51 وأم رومان زوج الصديق رضي الله عنهما وهي تتماسك أمام ابنتها المفجوعة في كل شيء. المريضة التي تبكي حتى تظن أن البكاء فالقٌ كب دها: يا بنية هوِّ ني على نفسك الشأن، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إل أكثرن عليها.. ولكن هذا التماسك يتزايل وعائشة تقول لها: أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقول كما قال زوجها من قبل: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم! . والرجل المسلم الطيب الطاهر المجاهد في سبيل الله صفوان بن المعطل. وهو يرمى بخيانة نبيه في زوجه. في رمى بذلك في إسلامه، وفي أمانته، وفي شرفه، وفي حميته. وفي كل ما يعتز به صحابي، وهو من ذلك كله بريء . وهو يفاجأ بالتهام الظالم وقلب ه بريء من تصوره، فيقول: سبحان الله! والله ما كشفت كتف أنثى قط. ويعلم أن حسان بن ثابت يروج لهذا الإفك عنه، فلا يملك نفسه أن يضربه بالسيف على رأسه ضربة تكاد تودي به. ودافعه إلى رفع سيفه على امرئ مسلم، وهو منه يٌّ عنه، أن الألم قد تجاوز طاقته، فلم يملك زمام نفسه الجريح !. ثم ها هو ذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رسول الله، وهو في الذروة من بني هاشم.. ها هو ذا ي رمى في بيته. وفي من؟ في عائشة التي حل ت من قلبه في مكان البنة والزوج والحبيبة. وها هو ذا ي رمى في طهارة فراشه، وهو الطاهر الذي تفيض منه الطهارة . وها هو ذا ي رمى في صيانة حرمته، وهو القائم على الحرامات في أمته. وها هو ذا ي رمى في حياطة ربه له، وهو الرسول المعصوم من كل سوء. ها هو صلى الله عليه وسلم ي رمى في كل شيء حين يرمى في عائشة رضي الله عنها، يرمى في فراشه وع رضه، وقلبه ورسالته. يرمى في كل ما يعتز به عربي، وكل ما يعتز به نبي.. هاهو ذا يرمى في هذا كله؛ ويتحدث الناس به في المدينة شهراا كاملاا، فلا يملك أن يضع لهذا كل ه حداا . والله يريد لحكمة يراها أن يدع هذا الأمر شهراا كاملاا ل يبين فيه بياناا . ومحمد الإنسان يعاني ما يعانيه الإنسان في هذا الموقف الأليم. يعاني من العار، ويعاني فجيعة القلب؛ ويعاني فوق ذلك الوحشة المؤرقة . الوحشة من نور الله الذي اعتاد أن ينير له الطريق .. والشك يعمل في قلبه مع وجود القرائن الكثيرة على براءة أهله، ولكنه ل يطمئن نهائياا إلى هذه القرائن ،والفرية تفوح في المدينة، وقلبه الإنساني المحب لزوجه الصغيرة يتعذب بالشك؛ فلا يملك أن يطرد الشك. لأنه في النهاية بشر، ينفعل في هذا انفعالت البشر. وزوج ل يطيق أن يمس فراشه . ورجل تتضخم بذرة الشك في قلبه متى استقرت، ويصعب عليه اقتلاعها دون دليل حاسم. وها هو ذا يثقل عليه العبء وحده، فيبعث إلى أسامة بن زيد. حبه القريب إلى قلبه.. ويبعث إلى علي بن أبي طالب. ابن عمه وسنده. يستشيرهما في خاصة أمره . فأما علي فهو من
عدد الصفحات ٨١52 عصب محمد، وهو شديد الحساسية بالموقف لهذا السبب. ثم هو شديد الحساسية بالألم والقلق اللذين يعتصران قلب محمد، ابن عمه وكافله ،فهو يشير بان الله لم يضيق عليه. ويشير مع هذا بالتثبت من الجارية ليطمئن قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستقر على قرار . وأما أسامة فيدرك ما بقلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الود لأهله، والتعب لخاطر الفراق، فيشير بما يعلمه من طهارة أم المؤمنين، وكذب المفترين الأفاكين. ورسول الله في لهفة الإنسان، وفي قلق الإنسان يستمد من حديث أسامة، ومن شهادة الجارية مدداا وقوة يواجه بهما القوم في المسجد، فيستعذر ممن نالوا عرضه، ورموا أهله، ورموا رجلاا من فضلاء المسلمين ل يعلم أحد عليه من سوء. فيقع بين الأوس والخزرج ما يقع من تناور وهم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدل هذا على الجو الذي كان يظلل الجماعة المسلمة في هذه الفترة الغريبة، وقد خ د شت قداسة القيادة. ويحز هذا في نفس الرسولصلى الله عليه وسلم، والنور الذي اعتاد أن يسعفه ل ينير له الطريق ! فإذا هو يذهب إلى عائشة نفسها، يصارحها بما يقول الناس؟ ويطلب منها هي البيان الشافي المريح ! وعندما تصل الآلم إلى ذروتها على هذا النحو يتعطف عليه ربه، فيتنزل القرآن ببراءة عائشة الصديقة الطاهرة؟ وبراءة بيت النبوة الطيب الرفيع؛ ويكشف المنافقين الذين حاكوا هذا الإفك، ويرسم الطريق المستقيم للجماعة المسلمة في مواجهة مثل هذا الشأن العظيم. ولقد قالت عائشة عن هذا القرآن الذي تنزل: " وأنا والله أعلم حينئذ أني بريئة، وأن الله تعالى مبرئى ببراءتي . ولكني والله ما كنت أظن أن ينزل الله تعالى في شأني وحياا يتلى. ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى. ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله تعالى بها ".. ولكن الأمر- كما يبدو من ذلك الستعراض - لم يكن أمر عائشة رضي الله عنها، ول قاصراا على شخصها. فلقد تجاوزها شخص الرسول صلى الله عليه وسلم ووظيفته في الجماعة يومها. بل تجاوز إلى صلته بربه ورسالته كلها. وما كان حديث الإفك رمية لعائشة وحدها، إنما كان رمية للعقيدة في شخص نبيها وبانيها.. من أجل ذلك أنزل الله القرآن ليفصل في القضية المبتدعة، ويرد المكيدة المدبرة، ويتولى المعركة الدائرة ضد الإسلام ورسول الإسلام؛ عن الحكمة العليا وراء ذلك كله؛ وما يعلمها إل الله:
