المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

صور من تأذي الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن

د .عثمان قدري مكانسي

صفحة ٨ من ١٠

113 فهو أدب نفسي مع الله ورسوله. وهو منهج في التلقي والتنفيذ. وهو أصل التشريع والعمل في الوقت ذاته.. وهو منبثق من تقوى الله، وراجع إليها. هذه التقوى النابعة من الشعور بان الله عليم.. وكل ذلك في آية واحدة قصيرة، تلمس وتصور كل هذه الحقائق الأصيلة الكبيرة . وكذلك تأدب المؤمنون مع ربهم ومع رسولهم؛ فما عاد مقترح منهم يقترح على الله ورسوله؛ وما عاد واحد منهم يدلي برأي لم يطلب منه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدلي به؟ وما عاد أحد منهم يقضي برأيه في أمر أو حكم، إل أن يرجع قبل ذلك إلى قول الله وقول الرسول.. روى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه بإسناده عن معاذ رضي الله عنه حيث قال له النبي صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن:" بم تحكم؟ " قال: بكتاب الله تعالى. قال صلى الله عليه وسلم: " فإن لم تجد؟! قال: بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم:" فإن لم تجد؟" قال رضي الله عنه: أجتهد رأي . فضرب في صدره وقال: " الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله ". وحتى لكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسألهم عن اليوم الذي هم فيه، والمكان الذي هم فيه، وهم يعلمونه حق العلم، فيتحرجون أن يجيبوا إل بقولهم: الله ورسوله أعلم. خشية أن يكون في قولهم تقد مٌ بين يدي الله ورسوله! جاء في حديث أبي بكرة بن الحارث الثقفي- رضي الله عنه- أن النبيصلى الله عليه وسلم سأل في حجة الوداع: " أي شهر هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. فقال: "أليس ذا الحجة؟" قلنا: بلى! قال: "أي بلد هذا؟" قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. فقال: " أليس البلد الحرام؟ " قلنا: بلى! قال: "فأي يوم هذا؟ ! قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. فقال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى!.. إلخ. فهذه صورة من الأدب، ومن التحرج، ومن التقوى، التي انتهى إليها المسلمون بعد سماعهم ذلك النداء وذلك التوجيه، وتلك الإشارة إلى التقوى، تقوى الله السميع العليم.

عدد الصفحات ١١٣

114 والأدب الثاني هو أدبهم مع نبيهم في الحديث والخطاب؟ وتوقيرهم له في قلوبهم توقيراا ينعكس على نبراتهم وأصواتهم؛ ويميز شخص رسول الله بينهم، ويميز مجلسه فيهم؛ والله يدعوهم إليه بذلك النداء الحبيب؛ ويحذرهم من مخالفة ذلك التحذير الرهيب : ( ي ا أ ي ه ا ال ذ ين آم ن وا ل ت ر ف ع وا أ ص و ات ك م ف و ق ص و ت الن ب يِّ و ل ت ج ه ر وا ل ه ب ال ق و ل ك ج ه ر ب ع ض ك م ل ب ع ض أ ن ت ح ب ط أ ع م ال ك م و أ نت م ل ت ش ع ر ون ) (1). يا أيها الذين آمنوا.. ليوقروا النبي الذي دعاهم إلى الإيمان.. أن تحبط أعمالكم وأنتم ل تشعرون.. ليحذروا هذا المزلق الذي قد ينتهي بهم إلى حبوط أعمالهم، وهم غير شاعرين ول عالمين، ليتقوه!. ولقد عمل في نفوسهم ذلك النداء الحبيب، وهذا التحذير المرهوب، عمله العميق الشديد: قال البخاري : حدثنا بسرة بن صفوان اللخمي، حدثنا نافع بن عمر، عن أبي مليكة. قال: كاد الخيران أن يهلكا.. أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.. رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه ركب بني تميم (في السنة التاسعة من الهجرة ) فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس رضي الله عنه أخي بني مجاشع (أي ليؤمره عليهم)، وأشار الآخر برجل آخر. قال نافع: ل أحفظ اسمه (في رواية أخرى أن أسمه القعقاع بن معبد) فقال: أبو بكر لعمر رضي الله عنهما ما أردت ال خلافي. قال: ما أردت خلافك. فارتفعت أصواتهما في ذلك. فانزل الله تعالى ( ي ا أ ي ه ا ال ذ ين آم ن وا ل ت ر ف ع وا أ ص و ات ك م ف و ق ص و ت الن ب يِّ و ل ت ج ه ر وا ل ه ب ال ق و ل ك ج ه ر ب ع ض ك م ل ب ع ض أ ن ت ح ب ط أ ع م ال ك م و أ نت م ل ت ش ع ر ون ). قال ابن الزبير رضي الله عنه: فما كان عمر رضي الله عنه يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه!.. وروي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال لما نزلت هذه الآية: قلت: يا رسول الله، والله ل أكلمك إل كأخي السرار (يعني كالهمس !). وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: ( ي ا أ ي ه ا ال ذ ين آم ن وا ل ت ر ف ع وا أ ص و ات ك م ف و ق ص و ت الن ب يِّ ) وكان ثابت بن قيس بن الشماس رفيع الصوت. فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا من أهل النار. حبط عملي. وجلس في أهله حزيناا . ففقده ر سول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق بعض القوم إليه، فقالوا له: تفقدك رسول الله صلى الله عليه وسلم، مالك؟ قال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم، وأجهر (1) سورة الحجرات : الآية 2.

