الإشكالات الواردة على الحديث 234 ولذا، حينما يقف الناظر على مثل هذا الكلام الصادر من رجلٍ يشارُ له بالبنان من قبل علماء الإمامية ق بل ع وامّهم ، وتُتداولُ كتبُه وأقوالُه واختياراتُه بينهم ، يعجبُ أشدّ العجب ، ويرى أن أهون ما قد يقال في قائله : إنه مبالغٌ أشدّ المبالغة في تهوينه من شرور أعداء الإ سلام ، وعدم مبالاته لكلّ ما يصدرُ عنهم من إجرامٍ في حقّ المسلمين ، وفجورٍ منهم في عداوة دينهم القويم ، ونبي هم الكريم ‘ ، ومتحاملٌ أشدّ التحامل في الحط على علماء الإسلام ونسبت هم إلى إلصاق القبائح بالنبيّ ‘ ، حاشاه ‘ من أن يُنسب له شيءٌ من السوء ، وحاشا علماء الإسلام أن يُظن بهم هذا الظنّ الخبيث. مع أن ابن طاووس يعرفُ هو وأمثاله ــ وإن لم يعترف ــ : أن أهل العلم هُم أكثرُ النّاس تعظيمًا للنبيّ ‘ ، وأحرصُ النّاس على ات باع هديه وسنته وسمته وطريقته ، وأعلمُ النّاس بما ص د ر عنه من أقوالٍ وأفعالٍ ، وأقدرُ النّاس على دفع كل شينٍ عنه ، ‘ ورضي الل عنهم . ويعرف ــ ابن طاووس ــ كذلك أن أعداء الإسلام هم أكثرُ النّاس حرصًا على هدم هذا الدين العظيم ، وأجرأُ النّاس على نسبة كل قبيحٍ للنبيّ ‘ ، وأحرصُ النّاس على تشويه صورته الكريمة ، والت نفير من اتّباعه ‘ وسلوك طريق الهداية الذي أرشد النّاس إليه ‘ ، {ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ}[القلم: 35،36]. ثم إناستشهاد ابن طاووس على فضل نبيّنا ‘ بتزكية جماعةٍ م ن
عدد الصفحات ٢٣٥الإشكالات الواردة على الحديث 235 أهل الملل : هو استشهادٌ بما لا ق يمة له في ميزان الشهادات ، ــ خاصةً في هذا الباب ، ألا وهو باب : الطهارة والنظافة وإزالة النّجاسات ، لأن القوم أكثرُ الناس تلب ساً بالن جاسات ، وأبعدُ الناس عن كل طهارةٍ حسية ، فكيف يُ قد م ابنُ طاووس رأي م ن يداوم على التلب س بالنجاسات ، على ٍ ثابتةٍ عن النبي سنة ‘ بأصح الأسانيد ، رواها لنا الصحابي الجليلُ حذيفةُ بن اليمان ؟ أليس هذا السبيل في الاستدلال من أبعد السبل عن مصادر تلقّي هذا الدين العظيم من كتابٍ وسنّة وإجماعٍ وقياسٍ صحيح ، وما ي لحق ذلك من أصولٍ معتبرةٍ في أحوال دون أحوالٍ ، قالت بها طوائفُ من أهل العلم ، وتركها آخرون ، وليس منها في كل الأحوال هذه الطريق المعوجّة التي سلكها ابنُ طاووس ، وحاول من خلالها تقريرها على غير ه من المسلمين . بل من تأم ل كلام ابن طاووس ظهر له أنه يسيرُ في طريقٍ مخالفٍ تمامًا لطرائق أهل العلم في الاستدلال ، فأئمةُ الإسلام يأخ ذون م ن أحكام أهل الكتاب ما وافق شرع نا ــ ويجعلونه من قبيل المعت ض دُ به من الأدلة ــ ، وابنُ طاووس يأخذ من أحكام أهل الكتاب ما خالف شرع نا ، ويُخضعُ أحكام الإسلام لها ، فيجعل أحكام هذه الشريعة تابعةً لأحكام أهل الكتاب ، لا متبوعةً ، وهو بهذا الصنيع كأنّه يقرّر قاعدة جديدة ، ألا وهي : اعتمادُ أحكام ديننا والعملُ بها إن هي وافقت أحكام أهل الكتاب ، وإلا ؛
