المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

صور من تأذي الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن

د .عثمان قدري مكانسي

صفحة ٧ من ١٠

97 وقال ابن عباس: نزلت هذه الآية في ناس من المؤمنين كانوا يتحينون طعام النبي صلى الله عليه وسلم، فيدخلون قبل أن ينضج الطعام فيقعدون إلى أن ينضج، ثم يأكلون ول يخرجون .. فهم ثقلاء على نفس الداعي، وا ن كانوا من المؤمنين، فالذوق مطلوب والتصرف بكياسة ولباقة صفة المسلم، وحسبك من الثقلاء أن الشرع لم يحتملهم. لكننا نفهم من هذه القصة ما يلي: ا- إجابة الدعوة لعرس؛ واجبة . 2- الحضور وقت الغداء، والنصراف بعده. 3- مراعاة ظروف أهل البيت، فلم يكن للسيدة زينب سوى غرفة واحدة . ثانيهما: روى أبو داود الطيالسي عن أنس بن مالك قال عمر رضي الله عنهما: وافقت ربي في أربع .. الحديث وفيه: قلت: يا رسول الله لو ضربت على نسائك الحجاب - فإنه يدخل عليهن البر والفاجر- فانزل الله عز وجل. ( و ا ذ ا س أ ل ت م وه ن م ت اعاا ف اس أ ل وه ن م ن و ر اء ح ج اب ). وبما أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم يعشن في بيت النبوة فهن قدوة للنساء كما أن رسول الله قدوة للرجال .. وقد يسأل السائل عن أمور ل يفعلها الرسول الكريم إل في بيته فتكون أمهات المؤمنين مفتاح الجواب الشافي. فإذا أمر الرجال بغض البصر عن النساء المسلمات فأحرى بهم أن يغضوه حين يرون نساء النبي صلى الله عليه وسلم، وا ذا كان المؤمن يغض بصره عن النساء العفيفات اللواتي ل يبدين زينتهن ، فأولى به أن يغض بصره عمن ل يتحرج ن من التكشف والترخ ص فهذا أدعى لسلامة قلبه وراحة نفسه.. والمرأة فتنة كلها، عفيفةا كانت أم غير عفيفة، فهي مثار الشهوات وداعية الغواية، "ما تركت فتنة من بعدي أشد على الرجال من النساء". وقديماا .. وليس بالقديم الموغل.. قال الشاعر النصراني "القروي " وكان فيه بقية من حياء، حين رأى امرأة تلبس ثوباا يغطي الركبتين، ويكشف ما تحتهما.. قال متعجباا مستنكراا من ذاك "التعري " الفاضح. لحد الركبتين تشمرينا برب ك أي نهر تعبرينا فماذا يقول لو أعيد إلى الحياة- ولن يعود أحد-؟ ماذا يقول والنساء خلعن ثوب الحياء إل من ورقة التوت.. ماذا يقول وقد تعر ت النساء في النوادي وعلى سواحل البحر وفي الطرقات !؟! وقد ع ر ضن أنفسهن سلعاا رخيصة

عدد الصفحات ٩٧

95 لمن يشتري !!؟ .. أقول على لسانه، ونيابة عنه. خلعت الطهر والخلق المتينا فصرت بضاعة للمفسدينا وقلدت الكوافر دون وعي فعشت مهينة دنيا ودينا إن الإسلام حين فرض الحجاب أبعد وسواس الشيطان عن نفس المؤمن والمؤمنة، فلم تقع عيناهما على ما يحرك دواعي الفساد، ونفى الريبة التي تتولد من النظرة "لأن النظرة سهم من سهام إبليس " وأبعد التهمة وشدد في الحماية واعتمد مبدأ. "درهم وقاية خير من قنطار علاج " بل إنه منع خلوة المرأة بالأجنبي، فلا تقابل المرأة أجنبياا إل مع ذي محرم، وما أعظم فقه عمر بن عبد العزيز إذ قال: " ل تخلون بامرأة ولو كنت تعلمها القرآن ". فماذا نقول، وكثير ممن يد عون الإسلام، تخرج نساؤهم كاسيات عاريات . ماذا نقول وكثير ممن يد عون الإسلام يساهرون ضيوفهم رجالا ونساءا بحجة اللقاءات البريئة، والنظرة الطاهرة، وا كرام الضيف؟!! إذ من المعيب أن تمتنع المرأة عن استقبال ضيوف زوجها!! فهذا تأخر وعمل، رجعي متخلف! أ أما الختلاط، والنظرة الحرام، وسهام إبليس، والتميع في الحديث والضحكة المتكلفة (البريئة ) والمصافحة و.. و.. فالتقدم بعينه.. التقدم! إلى أين ؟إلى غضب الله ومقته. ( وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدا ) (1) . قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال رجل من سادات قريش - في نفسه- لو توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم لتزوجت عائشة، وهي بنت عمي " قال مقاتل: هو طلحة بن عبد الله". قال ابن عباس: وندم هذا الرجل على ما حد ث به نفسه، فمشى إلى مكة من حراء "وقد كان مع رسول الله مع عشرة من أصحابه"، على قدميه، وحمل على عشرة أفراس في سبيل الله، وأعتق رقيقاا .. فكف ر الله عنه. وقيل ليس بطلحة، إنما هو رجل من المنافقين قال حين تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة بعد أبي سلمة، وحفصة بعد خنيس بن حذافة: ما بال محمد يتزوج نساءنا؟! والله لو مات لأج ل نا السهام على نسائه، فنزلت هذه الآية فحر م الله نكاح أزواجه من بعده، وجعل لهن حكم (1) سورة الآحزاب : الآية 11.

