المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

صيانة جناب الحديث النبوي الشريف

أسامة محمد زهير الشنطي

صفحة ١٢ من ٣٣

الإشكالات الواردة على الحديث 185 ويجوز أن يكون إنما أخ ر الغسل لعذر من الاعذار ، إما لاستحضار الماء أو لتسخين ه عند البرد أو سبب عارض ، لأن عند حصول شيء من هذه الاعذار يجوزُ تأخير الغسل ولا يلزمُ القضاء ولا الكفارة ، وقد بي نا فيما تقدم ما يدل على هذا المعنى ، فلا وجه لإعادته <( 1 ) .اهـ. قلت : وما ذهب إليه الطوسي من احتمال كون النبي ‘ أخّر الغسل لعُذر كإحضار الماء أو تسخينه ، قد لا يُسلّم دائماً ، وقد مضى مثلُ هذا التوجيه في كلامنا السابق ، ومع ذا ، لو افترضنا أن النبي ‘ كان يؤخ ر غسل ه دائمً ا من أجل هذا العذر ، فلازمُ الإشكال الذي أورده المظف ر يبقى قائمً ا ، فالملائكةُ على رأيه ستحتجبُ أيضً ا عن النبي ‘ حتى يُ زيل هذه الجنابة ، سواءٌ أزالها مباشرةً أم انتظر حتى يتحصّل على مراد ه من الماء ، وقد يقولُ قائل: بأن هذا اللازم لو كان قائمً ا دائمً ا لحرص النبي ‘ على إحضار الماء وتسخينه قبل التلب س بالجنابة ، حتى لا ينقطع نزول الملائكة عليه ، والجواب عليه أن يُ قال : إن هذا كلّه من التكل ف الذي ضي ق به المظف ر على نفس ه وعلى أتباعه به. ونحو هذا التكل ف المرفوض: تكلّف الطوسي في دعواه أن هذا الفعل من النبي ‘ قد يكون على سبيل الت قي ة (2 ) !لكون رواة هذا الخبر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) تهذيب الأحكام4 /213 .) (2 ) حيث قال في الاستبصار2 /89) بعد أن نقل الخبرين السابقين: فالوجه في هذين الخبرين أن نحملهما على ضربٍ من الت قي ة على ما بيناه، لأن ذلك رواية العامة عن النبي ‘ ، ويحتمل مع تسليمه أن يكون الوجه في تأخير النبي ‘ الغسل عمدًا لعذر؛ =

عدد الصفحات ١٨٦

الإشكالات الواردة على الحديث 186 هم من أهل السنة ! ولا يخطر على بال القارئ عند نقل مثل هذا الكلام ، إلا أن يسأل الل السلامة والعافية ممّا ابتُل ي به غيرُه . ثم قال المظفّر: > وأيضا: قد تضافرت الأخبار ــ كما سبق ــ بأنّه تنامُ عيناه ولا ينامُ قلبه ، فكيف ينامُ عن عبادة ربّه وهو يقظان <؟ ! الجواب : لا علاقة فيما يبدو بين هذا الحديث الذي ذكره المظفّر ، و حديث نا الذي انتقده ، فالل  جعل من خصائص نبيه ‘ أن عينيه تنامان ولا ينام قلبُ ه ، لكن هذا لا يعني بحالٍ من الأحوال أن الس هو مرتفع عنه، وقد مضى معنا أن الموصوفين ب الغُ لاة هم الذين ن ف وا وقوع الس هو من الن بي ‘ ، فضلاً ؛ عن ظهور عدم الانضباط في منهج المُظ فّر وم ن سار بسير ه في طريقة الاستدلال بالأحاديث أو ردّها ، والذي ظ هر ويظهرُ معنا في كونهم يحتجّون بالحديث إذا كان موافقًا لمراد هم ، ويردّون الحديث إذا كان مخالفًا له ، دون الن ظر في كلا الحالين إلى إسناد هما ، وتمثيلُ هذا هنا هو في احتجاج المظفّر بحديث عدم نوم قلب الن بي ‘، وانتقاده حديث سهو النبي ‘ ، دون إبداء وجه الاحتجاج بأحدهما دون الآخر ، مع أن كليهما مخرّجٌ في الصحيح ، وهذا اضطرابٌ واضحٌ يصعبُ دفعُه ، والل المطّلع على السرائر ، لا تخفى عليه خافية ، سبحانه . وأما قوله: > ولا يمكن أن يسهيه الله طلبا للتشريع ؛ فإنّ نبيّه أشرف عنده من أن يجعله عرضةً للنقص وم حلا للانتقاد بأمر عنه مندوحة ، وهي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ = إما من برد أو لعوزِ الماء وانتظاره أو لغير ذلك، وذلك سائغ عند الاضطرار على ما بيناه.