عدد الصفحات ١١٤

116 بالقول. حبط عملي. أنا من أهل النار. فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبروه بما قال. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ل بل هو من أهل الجنة". قال أنس رضي الله عنه: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة. فهكذا ارتعشت قلوبهم وارتجفت تحت وقع ذلك النداء الحبيب، وذلك التحذير الرعيب؛ وهكذا تأدبوا في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية أن تحبط أعمالهم وهم ل يشعرون. ولو كانوا يشعرون لتداركوا أمرهم ! ولكن هذا المنزلق الخافي عليهم كان أخوف عليهم، فخافوه واتقوه ! ونو ه الله بتقواهم، وغضِّهم أصواتهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعبير عجيب: (إ ن ال ذ ين ي غ ض ون أ ص و ات ه م ع ند ر س ول الل ه أ و ل ئ ك ال ذ ين ام ت ح ن الل ه ق ل وب ه م ل لت ق و ى ل ه م م غ ف ر ةٌ و أ ج رٌ ع ظ يمٌ ). فالتقوى هبة عظيمة، يختار الله لها القلوب بعد امتحان واختبار، وبعد تخليص وتمحيص، فلا يضعها في قلب إل وقد تهيأ لها، وقد ثبت أنه يستحقها. والذين يغضون أصواتهم عند رسول الله قد اختبر الله قلوبهم وهيأها لتلقي تلك الهبة. هبة التقوى . وقد كتب لهم معها وبها المغفرة والأجر العظيم. إنه الترغيب العميق، بعد التحذير المخيف. بها يرب ي الله قلوب عباده المختارين، ويعدها للأمر العظيم. الذي نهض به الصدر الأول على هدى من هذه التربية ونور. وقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع صوت رجلين في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم قد ارتفعت أصواتهما، فجاء فقال: أتدريان أين أنتما؟ ثم قال: من أين أنتما؟ قال: من أهل الطائف. فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضرباا !. وعرف علماء هذه الأمة وقالوا: إنه يكره رفع الصوت عند قبره صلى الله عليه وسلم كما كان يكره في حياته عليه الصلاة والسلام احتراماا له في كل حال. ثم أشار إلى حادث وقع من وفد بني تميم حين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام التاسع. الذي سم ى " عام الوفود".. لمجيء وفود العرب من كل مكان بعد فتح مكة، ودخولهم في الإسلام، وكانوا أعراباا جفاة، فنادوا من وراء حجرات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم المطل ة على المسجد النبوي الشريف، يا محمد اخرج لنا، فكره النبي صلى الله عليه وسلم هذه الجفوة وهذا الإزعاج، فنزل قوله تعالى: ( إ ن ال ذ ين ي ن اد ون ك م ن و ر اء ال ح ج ر ات أ ك ث ر ه م ل ي ع ق ل ون (4 )و ل و أ ن ه م ص ب ر وا ح ت ى ت خ ر ج إ ل ي ه م ل ك ان خ ي راا ل ه م و الل ه غ ف ورٌ ر ح يمٌ ) .

عدد الصفحات ١١٥

115 فوصفهم الله بان أكثرهم ل يعقلون. وكر ه إليهم النداء على هذه الصفة المنافية للأدب والتوقير اللائق بشخص النبي صلى الله عليه وسلم وحرمة رسول الله القائد والمربي . وبي ن لهم الأولى والأفضل، وهو الصبر والنتظار حتى يخرج إليهم. وحبب إليهم التوبة والإنابة، ورغ بهم في المغفرة والرحمة . وقد وعى المسلمون هذا الأدب الرفيع، وتجاوزوا به شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كل أستاذ وعالم. ل يزعجونه حتى يخرج إليهم؟ ول يقتحمون عليه حتى يدعوهم.. يحكى عن أبي عبيد- العالم الزاهد الراوية الثقة- أنه قال: "ما دققت باباا على عالم قط حتى يخرج في وقت خروجه"..

