المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

صور من تأذي الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن

د .عثمان قدري مكانسي

صفحة ٤ من ١٠

49 سورة التوبة (2) [ الآية51] ( و م ن ه مال ذ ين ي ؤ ذ ون الن ب ي و ي ق ول ون ه و أ ذ نٌ ق ل أ ذ ن خ ي ر ل ك م ي ؤ م ن ب الل ه و ي ؤ م ن ل ل م ؤ م ن ي ن و ر ح م ةٌ لِّل ذ ين آم ن وا م نك م و ال ذ ين ي ؤ ذ ون ر س ول الل ه ل ه م ع ذ ابٌ أ ل يمٌ ). من بين المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يدعى نبتل بن الحارث، وكان دميماا ، مشو ه الخلقة سِّ يىء الأدب ،قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث . كان هذا المنافق يبسط لسانه في أذي ة النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: إن عاتبني حلفت له بأني ما قلت هذا، فيقبله، فإنه أذن سامعة !! إنها صورة من صور سو ء الأدب مع الرسول الكريم في صورة أخرى غير صورة اللمز في الصدقات. و لماذا يؤذونه ؟ !! إن ال ذي ل يستط يع أن يعيش إل في الماء الآسن والوحل والقاذورات لن يطيب له العيش في الأرض المر تفعة حيث الهواء النقي والماء العذب والنظافة .. والذي يستمع إلى أدب رفيع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تعوده.. يستنكر هذا الأدب الرفيع .. و يصفه بغير حقيقته. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع للصادق في صدقه حتى إذا فرغ ش ي عه بالدعاء وبش في وجهه، ويستمع للكاذب في كذبه حتى إذا فرغ لم يجبهه بل ش ي عه بكلمات تعلمه الأدب دون أن يجرح نفسه لأنه المر بِّي.. القدوة.. وأص حاب الأدب الرفيع يحمدون له هذه الصفة، فلا ي جِّ ل الكريم ال الكر يم .. أما اللئيم فيحسب لخساسة نفسه وسوء طبعه أن الرسول عليه الصلاة والسلام سم اعٌ لكل قول ، يصدٍّ ق كل انسان ، يجوز عليه الكذب وا لخداع والبراعة ول يفطن إلى غش القول وزوره، ومن ح ل ف له صد قه، ومن دس عليه قولا قبله، يقولون هذا بعضهم لبعض تطميناا أن يكشف النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة أمرهم أو يفطن إلى نفاقهم، ويقولونه طعناا على النبي في تصديقه المؤمنين الخلص الذين ينقلون له ما يطلعون عليه من شؤون المنافقين وأعمالهم وأقوالهم عن الرسول والمسلمين.

عدد الصفحات ٤٩

60 ويأخذ القرآن كلامهم ليجعل منه ردا.. (و ي ق ول ون ه و أ ذ نٌ )(1) نعم.. ولكن: ) ق ل أ ذ ن خ ي ر ل ك م ) (2) أذن خير يستمع إلى الوحي ثم يبلغه لكم،وفيه خيركم، وصلاحكم، وأذن خير يستمع إليكم في أدب ولا يجبهكم بنفاقكم، ولا يرميكم بخداعكم، ولا يأخذكم بريائكم، ( ي ؤ م ن ب الل ه ) (3) فيصدق كل ما يخبره به عنكم وعن سواكم (و ي ؤ م ن ل ل م ؤ م ن ين ( (4) فيطمئن إليهم ويثق بهم، لأنه يعلم منهم صدق الإيمان الذي يعصمهم من الكذب والالتواء والرياء.. ) و ر ح م ةٌ لِّل ذ ين آم ن وا م نك م ( (6) يأخذ بيدهم إلى الخير..(و ال ذ ين ي ؤ ذ ون ر س ول الل ه ل ه م ع ذ ابٌ أ ل يمٌ ( (5) فالله يغار على رسوله أن يؤذى، وهو رسول الله.. "من ظلال القرآن بتصرف". يقولون ما يقولون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يأتون إلى المسلمين يحلفون لهم أنهم ما ذكروا الرسول صلى الله عليه وسلم بسوء.. وهم كاذبون .. فكما يكذبون على صاحب الدعوة يكذبون على أتباعه .. ( ي ح ل ف ون ب الل ه ل ك م ل ي ر ض وك م ) (1) . لماذا يحلفون؟ أيريدون إرضاء الناس .. فرضاء الله أولى، وإرضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى، ( و الل ه و ر س ول ه أ ح ق أ ن ي ر ض وه إ ن ك ان وا م ؤ م ن ين ) (2) وإني لأعجب من الأسلوب القرآني الوحيد الذي استعمل (الهاء المفردة ) في يرضوه للدلالة على أنَ إرضاء الرسول م ن إرضاء الله تعالى. فلو كانوا مؤمنين، وهذه الصفة هم بعيدون عنها، ما أساءوا إلى رسول الله الذي ب عث رحمة للعالمين، وماذا يكون الناس، مهما بلغوا من قوة وعظمة، إلى قوة الله؟! لكنَ الكافر بالله لا يعرف مقدار الله (و م ا ق د ر وا الل ه ح ق ق د ر ه )(3) . ولو كان الكافر يعرف قدر الله لآمن به وأحب الرسول، وذاب في العمل بشريعته . لكنه مادي، ل يرقى إلى الفهم الصحيح ، فيحسب حساب العباد، ول يعنو للمعبود . يذل ويخضع للعباد، ويجهل مقدار رب العباد، ويعرض عنه جهلاا وسفاهة. إنهم حين يؤذون رسول الله، يؤذون المؤمنين، وينس ون أن الله تعالى الذي أرسل رسوله، يغضب أن يساء إليه، وينصره، ويدافع عنه، فمقام الرسول من مقام من أرسله .. لذلك كان التوبيخ والت أنيب،.. لذلك كان التهديد والوعيد . (1) سورة التوبة: الآية 51. (2) سورة التوبة: الآية 51. (3) سورة التوبة: الآية 51. (4) سورة التوبة: الآية 51. (6) سورة التوبة: الآية 51. (5) سورة التوبة: الآية 51. (1) سورة التوبة : الآية 52. (2) سورة التوبة: الآية 52. (3) سورة الأنعام: الآية 91.