عدد الصفحات ٨٢53 (إ ن ال ذ ين ج اؤ وا ب الإ ف ك ع ص ب ةٌ مِّنك م ل ت ح س ب وه ش ر اا ل ك م ب ل ه و خ ي رٌ ل ك م ل ك لِّ ام ر ئ مِّن ه م م ا اك ت س ب م ن الإ ث م و ال ذ ي ت و ل ى ك ب ر ه م ن ه م ل ه ع ذ ابٌ ع ظ يم)ٌ (1) . فهم ليسوا فرداا ول أفراداا إنما هم " عصبة " متجمعة ذات هدف واحد. ولم يكن عبد الله بن أبي بن سلول وحده هو الذي ذلك أطلق الإفك. إنما هو الذي تولى معظمه. وهو يمثل عصبة اليهود أو المنافقين، الذين عجزوا عن حرب الإسلام جهرة؛ فتواروا وراء ستار الإسلام ليكيدوا للإسلام خفية. وكان حديث الإفك إحدى مكائدهم القاتلة. ثم خدع فيها المسلمون فخاض منهم من خاض في حديث الإفك كحمنة بنت جحش؛ وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة. أما أصل التدبير فكان عند تلك العصبة، وعلى رأسها ابن سلول، الحذر الماكر، الذي لم يظهر بشخصه في المعركة . ولم يقل علانية ما يؤخذ به، فيقاد إلى الحد. إنما كان يهمس به بين ملئه الذين يطمئن إليهم، ول يشهدون عليه. وكان التدبير من المهارة والخبث بحيث أمكن أن ت رج ف به المدينة شهراا كاملاا، وأن تتداوله الألسنة في أطهر بيئة وأتقاها !. وقد بدأ السياق ببيان تلك الحقيقة ليكشف عن ضخامة الحادث، وعمق جذوره، وما وراءه من عصبة تكيد للإسلام والمسلمين هذا الكيد الدقيق العميق اللئيم. ثم سارع بتطمين المسلمين من عاقبة هذا الكيد: ( ل ت ح س ب وه ش ر اا ل ك م ب ل ه و خ ي رٌ ل ك م ) (1) . خيرٌ.. فهو يكشف عن الكائدين للإسلام في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته. وهو يكشف للجماعة المسلمة عن ضرورة تحريم القذف، وأخذ القاذفين بالحد الذي فرضه الله؛ ويبين مدى الأخطار التي تحيق بالجماعة لو أطلقت فيها الألسنة تقذف المحصنات الغافلات المؤمنات. فهي عندئذ ل تقف عند حد . إنما تمضي صعداا إلى أشرف المقامات، وتتطاول إلى أعلى الهامات، وتعدم الجماعة كل وقاية وكل تحرج وكل حياء. وهو خير أن يكشف الله للجماعة المسلمة بهذه المناسبة عن المنهج القويم في مواجهة مثل هذا الأمر العظيم. أما الآلم التي عاناها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته والجماعة المسلمة كلها، فهي ثمن تجربة، وضريبة البتلاء، الواجبة الأداء !. أما الذين خاضوا في الإفك، فلكل منهم بقدر نصيبه من تلك الخطيئة: ( ل ك لِّ ام ر ئ مِّن ه م م ا اك ت س ب م ن ..) ولكل منهم نصيبه من سوء (1) سورة النور: الآية 11. (1) سورة النور: الآية 11.
عدد الصفحات ٨٣54 العاقبة عند الله. ما اكتسبوا، فهو إثم يعاقبون عليه في حياتهم الدنيا وحياتهم الأخرى ( الإ ث م و ال ذ ي ت و ل ى ك ب ر ه م ن ه م ل ه ع ذ ابٌ ع ظ يم)ٌ (1) يناسب نصيبه من ذلك الجرم العظيم. والذي تولى ك ب ر ه ، وقاد حملته، واضطلع منه بالنصيب الأوفى، كان هو عبد الله بن أبي بن سلول. رأس النفاق، وحامل لواء الكيد. ولقد عرف كيف يختار مقتلاا، لول أن الله كان من ورائه محيطاا، وكان لدينه حافظاا، ولرسوله عاصماا، وللجماعة المسلمة راعياا .. ولقد روي أنه لما مر صفوان بن المعطل بهودج أم المؤمنين وابن سلول في ملأ من قومه قال: من هذه؟ فقالوا: عائشة رضي الله عنها.. فقال: والله ما نجت منه ول نجا منها. وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت؛ ثم جاء يقودها!. وهي قولة خبيثة راح يذيعها عن طريق عصبة النفاق بوسائل ملتوية. بلغ من خبثها أن تموج المدينة من الفرية التي ل تصدق، والتي تكذبها القرائن كلها. وأن تلوكها ألسنة المسلمين غير متحرجين . وأن تصبح موضوع أحاديثهم شهراا كاملاا . وهي الفرية الجديرة بان تنفى وتستبعد للوهلة الأولى. وا ن الإنسان ليدهش حتى اليوم كيف أمكن أن تروج فرية ساقطة كهذه في جو الجماعة المسلمة. حينذاك، وأن تحدث هذه الآثار الضخمة في جسم الجماعة، وتسبب هذه الآلم القاسية لأطهر النفوس وأكبرها على الإطلاق!. لقد كانت معركة خاضها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخاضتها الجماعة المسلمة يومذاك. وخاضها الإسلام معركةا ضخمة لعلها أضخم المعارك التي خاضها رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج منها منتصراا كاظماا لآلمه الكبار، محتفظاا بوقار نفسه وعظمة قلبه وجميل صبره . فلم تؤثر عنه كلمة واحدة تدل على نفاد صبره وضعف احتماله. والآلم التي تناوشه لعلها أعظم الآلم التي مرت به في حياته. والخطر على الإسلام من تلك الفرية من أشد الأخطار التي تعرض لها تاريخه . ولو استشار كل مسلم قلب ه يومها لأفتاه؛ ولو عاد إلى منطق الفطرة لهداه. والقرآن الكريم يوجه المسلمين إلى هذا النهج في مواجهة الأمور، بوصفه أول خطوة في الحكم عليها: ( ل و ل إ ذ س م ع ت م وه ظ ن ال م ؤ م ن ون و ال م ؤ م ن ات ب أ نف س ه م خ ي راا و ق ال وا ه ذ ا إ ف كٌ م ب ينٌ ) (1) . نعم كان هذا هو الأولى.. أن يظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراا . وأن يستبعدوا سقوط أنفسهم في ظل هذا الحمأة.. وامرأة نبيهم الطاهرة وأخوهم الصحابي المجاهد هما من أنفسهم. (1) سورة النور: الآية 11. (1) سورة النور: الآية 12.