عدد الصفحات ١١٦

117 سورة الم جاد لة(1) [ الآية 5] (أ ل م ت ر إ ل ى ال ذ ين ن ه وا ع ن الن ج و ى ث م ي ع ود ون ل م ا ن ه وا ع ن ه و ي ت ن اج و ن ب الإ ث م و ال ع د و ان و م ع ص ي ت الر س ول و ا ذ ا ج اؤ وك ح ي و ك ب م ا ل م ي ح يِّك ب ه الل ه و ي ق ول ون ف ي أ نف س ه م ل و ل ي ع ذِّب ن ا الل ه ب م ا ن ق ول ح س ب ه م ج ه ن م ي ص ل و ن ه ا ف ب ئ س ال م ص ير ) في هذه الآية: ا- أن اليهود يأتون رسو ل الله صلى الله عليه وسلم للاستماع إليه، والتعرف على أحوال المسلمين وا يذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم . 2- أن اليهود لخبثهم يوهمون النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يحبونه، ولكن الله كشفهم لرسوله فإذا بهم يدعون عليه، ويرد عليهم رسول الله الدعاء نفسه. 3- أن اليهود على علمهم برسالة النبي صلى الله عليه وسلم وقد ورد في آيات أخرى تؤكد ذلك ( ال ذ ين آت ي ن اه م ال ك ت اب ي ع ر ف ون ه ك م ا ي ع ر ف ون أ ب ن اءه م ) (1) يخدعون أنفسهم فينفون عنه النبو ة حين يطلبون العذاب السريع لدعائهم على النبي صلى الله عليه وسلم. 4- هذا التحدي (ل و ل ي ع ذِّب ن ا الل ه ب م ا ن ق ول ) (2) يوضح عداءهم السافر لله ورسوله، وأنهم يحادون الله ورسوله فوجب عقابهم. 6- بالإضافة إلى هوانهم في الدنيا على رسول الله والمسلمين ينتظرهم عذاب جهن هم يصلونها وهذا مصير بئيس ل مناص منه. فقد ورد أن اليهود كانوا إذا جاءوا الرسول عليه الصلاة والسلام يدفعهم سوء أصلهم وخبث نفوسهم إلى تحوير السلام وهو دعاء بالأمن والسلام من الله تعالى- إلى دعاء بالموت والهلاك فيقولون: السام عليكم. وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم عر ف السام بالموت في الحديث " الحب ة السوداء دواء كل داء إل السام، أو كما قال، فالسام الردى والموت. ولم يكن الرسول عليه الصلاة والسلام - وهو يسمع مقالتهم ويعرف مقصدهم- ليثور في وجوههم أو يشنع عليهم لأن الداعية يجب أن يكون هادئ الأعصاب، ساكن النفس! ليصل إلى قلوب الناس وأفئدتهم، والثائر يفشل في ذلك، بل كان يرد عليهم بجلال النبوة وسمو الرسالة " وعليكم "، أو كان يقول مثلهم " السام عليكم "، وأمر أصحابه الكرام فقال: "إذا سل م عليكم أهل الكتاب فقولوا: عليك ما قلت". (1) سورة البقرة : الآية 181. (2) سورة المجادلة: الآية 4.

عدد الصفحات ١١٧

115 وقد سمعت عائشة رضي الله عنها ما قاله اليهود الملاعين لرسول الله عليه الصلاة والسلام، فقالت- وهي الصبية المتحمسة لدينها ورسول الله وزوجها وأسوتها -: السام عليكم وفعل الله بكم وفعل، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم العارف بالأمور، الذي يضعها في نصابها، إل أن قال: م ه÷ يا عائشة فإن الله ل يحب الفحش والتفحش.. ما أعظمك يا رسول الله!! حتى في الرد على أعدائك الظالمين تلتزم الأخلاق ولطف الرد صل ى الله عليك، ما أكرمك وما أح سن خلقك، فلما اعترضت الصديقة بنت الصديق: يا رسول الله ألست ترى ما يقولون؟! فقال بلهجة الواثق بالله الموقن بان ربه يدافع عنه وعن المؤمنين: ألست ترين أني أرد عليهم ما يقولون، أقول وعليكم"، فهم يدعون على النبي صلى الله عليه وسلم ودعاؤهم غير مستجاب لكفرهم وضلالهم، وهو صلى الله عليه وسلم يرد عليهم الدعاء، فيستجب الله تعالى لدعائه فتصيبهم اللعنة والخسران أبد الآبدين.. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يكلهم إلى الله، فعذابه العذاب الشديد، وانتقامه رهيب .. ومن يدعو عليهم؟ إنه رسول الله أحب خلق الله إلى الله صلى الله عليه وأكرمه . بعض المسلمين اجتهدوا في رد السلام، فقال أحدهم نقول: السِّلام عليكم- بكسر السين- وهي الأحجار، وقال أحدهم بل نقول: علاك السام، أي أصابك الموت والردى، وبعضهم قال: علاك السلام فتجاوزك .. ول حاجة لهذا الجتهاد.. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة و قدوة: ( و ي ق ول ون ف ي أ نف س ه م ل و ل ي ع ذِّب ن ا الل ه ب م ا ن ق ول ) (1) . وهنا يغالط اليهود أنفسهم فيقولون: لو كان محمد صلى الله عليه وسلم نبياا، لأجاب الله دعاءه، فهو يقول راداا علينا: "وعليكم السام"، والسام الموت.. لو كان نبياا لستجيب دعاؤه ومتنا لساعتنا.. أليس هذا عجيباا؟! والعجب من تجر ئهم على الله، فهم يتحدون الله تعالى ويسخرون من نبيه صلى الله عليه وسلم. وهم أيضاا يعلمون أن الأنبياء قد يغضبون فلا يعاج ل من يغضبهم بالعذاب.. ولكنهم مردوا على الكفر والفسوق فلا يأبهون إل حين يدهمهم العذاب، ولت حين نجاة.. فيقول البارى جل وعلا إن لهم أجلاا ل ريب فيه وستكون النار مأواهم وبئس المرجع والمآل.    (1) سورة المجادلة: الآية 4.

