353 يا زين عقلك يا ياقوت اعتذرَ ياقوت الحموي في مقدمة إيراد بعض الأمور التي تأباها العقول، وقال: ذكرتهُا وأنا مرتابٌ بها، نافرٌ عنها، متبِّئٌ إلى قارئها من صِحَّتها؛ لأني كتبتُها حِرصًا على إحراز الفوائد، وطلبًا لتحصيل القلائد منها والفرائد، فإن كانت حقًّا أخذنا منها بنصيب المُصيب، وإن كانت باطلاً فلها في الحق شرِْكٌ ونصيب؛ لأني نقلتُها كما وجدتهُا، فأنا صادق في إيرادها كما أوردتها، لتعْرِف ما قيل في ذلك حَقًّا كان أو باطلاً، فإنَّ قائلاً لو قال: سمعتُ زيدًا يكذب، لأحببتَ أن تعرف كيفية كَذِبِه!
عدد الصفحات ٣٥٣354 الأكبــر اأول جاء في كتاب العِلل للإمام أحمد موسى السيناني قال: أخذتُ أنا وعبد الله بن المبارك في طريق، فانتهينا إلى موضعٍ ينبغي لأحدنا أن يتقدَّم فيه، فقال لي عبد الله بن المبارك: مكانَك حتى نحسب أيُّنا أكب فيتقدم! قال: فكنتُ أنا أكب منه بشيءٍ فتقدمت. قلت: السيناني: منسوبٌ إلى سينان، وهي قريةٌ من قرى مرو، وهذا التصرُّف من هذين الإمامين محمولٌ على المزاح، وإن كان تقديم الأكب سُنَّةً نبويةً كريمة، دلَّت عليها نصوصٌ صحيحةٌ معروفة. وقد سُئل الشيخ ابن باز رحمه الله (سأله تلميذه الشيخ عبد العزيز السدحان) فقال: يا سماحة الشيخ، يتوقف بعض الناس عند الباب فيقول الرجل لصاحبه (من باب الاحترام): ادخل فأنت على اليمين، ويقول الآخر: أنت الكبير! ويتدافعون الدخول، كلٌ يطلب من صاحبه الدخول أوَّلاً، فما رأيُكم؟ فقال الشيخ رحمه الله: الكبير هو الذي يدخل أوَّلاً، استدلالاً بأحاديث تقديم الكبير.
عدد الصفحات ٣٥٤355 ورد في مقدمة كتاب هذا غِشًّا لك، وإهدارًا لكرامة البيان، وخيانةً للأمانة التي حمُِّلناها كما حمُِّلها أبونا الشيخ آدم عليه السلام. قلت: وصفُهُ لأبينا آدم بـ هشام في السيرة قال: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ الْبَيْتَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَرَأَى فيه إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مُصَوَّرًا فيِ يَدِهِ الأَْزْلاَمُ يَسْتَقْسِمُ بهَِا، فَقَالَ: قَاتَلَهُمْ اللهُ! جَعَلُوا شَيْخَنَا يَسْتَقْسِمُ بِالأَْزْلاَم، مَا شَأْنُ إبْرَاهِيمَ وَالأَْزْلاَم...إلخ الرواية. فهذه الرواية تذكر أن النبي ﷺ وصف إبراهيم عليه الصلاة والسلام بـ(شيخنا). لكنَّ هذه الرواية وردت في مغازي الواقدي وفي تاريخ مكة للأزرقي بلفظ: قاتلهم الله جعلوه شيخًا يستقسم بالأزلام. فهل الوصف بشيخنا في تلك الرواية تصحيفٌ أم أنه صواب؟ الله أعلم بالصواب. ال
عدد الصفحات ٣٥٥356 جاء في رحلة العبدري المُرَّاكشي (وهو معاصٌ لشيخ الإسلام ابن تيميَّة) أن شيخه الإمام الفقيه ابن دقيق العيد (المتوف عام ٢٠٧هـ) كان لا يُسمِّي القاهرة بهذا الاسم يسميها قال العبدري: فقلت له: وما المُعِزِّيَّة؟ قال: هي مدينة القاهرة، بناها المُعِزُّ العُبيدي -لعنه الله- وسماَّها بذلك، فكان العلماء يتحرَّجون من ذكرها بهذا الاسم، فكانوا يسمُّونا: المُعِزِّيَّة. قال العبدري: قلتُ: والتحرُّج من ذِكر المُعِزِّ أحقُّ، وأرى أن تُسمَّى: قاعدة ديار مصر، أو قصبتها، أو نحو ذلك، وبالله التوفيق. انتهى كلام العبدري رحمه الله. � ل تُ