عدد الصفحات ٨٤56 فظن الخير بهما أولى. لكن ما ل يليق بهم ل يليق بزوج رسول الله ول يليق بصاحبه الذي لم يعلم عنه إل خيراا .. كذلك فعل أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري وامرأته رضي الله عنهما كما روى الإمام محمد بن إسحاق: أن أبا أيوب قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة رضي الله عنها؟ قال: نعم. وذلك الكذب . أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: ل والله ما كانت لأفعله. قال فعائشة والله خير منك.. ونقل الإمام محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره : " الكشاف " أن أبا أيوب الأنصاري قال لأم أيوب: أل ترين ما يقال؟ فقالت: لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم سوءاا؟ قال: ل. قالت: ولو وكنت أنا بدل عائشة رضي الله عنها ما خنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعائشة خير مني، وصفوان خير منك.. وكلتا الروايتين تدلن على أن بعض المسلمين رجع إلى نفسه واستفتى قلبه، فاستبعد أن يقع ما نسب إلى عائشة، وما نسب إلى رجل من المسلمين: من معصية لله وخيانة لرسوله، وارتكاس في حمأة الفاحشة، لمجرد شبهة ل تقف للمناقشة!. هذه هي الخطوة الأولى في المنهج الذي يفرضه القرآن لمواجهة الأمور. خطوة الدليل الباطني الوجداني. فأما الخطوة الثانية فهي طلب الدليل الخارجي والبرهان الواقعي : ( ل و ل ج اؤ وا ع ل ي ه ب أ ر ب ع ة ش ه د اء ف إ ذ ل م ي أ ت وا ب الش ه د اء ف أ و ل ئ ك ع ند الل ه ه م ال ك اذ ب ون ) (1) وهذه الفرية الضخمة التي تتناول أعلى المقامات، وأطهر الأعراض، ما كان ينبغي أن تمر هكذا سهلة هينة؛ وأن تشيع هكذا دون تثبت ول بينة؛ وأن تتقاذفها الألسنة وتلوكها الأفواه دون شاهد ول دليل: " لول جاءوا عليه بأربعة شهداء! " وهم لم يفعلوا فهم كاذبون إذن. كاذبون عند الله الذي ل ي بد ل القول لديه، والذي ل يتغير حكمه، ول يتبدل قراره . فهي الوصمة الثابتة الصادقة الدائمة التي ل براءة لهم منها، ول نجاة لهم من عقابها. هاتان الخطوتان: خطوة عرض الأمر على القلب واستفتاء الضمير. وخطوة التثبت بالبينة والدليل غف ل عنهما المؤمنون في حادث الإفك؛ وتركوا الخائضين يخوضون في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أمر عظيم لول لطف الله لمس الجماعة كلها البلاء العظيم. فالله يحذرهم أن يعودوا لمثله أبداا بعد هذا الدرس الأليم: ( ل و ل ج اؤ وا ع ل ي ه ب أ ر ب ع ة ش ه د اء ف إ ذ ل م ي أ ت وا ب الش ه د اء ف أ و ل ئ ك ع ند الل ه ه م ال ك اذ ب و ن ) (1) . (1) سورة النور: الآية 11.