عدد الصفحات ١١٨

119 سورة الم جاد لة(2) [ الآية 14- 19] بسم الله الرحمن الرحيم ( أ ل م ت ر إ ل ى ال ذ ين ت و ل و ا ق و ماا غ ض ب الل ه ع ل ي ه م م ا ه م مِّنك م و ل م ن ه م و ي ح ل ف ون ع ل ى ال ك ذ ب و ه م ي ع ل م ون (14 )أ ع د الل ه ل ه م ع ذ اباا ش د يداا إ ن ه م س اء م ا ك ان وا ي ع م ل ون (16 )ات خ ذ وا أ ي م ان ه م ج ن ةا ف ص د وا ع ن س ب يل الل ه ف ل ه م ع ذ ابٌ م ه ينٌ (15 )ل ن ت غ ن ي ع ن ه م أ م و ال ه م و ل أ و ل د ه م مِّن الل ه ش ي ئاا أ و ل ئ ك أ ص ح اب الن ار ه م ف يه ا خ ال د ون (17 )ي و م ي ب ع ث ه م الل ه ج م يعاا ف ي ح ل ف ون ل ه ك م ا ي ح ل ف ون ل ك م و ي ح س ب ون أ ن ه م ع ل ى ش ي ء أ ل إ ن ه م ه م ال ك اذ ب ون (15 )اس ت ح و ذ ع ل ي ه م الش ي ط ان ف أ نس اه م ذ ك ر الل ه أ و ل ئ ك ح ز ب الش ي ط ان أ ل إ ن ح ز ب الش ي ط ان ه م ال خ اس ر ون ) * * * المنافق: الذي يظهر غير ما يبطن كي يستفيد من المتناقضات، فهو يظهر الإسلام في قوة المسلمين لينالما ينالون من خير، ويبطن الكفر لتسلك أموره عند إخوانه من الكفار.. وتراه يغشى مجالس المسلمين ليضرب عصافير بحجر... فهو- أولا - يجاريهم ليظنوه منهم ويأمنوا إليه و- ثانياا - يتعرف إلى ما عندهم ليوصل ما علمه إلى أعداء المسلمين ليمكروا بهم. و- ثالثاا - هو ضعيف النفس خو ار، يتستر بالكذب والدجل ليصل إلى منافع مادية إن- وجدها- عند المسلمين ل يحصل عليها بغير هذا. فالمنافقون يتولون الكفار، ويجدون الراحة النفسية معهم لأنهم منهم، أما مع المسلمين فمتكلفون، الصلاة ثقيلة عليهم، انتصار الإسلام يفري أكبادهم، ويقلق راحتهم فيتكلفون البتسام وا ظهار التدين وحب الله والرسول وكره الكافرين .. وهذا يزعجهم فيتحملونه مرغمين .. يندسون في صفوف المسلمين ليموِّ هوا على أعمالهم واسوداد قلوبهم. لكن أعمالهم تفضحهم.. فلا يستطيع الإنسان أن يملك نفسه الوقت كله وأن يواري ما في نفسه الزمن الطويل.. ل بد أن تظهر حقيقة الإنسان من فلتات لسانه ونظرات عينيه، وانتفاض جسمه، والحركة غير الإرادية، والتنفس المضطرب، وموالة الكافرين، وعلى رأسهم أعداء الله المغضوب عليهم اليهود.. إذ كيف يوالي المسلم قوماا حاد وا الله ورسوله وشاقوهما وأظهروا عداوتهما..

عدد الصفحات ١١٩

120 ف يوالي أحد أحداا إل إذا كان مثله من طينته نفسها فكراا، وقلباا وعملاا . ( ي ا أ ي ه ا ال ذ ين آم ن وا ل ت ت خ ذ وا ال ي ه ود و الن ص ار ى أ و ل ي اء ب ع ض ه م أ و ل ي اء ب ع ض و م ن ي ت و ل ه م مِّنك م ف إ ن ه م ن ه م إ ن الل ه ل ي ه د ي ال ق و م الظ ال م ين ) (1) . وبما أن المنافق ل يستطيع التخلي عن بني عقيدته لأن قلبه الأسود معهم وعاطفته الخبيثة ل تأنس إل إليهم.. فإنه يعتذر بأعذار واهية تعزز- وهو واهمٌ ظانٌّ - موقفه أو هذا ما يظن- فهو يخشى إن انقلب الوضع أن يخسر موقعه وحياته.. ويبرر علاقته الوحيدة بهم بأعذار يكشف بها- دون أن يدري - نفسه وا يمانه المتلاشي- و ل نقول إيمانه الضعيف، فهو عديم الإيمان- فلو كان يؤمن بالله حق الإيمان لعلم أن الله ينصره حين يكون قوي العقيدة ثابت الإيمان بها- وأنه ل يصيبه إل ما قدر الله له وأن العاقبة لدين الله ( ف ت ر ى ال ذ ين ف ي ق ل وب ه م م ر ضٌ ي س ار ع ون ف يه م ي ق ول ون ن خ ش ى أ ن ت ص يب ن ا د آئ ر ةٌ ف ع س ى الل ه أ ن ي أ ت ي ب ال ف ت ح أ و أ م ر مِّن ع ند ه ف ي ص ب ح وا ع ل ى م ا أ س ر وا ف ي أ ن ف س ه م ن اد م ين ) (1). قال السدي: نزلت الآية ( أ ل م ت ر إ ل ى ال ذ ين ت و ل و ا ق و ماا غ ض ب الل ه ع ل ي ه م ...) (2) في عبد الله بن أ بي وعبد الله بن ن ب ت ل المنافقين. كان أحدهما يجالس النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يرفع حديثه إلى يهود- فبينا النبي صلى الله عليه وسلم في حجرة من حجراته إذا قال: " يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعيني شيطان " فدخل عبد الله بن نبتل وكان أزرق أسمر خفيف اللحية.. فقال عليه الصلاة والسلام " علام تشتمني أنت وأصحابك؟ " فحلف بالله ما فعل ذلك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "فعلت " فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه. فنزلت هذه الآية.. ألم يقل المنافقون في سورة التوبة في رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هو أذن " نقول فيه ما نشاء ثم نحلف فيصدق.. وغاب عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرفهم ويعرف أنهم كاذبون- ولكنه يتركهم ليزداد إثمهم فيستحقوا النار، ولأن إبقائهم ل ضرر فيه ولو أنهم عقلوا ما كانوا مع اليهود.. مهما خدم المنافقون اليهود، وقد موا لهم ما يريدون ولو خرجوا من جلودهم وأعلنوا كفرهم فلم يعتبرهم اليهود منهم.. (1) سورة المائدة: الآية 11. (1) سورة المائدة: الآية 12. (2) سورة المجادلة: الآية 18.