عدد الصفحات ١٨٧

الإشكالات الواردة على الحديث 187 التشريع بالقول، ودعوى أنّ التشريع بالأعمال الفعلية آكد لا نعرف وجهها ، بل الأمر بالعكس ؛ لأنّ الفعل يحتمل خصوصية النبيّ بخلاف القول العامّ <. ففضلاً عن كونه تحك ماً من المظفّر بشرع الل ،وإملاءً منه على الل  بالطريقة الأنسب في تعليم النّاس دين هم، وح صر ه لطرق التعليم في طريقٍ واحد ، ألا وهو التعليم بالقول ، فهو يُظهر فقرًا عظيماً منه في الاطّلاع على نصوص الشرع الحكيم ، سواءٌ منها ما كان في كتاب الل ،أو في سُ نّ ة رسول الل ‘ ، فكم هي الآياتُ والأحاديثُ التي تحد ثت عن وقوع بعض الأفعال من أنبياء الل  والتي أوخذوا على أث ر ها من الل رب العالمين ، وعلى فهم المظفّر كان يمكن أن يُمضي الل ح كم ته دون أن يُ عر ض أحدً ا من الأنبياء  لمايؤاخذُ به ، فإنزالُ آدم  من الجّنّ ة كان يُ مكن أن ي ت م دون أن ي أكل من الش جرة ، بل كان يمكن الاستغناءُ عن كل ذلك ، بأن ي خلق اللُ  آدم من أول الأمر خارج الجنة ، وإظهارُ حُ ج ة إبراهيم  على قومه كان يُ مكنُ أن ت ت م دون إظهاره لس قمٍ وم ر ضٍ ونسبة تكسير الأصنام لأكبر ها ، والتقامُ الحوت ليونُ س  بسبب ظن ه أن لن يُقدر عليه ؛ كان يمكنُ أن ي ت مّ بطريقة أخرى يُ قر رها المظف رُ وأمثالُ ه ، دع عنك نصوص الابتلاء الخالصة التي أراد الل  من ورائها إظهار الح كم الر شيدة ، فأمرُ الل  لإبراهيم  بأن ي ذبح ابن ه إسماعيل ،ليُظهر مدى انقياد ه لأمر رب ه ، كان يمكنُ أن ي ظهر بغير هذ ه الطريقة التي لا نظائر لها في الأوّلين والآخرين ، وتمكينُ الل 

عدد الصفحات ١٨٨

الإشكالات الواردة على الحديث 188 ليوسف  في الأرض كان يُ مكن أن ي تم دون تلك الُ مقد مات المؤل مات التي ق صّها اللُ  علينا في كتابه العزيز ؛ من إلقاء إخوة يوسف له في الجُ بّ ، ثم بيع ه رقيقً ا ــ بثمنٍ بخسٍ ــ بعد أن كان حُرًّ ا معز زً ا مُ ك ر ماً ، ثم تُ سل ط امرأة العزيز عليه لإيقاع ه في الفاحشة الكبرى ، ثم استنصار ها على ذلك بجمع النسوة اللاتي قطّعن أيديهن بعد رؤيتهنّ له ،ثم س جن ه بعد ذلك ب ضع سنين ، ليخرج بعد ذلك ويُ صبح مكينً ا أمينً ا قائمً ا على خزائن م صر ، مع ما سبّب ه ذلك كل ه من حزنٍ شديد ملأ قلب يعقوب ، وكان من تبعات ه أن اب ي ض ت {ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ} [يوسف: 84 ]، وصبرُ أيوب  كان يمكنُ أن يُ ظهر ه رب العز ة لنا بطريقٍ غير تلك الطريق التي تمّ ابتلاؤُ ه فيها بمرضٍ طال عهدُ ه به ، واشتد أمرُ ه عليه ، حتى لجأ إلى ربّه متضرّعًا قائلاً : {ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ} [الأنبياء: 83،84 ]، وقُل مثل ذلك في كل مراحل سيرة نبينا ‘ ، والتي عانى فيها ما عانى ، وت عر ض فيها لشتى صنوف الأذى ، و كل ذلك كان يُ مكن أن ي ت م بطرقٍ أخرى يقترحها المظفّر ومن اقتنع بقوله ، بدلاً من حصول ها ب ما قدّره الل  وقضاه، وهذا استدراكٌ قبيحٌ على صنيع الل  لا يتوقّع صدوره من عامّة النّاس، فكيف يُقال ممّن أُدرج في قائمة العلماء ، وتصدّر للردود على سائر ف رق المسلمين ؟! وأما احتجاجُ المظف ر بكونِ فعل النبي ‘ قد يُحمل على الخصوصية ، دون قول ه ‘ الذي يُحمل دومًا على العموم: فهو تهويشٌ منه بما لا ينفعهُ

