المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

صور من تأذي الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن

د .عثمان قدري مكانسي

صفحة ٥ من ١٠

56 (ف ح اق ب ال ذين س خ ر وا م ن ه م م ا ك ان وا ب ه ي س ت ه ز ئ ون) (2) . ولكن ما بال الذين يرون الكفار من أهل الكتاب وغيرهم يسخرون من الدين وأهله، ويصفونه بالرجعية، والبعد عن الحقيقة المعيشية، والحقيقة العلمية؟ !! ويتقولون على الله الأقاويل، ويسخرون من المؤمنين، فيصفونهم تارة بالتطرف، -ول متطرف إل من ابتعد عن شرع الله وتطرف عنه - وتارة بالأصولية، ويقصدون التجمد عند النصوص والفهم الخاطىء لها، والأصولية حقيقةا عودة إلى كتاب الله وسنة نبيه، والتزامٌ بالشرع وعملٌ به، فهي إذاا صفة يتمنى جميع المسلمين الواعين أن يتصف وا بها، ما بال هؤلء المسلمين يتخذون من هؤلء الذين سخروا منهم ومن دينهم، من أهل الكتاب، والمشركين أولياء .. يتولونهم؟!! ألم يعلموا أن الله نهاهم عن ذلك، فالمسلم متميز عنهم؟!! إن الله يناديهم معلماا ومربي اا ، ومحذر اا ؟! ( ي ا أ ي ه ا ال ذ ين آم ن وا ل ت ت خ ذ وا ال ذ ين ات خ ذ وا د ين ك م ه ز واا و ل ع باا مِّن ال ذ ين أ وت وا ال ك ت اب م ن ق ب ل ك م و ال ك ف ار أ و ل ي اء و ات ق وا الل ه إ ن ك نت م م ؤ م ن ين ) (1) . بل أمر نا مولنا سبحانه أن إذا سمع نا الكفار يستهزئون بالدين وشعائره وأهله، أن نسخر منهم ثم ل نجالسهم فليسوا منا ولسنا منهم. فكما أن الله يستهزىء منهم ويسخر، ( الل ه ي س ت ه ز ئ ب ه م و ي م د ه م ف ي ط غ ي ان ه م ي ع م ه ون ) (2) فنحن نسخر منهم ونهزأ، فالرد بمثل الهجوم وأكثر منه أولى بالمؤمنين ( إ ن ت س خ ر وا م ن ا ف إ ن ا ن س خ ر م نك م ك م ا ت س خ ر ون ) (3) . وأما أعظم التعبير عن المفاصلة بيننا وبين الكافرين، فقد وض ح الله تعالى هذه المفاصلة أب ي ن الوضوح، ف أمر المسلمين أن ل يجالسوهم لأنهم يكونون إذ ذاك مثلهم، وا ذا حلت اللعنة عليهم والمسلمون بينهم ساكتون، خرس ل يمتعضون ول يردون، وك أنهم غير موجودين، فقد تحل بهم. ومن كث ر سواد قوم فهو منهم..!! (1) سورة النحل : الآية 34. (2) سورة الأنبياء : الآية 41. (1) سورة المائدة : الآية 67. (2) سورة البقرة : الآية 16. (3) سورة هود : الآية 35.

عدد الصفحات ٦٥

55 (و ق د ن ز ل ع ل ي ك م ف ي ال ك ت اب أ ن إ ذ ا س م ع ت م آي ات الل ه ي ك ف ر ب ه ا و ي س ت ه ز أ ب ه ا ف لا ت ق ع د وا م ع ه م ح ت ى ي خ وض وا ف ي ح د يث غ ي ر ه إ ن ك م إ ذاا مِّث ل ه م إ ن الل ه ج ام ع ال م ن اف ق ين و ال ك اف ر ين ف ي ج ه ن م ج م يعاا ) (1) هكذا إذاا !! المفاصلة.. ول يقصد بالمفاصلة عدم التعامل معهم تجار ي اا وعلمي اا .. فلا بد من ذلك فهي الحياة الدنيا تجمع بين الأطراف .. ولكنها المفاصلة في الروح والعقل، المفاصلة في الحب والود، والبغض والك ره، المفاصلة في المعتقد والإيمان، المفاصلة في الأمن والأمان .. فهم أعداء الله ونحن أحباؤه .. ول اجتماع بين نقيضين ..    (1) سورة النساء : الآية 140.