عدد الصفحات ٩٨

99 الأمهات، وهذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم تمييزاا لشرفه، وتنبيهاا على مرتبته صلى الله عليه وسلم، قال الشافعي رحمه الله: " وأزواجه صلى الله عليه وسلم اللاتي مات عنهن ل يحل لأحد نكاحهن ، ومن استحل ذلك كان كافراا ". وق ر ن القرآن الكريم إيذاء الرسول  بزواج نسائه من بعده وجعل ذلك ذنباا عظيماا، فإيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم من جملة الكبائر، ول ذنب أعظم منه عند الله "إن ذلكم كان عند الله عظيماا ". بل إن الذين يؤذون الرسول الكريم فكأنما يؤذون الله تعالى، وهؤلء ملعونون في الدنيا والآخرة، وقد أعد الله لهم عذاباا مهيناا . إن المسلم ليحمد الله تعالى أن أرسل إليه رسولا عظيماا رؤوفاا رحيماا . فله الحب والود والإجلال والتقدير مدى الدهور. أنت الرحيم البر يا رب أرسلت طه فازدهى الع ر ب حملوا هداه للورى ق د ماا وبشرعه نوراا جلا الدرب فله سلام دائم عب قٌ يزجيه قلب والهٌ ص بٌّ (1) (1) ديوان: نبضات قلب، ص 18.

عدد الصفحات ٩٩

100 "السِّحر" يقال: سحره فلانٌ : خدعه واستماله، وسلب لب ه. أي سيطر عليه دون وجه حق. و مارس عليه قدرة خارقة لم يقدر على الوقوف أمامها فكان عاجزاا منقاداا .. وبناء على هذا ما من نبي كذبه قومه إل رم و ه بالسحر. فهذا سيدنا موسى قال له فرعون وملؤه، ومنهم السحرة الذين تحد وه وسحروا أعين الناس، واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم، جعلوا عيبهم فيه، واتهموه بالسحر، وأنه مهما مارس عليهم من أفانين السحر والشعوذة فلن يظفر منهم بطائل، ولن يؤمنوا به ( و ق ال وا م ه م ا ت أ ت ن ا ب ه م ن آي ة لِّت س ح ر ن ا ب ه ا ف م ا ن ح ن ل ك ب م ؤ م ن ين ) (1) . بل إنهم لما جمعوا السحرة ومن و هم بالزلفى، والمال الوفير، والقرب من فرعون إذا أفلحوا في سحرهم، ولما نصره الله عليهم فأبطل سحرهم وعر اهم وأيقن السحرة أن مع موسى قوةا خارقة ليست لبشر إنما هي لإله.. وظهر الحق وبطل كيدهم.. استكبر فرعون وبطانته ونسوا أنهم جمعوا السحرة ووعدوهم.. وكذ بوا موسى دون أدب ول ذوق ( ف ل م ا ج اءه م ال ح ق م ن ع ند ن ا ق ال وا إ ن ه لذ ا ل س ح رٌ م ب ينٌ ) (1) بل إنهم سرعان ما اتهموا السحرة الذين آمنوا برب موسى، بعد أن كانوا أداة بأيديهم وهددوهم بالقتل، اتهموهم بأنهم ما آمنوا بموسى لأنه على حق إنما صدقوه لقوة سحره الذي أبطل سحرهم فتغلب عليهم فانقادوا له- على زعمهم - ( إ ن ه ل ك ب ير ك م ال ذ ي ع ل م ك م السِّح ر ف ل س و ف ت ع ل م ون ) (2) . وهذا عيسى عليه السلام ظهرت على يديه المعجزات ووضحت في أفعاله البينات، كل م الناس في المهد، وخلق من الطين بإذن الله الطير ، وأبرأ الأكمه والأبرص - بإذن الله- وأخرج الموتى بإذن الله، وأنزل الله تعالى - بناء على طلبهم- مائدة من السماء ومع ذلك، كان الكافرون من اليهود يكذبونه ويتهمونه بالسحر ( و ا ذ ك ف ف ت ب ن ي إ س ر ائ يل ع نك إ ذ ج ئ ت ه م ب ال ب يِّن ات ف ق ال ال ذ ين ك ف ر وا م ن ه م إ ن ه لذ ا إ ل س ح رٌ م ب ينٌ ) (1) . وهؤلء قوم صالح عليه السلام تأتيهم الناقة آيةا مبصرة يلمسونها ليل نهار، يفيدون من شرابها (1) سورة الأعراف : الآية 112. (1) سورة يونس: الآية 11. (2) سورة الشعراء : الآية 81. (1) سورة المائدة: الآية 112.