عدد الصفحات ٣٥٦357 هل يجوز للموؤذِّن اأن يوؤذِّن وهو قاعدٌ اأو م أورد الإمام النووي رحمه هذه المسألة في شرحه لصحيح مسلم، فقال: قوله ﷺ: (يا بلال، قم فنادِ بالصلاة)؛ قال القاضي عياض -رحمه الله-: فيه حُجَّةٌ لشرع الأذان من قيام، وأنه لا يوز الأذان قاعدًا، قال: وهو مذهب العلماء كافَّة. وهذا الذي قال القاضي عياض ضعيفٌ؛ لوجهين: أحدها: ...... والثاني: أن المراد قم فاذهب إلى موضعٍ بارز فنادِ فيه بالصلاة ليسمعك الناسُ من البُعد، وليس فيه تعرُّضٌ للقيام في حال الأذان. لكن يُتَجُّ للقيام في الأذان بأحاديثَ معروفة غيرِ هذا. وأمَّا قولُه: مذهب العلماء كافة أن القيام واجب فليس كما قال؛ بل مذهبنا المشهور أنه سُنة، فلو أذَّن المؤذن قاعدًا بغير عُذرٍ م
عدد الصفحات ٣٥٧358 صحَّ أذانُه لكنْ فاتته الفضيلة، وكذا لو أذَّن مضطجعًا مع قُدرته على القيام صحَّ أذانُه على الأصح؛ لأن المراد الإعلامُ وقد حصل، ولم يثبت في اشتراط القيام شيءٌ، والله أعلم. .77/� الجمع بين وظيفة الإمامة ووظيفة الأذان؟ قال الإمام النووي رحمه الله: وأمَّا جعُ الرجل بين الإمامة والأذان؛ فإن جاعةً من أصحابنا يستحبون أن لا يفعله، وقال بعضهم: يُكره، وقال محققوهم وأكثرُهم: إنه لا بأسَ به بل يُستحب، وهذا أصحُّ والله أعلم. .93/�
عدد الصفحات ٣٥٨359 في ترجة الحسن بن محمد بن حمدون المتوف سنة (٨٠٦هـ)، وهو ولد ابن حمدون الحموي: وكان من المحبِّين للكتب واقتنائها، والمبالغين في تحصيلها وشرائها، وحصل له من أصولها المتقَنة وأمهاتها المعينة ما لم يصل لكثيرِ أحد، وكان مع اغتباطه بالكتب، ومنافسته فيها، جوادًا بإعارتها! ولقد قال لي يومًا وقد عجبتُ من مسارعته إلى إعارتها للطلبة: ما بخلتُ بإعارة كتاب قط، ولا أخذت عليه رهنًا، ولا أعلمُ أنيِّ مع ذلك فقدتُ كتابًا في عارية قط! فقلت: الأعمال بالنيَّات، وخلوص نيتك في إعارتها لله حَفِظَها عليك. � حر
عدد الصفحات ٣٥٩360 � كان أحمدُ بن المُدَبَّر من الأمراء الذين يقصدهم الشعراء، وكان إذا مدحه شاعرٌ فرضي شِعرَه وَصَلَهُ بِصِلَةٍ جزلة، أما إن لم يَرْضَ شِعْرَه فإنه كان يقول لغلامه: امْضِ بهذا الشاعر إلى المَسْجِد الجامع ولا تفارِقْه حتى يُصليِّ مائةَ ركعة، ثم خَلِّ سبيله! فتحاشاه الشعراءُ، إلاَّ الأفرادَ المُجيدين. المصري )1(فجاءه الشاعر أبو عبد الله الحسين بن عبد السلام المعروف بـ الشرَْط؟ قال: نعم، ثم أنشد: أرَدْنــا في أبي حَسَـنٍ مديـــا كما بالمَــدْحِ يُنتَجَـعُ الــــوُلاةُ فقلنــا: أكَـرَمُ الثقَلَـينِْ طُـــرّا ومَنْ كفَّاه دجلــةُ والفـــراتُ 1(
عدد الصفحات ٣٦٠361 فقالوا: يَقْبَلُ المِدْحـات لكــنْ جوائــزهُ عليهــنَّ الصَّــــلاةُ فقلت لهم: وما تُغْني صــَلاَتي عيـالي، إنَّمـا الشــأْنُ الزَكــَاةُ فأمَّــا إذْ أبــى إلاَّ صَـــــلاَتي وعاقتني الهمـومُ الشــاغلاتُ فيأمـر لي بكَسـْرِ الصـادِ منهـا فتصبح لي الصَلاة هي الصِـلاتُ فضحك ابن المُدَبَّر واستظرفه وأحسن صِلتَه.