عدد الصفحات ٦٦

57 سورة النحل [الآية103] ( و ل ق د ن ع ل م أ ن ه م ي ق ول ون إ ن م ا ي ع لِّم ه ب ش رٌ لِّس ان ال ذ ي ي ل ح د ون إ ل ي ه أ ع ج م ي ، و ه لذ ا ل س انٌ ع ر ب يٌّ م ب ينٌ ). منذ القديم وا لى هذه اللحظة يفتري الكافرون على نبي الإسلام ما يفترون، ويد عون ما يد عون، ويرمونه عليه الصلاة والسلام ب أن هذا القرآن ليس من الله، وليس من عنده ، فقد تعلمه من غيره .. ومما يضحك له الإنسان- من ألم- أن هذا الدعاء صبياني، ل يقول به عاقل، ومتى كان الكافرون عاقلين، لأن الحجة التي بنوا عليها ادعاءهم تافهة ل وزن لها - كبقية التهامات الأخرى - لكن تفاهة هذا الدعاء ناتجة عن أن الصغير ل يقبل بها، ويسخر من سردها . فقد روى ابن إسحاق أنه كان في مكة فتى أعجميٌّ ق رب الصفا، يبيع بعض السلع البسيطة، يمر عليه الرسول صلى الله عليه وسلم كما يمر عليه الناس، ويكلمه كما يكلمه الآخرون، ولم يكن هذا الأعجمي ليتكلم من العربية سوى كلمات وجمل يكاد ل يبينها ول يحسن نطقها ادعى كفار مكة أنه علم النبي صلى الله عليه وسلم القرآن والحكمة !!. وعلى الرغم من أن هذا الدعاء ل وزن له إل أنه ينبغي أن نشير إليه را د ين على تخرصاتهم : 1- لو كان هذا الغلام ذا حكمة وفهم، ما وضع نفسه في الموضع الذي هو فيه، يمر عليه الجميع من كبار ، وصغار ، وينظر إليه الكثير منهم نظرة ازدراء . 2- أنى لهذا الفتى أن ي علِّ م الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن والحكمة، على فرض وجودها عنده، وأداة التعليم واللغة وحسن البيان ليست فيه؟! وفاقد الشيء ل يعطيه.

عدد الصفحات ٦٧

55 3- كان أحرى بهذا الأعجمي - الذي اتصف بالعلم والحكم ة على حد قول الكفار- أن ينسب القرآن إلى نفسه، فيفخر بذلك على أهل مكة ومن حولها، ويتبوأ فيهم مركز الصدارة، ل خانة النسيان!! 4- ل م تكاسل هؤلء جميعاا فلم يتعلموا منه - إن صح زعمهم - فأفادوا واستفادوا، ونافسوا محمداا صلى الله عليه وسلم في دعوته؟!!. 6- وعلى فرض أنه صلى الله عليه وسلم - حسب ادعاء الكافرين - تعل م من ذلك الأعجمي القرآن والحكمة، ثم صاغ ذلك بأسلوب عربي مبين .. أما كان أهل قريش - وهم أفصح العرب- أن يصوغوا الأفكار بقالب سام من البلاغة.. مث ل هم مث ل النبي صلى الله عليه وسلم ؟!! لقد تحداهم القرآن أن يأتوا بمثله .. فعجزوا.. وتحداهم أن يأتوا بعشر سورة مثله- مفتريات - فعجزوا .. وتحداهم أن يأتوا بسورة مثله فعجزوا .. أمة مشهورة بالبلاغة والفصاحة يأتيها رجلٌ بكلام من كلامهم ويتحداهم أن يكونوا مثله في ح سن البلاغة والبيان فلا يستطيعون.. وينبهرون حين يقرأ عليهم، وتتلى آياته فيهم، فيصمتون إعجاباا .. أحرى بها أن تصدق أنه كلام الله المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم.. ولئن اجتمع الماديون الملحدون في روسيا الشيوعية عام أربعة وخمسين وتسع مائة وألف في مؤتمر المستشرقين يد عون أن هذا القرآن ل يمكن أن يكون من عمل فرد واحد- وهو محمد عليه الصلاة والسلام - بل من عمل جماعة كبيرة، وأنه ل يمك ن أن يكون قد كتب في الجزيرة العربية بل إن بعض أجزائه كتب خارجها !! ل هذا الفتراء الجاهلي في القرن العشرين الجاهلي !! أقل خطأ من خطأ الجاهليين أهل مكة.. وكل أقوالهم خطأ.. لكن جاهلي ي القرن العشرين أقر وا أن رجلاا واحداا بل إن رجلين أو أكثر ل يستطيعون تأليف كتاب يتضمن قواعد ا لحياة وأسسها إلى يوم القيامة .. وغاب عن عقول ملاحدة