عدد الصفحات ٢٣٦الإشكالات الواردة على الحديث 236 فلا اعتبارل كل ما انفردت به شريعتنا من أحكام! وقد قال الل في وصف هذه الشريعة المحكمة: {ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡﲢ ﲣ ﲤ ﲥ} [الجاثية: 18 ــ 20] . وقال في وصف كتابه العزيز: {ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚﲛ ﲜ ﲝﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅﳆ ﳇ ﳈ ﳉ ﳊ ﳋ ﳌ ﳍ ﳎ ﳏﳐ ﳑ ﳒ ﳓ ﳔ ﳕ ﳖ ﳗ} [المائدة: 48 ــ 50 ]. وقد جاء في بيان معنى هيمنة القرآن على ما سبقه من كتب أهل الكتاب ، قول ابن جريج : ال قُر آنُ أ م ينٌ ع ل ى ال كُتُب ال مُت ق د م ة ، ف م ا و اف ق هُ م ن ه ا ف هُو ح قٌّ ، و م ا خ ال ف هُ م ن ه ا ف هُو ب اط لٌ (1 ) . وهذا القول وحدهكافٍ في نقد طريقة ابن طاووس في الاستدلال ، ومبيّنٌ للموقف السليم الذي ينبغي أن يسلكه كلّ مسلمٍ في التعامل مع ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) انظر: تفسير ابن كثير3 /128 .)
عدد الصفحات ٢٣٧الإشكالات الواردة على الحديث 237 كتاب ا وتقديمه على ما سواه، ومثله في ذلك سنّة نبيّنا ‘. ثم ؛ كان م ن تمام ما جاء في كتاب ابن طاووس قولُ ه: ثم العجب من هذا الحديث أن حذيفة ي علمُ أن الأدب في التباعد عن نبيِّهم ، فكيف يُ قال إن النبي ‘ أم ر ه بالدنوِّ منه عند عقبيه وأن ي ترك الأدب ، ثم وأي غرض يُ مكن أن يكون للنبيِّ في الاطلاع عليه عند هذه الحال ؟ أما استحي ا أما خاف أهل الإسلام في رواية هذا المحال (1 ) . ونقول في الجواب على شبهته هذه: بأن لا منافاة بين تعليم النبي ‘ لأ صحابه الكرام: التباعد عند قضاء الحاجة ، وبين أمر ه ‘ لحذيفة بأن يقتربُ منه ، ذلكم ، أنّ التباعد يكون عند التبر ز ، خشيةً من انكشاف العورة ، وأبعد لوصول الرائحة إلى الآخرين ، وأما البولُ فمعلوم أنه يخالف البراز في ذلك (2 )،وما دعا النبي ‘ حذيفة إلا ليستتر به عن أعين الآخرين ، ولعله أيضً ا ل منع الآخرين من الدُ نُ و من ه ‘ ، فأين التعارض بين الأمرين ؟ وإن كان هذا هو سبب إنكار هم خبر بول ه ‘ قائمً ا ، أي بسبب أمره ‘ لحذيفة أن يدنو منه ، ورتّبوا على ذلك انكشاف عورته ‘ وغير ذلك من افتراضاتهم ، أقول: إن كان هذا هو سبب نكارة هذا الخبر ــ بزعمهم ــ ، فماذا سيقولون عن صنيع جعفر الصادق ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) الطرائف371 .) (2 ) وأما قول المظفّر: وليس البول قائماً في الجواز إلا كالتغوّط قائماً، وإرسال الريح جالساً بين الناس، فهل ترى يحسن فعلهما للتشريع؟! اهـ. فقول لا يصدر إلا من مكابر، ع طّل عقله واتبع هواه .