عدد الصفحات ١٨٩

الإشكالات الواردة على الحديث 189 في مثل هذا الحديث ، إذ ما علاقةُ هذه القاعدة بحديث نا هذا ، وهل ي خطُر على بال أحدٍ أن ت ذ ك ر النبي ‘ كونه على جنابةٍ ثم اغتسال ه ، ثم رجوع هُ إلى الص ف ، ي حتملُ الخصوصية ؟ وهل هذا إلا عينُ الاستكثار المذموم من إيراد وحشد كل ما يخطر على البال من شُبهات ــ مهما تدنّت درجتُها في الوهن ــ من أجل الوصول إلى الهدف الأدنى ، ألا وهو: تضعيف أحاديث أصحّ الكتب بعد كتاب الل ؟ وقد تابع المظفّر سرد شبهته قائلاً : > ولو تنزّلنا عن هذا كلّه ، فلا نتصوّر حاجةً للتشريع في أمر الغسل ؛ لأنّ الواجب المؤقّت الذي لم يفُ ت وقته ، أو غير المؤقّت ، لا يحتاج إلى التشريع بعد النسيان ، لكفاية الأمر الأوّل في لزوم الإتيان به<. ليس في هذا الحديث أي تشريعٍ جديدٍ ، وإنما فيه إظهارُ بعض الأمور التي قد تخفى على بعض المسلمين ، كتعر ض النبي ‘ للن سيان ، وأن الإمام إذا تذك ر إصاب ت ه بالجنابة فعليه أن يُ بادر بالذهاب للاغتسال ــ ويُقاس عليه إصابتُه بالحد ث الأصغر ، وذهابه للوضوء ــ وعلى المأمومين أن ينتظروه، وأقل ما يُ مكن أن يُ حمل عليه حكمُ انتظارهم هو الاستحباب ، اقتداءً بالصحابة الكرام  فيما فعلوه في تلك الحالة، وإقرار النبيّ الأكرم ‘ لهم على ذلك ، ويبدو أنّ المُ دّ ة لم تكن طويلةً ، ف اغتسل النبي ‘ على ع ج لٍ ؛ ثم رجع وصلّ ى بهم ، وهذا الذي ينبغي أن ي س لُ ك ه من تلبّس بمثل هذه الحالة من الأئمة .

عدد الصفحات ١٩٠

الإشكالات الواردة على الحديث 190 ثم قال المظفّر: > هذا ، ولا يخفى أنّ حديث الجنابة الذي ذكره المصنّف  لم يُصرّح بأنّ النبيّ ذكر الجنابة بعد الدخول في الصلاة ، ولكنّ حديث أحمد عن أبي هريرة صرّح به ، قال : > إنّ النبيّ خرج إلى الصلاة ، فلمّا كبّر انصرف ، وأومأ إليهم ــ أي : كما أنتم ــ ، ثمّ خرج فاغتسل ، ثمّ جاء ورأسُ ه يقطر فصل ى بهم ، فلمّا صل ى قال: إنّي كنت جنبا فنسيت أن أغتسل <. وكذا حديث أحمد عن عليّ ،قال: > صل ى بنا رسول الله يومً ا ، فانصرف ثمّ جاء ورأسُ ه ي قطر ماء ، فصل ى بنا ، ثمّ قال: إنّي صل يت بكم آنفً ا وأنا جنب ، فمن أصابه مثل الذي أصابني ، أو وجد رزّا في بطنه ، فليصنع مثل ما صنعت <. ومثله في كنز العمّال ، عن الطبراني . ونقل في ( الكنز ) أيضً ا في صفحة قبل الصفحة المذكورة عن ابن عساكر عن أبي بكرة : > أنّ النبيّ كبّر في صلاة الفجر ، ثمّ أومأ إليهم ، ثمّ انطلق فاغتسل ، فجاء ورأسه يقطر فصل ى بهم<. ونحوُ ه في موط أ مالك ، تحت عنوان: إعادة الجنب الصلاة وغسله إذا صل ى ولم يذكر ... إلى غير ذلك من أخبارهم<. اهـ . قلت : رُ وي حديثُ الباب على صورتين: الأولى منهما : أن النبي ‘ تذكّر الجنابة قبل أن ي دخل في الصلاة ، فأ ع لم أصحاب ه بذلك ، وط لب منهم أن ي نتظروه ، فذهب واغتسل ثم عاد إليهم ، ف صلّى بهم ، وهذا هو