عدد الصفحات ١٠٠

101 ويرون فضلها وتكون حجة عليهم.. وكان من المفروض على ذوي العقول أن يؤمنوا بصالح عليه السلام، لكنهم يكفرون، ويقولون فيه هجر القول، ويسخرون منه.. لماذا أرسل الله بشراا مثلهم.. ونسوا أن الله أرسل إليهم رسولا منهم يقيم الحجة عليهم ، ولو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزل الله عليهم رسولا ملكاا .. فيتهمونه بالسحر.. بل يعتبرونه مسح راا .. فهو رجل مسحور!! وأنى لرجل مسحور أن يدعوهم إلى التوحيد ومكارم الأخلاق؟!!. ومن العجيب أنه كان مرجو اا عندهم صادقاا محبوباا قبل أن يكون نبياا .. فلما دعاهم إلى عبادة الله جعلوه كاذباا وشك وا في أمره .. والحقيقة أنهم ك ذ بةٌ مثلهم كمثل كلِّ من كذبوا الرسل .. بل إن الرسل جميعاا و صفوا بالسحر، وكانوا في زعم الكافرين ساحرين، ( ك ذ ل ك م ا أ ت ى ال ذ ين م ن ق ب ل ه م مِّن ر س ول إ ل ق ال وا س اح رٌ أ و م ج ن ونٌ ) (1) . ف عجب أن يت هموا الرسول عليه الصلاة والسلام بالسحر فيقولوا: ( إ ن ه ذ ا إ ل س ح رٌ م ب ينٌ ) (2) ولما رأوا القمر بإذن الله منفلقاا أعرضوا وكذبوا وقالوا : (س ح رٌ م س ت م رٌّ ) (3). وحين أكد لهم الرسول عليه الصلاة والسلام أن الله سيحاسب الكافرين يوم القيامة على كفرهم وتكذيبهم قالوا متهمين سيد البشر ( إ ن ه لذ ا إ ل س ح رٌ م ب ينٌ ) (4). وحين ذهب الوليد إليه  وعرض عليه ما عرضه قومه من م لك، ورياسة، ومال ونساء وطب فاسمعه الرسول صلى الله عليه وسلم بعض آيات من القرآن الكريم.. عاد الوليد إلى قومه، فقالوا: عاد الوليد إليكم- والله- بغير الوجه الذي ذهب به، وسألوه فقال لهم: لقد سمعت من محمد عليه الصلاة والسلام كلاماا ما هو بشعر ول كهانة، ول سحر.. فقالوا :صبا - والله- الوليد.. فأخذته العزة بالإثم، ثم فكر، وقدر، فوصل إلى جهالة، وضلالة، فقال إنه سحر، أل ترون أنه يفرق به المرء وزوجه، والأب وابنه .. "إن هذا إل سحر يؤثر. إن هذا إل قول البشر" ولو فكر ملياا وهداه الله ل ع ل م أن الذي يفرق بين الأب والبن، والزوج وزوجته إصرار أحدهما على الكفر، ودخول الآخر في دين التوحيد.. ولكن أن ى له ولأمثاله أن يتفهموا أن الولء لله وحده، وأن الناس يوم القيامة ي فصل بينهم، فمن كتب له السعادة كان من أهل الجنة، ومن كتب (1) سورة الذاريات: الآية 12. (2) سورة سبا: الآية 81. (3) سورة القمر: الآية 2. (4) سورة هود: الآية 1.

عدد الصفحات ١٠١

102 عليه الشقاء كان من أهل النار، وأنه ل أنساب يوم القيامة بين الناس. إن العقيدة هي الفيصل في التعامل في الدنيا والآخرة . وهذا ما فهمه مصعب بن عمير رضي الله عنه حين ا س ر أخوه أبو عزيز في بدر، فقال لمصعب أوص المسلم الذي أسرني بي يا أخي.. فقال مصعب للمسلم: أشدد عليه يا أخي فإن له أماا غنية تفديه.. فتعجب أبو عزيز وقال: أهذه وصاتك بي يا أخي.. قال مصعب بعزة المسلم: " صه فإنه أخي من دونك.. ". أما السحر فإن أهله ل يفلحون ( أ س ح رٌ ه لذ ا و ل ي ف ل ح الس اح ر ون ) (1) . إنه الإيمان الذي يحدد وجهة الإنسان ويدفعه إلى ركب إخوانه في العقيدة ل يعرف سواهم ول يأبه بغيرهم .. (1) سورة يونس: الآية 11.