عدد الصفحات ٨٥55 لقد احتسبها الله للجماعة المسلمة الناشئة درساا قاسياا . فأدركهم بفضله ورحمته ولم يمسهم بعقابه وعذابه. فهي فعلة تستحق العذاب العظيم. الذي يتناسب مع العذاب الذي سببوه للرسول صلى الله عليه وسلم وزوجه وصديقه وصاحبه الذي ل يعلم عليه إل خيراا . والعذاب الذي يتناسب مع الشر الذي ذاع في الجماعة المسلمة وشاع؛ ومس كل المقدسات التي تقوم عليها حياة الجماعة، والعذاب الذي يناسب خبث الكيد الذي كادته عصبة المنافقين للعقيدة لتقتلعها من جذورها حين تزلزل ثقة المؤمنين بربهم ونبيهم وأنفسهم طوال شهر كامل، حافل بالقلق والقلقلة والحيرة بلا يقين! ولكن فضل الله تدارك الجماعة الناشئة، ورحمته شملت المخطئين، بعد الدرس الأليم. والقرآن يرسم صورة لتلك الفترة التي أفلت فيها الزمام؛ واختلت فيها المقاييس، واضطربت فيها القيم، وضاعت فيها الأصول: ( إ ذ ت ل ق و ن ه ب أ ل س ن ت ك م و ت ق ول ون ب أ ف و اه ك م م ا ل ي س ل ك م ب ه ع ل مٌ و ت ح س ب ون ه ه يِّناا و ه و ع ند الل ه ع ظ يمٌ ) (1) وهي صورة فيها الخفة والستهتار وقلة التحرج، وتناول أعظم الأمور وأخطرها بلا مبالة ول اهتمام:" إذ تلقونه بألسنتكم "، (لسان يتلقى عن لسان) بلا تدبر ول فحص ول إنعام نظر. حتى لكأن القول ل يمر على الآذان، ول تتملاه الرؤوس، ول تتدبره القلوب! "وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ".. بأفواهكم ل بوع ي كم ول بقلبكم. إنما هي كلمات تقذف بها افواه، قبل أن تستقر في المدارك، وقبل أن تتلقاها العقول.. " وتحسبونه هيناا " أن تقذفوا عرض رسول الله، وأن تدعوا الألم يعصر قلبه وقلب زوجه وأهله؛ وأن تلوثوا بيت الصديق الذي لم ي ر م في الجاهلية؛ وأن تتهموا صحابياا مجاهداا في سبيل الله. وأن تمسوا عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلته بربه، ورعاية الله له.. "وتحسبونه هيناا .. " " وهو عند الله عظيم ".. وما يعظم عند الله إل الجليل الضخم الذي تزلزل له الرواسي، وتضج منه الأرض والسماء. ولقد كان ينبغي أن تجفل القلوب من مجرد سماعه، من مجرد النطق به، وأن ت نكر أن يكون هذا موضعاا للحديث؛ وأن تتوجه إلى الله تنزهه عن أن يدع نبيه لمثل هذا؛ وأن تقذف بهذا الإفك بعيداا عن ذلك الجو الطاهر الكريم: ( و ل و ل إ ذ س م ع ت م وه ق ل ت م م ا ي ك ون ل ن ا أ ن ن ت ك ل م ب ه ذ ا س ب ح ان ك ه ذ ا ب ه ت انٌ ع ظ يمٌ ) (1) . (1) سورة النور: الآية 11. (1) سورة النور: الآية 11.
عدد الصفحات ٨٦57 وعندما تصل هذه اللسمة إلى أعماق القلوب فتهزها هزاا؛ وهي تطلعها على ضخامة ما جنت وبشاعة ما عملت.. عندئذ يجيء التحذير من العودة إلى مثل هذا الأمر العظيم: ( ي ع ظ ك م الل ه أ ن ت ع ود وا ل م ث ل ه أ ب داا إ ن ك نت م م ؤ م ن ين ) (2) " يعظكم ".. في اسلوب التربية المؤثر. في أنسب الظروف للسمع والطاعة والعتبار . مع تضمين اللفظ معنى التحذير من العودة إلى مثل ما كان: " يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداا ".. ومع تعليق إيمانهم على النتفاع بتلك العظة: "إن كنتم مؤمنين".. فالمؤمنون ل يمكن أن يكشف لهم عن بشاعة عمل كهذا الكشف. وأن يحذروا منه مثل هذا التحذير، ثم يعودوا إليه وهم مؤمنون: " ويبين الله لكم الآيات ".. على مثال مابين في حديث الإفك، وكشف عما وراءه من كيد؛ وما وقع فيه من خطايا وأخطاء: "والله عليم حكيم " يعلم البواعث والنوايا والغايات والأهداف؛ ويعلم مداخل القلوب. ومسارب النفوس. وهو حكيم في علاجها. وتدبير أمرها . ووضع النظم والحدود التي تصلح بها.. * * * ثم يمضي في التعقيب على حديث الإفك؛ وما تخلف عنه من آثار؛ مكرراا التحذير من مثله. مذكراا بفضل الله ورحمته، متوعداا من يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات بعذاب الله في الآخرة . ذلك مع تنقية النفوس من آثار المعركة؛ وا طلاقها من ملابسات الأرض، وا عادة الصفاء إليها والإشراق .. كما تتمثل في موقف أبي بكر رضي الله عنه من قريبه مسطح بن أثاثة الذي خاض في حديث الإفك مع من خاض: ) إ ن ال ذ ين ي ح ب ون أ ن ت ش يع ال ف اح ش ة ف ي ال ذ ين آم ن وا ل ه م ع ذ ابٌ أ ل يمٌ ف ي الد ن ي ا و الآ خ ر ة و الل ه ي ع ل م و أ نت م ل ت ع ل م ون ) (1) . والذين يرمون المحصنات- وبخاصة أولئك الذين تجرأوا على رمي بيت النبوة الكريم- إنما يعملون على زعزعة ثقة الجماعة المؤمنة بالخير والعفة والنظافة؛ وعلى إزالة التحرج من إرتكاب الفاحشة، وذلك عن طريق الإيحاء بان الفاحشة شائعة فيها.. بذلك تشيع الفاحشة في النفوس، لتشيع بعد ذلك في الواقع. (1) سورة النور: الآية 11. (2) سورة النور: الآية 11. (1) سورة النور: الآية 11.