عدد الصفحات ٦٨

59 القرن العشرين أن العالم ك ل ه ماضيه وحاضره ل يستطيع أن يأتي بمثله أنسهم مع جن هم.. لأنه كلام الله الذي ( ل ي أ ت يه ال ب اط ل م ن ب ي ن ي د ي ه و ل م ن خ ل ف ه ت نز يلٌ مِّن ح ك يم ح م يد ) (1) . (1) سورة فصلت: الآية 42.

عدد الصفحات ٦٩

70 سورة الإسراء [الآيات90- 93 ] ) و ق ال وا ل ن ن ؤ م ن ل ك ح ت ى ت ف ج ر ل ن ا م ن الأ ر ض ي نب وعاا (46 )أ و ت ك ون ل ك ج ن ةٌ مِّن ن خ يل و ع ن ب ف ت ف جِّر الأ ن ه ار خ لال ه ا ت ف ج يراا (41 )أ و ت س ق ط الس م اء ك م ا ز ع م ت ع ل ي ن ا ك س فاا أ و ت أ ت ي ب الل ه و ال م لآئ ك ة ق ب يلاا (47 (أ و ي ك ون ل ك ب ي تٌ مِّن ز خ ر ف أ و ت ر ق ى ف ي الس م اء و ل ن ن ؤ م ن ل ر ق يِّك ح ت ى ت ن زِّل ع ل ي ن ا ك ت اباا ن ق ر ؤ ه ق ل س ب ح ان ر بِّي ه ل ك نت إ ل ب ش راا ر س ولا ) قال القرطبي : نزلت هذه الآيات في رؤساء قريش، مثل عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبي سفيان، والنضر بن الحارث، وأبي جهل، وعبد الله بن أمية، وأمية بن خلف، وأبي البختري، والوليد بن المغيرة .. وغيرهم . وذلك أنهم لما عجزوا عن معارضة القرآن، ولم يرض وا به معجزة، وهذا من العناد إذ إنهم حاولوا معارضته، وأ ن ى لهم ذلك فهم ل يستطيعون أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا .. اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، ثم قال بعضهم لبعض : ابعثوا إلى محمد  فكلموه ، وخاصموه، حتى ت عذروا فيه، فبع ثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ليكلموك فأتهم.. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قومه، ويحرص على هداهم، فجاءهم وهو يظن أن قد بدا لهم فيما كلمهم ب د وٌ .. فقالوا: يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنكلمك، وا نا والله ما نعلم رجلاا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وع بت الآلهلة، وشتمت الدين وسفهت الأحلام، وفرقت الجماعة .. فما بقي أمر قبيح ال قد جئته !!! وقالوا له كلاماا يدل على جهلهم وسفههم. ثم عرضوا عليه المال الوفير، والزعامة، والشرف والملك، وأجمل النساء وعرضوا عليه الط ب إن كان ما يأتيه رئ ي ا من الجن، عرضوا كل هذا ليترك الدعوة إلى الله.. وهذا ما يفعله أعداء الله بالدعاة الآن.. فالطريقة في إبعاد الن اس عن الدين واحدة في كل زمان ومكان .. فكان رده صلى الله عليه وسلم ، رد الداعية الواثق بدعوته، المؤمن بها، الذي ل يبيعها بعرض من الحياة الدنيا مهما كثر، فما عند الله خير وأبقى ..