عدد الصفحات ١٠٢

103 " الجنون " الجنون في اللغة: زوال العقل، وكل ما اشتق من (جن ) فعلٌ دل على الستتار. فالج ن ة : مأوى المؤمنين في الآخرة، ل نراها فهي مستورة عن إدراكنا البصري . الجان : مخلوقات تعيش بيننا، ل نراها . الج نين: من كان في بطن أمه، ل تراه أعيننا. الم ج ن : الترس الذي يقينا ضربات السيوف وطعنات الرماح . وجعل الكافرون للداعية العظيم محمد صلى الله عليه وسلم نصيباا من صفة الجنون، ول يضيره فالله تعالى بر أه مما قالوا: ( و م ا ص اح ب ك م ب م ج ن ون ) (1) . فتعالوا معي نستعرض افتراءات الكافرين بهذه الصفة على رسول الله صلى الله عليه وسلم . أولا : قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم : إن كان الذي يأتيك ر ئ ي ا بذلنا لك حتى تبرأ .. إذاا فالنبي- بزعمهم - يتراءى له جني ،فتختلط عليه الأمور فيتكلم بما ل يعرفون .. وهذا أمر عجيب من وجوه كثيرة منها: 1- أن كثيراا من قبائل العرب كانت تعبد الجن ( و ج ع ل وا ل ل ه ش ر ك اء ال ج ن )(1) . فكان أولى بهم أن يتبعوه صلى الله عليه وسلم لأن آلهتهم التي يعبدونها أكرمت !! محمداا !!! فهي تتراءى له. وعلى الرغم من أن هذا الزعم باطل، فرسول الله صلى الله عليه وسلم برأه الله تعالى من هذا الفتراض فقال سبحانه: ( م ا ب ص اح ب ك م مِّن ج ن ة إ ن ه و إ ل ن ذ يرٌ ل ك م ) (2) وجعلوا له قريناا من الجنِّ . 2- والجن والشياطين أعداء للبشر. هذا ما قاله أبوهم إبليس: ( ق ال ف ب ع ز ت ك لأ غ و ي ن ه م أ ج م ع ين (52 )إ ل ع ب اد ك م ن ه م ال م خ ل ص ين ) (3) فإذا كان الجن يتراءى له، فكيف يأمره بالإخلاص في (1) سورة التكوير: الآية 22. (1) سورة الأنعام: الآية 122. (2) سورة سبا: الآية 81. (3) سورة ص: الآيتان 52-53.

عدد الصفحات ١٠٣

104 عبادة الله، ومكارم الأخلاق؟ وكيف يأتيه بشريعة عظيمة، ل يأتيها الباطل من بين يديها ول خلفها، إن الرجال الذين يتعاملون مع الجن ينالهم الأذى منهم، ويصرعون، ويهرفون بما ل يعرفون ( و أ ن ه ك ان ر ج الٌ مِّن الإ نس ي ع وذ ون ب ر ج ال مِّن ال ج نِّ ف ز اد وه م ر ه قاا ) (1) ، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان على خلق عظيم شهد به الأعداء الكافرون قبل بعثته صلى الله عليه وسلم فهو الصادق الأمين. وهل يكون من يأتيه الجن كذلك؟!!. 3- ومن العجيب أنهم يقولون ( م ع ل مٌ م ج ن ونٌ ( (2) ، فهناك م ن الجن من يعلمه! أفلا سالوا أنفسهم: إن كان هذا حقاا فل م لم يأتوا بمثل هذا القرآن، وهذا العلم؟ وكثير من العرب يعبدون الجن، ولبعضهم معهم الكثير من العلائق؟! إن العرب جميعاا من القدم وحتى الآن يعجزون أن يأتوا بمثل هذا القرآن وهؤلء الجن بين أظهرنا.. أفلم يظهر- على حد زعمهم - جني فذٌّ عبقري يعلمهم ما تعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!! إنه الفتراء العظيم والكذب المبين!! إن هذا القرآن من عند خالق البشر والجان ( إ ن ا ن ح ن ن ز ل ن ا الذِّك ر و ا ن ا ل ه ل ح اف ظ ون ) (3) . لكن الكافر حين يريد التفل ت من التكليف يرمي الصادقين بما ليس فيهم، ويفتري عليهم دون إثبات، وليس لهم قدرة على الوقوف أمام الحق، لذلك تراهم يت همون رسول الله بالتعامل مع الجن وينتظرون موته ليتخلصوا منه. (إ ن ه و إ ل ر ج لٌ ب ه ج ن ةٌ ف ت ر ب ص وا ب ه ح ت ى ح ين ) (1) . بل إن الله ليفضحهم فيخرج ما في نفوسهم ويعر يهم، فهم يكرهون الحق فيؤذون صاحبه: (أ م ي ق ول ون ب ه ج ن ةٌ ب ل ج اءه م ب ال ح قِّ و أ ك ث ر ه م ل ل ح قِّ ك ار ه ون ) (2) . ثانيا: وصفوه عليه الصلاة والسلام بالجنون ( ث م ت و ل و ا ع ن ه و ق ال وا م ع ل مٌ م ج ن ونٌ ) (3) وهذا ساقط من وجوه عدة أذكر منها: ا- أن هذه الأسطوانة مكررة، سمعها الأنبياء عليهم الصلوات والسلام من كفارهم كثيراا، وليس (1) سورة الجن: الآية 1. (2) سورة الدخان: الآية 18. (3) سورةالحجر : الآية 9. (1) سورة المؤمنون: الآية 21. (2) سورة المؤمنون: الآية 12. (3) سورةالدخان : الآية 14.