عدد الصفحات ٨٧55 من أجل هذا وصف الذين يرمون المحصنات بأنهم يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وتوعدهم بالعذاب الأليم في الدنيا والأخرة . وذلك جانب من منهج التربية، وا جراء من إجراءات الوقاية. يقوم على خبرة بالنفس البشرية، ومعرفة بطريقة تكي ف مشاعرها واتجاهاتها.. ومن ث م يعقب بقوله: " والله يعلم وأنتم ل تعلمون " .. ومن ذا الذي يعلم أمر هذه النفس إل الذي خلقها؟ ومن ذا الذي يدبر أمر هذه الإنسانية إل الذي برأها؟ ومن ذا الذي يرى الظاهر والباطن، ول يخفى على علمه شيء إل العليم الخبير؟ ومرة أخرى يذكِّ ر المؤمنين بفضل الله عليهم ورحمته : ( و ل و ل ف ض ل الل ه ع ل ي ك م و ر ح م ت ه و أ ن الل ه ر ؤ وفٌ ر ح يمٌ ) (1 . ) إن الحدث لعظيم، وا ن الخطأ لجسيم، وا ن الشر الكامن فيه لخليق أن يصيب الجماعة المسلمة كلها بالسوء. ولكن فضل الله ورحمته، ورأفته ورعايته .. ذلك ما وقاهم السوء.. ومن ثم يذكرها به المرة بعد المرة؛ وهو يربيهم بهذه التجربة الضخمة التي شملت حياة المسلمين. فإذا تمثلوا أن ذلك الشر العظيم كان وشيكاا أن يصيبهم جميعاا، لول فضل الله ورحمته، صو ر لهم عملهم بأنه اتباع لخطوات الشيطان. وما كان لهم أن يتبعوا خطوات عدوهم وعدو أبيهم من قديم. وحذرهم ما يقودهم الشيطان إليه من مثل هذا الشر المستطير: ( ي ا أ ي ه ا ال ذ ين آم ن وا ل ت ت ب ع وا خ ط و ات الش ي ط ان و م ن ي ت ب ع خ ط و ات الش ي ط ان ف إ ن ه ي أ م ر ب ال ف ح ش اء و ال م نك ر و ل و ل ف ض ل الل ه ع ل ي ك م و ر ح م ت ه م ا ز ك ا م نك م مِّن أ ح د أ ب داا و ل ك ن الل ه ي ز كِّ ي م ن ي ش اء و الل ه س م يعٌ ع ل يمٌ ) (1) . وا نها لصورة مستنكرة أن يخطو الشيطان فيتبع المؤمنون خطاه. وهم أجدر الناس أن ينفروا من الشيطان، وأن يسلكوا طريقاا غير طريقه المشؤوم! صورة مستنكرة ينفر منها طبع المؤمن. ويرتجف لها وجدانه. ويقشعر لها خياله! ورس م هذه الصورة ومواجهة المؤمنين بها يثير في نفوسهم اليقظة والحذر والحساسية : "ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر".. وحديث الإفك نموذج من هذا المنكر الذي قاد إليه المؤمنين الذين خاضوا فيه. وهو نموذج منفر شنيع. وا ن الإنسان لضعيف. معرض للنزعات . عرضة للتلوث. إل أن يدركه فضل الله ورحمته . حين يتجه إلى الله، ويسير على نهجه. (1) سورة النور: الآية 22. (1) سورة النور: الآية 21.
عدد الصفحات ٨٨59 (ي ا أ ي ه ا ال ذ ين آم ن وا ل ت ت ب ع وا خ ط و ات الش ي ط ان و م ن ي ت ب ع خ ط و ات الش ي ط ان ف إ ن ه ي أ م ر ب ال ف ح ش اء و ال م نك ر و ل و ل ف ض ل الل ه ع ل ي ك م و ر ح م ت ه م ا ز ك ا م نك م مِّن أ ح د أ ب داا و ل ك ن الل ه ي ز كِّي م ن ي ش اء و الل ه س م يعٌ ع ل يمٌ ) (1) . فنور الله الذي يشرق في القلب يطهره ويزكيه . ولول فضل الله ورحمته لم ي زك من أحد ولم يتطهر. والله يسمع ويعلم، فيزكي من يستحق التزكية، ويطهر من يعلم فيه الخير والستعداد "والله سميع عليم ".. وعلى ذكر التزكية والطهارة تجيء الدعوة إلى الصفح والمغفرة بين بعض المؤمنين وبعض- كما يرجون غفران الله لما يرتكبونه من أخطاء وذنوب-: ( و ل ي أ ت ل أ و ل وا ال ف ض ل م نك م و الس ع ة أ ن ي ؤ ت وا أ و ل ي ال ق ر ب ى و ال م س اك ين و ال م ه اج ر ين ف ي س ب يل الل ه و ل ي ع ف وا و ل ي ص ف ح وا أ ل ت ح ب ون أ ن ي غ ف ر الل ه ل ك م و الل ه غ ف ورٌ ر ح يمٌ ) (2). نزلت في أبي بكر رضي الله عنه بعد نزول القرآن ببراءة الصديقة. وقد عرف أن مسطح بن أثاثة كان ممن خاضوا فيه قريبه . وهو من فقراء المهاجرين . وكان أبو بكر رضي الله عنه ينفق عليه. فآلى على نفسه ل ينفع مسطحاا بنافعة أبداا . نزلت هذه الآية تذكر أبا بكر، وتذكر المؤمنين، بأنهم يخطئون ثم يحبون من الله أن يغفر لهم. فليأخذوا أنفسهم بعضهم مع بعض بهذا الذي يحبونه، ول يحلفوا أن يمنعوا البر عن مستحقيه، إن كانوا قد أخطأو ا وأساءوا .. وهنا نطلع على أفق عال من آفاق النفوس الزكية، التي تطهرت بنور الله. أفق يشرق في نفس أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أبي بكر الذي مس ه حديث الإفك في أعماق قلبه، والذي احتمل مرارة التهام لبيته وعرضه . فما يكاد يسمع دعوة ربه إلى العفو؛ وما يكاد يلمس وجدان ه ذلك السؤال الموحي: "أل تحبون أن يغفر الله لكم؟" حتى يرتفع على الآلم، ويرتفع على مشاعر الإنسان، ويرتفع على مناطق البيئة، وحتى تشف روحه وترف وتشرق بنور الله. في طمأنينة وصدق يقول: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي. ويعيد إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، ويحلف: والله ل أنزعها منه أبداا . ذلك في مقابل ما حلف: والله ل أنفعه بنافعة أبداا . بذلك يمسح الله على آلم ذلك القلب الكبير، ويغسله من أوضار المعركة، ليبقى أبداا نظيفاا طاهراا زكياا ، مشرقاا بالنور.. (1) سورة النور: الآية 21. (2) سورة النور: الآية 22.