عدد الصفحات ٧٠

71 قالصلى الله عليه وسلم : ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم، ول الشرف فيكم، ول الم ل ك عليكم.. ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل علي كتاباا، وأمرني أن أكون لكم بشيراا ونذيراا، فبلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وا ن تردوه علي أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم. فلما أجابهم بهذه العبارة القوية، وحد د لهم هدفه دون خوف أو مواربة، بل كان واضح الحجة بيِّ ن الأفكار، احتد وا وبدأوا يتنطعون في الحديث يعاجزون، فهذا يقول: إنك لم تقبل منا ما أكرمناك به، أو ما علمت يا محمد أنه ليس من الناس أحدٌ أضيق بلداا، ول أقل ماء، ول أشد عيشاا منا؟! ف س ل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به !! فلي س ي ر عنا هذه الجبال، التي ضي قت علينا، ولي ب س ط لنا بلادنا، وليخر ق لنا فيها أنهار اا كأنهار الشام، وليبعث لنا ما مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا قصي بن كلاب، فإنه شيخ صدق، فنسألهم عما تقول، أحقٌّ هو أم باطل، فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك، وعرفنا به منزلتك من الله تعالى، وأنه بعثك رسولا كما تقول، فقال لهم صلوات الله عليه وسلامه : ما بهذا بعثت إليكم.. إنما جئتكم من الله تعالى بما بعثني به، وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وا ن تردوه علي أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم، قالوا : فإذا لم تفعل هذا لنا، فخذ لنفسك ! س ل ربك أن يبعث معك م ل كاا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، واس أله أن يجعل لك ج ن ان اا وقصور اا وكنوز اا من ذهب وفضة، ويغنيك بها عما نراك تبتغي، ف إنك تقوم بالأسواق، وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك، إن كنت رسولا كما تزعم ؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أنا بفاعل، وما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت بهذا إليكم، ولكن الله بعثني بشير اا ونذير اًّ ، قالوا : فاسقط السماء علينا ك س فاا كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، ف إنا لن نؤمن لك إل أن تفعل، فقال صلى الله عليه وسلم : ذلك إلى الله عز وجل إن شاء أن يفعله بكم فعل.

عدد الصفحات ٧١

72 وقالوا : نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله، وقال قائلهم : لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبي لا ا : وقام عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لما علم من إصرارهم على الكفر.. وقام معه ابن عمته عبد الله بن أبي أمية، فقال: يا محمد، عرض عليك قومك ما عرضوا، فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أموراا ليعرفوا منزلتك من الله، فيصدقوك ويؤمنوا بك فلم تفعل ثم س ألوك أن تعجِّ ل لهم بعض العذاب، فلم تفعل، فوالله ل أومن بك أبداا حتى تتخذ إلى السماء سلماا، ثم ترقى فيه، وأنا أنظر حتى تأتيها، ثم تأتي ب ص كِّ معه أربعة ملائكة يشهدون لك ما تقول، وايم الله لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك. ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزين اا ، كاسف البال مهموماا مغموماا . أي بشر هؤلء الذين ي كذِّ بون رسول الله، وهم يعلمون صدقه وأمانته؟ !! وهل تفجير ينابيع الأرض أكبر من خلق السماء والأرض؟ ؟!! هل إيجاد جنة فيها نخيل وعنب وماء كثير أشد من النظام الكوني الباهر وسباحة الكواكب في السماء بنظام وترتيب، أفلا ينظرون إلى ما حولهم من المخلوقات تد ب على الأرض في أكلون بعضها ويركبون الآخر، أفلا ينظرون إلى أنفسهم نقد خلقهم الله في أحسن تقويم!! لقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لإسعاد البشرية، والأخذ بيدها إلى الأمان وال طمئنان.. إلى الإشراق والنور .. فبدلا من اتباعه وشكر هذه النعمة يتحد ون ويستكبرون، ويسوء أدبهم؟ ! بل هذه صفتهم الدائمة، فيسألون أن تنزل عليهم السماء قطع اا قطعاا .. ولو نزلت لما نجا أحد ولهلكوا .. كان ح ر ي اا بهم أن يتذكروا ما فعله الله بأبرهة الحبشي ، وما أ م ر ه ببعيد عنهم حين أرسل عليه وعلى جيشه طير اا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم هشيماا تذروه الرياح، وبقايا جيش مقهور، أيريدون أن يروا الملائكة ت أتيهم من السماء؟!! ( ي و م ي ر و ن ال م لا ئ ك ة ل ب ش ر ى ي و م ئ ذ لِّل م ج ر م ين و ي ق ول ون ح ج راا م ح ج وراا ) (1. ) (1) سورة الفرقان: الآية 22.