عدد الصفحات ١٠٤

106 رسول الله-صلى الله عليه وسلم- بدعاا من الرسل - فهو صلى الله عليه وسلم وا خوانه الأنبياء ي صدرون عن مشكاة واحدة فلا غرو أن يصيبه ما أصابهم من تعنت الكافرين، فهذا فرعون يقول لأتباعه والأذلء م ن حوله معرضاا بموسى عليه السلام ( إ ن ر س ول ك م ال ذ ي أ ر س ل إ ل ي ك م ل م ج ن ونٌ ) (1) ولماذا يصفه إذ ذاك بالجنون؟! ولماذا- حين شعر أن ثوب الألوهية المزيف سقط عنه- رمى موسى بالجنون؟ إنه أسلوب الطغاة في كل زمان ومكان.. وما أكثر ما نراه في هذه الأيام الرديئة . حين نرى الفسقة والمجرمين ممن ي ل ون الأمور يرمون المسلمين بالس فه، وضعف العقل، وعدم مسايرة ركب الحضارة ... والجنون!!!. 2- لم نر مجنوناا جاء بعلم أو شريعة أو قاد عقلاء، إل أن يكونوا مجانين مثله، أو ل حول لهم ول قوة، بالقهر والإرهاب !!، ولم يكن المجنون يوماا من الأيام صاحب مبدأ.. فالمبدأ في العقل، وأين منه العقل؟!! إنك تراه مرة يضحك دون سبب ويبكي دون سبب، يفعل بنفسه ما ل يفعله به العدو، ل وقار له ول حلم، سقطت عنه التكاليف فلا يسأل عما يفعل.. ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مجنوناا - وحاشاه ثم حاشاه- ما جاءوا إليه يعرضون المال، والرياسة، والنساء، والملك .. فالمجنون على حد زعمهم ل يخشى منه فلماذا يخشون من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟.. إنهم يكذبون ويكذبون، ويسيئون ويؤذون.. كي يتخلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دعوته، ويتركهم يعيشون على هواهم كما تعيش الأنعام ،لكنه رسول.. والرسول عليه أن يدعو إلى الله ويتحمل أذى المشركين ( ف ذ كِّر ف م ا أ نت ب ن ع م ت ر بِّك ب ك اه ن و ل م ج ن ون ) (1) . ويصرون على أنه مجنون ،وينظرون إليه صلى الله عليه وسلم بغضب ويتمنون انزلقه وسقوطه ويأبى الله إل أن يرفع شانه. ( و ا ن ي ك اد ال ذ ين ك ف ر وا ل ي ز ل ق ون ك ب أ ب ص ار ه م ل م ا س م ع وا الذِّك ر و ي ق ول ون إ ن ه ل م ج ن ونٌ (61 )و م ا ه و إ ل ذ ك رٌ لِّل ع ال م ين ) (2) . 3- لم يسمع التاريخ بمجنون هو عند قومه الصادق الأمين، يودعون عنده الودائع، ويستشيرونه في ملمات الأمور،ويعتبرونه في الذروة من الشرف فيهم ويقر ون بفضله، وي ح كِّ مونه فيهم (رفع الحجر الأسود)ويزوجونه خير نسائهم، صل ى الله عليه وسل م. (1) سورة الشعراء : الآية 21. (1) سورة الطور: الآية 21. (2) سورة القلم: الآيتان 11، 12.

عدد الصفحات ١٠٥

105 سورة يس [ الآيتان 7، 5] (ل ق د ح ق ال ق و ل ع ل ى أ ك ث ر ه م ف ه م ل ي ؤ م ن ون (7 )إ ن ا ج ع ل ن ا ف ي أ ع ن اق ه م أ غ لا لا ف ه ي إ ل ى الأ ذ ق ان ف ه م م ق م ح ون ) . كلما قرأت قوله تعالى: ( و الل ه ي ع ص م ك م ن الن اس إ ن الل ه ل ي ه د ي ال ق و م ال ك اف ر ين ) (1) شعرت كأن القلب ن ب ض سريعاا وتفتحت مساماته، فدخلته النسائم الباردة المنعشة ثم تحرك واضطرب نشوان ، فلا يهدأ حتى يحس أنه ضم بين جوانحه حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك الداعية القدوة الذي أوذي في الله، ومكر أعداء الله به فحماه الله تعالى وعصمه من الناس. ن ز ل ت: ( إ ن ا ج ع ل ن ا ف ي أ ع ن اق ه م أ غ لا لا ) في أبي جهل وصاحبيه المخزوميين- كما قيل- وذلك أن أبا جهل حلف :لئن رأى رسول الله ليرضخن رأسه بحجر، فلما رآه رفع حجراا ليرميه، فلما أومأ إليه رجعت يده إلى عنقه،والتصق الحجر بيده(قاله ابن عباس وعكرمة وغيرهما ) فهو بمنزلة من غ لت يده إلى عنقه، فلما عاد إلى أصحابه أخبرهم بما جرى له. فقال الرجل الثاني- الوليد بن المغيرة - أنا أرضخ رأسه، فأتاه وهو يصلي ليرميه، فأعمى الله بصره، فجعل يسمع صوته ول يراه، فرجع إلى أصحابه ،فلم يرهم حتى ناد وه، فقال: والله ما رأيته ولكن سمعت صوته. فقال الثالث: والله لأشرخن أنا رأسه، ثم أخذ الحجر وانطلق، فرجع القهقرى ينكص على عقبيه حتى خر على قفاه مغشياا عليه. فقيل له: ما شأنك؟ قال: شأني عظيم، رأيت الرجل، فلما دنوت منه، وا ذا ف ح لٌ يخطر بذ ن به، ما رأيت فحلاا قط أعظم منه، حال بيني وبينه، فواللات والعزى لو دنوت منه لأكلني، وكان فعلهم هذا سبباا في ضلالهم في الدنيا وعذابهم في الآخرة . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتصم بقراءة القرآن، ومنه ( و ا ذ ا ق ر أ ت ال ق رآن ج ع ل ن ا ب ي ن ك و ب ي ن ال ذ ين ل ي ؤ م ن ون ب الآخ ر ة ح ج اباا م س ت وراا ) (1) . (1) سورة الفرقان: الآية 11. (1) سورة الِِسراء : الآية 81.