عدد الصفحات ٢٣٨الإشكالات الواردة على الحديث 238 المشابه لما جاء في هذا الخبر ؟ وهو ما أخرجه الكُ ليني في الكافي عن روح بن عبد الرحيم قال: بال أبو عبد الل وأنا قائمٌ على رأسه ومعي إداوة ــ أو قال : كوز ــ ، فلما انقطع شخب البول قال بيده هكذا: إلي ، فناولته بالماء ، فتوضّأ مكانه (1 ) . وهل يجد القوم المُنكرون لخبر حذيفة فرقً ا فيما يتعلّق ب اقتراب حذيفة من النبيّ ‘ أثناء بوله ، واقتراب المدعو روح بن عبد الرحيم من أبي عبد الل أثناء بوله ؟! وهل يقبل أصحابُ هذه الشبه أن يُنزّهوا النبي ‘ عن هذا الش ين ــ بزعمهم ــ ويُثبتونه في حق جعفر الصادق ؟ وهل ي ع ي أولئك المنكرون أبعاد هذا التفريق في نفي هم وإثبات هم لهذا الفعل المشين في نظرهم وتقريراتهم ؟ أم هو مجردّ حشدٍ لكلّ ما طالته أيديهم من شبهات في سبيل تكذيب خبرٍ ثابتٍ عن النّبي ‘، واردٍ بأصحّ الأسانيد ، وفي أصح كتب الحديث النبوي الشريف ؟ ولو أوقعهم هذا في شتى صور التناقض والاضطراب ؟ وقبل أن أنتقل للنّ ظر في كلام الحل ي وهو الثاني زمانً ا من المعترضين على هذا الحديث الشريف ؛ أتساءل فأقول : هل ت عب دنا اللُ بهيئةٍ معي نة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) الكافي للكليني3 /21)، تهذيب الأحكام للطوسي355)، وقد نقل هذا الأثر غير واحد منهم، كالحر العاملي في وسائل الشيعة ( 350)، والمجلسي في مرآة العقول ( 13 /65)، والبروجردي في أحاديث الشيعة2 /221) وغيرهم
عدد الصفحات ٢٣٩الإشكالات الواردة على الحديث 239 لا بُدّ من التزامها عند قضاءالحاجة ؟ كاشتراط التبوّل قاعدً ا ، أم أن الأمر متاحٌ بحسب الحاجة والقدرة ؟ والقائل بالقول الأول لا بد أن يؤيّد اختيار ه بدليلٍ صحيحٍ صريحٍ في ذلك ، حتى يتسنّى من خلاله تقرير هذا الشرط ، والمنع من أي هيئةٍ أخرى يقضي بها الرّجل حاجته ، فإن فعل سُلّم له تقريرُه وإنكاره على من تلبسّ بخلاف هذا الدليل . أما إن لم يجد ما يسعفُه في ذلك من الأدلّة ، فلا يبقى لإلزامه أي قيمة ابتداءً ، ويبقى النّظر في مسألة البول قائمًا يدور بين الجواز والكراهة في أشدّ الأحوال ــ إذا رافقه ما يؤدي إلى ذلك ، وسيأتي معنا بعض صوره ــ ، أما التحريمُ وتقبيح الفعل ؛ وإدراجُ صاحبه في مصاف السفهاء ؛ وتشديدُ النّكير على قائله وناقله : فهو كلّه من قبيل التحكّمات القائمة على الآراء ؛ الخالية م ن كلّ دليلٍ وبرهان . وبهذا التقرير يتم الجواب على ما أورد ه ابنُ طاووس على لسان من سمّاه بعبد المحم ود ، والحمد لل رب العالمين. والآن لننظر فيما زاده الحلّي من اعتراضات على هذا الحديث الشريف: حيث قال في معر ض ذكره للمكروهات في البول : الثّالث: البول قائمً ا لئلا يترشّش عليه ، قال عمر : ما بلتُ قائمً ا منذ أسلمت . وقال ابن مسعود: من الجفاء أن تبول وأنت قائم. وكان سعد بن إبراهيم لا يُ جيز