عدد الصفحات ٧٢

73 فما جاءت الملائكة إلى الأرض- كما يريدون - إل لنصرة الأنبياء و إبادة المشركين .. فأين هم إذ تقتعلهم الملائكة وتستأصلهم؟!! أيريدون رؤية الله تعالى؟ ! وما استوعب الحقير الجليل ؟!! والصغير الكبير ؟!! إن الله تعالى حين تجلى للجبل جعله دكاا ، وخر موسى عليه السلام ص ع ق اا .. كيف ترى العيون الكليلة والمخلوقات القاصرة نور الأنوار، وهو الذي ل يحده زمان ول ي حيط به مكان؟!!. ما هذه الطلبات وهذه التساؤلت المادية ؟! بيت من زخرف، صعود إلى السماء، عودة إلى الأرض ! كتاب ي حمل.. أناس يقرؤونه، ملائكة تشهد عليه!! إن الإ يمان تصديق القلب والعقل و عملٌ بالجوارح .. أما التفكير المادي فلم يكن يوماا من الأيام طريقة سليمة إلى الله تعالى.. ولم يكن الرسل في يوم من الأيام سوى بشر مثلنا، أكرمهم الله بالنبوة، وعصمهم بالرسالة، فكانوا هداة مهديين، ينيرون لنا مصابيح الهدى، يؤ د ون واجبهم بإخلاص لله تعالى ل تشوبه شائبة، ودأبٌ ل يكلِّ ول يمل .. وما عليهم إل البلاغ فإن آمن الناس كان حظهم طيباا وال فلا يلوموا إل أنفسهم ( و م ا أ ر س ل ن ا م ن ر س ول إ ل ل ي ط اع ب إ ذ ن الل ه )(1) . فلا تحزن يا رسول الله صلى ا عليك وعلى آلك وأصحابك .. بل غت الرسالة، وأد يت الأمانة، ونصحت الأمة، وكشف الله بك الغمة.. ول تحمل نفسك الهم والغم ( ف ل ع ل ك ب اخ عٌ ن ف س ك ع ل ى آث ار ه م إ ن ل م ي ؤ م ن وا ب ه ذ ا ال ح د يث أ س فاا ( (1) ولكنَ رحمتك بالناس هي التي تستنفر مشاعرك، ورغبتك في ذب هم عن النار هدفك الأول والأخير ( ل ق د ج اءك م ر س ولٌ مِّن أ نف س ك م ع ز يزٌ ع ل ي ه م ا ع ن ت م ح ر يصٌ ع ل ي ك م ب ال م ؤ م ن ين ر ؤ وفٌ ر ح يمٌ ) (2) . إن جئت ربَ ك ترجو منه مغفرة فابدأ دعاء ك بالصلاة على النبي (1) سورة النساء : الآية 54. (1) سورة الكهف : الآية 5. (2) سورة التوبة : الآية 125.

عدد الصفحات ٧٣

74 واسأله أن يحيي فؤادك دائما فحياة قلبك بالصلاة على النبي واسأله أن يسمو مقامك في الدنى ف ع لاء مجدك بالصلاة على النبي واسأله فردوس السعادة ، واللقا فدخولك الفردوس من فضل النبي صل ى عليك الله ما شعَ الضيا في كل قلب بالصلاة على النبي (3) (3) الأبيات للمؤلف.

عدد الصفحات ٧٤

76 سورة النور [من الآية الحادية عشرة ] حديث الإفك إن من شناعة الجرم وبشاعته أن يتناول المنافقون بيت النبي الكريم وعرض ه الطاهر الشريف بالإ فك وهو عليه الصلاة والسلام أكرم إنسان على الله، وع رض صاحبه الصديق رضي الله عنه أكرم إ نسان على رسول الله - صلى الله عليه وسلم .. وعرض رجل من الصحابة صفوان بن المعطل، يشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يعرف عليه إل خير اا ، هذا الإفك الذي شغل المسلمين في المدينة شهر اا كاملاا .. كان هذا الشهر ثقيلاا جداا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين.. هذا الإفك الذي كاد يعصف بالمجتمع المسلم، لول فضل الله تعالى الذي أعاد إلى قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم الطمأنينة والسكينة ، ولجم أفواه المنافقين ومن انجرف معهم من المسلمين، الذين ثابوا بعد ذلك إلى رشدهم، وعرفوا عظم ما جنوه، في حق ر سول الله صلى الله عليه وسلم وحق أهل بيته الطاهرات .. هذا الحادث.. حادث الإفك قد كل ف أطهر النفوس في تاريخ البشرية كلها آلم اا ل تطاق، وكل ف الأمة المسلمة كلها تجربة من أشق التجارب في تاريخها الطويل - وعل ق قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم - وقلب زوجته التي يحبها، وقلب أبي بكر الصديق وزوجته، وقلب صفوان بن المعطل، شهر اا كاملاا عل قها بحبال الشك والقلق، والألم الذي ليطاق. فلندع عائشة رضي الله عنها تروي قصة هذا الألم، وتكشف عن سر هذه الآيات. عن الزهري عن عروة وغيره عن عائشة - رضي الله عنها- قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفر اا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهم ها خرج بها معه ؛ وا نه أقرع بيننا في