عدد الصفحات ١٠٦

107 وقد نزلت هذه الآية في "أم جميل " زوجة أبي لهب. روت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قال: لما نزلت سورة " تبت يدا أبي لهب وتب.. " أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان بن حرب، ولها ولولة، وفي يدها فهر (حجر) وهي تقول: مذم ماا عصينا، وأمر ه أب ي نا، ودين ه ق ل ي نا. والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد في المسجد، ومعه أبو بكر رضي الله عنه، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله، لقد أقب لت ، وأنا أخاف أن تراك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنها لن تراني، وقرأ : "وا ذا قرأت القرآن ..." فوقفت على أبي بكر رضي الله عنه، ولم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت: يا أبا بكر أ خب رت أن صاحبك هجاني! فقال: ل ورب هذا البيت ما هجاك، قال: فول ت وهي تقول: قد علمت قريش أني ابنة سيدها وفي رواية أن أبا بكر رضي الله عنه قال: لو تنحيت عنها لئلا ت سمعك ما يؤذيك، فإنها امرأة بذي ة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "إنه سيحال بيني وبينها " فلم تره .. فقال الصديق: يا رسول الله أما رأتك؟ قال: ل، ما زل ملكٌ بيني وبينها يسترني حتى ذهبت. قال كعب رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستتر من المشركين بثلاث آيات: 1- الآية التي في الكهف: ( إ ن ا ج ع ل ن ا ع ل ى ق ل وب ه م أ ك ن ةا أ ن ي ف ق ه وه و ف ي آذ ان ه م و ق راا ) (1) . 2- والآية التي في النحل: ( أ ول لئ ك ال ذ ين ط ب ع الل ه ع ل ى ق ل وب ه م و س م ع ه م و أ ب ص ار ه م و أ ول لئ ك ه م ال غ اف ل ون ) (2) . 3- والآية التي في الجاثية: ( أ ف ر أ ي ت م ن ات خ ذ إ ل ه ه ه و اه و أ ض ل ه الل ه ع ل ى ع ل م و خ ت م ع ل ى س م ع ه و ق ل ب ه و ج ع ل ع ل ى ب ص ر ه غ ش او ةا ) (3). هذا بالإضافة إلى هاتين الآيتين من سورة يس، فقد ذكرت السيرة في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ومقام علي رضي الله عنه في فراشه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وأخذ يقرأ هاتين الآيتين و أخذ حفنة من تراب ذر ها في وجوه القوم الذين أحاطوا ببيته صلى الله عليه وسلم (1) سورة الكهف: الآية 11. (2) سورة النحل: الآية 124. (3) سورة الجاثية: الآية 21.

عدد الصفحات ١٠٧

105 يريدون قتله، فلم يدروا بخروجه ولم يبق رجل إل وقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسه ترابا ثم انصرف إلى حيث أراد أن ينصرف . وقد ذكر القرطبي في تفسيره قال: ولقد اتفق لي ببلادنا الأندلس بحصن "منثور" من أعمال قرطبة مثل هذا، وذلك أني هربت أمام العدو، وانحزت إلى ناحية عنه، فلم ألبث أن خرج في طلبي فارسان، وأنا في فضاء من الأرض قاعدٌ ليس يسترني عنهما شيء، وأنا أقرأ أول سورة يس، وغير ذلك من القرآن، فعبرا علي، ثم رجعا من حيث جاءا، وأحدهما يقول للآخر: هذا شيطان!، وأعمى الله أبصارهما فلم يرياني، والحمد لله حمداا كثيراا على ذلك. ما مر تبيان للحفظ عن الرؤية البصرية.. فماذا عن الرؤية القلبية؟ الحقيقة أن الرؤية البصرية إذا ضعفت أو تلاشت فإنما هي نتاج لنعدام الرؤية القلبية.. فالإنسان حين ينعدم النور من قلبه ويتلاشى الإيمان من فؤاده ول يرى إل أهواءه، وأهواءه فقط، فكأنما صف دته أهواؤه في يديه ،وأحاطت عنقه فحصرته في مجال واحد .. الغل يرفع ذقنه فيرتفع وجهه، فيعشي النور بصره، فيغمض عينيه ل يرى من جمال الحق شيئاا، منظره الخارجي منظر الذي يرفع رأسه استكباراا، وا غماض عينيه عن النور تعبيرٌ عن الترفع عن الإيمان والإعراض عنه، ثم يوضع أمامه سدٌّ فيمنع عنه الضياء، وخلفه سدٌّ فيمنعه عنه النور.. فإذا هو في ظلام يحوطه من الجهات ،فلا يرى الحق فينكفئ إلى ظلمات جهله، ي ه ي م فيها ل يلوي على شيء. هكذا يعيش الكفار.. ل أمل، ل هدف سامياا، حياة كلها شقاء، وبؤس، إنهم يظنون إنهم على هدى.. لماذا؟ لأن الكبر والعناد يمنع صاحبه التفكير والبحث عن الحقيقة.. فيظن الخير في نفسه وهو في الواقع يتخبط في ضلال الكفر وظلام الشرك ..