عدد الصفحات ١٢٠

121 فاليهود- في معتقدهم- أنهم شعب الله المختار- وأن الناس- ومنهم المنافقون حيوانات خلقها الله على هيئة بني آدم ليخدموهم.. أفلا يعقل المنافقون وضعفاء الإيمان..؟؟!!. لذلك قال تعالى( م ا ه م مِّنك م و ل م ن ه م )(1) ، فالمنافقون حيث لم تخالط بشاشة الإسلام نياط قلوبهم ليسوا من المسلمين وبما أن اليهود نسيج وحدهم فهم يعتبرون المنافقين خولا لهم وليسوا منهم.. جعل المنافقون الأيمان الكاذبة طريقاا إلى الرسول- لكن الله فضحهم ولم يصدقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحسبون أنهم يستج ن ون بها- ويتقون القتل.. ولكن الكذب ل ينجي وا ن فعل فإلى حين، حيث يظهر المستور وتنجلي الأمور. (1) سورة المجادلة: الآية 18.

عدد الصفحات ١٢١

122 سورة المنافقون [الآيتان 7- 5] بسم الله الرحمن الرحيم ( ه م ال ذ ين ي ق ول ون ل ت نف ق وا ع ل ى م ن ع ند ر س ول الل ه ح ت ى ي نف ض وا و ل ل ه خ ز ائ ن الس م او ات و الأ ر ض و ل ك ن ال م ن اف ق ين ل ي ف ق ه ون (7 )ي ق ول ون ل ئ ن ر ج ع ن ا إ ل ى ال م د ين ة ل ي خ ر ج ن الأ ع ز م ن ه ا الأ ذ ل و ل ل ه ال ع ز ة و ل ر س ول ه و ل ل م ؤ م ن ين و ل ك ن ال م ن اف ق ين ل ي ع ل م ون ). ذكر المفسرون أنه هاتين الآيتين وما سبقهما، وما تلاهما، نزلت في كبير المنافقين عبدالله بن أب ي بن سلول. قال ابن إسحاق في حديثه عن غزوة بني المصطلق سنة ست : فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم - على ماء المريسيع - وردت واردة الناس (سقاة الناس الذي يملأون الماء لهم) ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار يقال له: جهجاه بن مسعود، فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهني حليف بني عون بن الخزرج على الماء- فاقتتلا- فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار، وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين ،فغضب عبد الله بن أبي بن سلول، وعنده رهط من قومه، فيهم زيد بن أرقم، غلام حدث (صغير) فقال: أو ق د فعلوها؟! (يوغر صدور الأنصار على المهاجرين) قد نافرونا وكاثرونا ني بلادنا. والله ما أعد نا (ما أحسبنا) وجلابيب قريش (وهو اسم كان المنافقون يطلقونه على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين ) إل كما قال الأولون: سمِّن كلبك يأكلك !! أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل (يقصد نفس ه الأعز والمسلمين من المهاجرين الأذل)، (وهذه مقالة المنافق الذي لم يخالط الإيمان قلبه ولم تعرف الأخوة الإسلامية طريقها إلى نفسه). ثم أقبل على من حضره من قومه فقال لهم (محرضاا على المسلمين) هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم، لتحولوا إلى غير داركم (وهذا ما يقوله الكافر والمنافق في حق المسلمين فقلبه مليء بالحقد عليهم، وكره مقامهم معه). فسمع زيد بن أرقم - فمشى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك عند فراغ رسول الله من عدوه، فاخبره الخبر (وهذا ما يجب أن يفعله كل مسلم إذا رأى ما يسيء إلى دينه وقيادته فكل مسلم لبنة في بناء هذا المجتمع، وعين تسهر على مصلحة المسلمين، ول يت كت م على المغرضين ولو كانوا ذوي قربى، فالمؤمنون أقوى وشيجة وأقرب صلة بعضهم ببعض من