عدد الصفحات ٧٥

75 غزاة (1) فخرج سهمي، فخرجت معه بعد ما أنزل الحجاب، وأنا أ حمل في هودج، وأنزل فيه . فس رنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غز وته تلك، وقفل، ودنونا من المدينة آذن ليلةا بالرحيل ؛ فقمت حين آذنوا بالرحيل، حتى جاوزت الجيش. فلما قضيت من شأني أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، ف إذا ع قدٌ لي من جزع أظفار قد انقطع، فرجعت فالتمسته فحبسني ابتغاؤه ؛ وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلونني، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري، وهم يحسبون أن ي فيه؛ وكان النساء إذ ذاك خفافاا لم يثقلهن اللحم؛ وا نما ن أكل العلقة من الطعام؛ فلم يستنكر القوم حين رفعوه خفة الهودج، فحملوه ؛ وكنت جارية حديثة السن؛ فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي، بعدما استمر الجيش، فجئت منزلهم، وليس أحد منهم، فتيممت منزلي، الذ ي كنت فيه. وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي؛ فبينما أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت. وكان صفوان بن المعطل الس ل مي . ثم الذكواني . قد عرس وراء الجيش، ف أدلج، فأصبح عند منزلي ؛ فرأى سواد إنسان نائم ف أتاني فعرفني حين رآني . وكان يراني قبل الحجاب. فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخم رت وجهي بجلبابي؛ والله ما يكلمني بكلمة، ول سمعت منه كلمة غير استرجاعه ؛ وهوى حتى أناخ راحلته، فوطىء على يديها، فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش، بعدما نزلوا معرِّ سين. قالت: فهلك في شأني من هلك. وكان الذي تولى كبر الإ ثم عبد الله بن أبي بن سلول؛ فقدمنا المدينة؛ فاشتكيت بها شهر اا ؛ والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ول أشعر . وهو ي ريبني في وجعي أن ي ل أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل فيسلم ثم يقول: كيف تيكم؟ ثم ينصرف . فذلك الذي يريبني منه، ول أشعر بالشرِّ حتى نقهت، فخرجت أنا وأم م سط ح ق ب ل المناصع- وهو متبرزن اا - وكنا ل نخرج إل ليلاا إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكن ف ، وأمر نا أم ر العرب الأول في التبرز قبل الغائط . فأقبلت أنا وأم مسطح- وهي ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب- حين فرغنا من شاننا (1) غزوة بني المصطلق في السنة الخامسة الهجرية على الأرجح .

عدد الصفحات ٧٦

77 نمشي، فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت : تعس مسطح فقلت لها: بئسما قلت. أتسبين رجلاا شهد بدر اا ؟ - فقالت: يا ه نتاه ألم تسمعي ما قال؟ فقلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرض اا إلى مرضي . فلما رجعت إلى بيتي دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كيف تيكم؟ فقلت: ائذن لي أن آتي أبوي . وأنا حينئ ذ أريد أن أستيقن الخبر من ق ب ل هما. فأذن لي، فأتيت أبوي ، فقلت لأمي: ياأمتاه ماذا يتحدث الناس به؟ فقالت يا بنية هوِّ ني على نفسك الشأن، فوالله لقلما كانت امرأةٌ قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إل أكثرن عليها. فقلت: سبحان الله! ولقد تحدث الناس بهذا ؟ قالت: فبك يت تلك الليلة حتى أصبحت ل ي رقأ لي دمع ول أكتحل بنوم. ثم أصبحت أبكي. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد رضي الله عنهما حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله . قالت: فأم ا أسامة فأشار عليه بما يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه من الود لهم. فقال أسامة: هم أهلك يا رسول الله، ول نعلم والله إل خير اا . وأم ا علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تخبرك . قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة (1) فقال لها: أي بريرة . هل رأيت فيها شيئ اا ي ر يبك؟ فقالت: ل والذي بعثك بالحق نبياا إن رأيت منها أمر اا أغمصه (2) عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها، فت أتي الداجن (1) فتأكله. قالت: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه، واستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول. فقال وهو على المنبر: من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي؟ فوالله ما علمت على أهلي إل خير اا . ولقد ذكروا رجلاا ما علمت عليه إل خير اا ، وما كان يدخل على أهلي إل معي. قالت: فقام سعد بن معاذ (2) رضي الله عنه فقال : يا رسول الله أنا والله أعذرك منه. إن كان من (1) حقق الإمام شمس الدين أبو عبد الله بن قيم الجوزية أن الجارية التي سئلت لم تكن هي بريرة، لأن بريرة إنما كاتبت و أعتقت قبل هذا بمدة طويلة، إنما قال الإمام علي كرم الله وجهه : فسل الجارية تخبرك فظن بعض الرواة أنها بريرة فسماها . (2) أغمصه: أعيبه. (1) الداجن: الشاة في البيت. (2) في رواية ابن إسحاق أن الذي قال هذا وذلك هو أسيد بن حضير. وحقق الإمام-ابن قيم الجوزية في زاد المعاد أن سعد بن معاذ كان قد توفي بعد غزوة بني قريظة قبل حديث الإفك،