عدد الصفحات ١٩١

الإشكالات الواردة على الحديث 191 المُخ ر ج في الصحيحين من حديث أبي هريرة ،وطريقُ ه عند البخاري من رواية : صالح بن كيسان عن الز هري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة به ، وطريقه عند مسلم من رواية: وهب بن يونُ س عن الز هري به. وأما الصورة الثانية: فهي التي جاءت الرواية فيها بإثبات أن النبي ‘ كب ر للصلاة ، ثم أشار إليهم بالمكوث بعد أن ت ذكّر أنه على جنابةٍ ، وذهب واغتسل ثم عاد وصل ى بهم ، وهم ما زالوا ينتظرونه. وهذه الرواية أخرجها أحمد ( 9786 )وابن ماجه ( 1220 ) والدارقطني ( 1361 )والبيهقي ( 2 /556 )من طريق: أُس ام ة ب ن ز ي دٍ ، ع ن ع ب د الل ب ن ي ز يد ، م و ل ى الأ س و د ب ن سُف ي ان ، ع ن اب ن ث و ب ان ، ع ن أ ب ي هُر ي ر ة ، أ ن الن ب ي ‘ خ ر ج إ ل ى الص لا ة ، ف ل م ا ك ب ر ان ص ر ف ، و أ و م أ إ ل ي ه م ــ أ ي ك م ا أ ن تُم ــ ثُم خ ر ج ف اغ ت س ل ، ثُم ج اء و ر أ سُهُ ي ق طُرُ ، ف ص ل ى ب ه م ، ف ل م ا ص ل ى ، ق ال : > إ ن ي كُن تُ جُنُبًا ف ن س يتُ أ ن أ غ ت س ل <. وأُعل ت هذه الرواية بأسامة بن زيد وهو اللّ يثي، فقد تكل موا في حفظه ، ولا يُ حتمل تفرّ دُ ه في مقابل الثقات (1 ) . وروي من غير هذه الطريق: أخرجه البزّ ار ( 9922 )قائلاً: ح د ث نا عبيد الل بن مُح م د أبو الربيع ، ح د ث نا الح س ن بن عبد الرحمن بن العريان ، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) انظر ما قيل فيه: تهذيب الكمال2 /347 .)

عدد الصفحات ١٩٢

الإشكالات الواردة على الحديث 192 ح د ث نا ابن عون ، عن مُح م د ، ع ن أ ب ي هُر ي ر ة ،أ ن ر سُول الل ‘ خرج للصلاة فلما اصطفت الصفوف أومأ إليهم بيده ثم دخل فرجع و ر أسُه ي قطرُ فصل ى بهم . ثم قال البزار: وهذا الحديث لم ن سمع هُ إلا م ن أبي الر بيع ، وكان ثقةً مأمونً ا. وأخرجه من طريق أبي الربيع : الطبراني في الأوسط ( 542 ) والصغير ( 806 )والبيهقي ( 2 /556 )ثم قال الطبراني: لم يرو ه عن ابن عون إلاّ الحسنُ بن عبد الرحمن ، تفر د به أبو الربيع الحارثي . وعلّق البيهقي قائلاً : تفر د به الحسنُ بن عبد الرحمن الحارثي ، ورواه إسماعيل ابنُ علية وغيرُ ه ، عن ابن عون، عن محم د ، عن النبي ‘ مرسلاً ، وهو المحفوظ ، وكل ذلك شاهد لحديث أبي بكرة . اهـ ويُ ستفاد من كلام البيهقي أمران: أن الأصح في هذه الرواية هو الإرسال ، وهو ما رواهُ غيرُ واحدٍ عن ابن عون به، بخلاف وصل الحسن بن عبد الر حمن الحارثي لها ، وهو لا يُ عرف . والثاني: أن هذا الحديث قد رُ وي عن أبي بكرة. أما روايات الإرسال التي أشار إليها البيهقي فقد أخرجها هو نفسُ ه في معرفة السنن والآثار (3 /346 )ثم أشار إلى رواية الوصل هذه ، قائلاً : والأول ــ يعني الإرسال ــ أصح .