عدد الصفحات ١٢٢

123 المنافقين، ولو كانوا من أهلهم، ولنا في إبراهيم عليه السلام أسوة حسنة حين تبرأ من والده الكافر، وأسوةٌ حسنة في نوح عليه السلام حين تبرأ من ابنه الكافر، فالعلاقة بين المسلمين تقوم على العقيدة والدين ل على الحب والطين). وسمع ابن الخطاب ما قاله زيد بن أرقم وكان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر رضي الله عنه: م ر به عباد بن بشر فليقتله. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "فكيف يا عمر- إذا تحدث الناس أن محمداا يقتل أصحابه؟" وهذه نظرة سديدة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو يتحدث بنور النبوة - وكل أعماله سديدة فهو المعصوم عن الخطأ برعاية من ربه سبحانه، ول بد أن يتكشف لبني قومه (الأنصار) نفاقه.. وا ذ ذاك يسقط فلا يدفع عنه أحد ويهوي ول يرثي له أحد.. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر فأذ ن بالرحيل، وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها وقد مشى عبد الله بن أبي بن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه أن زيد بن أرقم قد بل غه ما سمعه منه، فحلف بالله ما قلت ما قال ول تكلمت به، وكان ابن أبي في قومه شريفاا عظيماا، فقال من حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار من أصحابه: يا رسول الله عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه، ولم يحفظ ما قال الرجل (حدباا منهم على ابن سلول ودفعاا عنه). والمنافقون هذا دأبهم كذابون يفترون بالله عز وجل، فيحلفون بالله- والعياذ بالله من حلفان الكذب- أنهم صادقون والمعروف أنهم (ي ح ل ف ون ب الل ه م ا ق ال وا و ل ق د ق ال وا ك ل م ة ال ك ف ر و ك ف ر وا ب ع د إ س لا م ه م ( (1) ، فقد اعتادوا على المخالفة ثم الحلف وعلى الكذب ثم الحلف!!! يظنون أنهم بذلك ينجون!! والله تعالى عر اهم وفضحهم، ثم انظر معي إلى قوم ل يحترمون أنفسهم فالرجل الكريم يحرص على عدم الوقوع في الخطأ وا ذا أخطأ لم ينكر خطأه.. بل اعترف به واعتذر عنه وأصلحه، والرجل الكريم الشجاع إذا رأى أمراا أو قال كلاماا ثبت عليه إلى أن يظهر خلافه، أم ا أن يسرع فور انكشافه يحلف كذباا ليداري عن نفسه فهو جبان ل يستحق التقدير والحترام .. والقوم- قومه- ينظرون إليه- إلى ابن سلول- نظر العطف والحدب ل يريدونه صغيراا في أعين الناس ول في أعينهم ،ولكن ما يفعلون إن كان المنافق صغيراا في نفسه؟!!). (1) سورة التوبة: الآية 18.

عدد الصفحات ١٢٣

124 قال ابن إسحاق: فلما استقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار لقيه أ س ي د بن حضير (من سادة الأوس) فحياه بتحية النبوة، وسلم عليه، ثم قال: يا نبي الله، والله لقد رحت في ساعة منكرة، ما كنت تروح في مثلها (والرواح المسير قبيل المساء) فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أو ما بلغك ما قال صاحبكم)؟ قال: وأي صاحب يا رسول الله؟ قال: "عبد الله بن أبي". قال: وما قال؟ قال: (زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل" !!! قال أس يدٌ : فأنت يا رسول الله - والله- لتخرجنه منها إن شئت، هو- والله - الذليل وأنت العزيز، ثم قال: يا رسول الله، ارفق به. فوالله لقد جاءنا الله بك، و إن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه، فإنه يراك استلبته ملكه!. ولئن كان ما قاله أسيد يخفف من فعلة ابن سلول مع من استلبه ملكه غير رسول الله صلى الله عليه وسلم لقلنا رجل أخذ مكان رجل فهو ينفس عليه ويراه مستلباا ملكه ،ولكنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ل يروم ملكاا ول سيادة، إنما الله سو ده وجعله نبياا ليبلغ رسالته إلى الناس، فهو- عليه الصلاة والسلام ل ينفس على أحد، ول يستلب أحداا ملك ه- إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهل يرى المؤمن في رسول الله شيئاا إل أن يعظمه ويبجله.. وشتان شتان ما بين نبي رسول وبين رجل يبغى ملكاا .. فلا مجال لأن يراه ابن أبي مغتصباا مكانته.. ولكنه النفاق وسواد القلب يمنع صاحبه من التصرف السديد. ثم مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس يومهم ذاك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وص د ر يومهم ذلك حتى آذت هم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياماا، وا نما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد الله بن أبي. وهذا تصرف عظيم من قائد م لهم ، فالناس يكثر فيهم القيل والقال حين يتجالسون ويرتاحون، وقد يفلت الأمر من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم إن تنابز الناس وحملوا السلاح في وجوه بعضهم بعضاا، فشغلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتعب المسير وسهر الليل، ومتابعة الركب، شغ لهم بحمل المتاع، وقيادة الركوب والجد في السرى، فلما تعبوا وش غلوا بأنفسهم عن إثارة المشاكل ثم لمسوا الأرض ناموا عميقاا طويلاا .. فإذا مرت فترة طويلة عن ذاك الحديث الذي أثار حفيظة الناس وعاد الناس يفكرون بعقولهم ل بعواطفهم انطفأ الغضب وضاعت فرصة الشيطان في الإيقاع بين المسلمين م هاجرهم، وأنصاري هم وتناسى الناس ما كان).