عدد الصفحات ١٠٨

109 سورة الز خر ف [ الآيتان 31- 32] (و ق ال وا ل و ل ن زِّل ه ذ ا ال ق ر آن ع ل ى ر ج ل مِّن ال ق ر ي ت ي ن ع ظ يم 31) أ ه م ي ق س م ون ر ح م ة ر بِّك ن ح ن ق س م ن ا ب ي ن ه م م ع يش ت ه م ف ي ال ح ي اة الد ن ي ا و ر ف ع ن ا ب ع ض ه م ف و ق ب ع ض د ر ج ات ل ي ت خ ذ ب ع ض ه م ب ع ضاا س خ ر ي اا و ر ح م ت ر بِّك خ ي رٌ مِّم ا ي ج م ع ون ). رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذؤابة من بني هاشم، وبنو هاشم الذؤابة من قريش. وقريش سيدة العرب، وأهل البيت والحرم، فهو عليه الصلاة والسلام معروف بكريم المحتد وشرف الأصل. لكنه صلى الله عليه وسلم لم يكن رئيس قبيلة أو زعيم عشيرة، فما الذي يجعله نبياا وما الذي جعله أهلاا لأن يكون رسولا لله أفليس هناك رؤساء للقبائل والعشائر أكثر نفوذاا وأموالا؟!! فلماذا ل يكونون أكثر أهلية للرسالة.؟ هذا الوليد بن المغيرة في مكة يملك المال الوفير، ويسي ر القوافل لتجارته الخاصة في كثير من الأحيان، و هو أكبر عمراا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وله من الأولد عدد كبير، يسمع الجميع كلمته، إن دعا الناس إلى الرسالة الجديدة أجابوه، وا ذا تكلم أنصتوا له، زعيم عشيرته، يأمر فيطاع ،وينهى فيمتنع الناس. إذا دخل قام الناس، وا ن جلس جلسوا.. يعرف الشعر.. مط لع على الكهانة، يحسب أهل قريش كلهم حسابه فهو رأس بني مخزوم.. والكل يعرف من بنو مخزوم؟!! وهذا عروة بن مسعود الثقفي من بني ثقيف. أهل الطائف، له من المكانة، والأثر بين قبيلته ما للوليد بن المغيرة في مكة، وكلاهما يشار إليه بالبنان، وترنو إليه العيون، ف ل م ل م يكن أحدهما النبي؟! ولماذا خص الله ابن عبد الله بن عبد المطلب بها؟.. تساؤلت كثيرة تخطر على عقول أهل مكة، وتحوم حول قلوبهم.. لكن الرسالة التي يريدها الله أن تصل إلى الناس تحتاج إلى إنسان له صفات غير هذه الصفات، تحتاج إلى عقل مستنير، وقلب كبير، وا يمان عميق، وا خلاص متفان ، وتحم ل للأعباء. تحتاج إلى جل د وصبر وا نسان سار منذ الصغر على درب نظيف، ل يعرف مفاسد المجتمع، ر بِّي على حب الفضيلة، وعشق

عدد الصفحات ١٠٩

110 المثل العليا، وكره سفساف الأمور. تحتاج إلى رجل يسمو فوق الشهوات ويعمل على انتشال البشرية من وهدة الضلال، وقيادتها إلى ميزان الفضائل... ل تحتاج إلى مال وفير، ول عشيرة كبيرة، فالإيمان ل تفرضه القوة ول تدفع عنه الأحساب. و الإيمان يحتاج إلى رسوخ في العقيدة وتصديق لها في العمل، وطهارة في النفس وبذل ل حدود له، ولكن حسب الستطاعة.. ولماذا تكون النبوة في أولئك؟ ولم يبلغوا من الط ه ر والصدق والمناقب ما يؤهلهم لذلك.. والدين الذي يريده الله سبحانه وتعالى لإصلاح البشرية، يختار الله له من يشاء من عباده الذين يحملون ق ي ماا ترضى عنها السماء، ل علاقة لها بقيم الناس المتواضع عليها في الأرض، وليتهم يعرفون ذلك من قصة اختيار أحد أنبياء بني إسرائيل طالوت ملكاا، فاعترض الناس بقيمهم الأرضية على هذا الختيار ( أ ن ى ي ك ون ل ه ال م ل ك ع ل ي ن ا و ن ح ن أ ح ق ب ال م ل ك م ن ه و ل م ي ؤ ت س ع ةا مِّن ال م ال ) (1) ؟ فهم بقيمهم الأرضية أحق بالملك منه..!! لماذا... هو من طبقة يرون أنهم أفضل منها.. وهناك عامل آخر.. إنه المال. .. المال الذي تخضع له رقاب الضعفاء من الناس، وما أكثر هم؟!! فنبههم الله تعالى إلى أنه صاحب الدين وهو الذي يختار من يراه مناسباا لحمل رسالت ه ( إ ن الل ه اص ط ف اه ع ل ي ك م و ز اد ه ب س ط ةا ف ي ال ع ل م و ال ج س م و الل ه ي ؤ ت ي م ل ك ه م ن ي ش اء و الل ه و اس عٌ ع ل يمٌ ) (2). ففي طالوت صفتان مناسبتان (القوة والعلم ) ومن حازهما كان أهلاا لحمل الأمانة.. ثم إنهم بشر ل يملكون لأنفسهم شيئاا ، بل ل يملكون أنفسهم، فالله خلقهم ورزقهم، وقد ر أقواتهم، وأعطاهم ما يشاء، ومنع عنهم ما شاء.. فليس لهم الخيار في كل هذه الأمور.. ومع ذلك فهم يتناس و ن كل نقصهم وضعفهم، ويتناسون مكانتهم ويسألون بوقاحة: ل م كانت النبوة للرسول عليه الصلاة والسلام!!! إن الرسالة رحمة لصاحبها أولا، ولمن حوله ثانياا .. أما الرسول عليه الصلاة والسلام فلم يكن إل رحمته للعالمين. فكان اختياره - سبحانه وتعالى- للرسول محمد- صلى الله عليه وسلم اختيار تزكية، واختيار تعليم، اختاره بعد أن ج ب ل ه على حسن القيام بهذه المهمة العظيمة.. وكان أهلاا لها . (1) سورة البقرة : الآية 281. (2) سورة البقرة : الآية 281.