عدد الصفحات ١٩٣

الإشكالات الواردة على الحديث 193 وكان أبو داود قد أشار إلى ذلك أيضاً، فقال في سننه ( 234 :) ورواه أيوبُ وابنُ عونٍ وهشامٌ عن محم د مرسلاً عن الن بي ‘ . وقد جاء هذا الحديث بهذا اللفظ من رواية أبي بكرة  حيث جاء فيه : أ ن ر سُول الل ‘ اس ت ف ت ح الص لا ة ف ك ب ر ، ثُم أ و م أ إ ل ي ه م أ ن م ك ان كُم ، ثُم د خ ل ف خ ر ج و ر أ سُهُ ي ق طُرُ ، ف ص ل ى ب ه م ، ف ل م ا ق ض ى الص لا ة ق ال : > إ ن م ا أ ن ا ب ش رٌ و إ ن ي كُن تُ جُنُبًا <. أخرجه أحمد في المسند ( 20420 ) ومواطن أُ خر ، وكذا أبو داود في سننه ( 233)،والطحاويُّ في شرحِ المُ شْ كل ( 623 )وابنُ حبان ( 2235 )والبيهقي في الكبرى ( 2 /556 )من طرق عن حمَّ اد بن سلمة ، عن زياد الأعلم ، عن الحسن ، عن أبي بكرة به . والحسنُ لم يسمع من أبي بكرة ، قال الحافظ ابنُ رجب: وحديثُ الحسن عن أبي بكرة في معنى المُ رسل ؛ لأن الحسن لم يسمع من أبي بكرة عند الإمام أحمد والأكثرين من المتقدمين (1 ) .اهـ. قلت : ومع ذا ، فقد صح حه البيهقي (2 ) !! ورُوي من حديث أنسٍ ،قال فيه : > د خ ل الن ب ي  ف ي ص لا ةٍ ، ف ك ب ر و ك ب ر ن ا م ع هُ ، ثُم أ ش ار إل ى ال ق و م أ ن ك م ا أ ن تُم ف ل م ن ز ل ق ي امًا ح ت ى أ ت ان ا ، و ق د اغ ت س ل و ر أ سُهُ ي ق طُرُ م اءً <. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) فتح الباري5 /432 .) (2 ) معرفة السنن والآثار3 /347 .)

عدد الصفحات ١٩٤

الإشكالات الواردة على الحديث 194 أخرجه الطحاوي في المُ شكل ( 624 )والطبراني في الأوسط ( 3947 )والدارقطني (1362 )والبيهقي ( 2/557 )عن معاذٍ الع نبري عن سعيد بن أبي ع روبة عن قتادة عن أنسٍ  به. قال البيهقي : خالفه عبدُ الوهاب بن عطاء ، فرواه عن سعيدٍ عن قتادة عن بكر بن عبد الل الُ مز ن ي عن النبي ‘ مرسلاً . اهـ. وكان الدارقطني قد أشار إلى هذا الخلافٍ قائلاً : خالفه عبدُ الوهاب . ثم أخرج الدارقطني هذه الرواية من طريق عبد الو هّاب عن سعيد بن أبي ع روبة عن قتادة ، عن بكر بن عبد الل المُ زني : أ ن ر سُول الل ‘ > د خ ل ف ي ص لا ت ه ف ك ب ر و ك ب ر م ن خ ل ف هُ ، ف ان ص ر ف ف أ ش ار إ ل ى أ ص ح اب ه أ ي ك م ا أ ن تُم ، ف ل م ي ز الُوا ق ي امًا ح ت ى ج اء و ر أ سُهُ ي ق طُرُ <. ق ال ع ب دُ ال و ه اب : و ب ه ن أ خُذُ ( 1 ). وقد تعقّب الشيخُ الألباني ما سبق قائلاً : عبدُ الوهاب تُكُل م فيه م ن ق ب ل ح فظه ؛ فإن كان ح ف ظ هذا فهو إسنادٌ آخرُ لقتادة مرسلٌ ؛ وإلا فروايةُ معاذ والد عُ بيد ا لل أ صحّ ؛ لأنه ثقةٌ حُ جّ ةٌ اتفاقً ا . ثم نقل الشيخُ الألباني أفضل ما قيل في معاذٍ العنبري ، ثم قال : وفي هذا غايةُ المدح بالض بط والحف ظ والإتقان ؛ فمثلُ ه ــ إذا خولف ــ فهو ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) سنن الدارقطني1363 .)