عدد الصفحات ٣٦١362 قال الإمام ابن أبي زيد القيرواني (ت عام ٦٨٣هـ) في مقدِّمة رسالته الشهيرة: وأولى ما عُنِيَ به الناصحون، ورَغِبَ في أجره الراغبون: إيصالُ الخير إلى قلوب أولاد المؤمنين ليرسَخَ فيها، وتنبيهُهم على معالم الديانة، وحدود الشريعة، وما عليهم أن تعتقده قلوبهم، وتعمل به جوارحهم، فإنه رُويَ أن تعليم الصغار لكتاب الله يُطْفئ غضبَ الله، وأن تعليم الشيء في الصِّغر كالنقش في الحجر. هنيئًا لك يا مُعلِّمَ ال
عدد الصفحات ٣٦٢363 قال ابن الرومي إِذا ما مَدَحْتَ امرءًا غائبًـا فلا تَغْلُ في وصْفِهِ واقْصِدِ فإِنَّك إِن تَغْلُ تَغْـلُ الظنـو ن فيه إلى الأمـدِ الأبعـــدِ فيَنقُصُ من حيثُ عَظَّمْتَهُ لفضلِ المغيبِ على المَشْهدِ لكنْ قال الإمام ابن العربي رحمه الله في كتابه حديثه عن شيخه الغزالي: ولما رأيتُهُ تحقَّقْتُ أن الذي نُقِلَ إلينا من أن الخب عن الغائب فوق المشاهدة ليس على عمومه، وأنَّه لو رآه ابن الرومي لما قال: إِذا ما مَدحتَ امرءًا غائبًا .. إلخ فإنه -يعني الغزالي- كان رجلاً إذا عايَنْتَهُ رأيتَ جالاً ظاهرًا، وإذا عالمْتَهُ وجدتَ بَحْرًا زاخرًا...إلخ. المبالغة في المدح توؤدِّي اإلى نقي تقريرٌ وا
عدد الصفحات ٣٦٣364 قال النووي رَحمَِهُ الله: اختلف السلف والخلف في معناه: فقيل معناه أكثر الناس تشوُّفًا إلى رحمة الله تعالى؛ لأن المتشوِّف يُطيل عنقه إلى ما يتطلَّع إليه، فمعناه كثرة ما يرونه من الثواب. وقال النضر بن شميل: إذا أَلجَْمَ الناسَ العَرَقُ يوم القيامة طالت أعناقهم؛ لئلا ينالهم ذلك الكرب والعَرَق. وقيل: معناه أنم سادةٌ ورؤساء، والعرب تصف السادة بطول العُنُق. وقيل: معناه أكثر أتْباعًا. وقال ابن الأعرابي: معناه أكثر الناس أعمالاً. قال القاضي عياض وغيره: ورواه بعضهم الهَمْزة؛ أي: إسراعًا إلى الجنة، وهو من سَيرِْ العَنَق. .92/� معنى حديث (الموؤذِّنون اأطول النا
عدد الصفحات ٣٦٤365 وللنا قـال العلاَّمـة الأندلـي أبـو العبَّـاس الشريـشي المتـوفَّ عام ٩( الخِصـال الكريمـة، في خُلُقهـن وخَلْقهن فوق المراد؛ من ملاسـة الأبـدان، وتفتُّـق السـواد، وحُسـن العيـون، واعتـدال الأنوف، وبياض الأسنان، وطيب الروائح. .335/�
عدد الصفحات ٣٦٥366 اآل قَــــرَا قال الأصمعي ك بالسراة، وأنشدوا لأبي ذؤيب: يمانيَّةٌ أجنى لهــا مَــظَّ مائـــدٍ وآل قَراسٍ صَوبَ أرميَّةٍ كُحْلُ قلت: لا تزال السرََاة وما يليها حافلةً بمثل هذا الاسم: (آل قَرَاس)، ومنها: آل يزيد، آل خلف، آل طارق، آل سرحان... وأنا جوَّاب آفاق- –وغيرها كثير جدا، ولا أعلم في البلاد العربية ما يُماثلها في انتشار التسمية بذلك.