عدد الصفحات ١١٠

111 ورحم الله شوقي فقد وضع في أبياته هذه الملح على الجرح . فكان بيانه بلسماا للجروح وعبيراا للقلوب: حسدوا، فقالوا: شاعر أو ساحر ومن الحسود يكون الستهزاء جرت الفصاحة من ينابيع النهى من دوحه، وتفجر الإنشاء في بحره للسابحين به على أدب الحياة وعلمها إرساء الله هيأ من حظيرة قدسه نزلا لذاتك لم يج زه علاء العرش تحتك سدةا وقوائماا ومناكب الروح الأمين وطاء والرسل دون العرش لم يؤذن لهم حاشا لغيرك موعدٌ ولقاء

عدد الصفحات ١١١

112 سورة الح ج رات [ الآيات 1- 6 ] (ي ا أ ي ه ا ال ذ ين آم ن وا ل ت ق دِّم وا ب ي ن ي د ي الل ه و ر س ول ه و ات ق وا الل ه إ ن الل ه س م يعٌ ع ل يمٌ (1 )ي ا أ ي ه ا ال ذ ين آم ن وا ل ت ر ف ع وا أ ص و ات ك م ف و ق ص و ت الن ب يِّ و ل ت ج ه ر وا ل ه ب ال ق و ل ك ج ه ر ب ع ض ك م ل ب ع ض أ ن ت ح ب ط أ ع م ال ك م و أ نت م ل ت ش ع ر ون (2 )إ ن ال ذ ين ي غ ض ون أ ص و ات ه م ع ند ر س ول الل ه أ و ل ئ ك ال ذ ين ام ت ح ن الل ه ق ل وب ه م ل لت ق و ى ل ه م م غ ف ر ةٌ و أ ج رٌ ع ظ يمٌ (3 )إ ن ال ذ ين ي ن اد ون ك م ن و ر اء ال ح ج ر ات أ ك ث ر ه م ل ي ع ق ل ون (4 )و ل و أ ن ه م ص ب ر وا ح ت ى ت خ ر ج إ ل ي ه م ل ك ان خ ي راا ل ه م و الل ه غ ف ورٌ ر ح يمٌ ) يقول الأستاذ الشهيد سيد قطب في ظلال القرآن الجزء السادس والعشرين، متحدثاا في هذا الأدب العظيم الذي يجب أن يكونه المسلم في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم: تبدأ السورة بأول نداء حبيب، وأول استجاشة للقلوب: ( ي ا أ ي ه ا ال ذ ين آم ن وا ) نداءٌ من الله للذين آمنوا به بالغيب. واستجاشة لقلوبهم بالصفة التي تربطهم به، وتشعرهم بأنهم له، وأنهم يحملون شارته، وأنهم في هذا الكوكب عبيده وجنوده، وأنهم هنا لأمر يقد ره ويريده، وأنه حب ب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم اختياراا لهم ومن ةٌ عليهم، فأولى لهم أن يقفوا حيث أراد لهم أن يكونوا، وأن يقفوا بين يدي الله موقف المنتظر لقضائه وتوجيهه في نفسه وفي غيره، يفعل ما يؤمر ويرضى بما يقسم، ويسلم ويستلم: ( ي ا أ ي ه ا ال ذ ين آم ن وا ل ت ق دِّم وا ب ي ن ي د ي الل ه و ر س ول ه و ات ق وا الل ه إ ن الل ه س م يعٌ ع ل يمٌ ) يا أيها الذين آمنوا، ل تقترحوا على الله ورسوله اقتراحاا، ل في خاصة أنفسكم، ول في أمور الحياة من حولكم. ول تقولوا في أمر قبل قول الله فيه على لسان رسوله، ول تقضوا في أمر ل ترجعون فيه إلى قول الله وقول رسوله . قال قتادة: ذ ك ر لنا أن ناساا كانوا يقولون: لو أنزل في كذا كذا. لو صح كذا. فكره الله تعالى ذلك. وقال العوفي: نهوا أن يتكملوا بين يديه، وقال مجاهد: ل تفتاتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء حتى يقضي الله تعالى على لسانه. وقال الضاحك: ل تقضوا أمراا دون الله ورسوله من شرائع دينكم. وقال علي بن عباس رضي الله عنهما: ل تقولوا خلاف الكتاب والسنة.

عدد الصفحات ١١٢