عدد الصفحات ٢٤٠الإشكالات الواردة على الحديث 240 شهادة من بال قائمً ا . قلت : وقبل أن نقف على ما قاله الحل ي في بول النبي ‘ قائمً ا ، دعونا نتناول كلامه هذا بشيءٍ من التحليل ، فنجد أنه ع دّ البول قائمً ا في المكروهات ، ولم يتعر ض لتحريم ه ، وعليه ؛ يرد السؤال: إذا كان البول قائمً ا مكروهً ا لا يصل إلى التحريم، فلم أقام ــ هو وم ن سبقه ولحقه ــ الدنيا ولم يُ قعدوها على نسبة هذا الفعل للن بي ‘؟ ألم يعلم الحلي ومن سار بسي ر ه أن النبي ‘ قد يفعلُ المكروه من أجل بيان حكم مسألةٍ تتعلّق بهذا الفعل ، وحينها لا يكون الحكم في حقّه ‘ مكروهً ا ، بل سببً ا لنيل ه الأجور الكثيرة ، لأنّ ه في حال ه هذه يكون مُ ع ل مً ا مُ بيّنً ا لهذا الحكم الشرعي ، وذلك كشُ رب ه ‘ م ن ف ي الس قاء ، وقد ن هى عنه (1 )،وكلا الحكمين ثابتان عنه ‘ ــ أعني الشرب من ف ي السّقاء والنهي عن ذلك ، وهذه المسألةُ يعرفها كل من له اشتغال ــ ولو كان يسيراً ــ بأصول الفقه ، وفي هذا يقول صاحبُ مراقي السعود: ورُ بــّ مـــا يــفــعـــلُ لــلــمــكــروه مـــُ بـــ يـــ نـــاً أنـــّ ه لـــلـــتـــ نـــ ز يـــه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) ورد في هذا المعنى عددٌ من الأحاديث، منها ما أخرجه البخاري في صحيحه5627 ) من حديث أبي هريرة قال: >ن ه ى ر سُولُ ا ‘ ع ن الش ر ب م ن ف م الق ر ب ة أ و الس ق اء ، و أ ن ي م ن ع ج ار هُ أ ن ي غ ر ز خ ش ب هُ ف ي د ار ه <. وأما شربه ‘ من في الق ربة، فقد أخرجه الترمذي ( 1892) من حديث ع ب د الر ح م ن ب ن أ ب ي ع م ر ة ، ع ن ج د ت ه ك ب ش ة ق ال ت : >د خ ل ع ل ي ر سُولُ الل ‘ ف ش ر ب م ن ف ي ق ر ب ةٍ مُع ل ق ةٍ ق ائ مًا ف قُم تُ إ ل ى ف يه ا ف ق ط ع تُهُ<.
عدد الصفحات ٢٤١الإشكالات الواردة على الحديث 241 فصــــــار في جــان بــ ه م ن القُر ب كالنهي أن ي شــر ب م ن ف م الق ر ب ( 1 ) ثم ذكر الحلي ما رُ وي عن عمر وابن مسعودٍ في عدم ف عل ذلك ، أو ل ن قُل : في ذم هما أيضًا لذلك ، والسؤالُ الذي لا بد أن يُ ذكر هنا : هل قول الصحابي حُ ج ةً ؟ عندنا أو عند الحل ي؟ أما عند الحل ي فمذهبُ ه معروفٌ وموقفُ ه واضحٌ م ن الصحابة ــ أقوالاً كان الصادرُ عنهم أم أفعالاً ــ خاصةً إذا كان الصحابي المحتج به هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب !والذي صدّر الحل ي إشكال ه بالاحتجاج بقول ه! ف الح لي كما هو معروفٌ لا ي حتج إلا بما جاء م ن طريق أهل البيت ، من صحابةٍ كرامٍ ثم من جاء بعدهم من ن سلهم المبارك. وعليه ؛ فلا وجه لإيراد الحلي لآثار الصحابة الكرام ،وسياق هم في معرض الاحتجاج بها ، لكون ها ــ في حقيقة الأمر ــ لا تساوي شيئًا عنده . فإن قيل: إنما أورد الح لي هذين الأثرين لإقامة الحُ ج ة علينا نحن معاشر أهل السنة؟ فالجوابُ : أن قول الصحابي حج ةٌ على الصحيح من أقوال أهل العلم ما لم يخال ف صحابيً ا غير ه ، ف إن خالف طُ لب الترجيح ، وقُدّم الراجحُ على غيره ، ومن باب أولى ما لم يخالف نصًّ ا من نصوص ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) قال الناظم في شرحهالمسمّى بنشر البنود ( 2 /14 :) يعني أن النبي ‘ قد يفعلُ المكروه المنهي عنه، مبي نًا بذلك الفعل أن الن هي للتنزيه لا للت حريم ، فصار ذلك الفعلُ في حق ه قربةً يُثابُ عليها لما فيه من البيان ، كنهي ه عن الش رب من أفواه الق ر ب ؛ وقد شرب منها. اهـ.