عدد الصفحات ٨٩90 ذلك الغفران الذي يذكر الله المؤمنين به. إنما هو لمن تاب عن خطيئة رمي المحصنات وا شاعة الفاحشة في الذين آمنوا. فأما الذين يرمون المحصنات عن خبث وعن إصرار، كأمثال ابن أب يٍّ فلا سماحة ول عفو. ولو افلتوا من الحد في الدنيا، لأن الشهود لم يشهدوا فإن عذاب الله ينتظرهم في الآخرة . ويومذاك لن يحتاج الأمر إلى شهود: ( إن ال ذ ين ي ر م ون ال م ح ص ن ات ال غ اف لا ت ال م ؤ م ن ات ل ع ن وا ف ي الد ن ي ا و الآ خ ر ة و ل ه م ع ذ ابٌ ع ظ يمٌ (23 )ي و م ت ش ه د ع ل ي ه م أ ل س ن ت ه م و أ ي د يهم و أ ر ج ل ه م ب م ا ك ان وا ي ع م ل ون (24 )ي و م ئ ذ ي و فِّيه م الل ه د ين ه م ال ح ق و ي ع ل م ون أ ن الل ه ه و ال ح ق ال م ب ين ) (1) . ويجسم التعبير جريمة هؤلء ويبشعها؛ وهو يصورها رمياا للمحصنات المؤمنات وهن غافلات غار ات، غير آخذات حذرهن من الرمية . وهن بريئات الطوايا مطمئنات ل يحذر ن شيئاا، لأنهن لم يأتين شيئاا يحذرنه ! فهي جريمة تتمثل فيها البشاعة كما تتمثل فيها الخسة. ومن ثم يعاجل مقترفيها باللعنة. لعنة الله عليهم، وطردهم من رحمته في الدنيا والآخرة . ثم يرسم ذلك المشهد الأخ اذ: "يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم ".. فإذا بعضهم يتهم بعضاا بالحق، إذ كانوا يتهمون المحصنات الغافلات المؤمنات بالإ فك! وهي مقابلة في المشهد مؤثرة، على طريقة التناسق الفني في التصوير القرآني . "يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق".. ويجزيهم العدل، ويؤدي لهم حسابهم الدقيق. ويومئذ يستيقنون مما كانوا يستريبون: "ويعلمون أن الله هو الحق المبين".. ويختم الحديث عن حادث الإفك ببيان عدل الله في اختياره الذي ركبه في الفطرة، وحققه في واقع الناس. وهو أن تلتئم النفس الخبيثة بالنفس الخبيثة، وأن تمتزج النفس الطيبة. وعلى هذا تقوم العلاقات بين الأزواج. وما كان يمكن أن تكون عائشة رضي الله عنها كما رموها، وهي مقسومة لأطيب نفس على ظهر هذه الأرض: ( ال خ ب يث ات ل ل خ ب يث ين و ال خ ب يث ون ل ل خ ب يث ات و الط يِّب ات ل لط يِّب ين و الط يِّب ون ل لط يِّب ات أ و ل ئ ك م ب ر ؤ ون م م ا ي ق ول ون ل ه م م غ ف ر ةٌ و ر ز قٌ ك ر يمٌ ) (1) . (1) سورة النور: الآيات 21- 21. (1) سورة النور: الآية 21.
عدد الصفحات ٩٠91 ولقد أحبت نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة حباا عظيماا . فما كان يمكن أن ي حب ب ها الله لنبيه المعصوم، إن لم تكن طاهرة، هذا الحب العظيم. أولئك الطيبون والطيبات " مبرأون مما يقولون" بفطرتهم وطبيعتهم، ل يلتبس بهم شيء مما قيل. " لهم مغفرة ورزق كريم ".. مغفرة عما يقع منهم من أخطاء. ورزق كريم. دللة على كرامتهم عند ربهم الكريم. بذلك ينتهي حديث الإفك. ذلك الحادث الذي تعرضت فيه الجماعة المسلمة لأكبر محنة. إذ كانت محنة الثقة في طهارة بيت الرسول، وفي عصمته الله لنبيه أن ل يجعل في بيته إل العنصر الطاهر الكريم. وقد جعلها الله معرضاا لتربية الجماعة المسلمة، تشف وترف؛ وترتفع إلىآفاق النور.. في سورة النور.