عدد الصفحات ٧٧

75 الأوس ضربنا عنقه، وا ن كان من إخو اننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك . فقام سعد بن عبادة رضي الله عنه، وهو سيد الخزرج، وكان رجلاا صالحاا ولكن أخذته الحمية. فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله، ل تقتله ول تقدر على ذلك . فقام أسيد بن حضير رضي الله عنه، وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلن ه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين. فثار الحي ان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله-صلى الله عليه وسلم على المنبر، فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا ونزل. وبكيت يومي ذلك ل يرقأ لي دمع، ول أكتحل بنوم. ثم بكيت ليلتي المقبلة ليرقا لي دمع ول أكتحل بنوم. فاصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويوماا، أظن أن البكاء فالق كبدي. فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ استأذنت امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي. فبينما نحن كذلك إذ دخل علينا رسول صلى الله عليه وسلم ، ثم جلس، ولم يجلس عندي من يوم قيل في ما قيل قبلها، وقد مكث شهراا ليوحى إليه في شأني بشيء، فتشهد حين جلس، ثم قال: " أما بعد فإنه بلغني عنك كذا وكذا. فإن كنت بريئة فسيبرئك الله تعالى، وا ن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله تعالى وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب، تاب الله تعالى عليه ". فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه بقطرة . فقلت لأبي: أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال. قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال. قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلمز قالت: وأنا جارية حديثة السنِّ ل أقرأ كثيراا من القرآن، فقلت: إني والله أعلم أنكم سمعتم حديثاا تحدث الناس به، واستقر في نفوسكم، وصدقتم به. فلئن قلت لكم إني بريئة ل تصدقوني بذلك. ولئن اعترفت لكم بأمر ، والله يعلم أني منه بريئة، لتصدق ن ني. فوالله ما أجد لي ولكم مثلاا إل أبا يوسف إذ قال: ( ف ص ب رٌ ج م يلٌ و الل ه ال م س ت ع ان ع ل ى م ا ت ص ف ون ) (1) . ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة، وأن الله تعالى مبرئي ببراءتي . ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل الله تعالى في شأني و ح ياا يتلى؛ ولشأني في نفسي كان أحقر من أن وأن الذي قال ما قيل هو أسيد بن حضير، وكذلك قال الإمام ابن حزم مستشهداا برواية عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة وليس فيها ذكر سعد بن معاذ. (1) سورة يوسف: الآية 14.