عدد الصفحات ٢٤٢الإشكالات الواردة على الحديث 242 الشريعة، فيقدّم النص الشرعي على ما عُدّ مخالفًا له من قول الصحابي أو فعل ه ، وعلى هذا جمهورُ أهل العلم . وعلى كلا الموقفين من قول الصحابي أو فعل ه: فلا وجه لإيراد ما أورده الحلي هنا من آثار الصحابة الكرام في خلاف ما ثبت عن النبي ‘ ، ف لا هو يقول بدلالتهما ــ كما سبق تقريره ــ ، ولا نحن نقد مُ هُ ما على ما صحّ عن نبي نا ‘ . وممّا يلاح ظ هنا أنّ هذه الآثار التي أوردها الحل ي لرد ما ثبت عن النبيّ الكريم ‘ في هذه المسألة إنما أخذها من كُتب علمائنا ، أي : أن علماء نا رو وا هذه الآثار في كُتُب هم ، وتداولوها في مصنّفات هم ، وقارنوا بين ما ظاهرهُ التعارضُ م نها ، وقاموا بالتوفيق بين المتعار ض ين أو بترجيح بعض الأخبار على بعضها ، فالحل ي لم يأت بجديدٍ لا يعرفه علماؤنا ــ سواءٌ في ثبوته أو دلالته ــ ، وإنما هي ب ضاعتُنا رُدّت إلينا ، وليت الحل ي إذ نقل هذه الآثار من كتب علمائنا الأجلاّء اقتدى بهم واتبع حُسن سبيلهم في التعامل مع سنّة نبيّنا الكريم ،أو على الأقلّ تأنّى وتأمّل قبل إيراده لهذه الإشكالات المكرّرة التي أجاب عنها علماؤنا الكرام ، إما استقلالاً أو تضمينًا ، ورفع درجاتهمفي عليّين. دع عنك؛ عدم اكتراث ه ببيان حُكم أسانيد هذه الآثار ، هل صحّت أم لم تصحّ ؟ ــ ممّا سيظهرُ معنا قريبًا بإذن الل ــ ، وكان الأولى به لو كان الحق مطلوب ه ، والحرصُ على تنزيه النبي ‘ من كل شينٍ مرغوب ه ــ : أن
عدد الصفحات ٢٤٣الإشكالات الواردة على الحديث 243 يعمل على بيان حُكم هذه الآثار، وعدم س و ق ها هكذا بغير إسنادٍ ، ولا بعزو ها لمصدرٍ من مصادر التخريج ، حتى يطمئن القارئ ــ الموافق له والمخالف ــ لما يقرؤه من إيراداته ، ولكنه لم يفعل شيئًا من ذلك ، وإنما قام بضرب النصوص الشرعية بعضها ببعض ، طمعًا منه في إسقاط بعضها أو كلّها. فضلاً عن اقت صار ه على ذ ك ر ما يُمكن أن ي خد م ف كر ت ه ويؤيّد قوله في هذه المسألة ، وإعراض ه عن ذ ك ر كل ما يخالفُ مقصود ه من آثارٍ صحيحةٍ ثابتةٍ ، وهذا صنيعٌ مذمومٌ ، ذمّ الل سال ك ه من الأمم الغابرة قائلاً سبحانه : {ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ} [البقرة: 85]. ولنعُ د إلى الآثار التي أوردها الحل ي في اعتراض ه على حديث الباب ، لنرى هل يسلمُ له الاحتجاج بها ، فنقول وبالل التوفيق: عند النظر في أسانيد كل من الأثرين ، نجد ما يلي : * أما أثر عمر فقد رواه ابن أبي شيبة ( 1324 )والبزّار ( 149 ) من طريق عبيد الل بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: > م ا بُل تُ ق ائ مًا مُن ذُ أ س ل م تُ <. قال الترمذي عن أثر عمر هذا: وهذا أصحّ من حديث عبد الكريم (1 ) . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) سنن الترمذي12)، وصح حه العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة ( 2 /338 .)
