة فيما يأخذونه ويعتمدونه م ن أحكام هذه الشريعة الغرّاء ؛ وعدم وصولهم للطريقة الأسلم في كيفية تعامُل ه م مع الحقّ والهدى والنّور الذي جاء به خيرُ الأنبياء نبيّنا محمد ‘ . ولل الأمرُ م ن قبلُ وم ن بعدُ ، ف هُ م لما تستّروا برداء الدعوى إلى تنزيه النبيّ ‘ من التلبّس بهذا الفعل المستشنع ــ بزعمهم ــ شنّعوا عليه ‘ بما هو أشدّ من ذلك باتّفاق العقلاء ، ف ن سبوا له جواز تقرير أحكامٍ للمسلمين لا يفعلُها إلا الأراذلُ غيرُ المبالين بأحكام الشريعة الإسلامية . فهل يعي أصحابُ هذه التشغيبات ما ي ت ش ع بُ ع ن كلام هم المتهافت من طامّاتٍ وكوارث بحقّ خير خلق الل نبيّنا محمد ‘؟ أم هم مجرّد نقلةٍ لأقوالٍ وتراكيب يتب عُ الآخرُ فيها الأوّل ، ويزيدُ بما تُسوّل له نفسه من إيرادات وإشكالاتٍ ، دون النّظر في مناسبة هذه الإيرادات والإشكالات
عدد الصفحات ٢٧٩الإشكالات الواردة على الحديث 279 متأخّرها مع متقدّمها، هل يُتوافقُ كلٌّ منها مع غير ه ، أم أن كلاًّ منها ينقضُ بعضُها بعضًا ، وي هدمُ بعضُها بعضًا ، وصدق القائل : حججٌ تهـافـتُ كـالزّجـاج تخـالُهـا حقــًّا وكــلٌّ كــاســـــرٌ مكســـــورُ نعوذ بالل من العمى بعد الهدى. وهذا كل ما وقفتُ عليه م ن زيادات تستحق النّظر في كلام الس بحاني ، والحمدُ لل رب العالمين. ثم بعد ذلك دعونا ننظر فيما قر ره الن جمي في معر ض رد ه لهذا الحديث الصحيح ، حيث قال بعد أن ذكر ر وايتين من روايات حديث حذيفة : >مُؤدّ ى هاتين الروايتين اللتين رواهما البخاري ومسلم أن رسول الله ــ حاشاه ــ هو مثل الأشخاص الذين آنسوا السنن الجاهلية ، ولمّ ا يتعرّفوا على التعاليم والآداب الإسلامية ، وإنه مثل هؤلاء يقف على السباطة خلف الجدران ويبول وهو واقف ، قام رسول الله كما يقوم أحدكم فبال قائماً . ثم قال : اعتراف بقبح هذه التهمة : إننا في هذا البحث الموجز نغض النظر عن التحقيق والبحث العلمي حول هذه الفرية التي ألصقوها برسول الله ‘ . ولا أريد أن أقول : إن النظافة مسألة فطرية وغريزية مُ ودعة حتى في الحيوانات بحيث تشعر بها بشعورها الذاتي ، وأنها تسعى عند البول أن لا تتلوث به .
عدد الصفحات ٢٨٠الإشكالات الواردة على الحديث 280 ولا أريد أن أقول: إن النظافة من البول مسألة بديهية يعرفها حتى أبو موسى الأشعري (1 )، وكان يشدّ د فيها . ولا أريد أن أقول : إ ن مسألة البول عند بني إسرائيل كما حدثنا أبو موسى كانت مهمة للغاية، بحيث إنهم كانوا يقرضون ثيابهم إذا أصابها بول <. قلت : مع كون ما قرّره النجمي هنا قد سبق ما يماثُ له في شُ بهات القوم ، إلا أنني أُ حب أن أُنبّه على أمرٍ يوضّح حقيقة تلاعب الهوى بأصحابه ، فهو يُ نكر حديث حذيفة ويُ ثبتُ ه في الوقت ن ف س ه ، فهو ي ستدل على بُ طلان حديث حذيفة بتشديد أبي موسى فيما يتعلّق بالطهارة من البول ، وكلا الأمرين قد جاءا في خبرٍ واحدٍ ، وهو الذي فيه إثباتُ بول ه ‘ قائمًا ، بل إن بيان حذيفة لبول النبي ‘ قائمً ا إنما كان م ن أجل ما نُقل له من تشديد أبي موسى بأمر الطّ هارة م ن البول ، ثم يأتي النّ جمي فيحتج بجزءٍ من الحديث لإبطال الجزء الآخر ، مع أن الجزء الآخر إنما جاء جوابً ا على الجزء الأول الذي احتجّ به النّ جمي ، فهل رأى القارئ المُنصف فقهًا كهذا الفقه ؟! واستدلالاً محكمًا كه ذا الاستدلال ؟! ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) هذاتعريضٌ قبيحٌ في حقّ رجلٍ من كبار أصحاب رسول الل ‘ ، ما كان ينبغي أن يصدُر من مسلمٍ ــ كائنًا من كان ــ ؛ في حق أحدٍ من أصحاب النبي ‘ ، لأنّه ــ كما هو معروفٌ مشهورٌ متوارثٌ ــ أن أ قل الصحابة شأنًا من أصحاب نبيّن ا ‘ ــ وكلّهم ذوو شأن ــ، أفضلُ من كُل من سعى للطعن بهم، والافتراء عليهم بسنبة القبائح لهم، {ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ[ }88 .]
عدد الصفحات ٢٨١الإشكالات الواردة على الحديث 281 وقد يطرأُ على البال بأن هذا لم ي خ ف على النجمي ، وإنما ساق ما ساقه تلبيسًا على القارئ غير المنتبه ، الحريص على اتباع قول ه ، ولو كان متهافتًا أشدّ التهافت ، متناقضًا أكبر التناقض ، وهذا احتمالٌ لا يُستبعد ، والل سبحانه هو وحده المطّلع على السرائر ، وسيجازي كلّ امرئٍ على ما قدّمت يداه ، ولن يستطيع أحدٌ كائنًا من كان أن يكتُم على الل شيئًا فع ل ه ، أو قاله ، أو حتى أ س ر هُ في نفسه ؛ {ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ} [النور: 24 ــ 26 ] . ثم قام النّجمي بعرض توجيهات أئمة الإسلام ل ما ورد في هذا الحديث م ن احتمال كون النبي ‘ إنما فعل ذلك من أجل الاستشفاء لوجع الص ل ب ، أو لعدم استطاعت ه الجلوس ل عل ةٍ كانت في م أبضه ‘، أو لعدم استطاعته الجلوس لقضاء الحاجة كون المكان لا ي صلُحُ لذلك ، أو لكون البول من قيامٍ أحصن للد بُ ر ، أو كون ه ‘ فعل ذلك لبيان الجواز ، ثم عقّب الن جمي قائلاً بعد أن ن سب هذه الأقوال لشرّاح الحديث: > هذه تبريرات مؤيدي البخاري ومسلم وتأويلهم لهاتين الروايتين ، وقد عرفت أيها القارئ الكريم هزال هذه التبريرات وخفتها ، إنها أعذار أقبح من الذنب ، وإنها لأشأم من نفس التهمة التي ألصقوها بالنبي ‘ ، وأعتقد أن قبول هذه الأحاديث ثم تبريرها وتأويلها بتأويلات فارغة المعنى وسخيفة لم تكن إلا لعلتين وسببين : 1 ــ الجهل بمقام النبوة .
عدد الصفحات ٢٨٢