عدد الصفحات ١٢٤

126 قال ابن إسحاق: ونزلت السورة التي ذكر الله فيها المنافقين، في ابن أب ي ، ومن كان على مثل أمره، فلما نزلت، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذن زيد بن أرقم، ثم قال: "هذا الذي أوفى الله بأ ذنه" وفي رواية إذ أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرك أذني وضحك في وجهي فما كان يسر ني أن لي بها الخلد في الدنيا. (مكافأة أهداها النبي صلى الله عليه وسلم زيداا .. أمسكت يده الشريفة بأذن زيد رضي الله عنه، وعركها تحبباا، فكانت برداا وسلاماا على زيد إلى أن لقي ربه، يفخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم داعبه، وضاحكه وأثبت صدقه.. اللهم اجعلنا من الصادقين وث بِّت إيماننا.. اللهم اجعلنا من المؤمنين.. سئل حذيفة بن اليمان صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافق فقال: الذي يصف الإسلام ول يعمل به، وهم اليوم شر منهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأنهم كانوا يكتمونه، وهم اليوم يظهرونه..!! هذا ما قاله صاحب رسول الله عن منافقي زمانه فماذا نقول ونحن في القرن الخامس عشر الهجري؟ !! اللهم إليك نشكو ضعفنا وهواننا على الناس. أنت رب المستضعفين أنت ربنا .. إلى م ن تكلنا؟ إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي.. وا ننا على خطا رسول الله وصحابته الكرام سائرون على رغم من ناف ق وآذى المسلمين..). قال ابن إسحاق: وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أب ي الذي كان من أمر أبيه ما كان، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي( يعني أباه) فيما بلغك عنه. فإن كنت ل بد فاعلاا فمرني به، فانا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج، ما كان لها من رجل أ بر بوالده مني، وا ني أخشى أن تأمر غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس، فأقتله، فأقتل مؤمناا بكافر، فادخل النار. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "بل نترفق به ونحس ن صحبته ما بقي معنا". وهذا تصر فٌ من عبد الله البن يلقي ضوءاا على نفسيته الإيمانية العميقة، فهو يعرف أن أباه منافق كافر.. وهذا يؤلمه ويؤذيه، ولكن ل حيلة له فيه فقد نصح أباه كثيراا، ولكن الأب ركب رأسه وأصر على كفره ونفاقه.. ومهما يكن فهو أبوه ل يتنصل من ب نو ته فالإسلام أمر المسلم أن يحسن إلى والديه الكافرين.. ولكن هذا الأب يؤذي أحب الناس إلى قلبه، وقلب كل مؤمن.. إنه يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلئن أمر رسول الله بقتله، لعبد الله أحق

عدد الصفحات ١٢٥

125 بقتل أبيه!! لماذا؟! وهل يرضى ابن بارٌّ بوالده أن تمس أباه شوكةٌ؟!! أفيقتله بيده؟!! ولكن البن العاقل خشي إن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله، فقتله مسلم من إخوانه المسلمين ثم لعب الشيطان- في حالة ضعف- في قلب عبد الله وعقله فثأر لأبيه.. خشي أن يقتل أخاه المسلم بابيه الكافر فيخسر الدنيا والآخرة .. وهو الحريص على آخرته . وعلم ذو القلب الرحيم صلى الله عليه وسلم ما يعتمل في قلب عبد الله المسلم من عواطف متضاربة فهد أ من روعه وقال :بل "نترفق به ونحسن إليه ما بقي معنا ". وحين يشعر البن أن أباه غير مقتول، وأن رسول الله رأف به رجع إلى ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم "ما بقي معنا" فليت أباه -إذن -ل يعود إلى المدينة، فليس للمنافق مكانٌ بين المؤمنين.. والمدينة مأوى الإيمان والدين، مأوى رسول الله وصحبه مهبط الوحي.. ل مكان للأب المنافق في هذا المكان الطاهر.. وأسر في نفسه أمراا .. لن يبوح به، وسيكون مفاجأة لوالده أولا وللمسلمين ثانياا ... قال ابن إسحاق: لما قفل الناس راجعين إلى المدينة، وقف عبد الله بن أبي بن سلول على باب المدينة، واستل سيفه، فجعل الناس يمرون عليه، فلما جاء أبوه عبد الله بن سلول قال له ابنه: وراءك ! فقال: مالك؟ ويلك! فقال والله ل تجوز من هاهنا حتى يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه العزيز وأنت الذليل. فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم- وكان يسير في مؤخرة الجيش ينظر المتخلف ، والضال، والمحتاج إلى معونة- شكا الأب إليه ابنه، فقال البن، والله يا رسول الله ل يدخلها حتى تأذن له. فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال البن: أما إذ أذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فج ز الآن.. (عبد الله البن المسلم البار بوالده يرى أن الإ سلام أولى أن يبر به المسلم، فلا حرمة لكافر منافق يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما ما يقول المتنطعون من أن الإسلام قطع حبال الرحم فجر أ البن على أبيه فهؤلء، دجالون ل يعرفون من الإسلام شيئاا .. إن الله أمر المسلمين بالبر بآبائهم والإحسان إليهم ولو كانوا كافرين، شرط أن ل يكون هؤلء الآباء معاول تهدم حصون الدين والعقيدة.. أم ا وهم كذلك فلا حرمة لهم فالله أولى أن نبر ه والإسلام أولى أن نلتزمه .. وأثبت عبد الله المسلم أنه ابن بارٌّ للإسلام وهل أعظم من أبو ة الإسلام. أبي الإسلام ل أب لي سواه إذا انتسبوا لقيس أو تميم