عدد الصفحات ٢٤٤الإشكالات الواردة على الحديث 244 قلت: وحديث عبد الكريم هذا رواه عبد الرزاق ( 15924 )ع ن اب ن جُر ي جٍ ق ال : أ خ ب ر ن ي ع ب دُ ال ك ر يم ب ن أ ب ي ال مُخ ار ق ، أ ن ن اف عًا أ خ ب ر هُ ، ع ن اب ن عُم ر ، ع ن عُم ر ق ال : س م ع ن ي الن ب ي ‘ ، أ ح ل فُ ب أ ب ي ، ف ق ال : > ي ا عُم رُ ، لا ت ح ل فُ ب أ ب يك ، اح ل ف ب الل و لا ت ح ل ف ب غ ي ر الل < ق ال : > ف م ا ح ل ف تُ ب ع د ه ا إ لا ب الل < ق ال : و ر آن ي أ بُولُ ق ائ مًا ، ف ق ال : > ي ا عُم رُ ، لا ت بُل ق ائ مًا <، ف م ا بُل تُ ب ع دُ ق ائ مًا. وأخرجه من طريق عبد الرزاق : ابن ماجه ( 308)،والبزار ( 165 ) وأبو عوانة في المستخرج ( 5898 )والحاكم (1 /295 )والبيهقي في الكبرى ( 1 /165.) وذكره الترمذي قائلاً : وإنما رفع هذا الحديث عبدُ الكريم بن أبي المُ خارق ، وهو ضعيفٌ عند أهل الحديث ؛ ضع فه أيوب السختياني وتكلّ م فيه (1 ) . وأخرجه ابن حبان في صحيحه ( 1423 )عن ابن جريجٍ عن نافعٍ ، عن ابن عمر ، قال : قال رسولُ الل ‘: > لا ت بُ ل قائ م اً <. ثم قال ابن حبان: > أخاف أن ابن جريج لم يسمع من نافع هذا الخبر <. اهـ . قلت : وما خافه ابن حبان هو الصواب ، حيث إن ابن جريج قد ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) سنن الترمذي12 .)
عدد الصفحات ٢٤٥الإشكالات الواردة على الحديث 245 سمع هذا الحديث من عبد الكريم بن أبي المخارق ، كما مرّ معنا في إسناد عبد الرزاق ، ثم إن هذا الحديث هنا من رواية ابن عمر عن رسول الل ‘ ، بينما الحديث هو حديثُ عمر ،كما مرّ معنا ، وهذا كلّه مما يُ ضع ف من شأن هذه الرواية المرفوعة. وعل ى ما سبق ؛ فما يصح من هذا الخبر هو الموقوف لا المرفوع عن النبي ‘ ، والل أعلم . ومع ذلك ، فقد صحّ عن عمر أنه بال قائمًا ، فقد أخرج ابنُ أبي شيبة في مصنفه ( 1310 )فقال: حدثنا ابن إدريس : والطحاوي في شرح المعاني ( 6812 )من حديث شعبة: كلاهما عن الأعمش ، عن زيدٍ قال : > ر أي تُ عُ م ر بال قائمً ا <. وهذا إسنادٌ صحيحٌ ، وزيدُ هو ابن وهب ، روى عنه الجماعة. وعليه ؛ فما ورد عن عمر في هذا الباب؛ يُمكن أن يوجّه بما يلي : 1 ــ أن يقال : إ ن نفي عمر جاء أولاً قبل أن يعلم أن النبي ‘ بال قائمً ا ، فلما علم بذلك ف عل ه ، وعليه تحمل رؤية زيد بن وهب له كما مرّ معنا في الخبر السابق، وفي هذا يقول ابنُ المنذر : فقد يجوز أن يكون عمرُ إلى الوقت الذي قال هذا القول لم يكن بال قائمً ا ، ثم بال بعد ذلك قائمً ا ، فرآه زيدُ بن وهب، فلا يكون حديثاه متضادين (1 ) .اهـ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) الأوسط1 /337 .)