عدد الصفحات ٣٦٦367 ٣٣/قال ابن القيِّم في كتابه البديع القيِّم كثيرٌ من الناس يطلب من صاحبه بعد نيله درجة الرياسة، الأخلاقَ التي كان يعامله بها قبل الرياسة فلا يصادفها، فينتقض ما بينهما من المودة، وهذا من جهل الصاحب الطالب للعادة، وهو بمنزلة من يطلب من صاحبه إذا سكر أخلاق الصاحي، وذلك غلط؛ فإن للرياسة سَكْرةً كسَكْرة الخمر أو أشد، ولو لم يكن للرياسة سكرة لمََا اختارها صاحبها على الآخرة الدائمة الباقية، فسكرتهُا فوق سكرة القهوة -أي الخمر- بكثير، ومحُالٌ أن يُرى من السكران أخلاقُ الصاحي وطبعُه، ولهذا أمر الله تعالى أكرمَ خلقه عليه بمخاطبة رئيس القبط بالخطاب اللينِّ، فمخاطبة الرؤساء بالقول اللين أمرٌ مطلوب شرعًا وعقلاً وعُرفًا؛ ولذلك تجد الناس كالمفطورين عليه، وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب رؤساء العشائر والقبائل. اأنزلوا النا كلماتٌ للاإمام ابن القيم في طريقة مخاطبة الأمراء ونحوهم
عدد الصفحات ٣٦٧368 غفلةٌ ذكر ابن بَشْكُوال في كتاب له: ابن أبي الحُبَاب، فقال: كان من جِلَّة شيوخ الأدب، عالمًا باللُّغة والأخبار، حافظًا ضابطًا لها، صحيحَ الرواية، مُتَّقِد الذِهن، لكنَّه كان غافلاً، بل كان في غفلته آيةً من آيات الله، وكان معروفًا عند الناس بذلك! أقول: كان الشيخ أحمدُّو بن محمد حامد الحسني الشنقيطي (المتوف عام ٨٢٤ سيَّما في علوم العربية، وقد رأيتُه في المدينة وهو يدرِّس الطلاَّب في الحَرَم، فرأيتُ شيخًا كبيرًا نحيلاً وَضيِءَ الوجه منوَّر الشيبة، عجيبًا في ضبط العلم وحِفظه وإتقانه. وحينما زرتُ الشيخ محمد المختار الشنقيطي (عضو هيئة كبار العلماء) وجرى الحديث عن الشيخ أحمدُّو، ذَكَرَ الشيخ قوَّةَ عِلمه وسعة حفظه وما هو عليه من الصلاح والعبادة، ثم قال: وهو مع ذلك غافلٌ عن أمور الدنيا غير مكترثٍ بها، ثم ذَكَرَ أنه دخل مرةً بيته (بيت الشيخ محمد المختار) فلماَّ أراد أن يخَْرج ضاع في البيت،
عدد الصفحات ٣٦٨