عدد الصفحات ١٩٥

الإشكالات الواردة على الحديث 195 المُقد م ، وروايتُ هُ هي الراجحةُ بلا شك ( 1 ). وقد روي عن عطاء بن يسار مرسلاً، أخرجه مالكٌ في موطئه (79)،وجاء فيه قولُ عطاءٍ : أ ن ر سُول الل ‘ ك ب ر ف ي ص لا ةٍ م ن الص ل و ات ، ثُم أ ش ار إ ل ي ه م ب ي د ه أ ن ام كُثُوا، ف ذ ه ب ، ثُم ر ج ع و ع ل ى ج ل د ه أ ث رُ ال م اء . وقد رُ وي الحديثُ أيضً ا عن علي بن أبي طالب مرفوعً ا: ب ي ن م ا ن ح نُ م ع ر سُول الل ‘ نُص ل ي إ ذ ان ص ر ف و ن ح نُ ق ي امٌ ، ثُم أ ق ب ل و ر أ سُهُ ي ق طُرُ ، ف ص ل ى ل ن ا الص لاة ، ثُم ق ال : >إ ن ي ذ ك ر تُ أ ن ي كُن تُ جُنُبًا ح ين قُم تُ إ ل ى الص لاة ل م أ غ ت س ل ، ف م ن و ج د م ن كُم ف ي ب ط ن ه ر زًّا، أ و ك ان ع ل ى م ث ل م ا كُن تُ ع ل ي ه ، ف ل ي ن ص ر ف ح ت ى ي ف رُغ م ن ح اج ت ه ، أ و غُس ل ه ، ثُم ي عُودُ إ ل ى ص لات ه <. أخرجه أحمد ( 668 ــ 669 ــ 777 )والطبراني في الأوسط ( 6 /272 ــ رقم 6390 )والبزار ( 890 )من طريق ابن لهيعة، حد ثنا الحارثُ بن يزيد ، عن عبدِ الله بن زرير الغافقي ، عن علي بن أبي طالب به . قال البزار : وهذا الحديث لا نحفظه يروى عن رسول الل ‘ ، إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد . و قال الطبراني : > لا يُ روى هذا الحديث عن علي إلا بهذا الإسناد ، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) صحيح أبي داود1 /420 ــ الأم).

عدد الصفحات ١٩٦

الإشكالات الواردة على الحديث 196 تفرد به ابن لهيعة <. قلت : وأخ رت ذ كر هذه الطريق مع كونها مرفوعةً ، لاحتمال المنازعة في د لالتها على المقصود ، إذ ليس فيها التصريحُ بأن النبي ‘ أتم لهم تلك الصلاة التي كان قد افتتحها ، ثم تذك ر بعدُ أنه على جنابة ، أو ابتدأ بهم صلاةً جديدة . فضلاً ، عن حال عبد الل بن لهيعة مدار هذا الحديث ، فهو متكلّم في حفظه كما هو معلومٌ . ثم يبقى النّ ظر بعد ذلك في مجموع هذه الطرق ، هل ت صلُ ح لتقوية بعضها بعضً ا ، مما قد يؤد ي إلى تصحيح هذا الل فظ ، والذي فيه أن النبي ‘ كبّ ر ؛ ثم تذك ر فذهب فاغتسل ثم أتم بهم تلك الصلاة ؟ أم أنّ هذه الطرق مع ك ثرتها لا تغني شيئً اً ، ولا تعني صحّةً ، إذ أن أقوى طرقها: مراسيل؟ وهي تُ خالف ما في الصحيح ، والقاعدةُ : تقديم ما في الصحيح على غير ه عند التعارض، إذا تكاف أت الأسانيدُ من حيثُ الصحة ، فكيف إذا كان ما في الصحيح موصولاً ؛ موافقًا لقوا عد الشريعة ، وما في خارج الصحيح مرسلاً يخالف المعروف المعهود المعمول به في الشريعة ؟! والجوابُ : أن طائفة من أهل العلم اعتبروا ما جاء في هذه الرواية حادثةً ثانيةً حصلت للنبي ‘ ، غير تلك التي حصلت في رواية أبي هريرة ، فكان للنبي ‘ حالان : الأولى تذكّر فيها النبي ‘ كون ه على جنابةٍ قبل أن يدخُ ل في الصلاة ، وهي رواية الصحيحين ، و الثانية : تذك ر