عدد الصفحات ٢٤٦الإشكالات الواردة على الحديث 246 2 ــ أن يكونُ الغالب على حال ه عدم البول قائمًا ، وأنه ما بال قائمً ا إلا لحاجةٍ أو ض رورةٍ . 3 ــ أن يكون عمر قد نسي أنه بال قائمًا مرّ ة أو مراتٍ قليلة، فقال ما قاله فنفى عن نفس ه البول م ن قيام منذ إسلام ه ، وليس هذا ببعيدٍ عن أحدٍ من البشر ، سواءٌ كان في مرتبة عمر أو دون ذلك، فكل البشر مُ عرّضون للنسيان إلا من عصم الل . وعلى ما سبق، فلا مسو غ لأحد أن يحتجّ بنفي عُ مر رضي الل عن نفسه البول قائمً ا في رد ما ثبت عن النبي ‘ ، وسيأتي معنا مزيدُ بيانٍ فيما يتعلّق ب عُ مر . وأما أثر ابن مسعود فقد رواه ابن أبي شيبة ( 4716 )والطبراني في الكبير ( 9503 )من طريقع اص م ب ن أ ب ي الن جُود ، ع ن ال مُس ي ب ب ن ر اف عٍ ، ق ال : ق ال ع ب دُ الل : أ ر ب عٌ م ن ال ج ف اء : أ ن يُص ل ي الر جُلُ إ ل ى غ ي ر سُت ر ةٍ ، و أ ن ي م س ح ج ب ه ت هُ ق ب ل أ ن ي ن ص ر ف ، أ و ي بُول ق ائ مًا ، أ و ي س م ع ال مُن اد ي ثُم لا يُج يب هُ (1 ) . وما جاء من إطلاق ذمّ البول م ن قيامٍ، لا لذاته ، وإنما لما يلاب سُه من أحوال تج لُبُ الذمّ لصاحبه ، كانكشاف عورة صاحبه ، أو عدم تنزّهه منه ، أو عدم احتياطه من وصول ر ذاذه إليه ، أو تبوّل ه في طرقات الناس ، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) وروي بألفاظ قريبة، وانظر تمام تخريجه في إرواء الغليل1 /97 .)
عدد الصفحات ٢٤٧الإشكالات الواردة على الحديث 247 وهكذا، وسيأتي معنا مزيد بيانٍ لهذه الحالات . وإذا ت بيّن لنا الموقفُ الصحيحُ م ن قول الصحابة الكرام ، ومتى يجوز أو لا يجوز الاحتجاج به ا باتفاق ، تبيّن لنا ــ من باب أولى ــ الموقفُ من أقوال وأفعال م ن هم دونهم فضلاً ومنزلةً وزمانً ا ، وهم التابعون الكرام فمن دونهم ممّن اتبع هدي النبي ‘ وأصحابه الكرام، واقتدى بهم. فرد قول الصحابي أو فعل ه إذا خالف الثابت عن نبيّنا ‘ ، لا بُدّ أن يقاس عليه رد قول م ن دونهم ــ مهما بلغ فضله ــ إذا ما خالف الثابت عنه ‘ ، وهذا من باب قياس الأولى الذي لا ينُكره عاقلٌ . وعليه ، فما نقله الحل ي عن سعد بن إبراهيم وساق ه مساق الاحتجاج في ع د م ق بوله شهادة م ن بال قائمًا ، لا يُفيد أكثر من أن يُعرف بأن هذا هو مذهبُ سعد بن إبراهيم ، حتى إذا نُقلت الأقوال في هذه المسألة ، صُن ف سعد بن إبراهيم من ضمن المانعين لهذا الفعل (1 )،وأما الاحتجاج بموقفه في هذه المسألة لردّ ما ثبت عن النبي ‘، فهذا لم يقُله أحدٌ من المتقدّمين ولا من المتأخّرين ، لأنّ القول المطّرد المعمول به أن من سوى النّبيّ ‘ يُحتج لقوله ولا يحتج به ، أي يُبحث عن الأدلّة التي بنى عليها القائل قول ه ، فإن وافق قولُه الدليل الصحيح ، صار قوله تابعًا للدليل ، وإن خالف قولُه الدليل ، قُدّم الدليلُ قولاً واحدًا ، وهذا التقريرُ من الوضوح ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) كما فعل ابن المنذر في الأوسط1 /335)، وابن قدامة في المغني 1 /121)، وغيرُهما من أهل العلم.