عدد الصفحات ١٢٦

127 ولن يعود ابن أبي أبداا إلى مثل هذه المقولة، فالأرض لله يورثها عباده الصالحين، ولم تكن يوماا من الأيام ملكاا لبشر، والعزيز فيها من يعز دين الله، والذليل فيها من يكفر بالله، ويمكر بعباد الله. قال ابن إسحاق: وجعل بعد ذلك إذا أحدث أبي حدثاا كان قوم ه هم الذين يعاتبونه، ويأخذونه، ويعنِّ فونه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين بلغه ذلك من شانهم "كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي: اقتل ه لأر عدت (لغضبت) له آن فٌ (أشخاص) لو أمرتها اليوم تقتله لقتلته " قال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري . (ألم أقل إنه رسول الله ولن يضيعه؟! هذا ما قاله الصديق لعمر يوم الحديبية حين ظن ابن الخطاب رضي الله عنهما أن المشركين نالوا فوق ما يستحقون، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لن لهم وهم ل يستحقون ذلك.. فأثبتت الأيام ف راسة الصد يق، وأن الرسول المؤيد يرسم الله تعالى خطواته فلا يحيد عنها ول يتعداها فيوصله ،إلى بر الأمان وا لى واحة السعادة والهناء). لكن المنافق ذا القلب الأسود والنفس الخبيثة والمكر السيء عبد الله بن أبي بن سلول لم يلبث أن أطلق سهماا قاتلاا، كاد يصيب من الدعوة مقتلاا، ومن صاحبها مقتلاا ومن زوجته الحبيبة مقتلاا، ومن أحد أشراف أصحابه مقتلاا .. إنه حادثة الإفك التي عاش فيها المسلمون شهراا عصيباا، كان درساا كبيراا لهم.. والدعوة كلها دروس وعظة وع ب ر. حادثة الإفك التي نفاها القرآن الكريم وأثبت طهر بيت النبوة في سورة النور.

عدد الصفحات ١٢٧

125 سورة التحريم [ الآيات الخمس الأولى 1-6 ] (ي اأ ي ه ا الن ب ي ل م ت ح رِّم م ا أ ح ل الل ه ل ك ت ب ت غ ي م ر ض ات أ ز و اج ك و الل ه غ ف ورٌ ر ح يمٌ (1 )ق د ف ر ض الل ه ل ك م ت ح ل ة أ ي م ان ك م و الل ه م و ل ك م و ه و ال ع ل يم ال ح ك يم (2 )و ا ذ أ س ر الن ب ي إ ل ى ب ع ض أ ز و اج ه ح د يثاا ف ل م ا ن ب أ ت ب ه و أ ظ ه ر ه الل ه ع ل ي ه ع ر ف ب ع ض ه و أ ع ر ض ع ن ب ع ض ف ل م ا ن ب أ ه ا ب ه ق ال ت م ن أ نب أ ك ه ذ ا ق ال ن ب أ ن ي ال ع ل يم ال خ ب ير (3 )إ ن ت ت وب ا إ ل ى الل ه ف قد ص غ ت ق ل وب ك م ا و ا ن ت ظ اه ر ا ع ل ي ه ف إ ن الل ه ه و م و ل ه و ج ب ر يل و ص ال ح ال م ؤ م ن ين و ال م لا ئ ك ة ب ع د ذ ل ك ظ ه يرٌ (4 )ع س ى ر ب ه إ ن ط ل ق ك ن أ ن ي ب د ل ه أ ز و اجاا خ ي راا مِّنك ن م س ل م ات م ؤ م ن ات ق ان ت ات ت ائ ب ات ع اب د ات س ائ ح ات ث يِّب ات و أ ب ك اراا (6( . عندما قدر الله تعالى أن يكون الإسلام خاتمة الرسالت السماوية، وأن يجعل منهاجه المنهاج الرباني الأمثل، حم ل رسالة الإسلام أفضل رسله وخيرهم صلى الله عليه وسلم. فكان سيدنا محمد القدوة والمثل، فهو الإنسان الكامل المعصوم، من اقتدى به وصل إلى درجة من الكمال بقدر تمثله صفاته صلى الله عليه وسلم. ولأن هذه الرسالة خاتمة الرسالت، ولأن الرسول عليه الصلاة والسلام خاتم الرسل، وأكثرهم كمالا، أطلعنا الله على حياته صلى الله عليه وسلم في مسجده وفي السوق وفي طريقة التعامل مع الناس مؤمن هم وكافر هم، برِّ هم وفاجر هم.. وصو ر لنا دقائق حياته في بيته وخارج ه، في نهاره وليله، عباداته، وعلائقه الجتماعية، وأوضح لنا حركاته وسكناته، غضب ه ورضاه . حزن ه وفرحه عبوس ه وابتسامه .. فكانت حيات ه ضوءاا ساطعاا لكل من له عينان وقلب وعقل.. حتى إننا نلمس من أحاديثه صلى الله عليه وسلم بأنواعها كلام ه مع الصغار والكبار، وملاطفت ه إياهم، وحيات ه مع نسائه رضوان الله عليهن.. فليس في حياته صلى الله عليه وسلم سرٌّ مخبوء أو أمر غامض، إن ه صفحة بيضاء نقية، وصور واقعية تمر أمامنا كشريط مسجل نراه ببصائرنا وأفكارنا وأرواحنا . وفي هذه الآيات الخمس الأولى من هذه السورة تسجيل لتصر ف إنساني واقعي يحدث في بيوتات المسلمين وغيرهم .. والحالت الإ نسانية تحكم الحياة البشرية ببساطتها، بمشاكلها، وحلول ها ،بفرحها وترحها، سعادتها وا يذائها ..

عدد الصفحات ١٢٨