عدد الصفحات ١٩٧

الإشكالات الواردة على الحديث 197 فيها النبي ‘ كون ه على جنابةٍ بعد دخوله في الصلاة ، وفي الحالتين ترك مكان ه وذهب واغتسل ، ثم عاد ، فصلّى بهم ، صلاةً : ابتدأها في حديث أبي هريرة ــ وهي رواية الصحيحين ــ ، وصلاةً : أتمّها في حديث أبي بكرة ومراسيل غير ه ، وهذه الطريقة ــ أعني تعد د الواقعة ، قال بها طائفةٌ من أهل العلم ك الإمام ابن حبّ ان ؛الذي قال بعد إخراجه للروايتين: هذان ف علان في موضعين متباي ن ين ، خرج ‘ مرة فكب ر ، ثم ذكر أنه جُ نُ بٌ فانصرف فاغتسل ، ثم جاء فاستأن ف بهم الصلاة ، وجاء مرةً أخرى فلما وقف ليكب ر ذكر أنه جُ نُ بٌ قبل أن يُ ك ب ر ، فذهب فاغتسل ثم رجع فأقام بهم الصلاة ، من غير أن يكون بين الخبرين تضادٌّ ولا تهاتُ رٌ (1 ). وأما القاضي عياض فقد قال في شرحه على صحيحمسلم: وقولُ ه في الحديث: > قبل أن يُك ب ر < دليل بي ن أنه لم يكن دخل في الصلاة ، وفى البخاري : > وانتظرنا تكبير هُ <، وقد ذكر أبو داود الحديث ، وفيه: أنه كان إذا دخل في الصلاة فأومأ بيده أن مكانكم ، واستُ دل منه على جواز صلاة من صل ى خلف الجُ نُ ب، وي ج ب أن يُ جمع بين الأحاديث ، وأن معنى دخول ه في الصلاة أي : للصلاة ، كما قال في الرواية الأخرى في الأمّ : > حتى إذا قام في مُ صلاّ ه <، > وقام م قامه < في الأخرى ، ثم بي ن وفسّر بقوله : > قبل أن يُ ك ب ر <، فأثبت وزاد ما أغفله غيرُ ه ون س ي ه ، أو ترك بيان ه (2 ). وقد ذكرالحافظُ ابنُ حجرٍ رواية أبي بكرة التي مرّت آنفً ا ، ثم قال : ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) صحيح ابن حبان6 /8 .) (2 ) إكمال المعلم2 /558 .)

عدد الصفحات ١٩٨

الإشكالات الواردة على الحديث 198 ويُمكنُ الجمعُ بينهما بحمل قول ه : >كب ر < على: أراد أن يُ كب ر ، أو بأنهما واقعتان ؛ أبداه عياضٌ والقرطبي احتمالاً ، وقال النووي : إنه الأظهر ، وجزم به ابنُ حب ان كعادته ، فإن ثبت ؛ وإلا فما في الصحيح أصح (1 ) . قلت: لم يظهر لي من كلام القاضي عياضٍ أنه ي ميلُ إلى اعتبار ها واقعتين ، بل ن ص ه السابقُ يُ ظه ر فيه تقديم ه لرواية الصحيح على ما سواه ، ولم أ قف على كلامٍ له يُ خال ف هذا ، وأما النووي فإنه ن ق ل كلام القاضي عياضٍ هذا ، ثم أتبعه قائلاً : ويحتمل أنهما قضي تان ، وهو الأ ظ هر (2 ) . وقال الحافظُ ابنُ رجب: وليس في الحديث أن النبي ‘ بنى على ما مضى من تكبيرة الإحرام وهو ناسٍ ل جنابته ، فإن قُ د ر أن ذلك وقع فهو منسوخٌ ؛ لإجماع الأمة على خ لافه ، كما ذكره ابنُ عبد البر وغيرُ ه ، فلم ي بق إلا أحدُ وجهين : أحدهما : أن يكون ‘ لما رجع كب ر للإحرام ، وكب ر الناسُ معه ، وعلى هذا التقدير ، فلا يبقى في الحديث دلالةٌ على ص ح ة الصلاة خلف إمامٍ صلّ ى بالنّ اس مُ حد ثً ا ناسيً ا ل ح د ث ه . والثاني: أن يكون النبي ‘ استأنف تكبيرة الإحرام ، وبنى الناسُ خلفه على تكبير هم الماضي. وهذا هو الذي أشار إ ليه الشافعي ، وجعله عمدةً على ص ح ة صلاة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) فتح الباري2 /122 .) (2 ) شرح النووي5 /103 .)