عدد الصفحات ٩١92 سورة الفرقان [ الآيات 27- 29 ] ( و ي و م ي ع ض الظ ال م ع ل ى ي د ي ه ي ق ول ي ا ل ي ت ن ي ات خ ذ ت م ع الر س ول س ب يلاا (27 )ي ا و ي ل ت ى ل ي ت ن يل م أ ت خ ذ ف لا ناا خ ل يلاا (25 )ل ق د أ ض ل ن ي ع ن الذِّك ر ب ع د إ ذ ج اءن ي و ك ان الش ي ط ان ل لإ نس ان خ ذ ولا ). أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما مثل الجليس الصالح، والجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وا ما أن تبتاع منه، وا ما أن تجد منه ريحاا طيبة، ونافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، وا ما أن تجد منه ريحاا خبيثة". وذكر أبو بكر البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قيل يا رسول الله أي جلسائنا خير؟ قال: من ذك ر كم بالله رؤيته، وزاد في علمكم منطقه، وذكركم بالآخرة عمل ه. وقال مالك بن دينار: إنك إن تنقل الأحجار مع الأبرار خير لك من أن تأكل الخبيص مع الفجار.. وأنشد : وصاحب خيار الناس تنج مسل ماا ... وصاحب شرار الناس يوماا فتند ما (1) إن الإ نسان أليف مألوف كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولكن الصاحب ساحب، يسحبك إلى الخير أو إلى الشر.. فإلى أين تحب أن تصير؟!! وقديماا قيل: قل لي من تصاحب أقل لك من أنت؟.. فالصاحب مرآة صاحبه، ولن ترى رجلاا يصاحب رجلاا يختلف عنه، فالأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف.. ومن أراد الخير صاحب أهل الخير، ومن أراد الشر صاحب أهل الشر. والعاقل، العاقل من ابتغى الخير لنفسه وحسن الختام فنفع نفسه وصاحب من يدله على الخير، واتقى جليس السوء ونأى عنه، وفر فراره من الأسد: اصحب خيار الناس حيث لقيتهم خير الصحابة من يكون عفيفاا والناس مثل دراهم ميزت ها فوجدت منها فضة وز يوفاا (1) تفسير القرطبي 21/ 11.
عدد الصفحات ٩٢93 وهذا عقبة بن أبي معيط نطق بشهادة الإسلام ثم خرجت من قلبه، لأنه أرضى صاحبه أ بي بن خلف أخا أمية فأورده النار، وبئس الورد المورد . يروى أن عقبة بن أبي معيط صنع وليمة، فدعا إليها قريشاا، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها، والداعية- ورسول الله أول داعية- اغتنمها فرصة فأبى أن ينال من طعام عقبة شيئاا إل إذا أسلم، وهو الذي يقول: صلى الله عليه وسلم. "ل تصاحب إل مؤمناا، ول يأكل طعامك إل تقي".. وهذا يعني أيضا أن تأكل من طعام المسلم التقي.. وكره عقبة أن يتأخر عن طعامه من أشراف قريش أحد.. ورسول الله صلى الله عليه وسلم أشرف الأشراف - فأسلم ونطق بالشهادتين- فقب ل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأكل من طعامه.. وهنا جاء دور الخليل والصاحب .. وصاحب عقبة وخليله أب ي بن خلف، وهو كافر فاجر، وكان غائباا فسمع ما فعل عقبة، فعاتبه، فقال عقبة: رأيت عظيماا أن ل يحضر طعامي رجلٌ من أشراف قريش. فقال له خليله أب يٌّ : هذا فراق بيني وبينك إل أن ترجع، وتبصق في وجهه، وتطأ عنقه، وتقول كيت وكيت.. ففعل عدو الله ما أمره به خليله، فكتبه الله من التعساء أبد الآبدين بعد أن دخل في الإسلام.. نسال الله حسن الخاتمة. قال الضحاك: لما بصق عقبة في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، رجع بصاقه في وجهه، وشوى وجهه وشفيته، حتى أثر في وجهه، وأحرق خديه، فلم يزل أثر ذلك في وجهه حتى قتل.. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ل ألقاك خارج مكة إل علوت رأسك بالسيف. وفي معركة بدر كان عقبة بن أبي معيط بين الأسرى، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله قبل دخول المدينة، فقال: أأقتل دونهم؟ فقال نعم بكفرك وعتوِّك، فقال: من للصبية؟ فقال: النار. فقام عليٌّ رضي الله عنه فقتله. ويوم القيامة تكون الحسرة والندامة الأبدية، الحسرة على نعيم ضاع، والندم على فعل أورده النار، فهو يعض على يديه.. فلا تكفيه يد واحدة يعض عليها وا نما هو يداول بين هذه وتلك، أو يجمع بينهما لشدة ما يعانيه من ندم أكل قلبه، وحسرة فت تته. فهو ظالم.. وأول ما ظلم نفس ه التي بين جنبيه، يتمنى.. ول ينفع التمني، لو سلك طريق الإيمان، وكان جندياا من جنود الإسلام، يمشي في ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقتبس من أنواره، يؤمن برسالته..