عدد الصفحات ٧٨

79 يتكلم الله تعالى في بأمر يتلى؛ ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله تعالى بها. فو الله ما رام مجلسه، ول خرج أحد من أهل البيت، حتى أنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم، فأخذه ما كان يأخذه من الب ر حاء، فس رِّ ي عنه، وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي: يا عائشة احمدي الله تعالى فإنه قد برأك . فقالت لي أمي: قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: والله ل أقوم إليه، ول أحمد إل الله تعالى، هو الذي أنزل براءتي . فانزل الله تعالى: ( إ ن ال ذ ين ج اؤ وا ب الإ ف ك ع ص ب ةٌ مِّنك م .. ) (1 )" العشر الآيات". فلما أنزل الله تعالى هذا في براءتي قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه- وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره - والله ل أنفق على مسطح شيئاا أبداا بعدما قال لعائشة رضي الله عنها. فانزل الله تعالى: (و ل ي أ ت ل أ و ل وا ال ف ض ل م نك م و الس ع ة أ ن ..) إلى قوله: ( و الل ه غ ف ورٌ ر ح يمٌ ) (2) فقال أبو بكر رضي الله عنه: بلى والله لأحب أن يغفر الله لي، فر جع إلى مسطح النفقة التي كان ي جري عليه، وقال: والله ل أنزعها منه أبداا . قالت عائشة رضي الله عنها: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلمسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال: " يا زينب . ما علمت وما رأيت؟ " فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إل خيراا . وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعصمها الله تعالى بالورع . قالت: فطفقت أختها حمنة تحارب لها، فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك (3). وتعال نع ش - أخي الحبيب - في ظلال هذه القصة بقلم الشهيد الأستاذ سيد قطب إذ يقول في تفسير آياتها في سورة النور ما يلي: وهكذا عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته. وعاش أبو بكر رضي الله عنه وأهل بيته. وعاش صفوان بن المعطل.وعاش المسلمون جميعاا هذا الشهر كله في مثل هذا الجو الخانق، وفي ظل تلك الآلم الهائلة، بسبب حديث الإفك الذي نزلت فيه تلك الآيات. (1) سورة النور: الآية 11. (2) سورة النور: الآية 22. (3) قال ابن شهاب: فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط، أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث الزهري =

عدد الصفحات ٧٩

50 وا ن الإنسان ليقف متململاا أمام هذه الصورة الفظيعة لتلك الفترة الأليمة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وأمام تلك الآلم العميقة اللاذعة لعائشة، زوجه المقربة. وهي فتاة صغيرة في نحو السادسة عشرة . تلك السن المليئة بالحساسية المرهفة والرفرفة الشفيفة. فها هي ذي عائشة الطيبة الطاهرة . ها هي ذي في براءتها ووضاءة ضميرها، ونظافة تصوراتها، ها هي ذي ت رمي في أعز ماتعتز به. ت رمى في شرفها . وهي ابنة الصديق الناشئة في العش الطاهر الرفيع . وترمى في أمانتها. وهي زوج محمد بن عبد الله من ذروة بني هاشم. وترمى في وفائها. وهي الحبيبة المدللة القريبة من ذلك القلب الكبير.. ثم ترمى في إيمانها. وهي المسلمة الناشئة في حجر الإ سلام، من أول يوم تفتحت عيناها فيه على الحياة. وهي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم. ها هي ذي ترمى، وهي بريئة غار ة غافلة، ل تحتاط لشيء، ول تتوقع شيئاا؟ فلا تجد ما يبرئها إل أن ترجو في جناب الله، وتترقب أن يرى رسول الله رؤيا، تبرئها مما رميت به. ولكن الوحي يتلبث، لحكمة يريدها الله، شهراا كاملاا، وهي في مثل هذا العذاب. ويا لله لها وهي تفاجأ بالنبأ من أم مسطح. وهي مهدودة من المرض، فتعاودها الحمى؛ وهي تقول لأمها في أسى: سبحان الله! وقد تحدث الناس بهذا؟ وفي رواية أخرى تسأل: وقد علم به أبي؟ فتجيب أمها: نعم! فتقول: ورسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فتجيبها أمها كذلك: نعم!. ويالله ورسول الله  نبيها الذي تؤمن به ورجلها الذي تحبه، يقول لها: " أما بعد فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله تعالى، وا ن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله تعالى وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه ".. فتعلم أنه شاكٌّ فيها، ل يستيقن من طهارتها، ول يقضي في تهمتها. ورب ه لم يخبره بعد، ولم يكشف له عن برائتها التي تعلمها ولكن لتملك إثباتها؛ فت مسي وتصبح وهي تهمة في ذلك القلب الكبير الذي أحبها، وأحل ها في سويدائه!. وها هو ذا أبو بكر الصديق في وقاره وحساسيته وطيب نفسه يلذعه الألم، وهو ي رمى في عرضه . في ابنته زوج محمد صاحبه الذي يحبه ويطمئن إليه، ونبيه الذي يؤمن به ويصدقه تصديق القلب المتصل، ل يطلب دليلاا من خارجه .. وا ذا الألم يفيض على لسانه، وهو الصابر المحتسب القوي على الألم، فيقول: والله ما رمينا بهذا في جاهلية. أفنرضى به في الإ سلام؟ وهي كلمة تحمل من المرارة ما تحمل. حتى إذا قالت له ابنته المريضة المعذبة: أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال في مرارة هامدة: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم!.

عدد الصفحات ٨٠