عدد الصفحات ١٩٩

الإشكالات الواردة على الحديث 199 المتطه ر خلف إمامٍ صلّ ى مُ ح د ثً ا ناسيً ا ل ح د ث ه (1 ) .اهـ. ثم قال المظفّر : وهي بظاهرها باطلة ؛ لإفادتها أنّهم لم ي نْ قضوا صلات هم ، وأتمّوها مع النبيّ بعد ما اغتسل وصل ى ، وهذا ضروريّ البطلان ؛ للفصل الطويل الواقع في أثناء صلاتهم ؛ ولأنّ الجماعة لا تنعقد مع سبق المأمومين تكبيرة الافتتاح ، فتزيد أحاديث نسيان النبيّ للجنابة إشكالا فوق إشكال ، فاتّضح أنّها كاذبة على سيّد المرسلين (2 ) ! قلت: سبق ما ذكره الحافظ ابن رجب احتمالاً من كونهم استمروا على تكبير هم بينما ك بّر النبي ‘ تكبيرً ا جديدً ا وصلّى بهم ، و لا دليل على طول الفصل بين التكبيرتين الأولى والثانية ، بل الظاهر ق ص رُ الفصل لانتظار الصحابة الكرام في مصاف هم، ولو طال الفصلُ لفارقوا الصلاة ، وهذا ما استظه ر ه القاضي عياضٌ حيث قال في أثناء شرح ه للحديث: >أشار إلينا مكان كم، فلم نزل ننتظره قيامً ا حتى خرج وقد اغتسل، فكبّر وصلّ ى بنا <: ب ي ن في هذه الرواية أن انتظار هم له كان و هُم قيامٌ في مصارفهم(3) ولم يذكر أنهأعاد الإقامة ، ولعلّ هذا لقُ ر ب رجوع ه وسُ رع ة ظُ هور ه بدليل قول ه لهم: >مكان كم< وبقائ هم قيامً ا، وبهذا قال مالكٌ : إن من انصرف م ن صلات ه أو قط ع ها لعُ ذرٍ ؛ أنه إن كان لم ي طُ ل فإنه يعود ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) فتح الباري5 /434) لابن رجب ( 2 ) دلائل الصدق4 /121 .) (3 ) كذا في المطبوع، وصوابه> مصاف هم <، كما في شرح النووي على مسلم ( 5 /103 .)

عدد الصفحات ٢٠٠

الإشكالات الواردة على الحديث 200 إليها بالإقامة الأولى ، وإن كان قد طالت صلاتُ ه أو عملُ ه فيبتدأُ إقامةً أخرى (1 ) .اهـ. وقال الحافظ ابن رجب  :وقد بنى الشافعي على رواية من روى: أنه ‘ كان كب ر ثم ذ ك ر، ووافقه الإمامُ أحمد في رواية الأثرم وغير ه ، وهؤلاء استدلوا بهذا الحديث على أن م ن صل ى خلف مُ ح د ث ناسٍ لحد ث ه أن صلات ه مجز ئ ةٌ عنه ، ويُ عيد الإمامُ وحده إذا ذ كر بعد تمام صلات ه ، كما رُ وي عن عُ مر وعُ ثمان ، وقيل : إنه لا مخالف لهما من الصّ حابة ، بل قد رُ وي مثلُ ه عن علي ، وابن عُ مر أيضً ا ، وهو قولُ جمهور العلماء ، منهم : النخعي ، وسفيانُ ، ومالكٌ ، والشافعي ، وأحمد ، قال ابنُ مهدي : قلتُ لسفيان الث وري : تعلم أ نّ أحدً ا قال : يُ عيد ويُ عيدون عن حمّ اد؟ قال: لا . وهذا إذا استمر نسيانُ الإمام حتى فرغ م ن صلات ه ، فأمّ ا إن ذ كر في أ ثناء صلات ه فخرج ، ف تطه ر ثم عاد ، فإنّ الإمام لا ي بني على ما مضى من ص لاته بغير طهارةٍ بغير خ لاف ، فإنّ من صلّ ى بغير طهارةٍ ناسيً ا فإنّ عليه الإعادة بالإجماع ؛ لقول النّ بي ‘ : لا ي قبلُ الل صلاة أحد كم إذا أحدث حتى يتوضأ. وقول ه : لا ي قبل اللُ صلاةً بغير طهور( 2 ) .اهـ. قلت : وكذا هو عندنا في الإمام إذا تذك ر أنه مُ حد ث بعد تكبير ه ، أو ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( 1 ) إكمال المعلم2 /558 .) (2 ) فتح الباري5 /433) لابن رجب

عدد الصفحات ٢٠١