عدد الصفحات ٩٣94 ولكن هيهات لقد سبق السيف العذل. ويأكل الندم فؤاده " ليتني لم أتخذ فلاناا خليلاا " هل نسي اسمه فلم يذكره، أو تجاهله، فلا حاجة إلى تسميته؟ - فهي ل تفيد ول تنفع- أم إن التنكير يشمل كل صاحب سوء يصد عن سبيل الله ويضل عن ذكره؟ ! نعم كل صاحب سوء، يجر صاحبه إلى النار وبئس المصير.. ويرتفع صوته بالويل والبثور، وعظائم الأمور فهو في نار جهنم يتلظى.. لقد أضله صاحبه، فسلك طريق الظلام، وعشش في قلبه الديجور، وكان النور قاب قوسين منه أو أدنى.. بل إنه دخله.. دخله حقاا .. ولكن سرعان ما انسحب منه إلى كهوف الظلام وغسق الكفر.. استمع إلى شيطان الإنس أب يِّ بن خلف.. صاحبه الذي ي ص للى معه لهيب جهنم، وتلفحه زفراتها، واستمع إلى وسواس شيطان الجن.. الذي التقم قلبه، فما يصدر إل عن أمره .. وأين الشيطان الآن؟!.. لقد تخليا عنه.. فكل منهما مشغول بمصابه الذي ل يقل بؤساا عن مصابه.. لقد تخليا عنه وخذله.. خذله شيطان الإنس وخذله الشيطان الخناس.. الأول يقول: أنا معك هنا أذوق عاقبة الكفر، والثاني يقول: إن الله وعدك وعد الحق، ووعدتك فأخلفتك.. ومن عادتي إخلاف الوعود.. وأنت تعلم ذلك.. ليس لي عليك سلطان، ل تحدق بي، ول تلمني.. إني دعوتك إلى الكفر فأجبتني.. فذق مرارة كفرك وعنادك، ل أستطيع مساعدتك كما أنك ل تستطيع مساعدتي.. فهما في النار سواء . هل تقف القصة عند هذا الحد؟! إن العاقل اللبيب يتخذ منها عبرة وعظة، ودرساا يلتزمه خيراا ويبعد عنه شراا . ويوم القيامة يقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول بملء فيه: ( ي ا ر بِّ إ ن ق و م ي ات خ ذ وا ه ذ ا ال ق ر آن م ه ج وراا ) (1) ، كيف نكون من أتباعه ونهجره؟ !!! إنه لأمر يستحق الوقوف أمامه والتفكر فيه. إنها شكوى من رسول الله صلى الله عليه وسلم.. و من يشكوه صلى الله عليه وسلم؟؟! أهم المشركون، قد يكون.. ولكن دون شكواه صلى الله عليه وسلم سيدخل هؤلء النار ويعذبون، أم المسلمون الذين آمنوا بالقرآن نظرياا، وكذبوه عملياا .. والتكذيب العملي أن نترك أحكامه وشريعته فنعطلها.. ونستبدل بها شرعاا أرضياا (1) سورة الفرقان: الآية 12.
عدد الصفحات ٩٤96 آخر.. لعمري إنها الثانية.. إنه صلى الله عليه وسلم يشكو الذين تعلموا القرآن وما ع م ل وا به، وحفظوه في كتبهم وبيوتهم، ولم ي ح كِّ موه في حياتهم، وقرأوه في حفلاتهم واجتماعاتهم، ونسوه في تصرفاتهم وسلوكهم.. فالقرآن ما نزل ليتلى فقط، إنما أنزله الله ليكون نوراا يهدي البشرية في حياتها،وضياءا يسطع فينير دربها، يهتدي بهديه المسلمون، ويعمل بشرعته الحاكمون!! فيطرحون كل دخيل ويتمسكون بكل أصيل.. إن لم نعد لله نرفع راية للحق، ت بذل عندها الأعمار ونصول في ساح العقيدة جحفلاا ر و اده، ووقوده الأبرار فالنصر ل يأتي بغير عقيدة وبغير عزم ضربه بتار والنصر غال ليس يخطب وده إل الشباب المؤمن الثوار والنصر للإيمان، يزجيه الفدا في درب عز حظ ه المختار (1) (1) الأبيات للمؤلف من ديوانه (نبضات قلب !، قصيدة: (مولد المختار"، ص 81.
عدد الصفحات ٩٥95 سورة الأحزاب [ الآية 63] (ي ا أ ي ه ا ال ذ ين آم ن وا ل ت د خ ل وا ب ي وت الن ب يِّ إ ل أ ن ي ؤ ذ ن ل ك م إ ل ى ط ع ام غ ي ر ن اظ ر ين إ ن اه و ل ك ن إ ذ ا د ع يت م ف اد خ ل وا ف إ ذ ا ط ع م ت م ف انت ش ر وا و ل م س ت أ ن س ين ل ح د يث إ ن ذ ل ك م ك ان ي ؤ ذ ي الن ب ي ف ي س ت ح ي ي م نك م و الل ه ل ي س ت ح ي ي م ن ال ح قِّ و ا ذ ا س أ ل ت م وه ن م ت اعاا ف اس أ ل وه ن م ن و ر اء ح ج اب ذ ل ك م أ ط ه ر ل ق ل وب ك م و ق ل وب ه ن و م ا ك ان ل ك م أ ن ت ؤ ذ وا ر س ول الل ه و ل أ ن ت نك ح وا أ ز و اج ه م ن ب ع د ه أ ب داا إ ن ذ ل ك م ك ان ع ند الل ه ع ظ يماا ) نقف في هذه الآية على أد بين كريم ين من آداب الإسلام نزلعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أولهما: أن المسلمين كانوا، قبل نزول هذه الآية، يسلم الرجل على أهل البيت ويدخل دون استئذان، ولم يكن للبيوت إذ ذاك أبواب ولم يكن لها، على الأغلب، س ت ر، فقد يرى المرء من أهل البيت، ما لم يكن يريد أن يراه الناس من عورته، وقيل : أمر الناس أن يستأذنوا في سورة النور: ( ي ا أ ي ه ا ال ذ ين آم ن وا ل ت د خ ل وا ب ي وتاا غ ي ر ب ي وت ك م ح ت ى ت س ت أ ن س وا و ت س لِّم وا ع ل ى أ ه ل ه ا) (1) وقيل: إن هذه الآية – في سورة النور- نزلت لعموم المسلمين. أما آية الأحزاب فهي خاصة ببيت النبي صلى الله عليه وسلم. فقد روي أن سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوج زينب بنت جحش،- امرأة زيد -، أ و ل م عليها، فدعا الناس، فلما ط ع م وا جلس طوائف منهم يتحدثون في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطالوا الجلوس، وتأذى رسول الله صلى الله عليه وسلم من تأخرهم ، ولم ا ي ب ن بزوجته وكانت جالسة وظهرها إلى القوم!.. ولم يأمرهم بالخروج لحيائه صلى الله عليه وسلم فلما خرجوا نزلت هذه الآية . يقول أنس فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه فألقى الستر بيني وبينه.. ونزل الحجاب.. قال ووعظ القوم بما و ع ظوا به، وأنزل الله عز وجل هذه الآية. (1) سورة النور: الآية 21.
عدد الصفحات ٩٦