عدد الصفحات ٢٤٨الإشكالات الواردة على الحديث 248 بحيث لا يُحتاج إلى تدليل. وعليه فالاحتجاج بما نُقل عن سعد بن إبراهيم في عدم قبول شهادة من بال قائمً ا، لا قيمة له في ميزان الأدلة ، وهذا لا يعني بحالٍ من الأحوال انتقاص سعد بن إبراهيم ،لكن نقول ما سبق من باب وضع الأمور في نصابها، وإعطاء كل ذي حق حق ه . ومن باب إنصاف سعد بن إبراهيم ،لا بدّ أن نقوم بتوجيه ما روي عنه ، لاستحالة أن يقوم هو أو غيرُ ه من أعلام الأمة ــ بل ومن عوام ها ــ بانتقاد قولٍ أو فعلٍ ثبت صدورُ ه من النبي ‘ ، وعليه ؛ يقال: إن ما روي عن سعد بن إبراهيم ( 1 ) فلا يخرجُ من الأحوال التالية: 1 ــ أن ه لا علم له بوقوع ذلك من النبي ‘. 2 ــ أن النّقل عنه كان على سبيل الإ جمال لا التفصيل، ــ وأنه في حقيقة الأمر ــ إنما منع ش هادة من تكرّر منه هذا الفعل من غير حاجة ، أو لاب س ه ما قد يؤدّي إلى ذم ه ككشف عورةٍ ، أو تلبّسٍ بنجاسةٍ ، أو إيذاءٍ للنّاس في طرقاتهم. أما أن يُطل ق القول برد شهادة كل من بال قائمً ا ، فهذا لا يُ عقل ولا يتصوّر أن يصدُ ر من عاقلٍ عالمٍ بما صحّ عن نبيّنا ‘ في ذلك . هذا كلّه بعد ثبوت السند له ، وليت الحلّي لما ن قل قول سعد بن ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) رواه وكيع في أخبار القضاة1 /156 .)
عدد الصفحات ٢٤٩الإشكالات الواردة على الحديث 249 إبراهيم هذا سعى في إثبات صحة هذا القول عنه ، ولم يكتف بنقل ه م ن كُ تُ ب أئمة الس نة كمغني ابن قدامة وغيره من كتب الفقهاء ، ولو فعل الحلّي هذا لكان أكثر إقناعً ا في إيراد شبهته ، أما أن ينحصر قولُ ه في تلقّط الأقوال من هنا وهناك ، دون عزوها إلى مصادرها الأصيلة ، فهذا من أدل الأدلة على ضعف إيراداته ! و سعد بن إبراهيم هو الإمام الحُجّة الفقيه( 1 ) المجمعٌ على توثيقه، روى عنه أصحاب الكتب الستة ، وتولّى القضاء بإحسان في مدينة النبي ‘ وبعض أمصار المسلمين ، وكان معروفًا بنزاهته وحُسن قضائه، وهو القائل عند احتضاره : ما أخذني في الل لومة لائم منذ أربعين سنة ( 2 ) . وكذلك روي عنه ما يؤكّد حُسن تعامله مع سنة نبيّنا ‘، وخضوعه لها ، وتقديمها على ما يخالفها من أقوالٍ ، حتى لو كان هو القائل والقاضي بها ، فقد قال الإمام الشافعي :أخبرني من لا أت ه مُ م ن أهل المدينة عن ابن أبي ذئبٍ قال: قضى سعدُ بنُ إبراهيم على رجلٍ بقضيةٍ برأي ربيعة بن أبي عبد الرّحمن ، فأخبر تُه عن النبي ‘ بخلاف ما قضى ب ه ، فقال سعدٌ لربيعة : هذا ابنُ أبي ذئبٍ ، وهو عندي ثقةٌ ، يُخب رُني عن الن بي بخلاف ما قضيتُ ب ه ؟ فقال له ربيعةُ : قد اجتهدت ، ومضى حُك مُك . فقال سعد : واعَجَبَا ! أُنْفذُ قضاءَ سعدِ بنِ أم سعد وأردُّ قضاءَ رسولِ الله ‘ ؟! ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) وصفه بذلك الذهبي في السير5 /418 .) (2 ) انظر سياق الخبر في: حلية الأولياء3 /170)، تاريخ دمشق20 /217)، تهذيب الكمال ( 10 /246 .)
عدد الصفحات ٢٥٠