عدد الصفحات ٥٠

61 (أ ل م ي ع ل م وا أ ن ه م ن ي ح اد د الل ه و ر س ول ه ف أ ن ل ه ن ار ج ه ن م خ ال داا ف يه ا ذ ل ك ال خ ز ي ال ع ظ يم )(1) . إن جهنم في انتظار هؤلء، تستقبلهم بالويل والث بور وعظائم الأمور.. فليس لهم كرامة، وليس لهم سوى العذاب الشديد الأبدي، في نار وقودها الناس وا لحجارة .. نار تشويهم، وتحرق جلودهم.. كلما نضجت هذه الجلود بد لها الله جلوداا أخرى، ليذوقوا العذاب .. يا رب إني مؤ منٌ أرجوك أن تغفر لي أحب أن تعفو عن ما قد بدا من زللي وحب طه واتباع الل لللحق يحيي أملي إنني إليه أنتملي فهبني حسن العمل(1)    (1) سورة التوبة : الآية 53. (1) الأبيات للمؤلف.

عدد الصفحات ٥١

62 الكذب والفتراء الكذب: الإخبار عن الشيء بخلاف الحقيقة. والفتراء : الكذب، واختلاق الأمور . فالكذب والفتراء إذ اا .. شيء واحد، ل يرضاه الطبع الكريم، وصفة تأباها النفوس الشريفة . وقد يقع المسلم في أخطاء كثيرة ويغض الشرع عنها ويسامح أصحابها إن اجترحوها . أما الكذب فليس من صفات المؤمن وهو بعيد عنه كل البعد. قال تعالى :( ف ل و ص د ق وا الل ه ل ك ان خ ي راا ل ه م )(1) . وروى ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ".. وا ن الكذب يهدي إلى الفجور، وا ن الفجور يهدي إلى النار، وا ن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذ ابا". " متفق عليه ". لماذا يكذب الإنسان؟ : إن من أسباب الكذب : 1- ضعف الإيمان: فلو كان الإنسان يعلم علم اليقين أن حياته وأجله ورزقه مقدر عليه، وأن الله تعالى حين خلقه كتب له من ذلك ما أراد .. لم يكذب بل كان صادقاا مع نفسه أولا ، ومع الآخرين ثانياا . 2- الخوف من الأذى: وهذا له علاقة بالسبب الأول.. وقد يقع الإنسان في مأزق، أو يتصرف تصرفاا يشعر بعده أنه تورط .. وما إلى ذلك، فخاف على نفسه وضعفت نفسه، فانجرف إلى الكذب ع ل ه ينجو! ول نجاة من الكذب،وقد قال الأقدمون : إن كان الكذب ينجي فالصدق أنجى. (1) سورة محمد : الآية 21.

عدد الصفحات ٥٢

63 3- النفاق: وهو صفة م ن ضعفت أخلاقه أو ع د م ها فرأى التزلف والتملق أقرب السبل إلى الوصول إلى الهدف، فانزلق في الكذب والفتراء، وحسب أن الطمأنينة والسعادة يحوزها حين يتخلى عن صد ق ه، ويلجأ إلى الفتراء والكذب، فيغوص في أوحالها، ولم ي د ر أنه غاص كذلك في نار جهنم. 4- التنصل من التبعات: وهذا دأب الكافرين والمشركين ا لذين رأوا أن تصديق الرسل يعني اللتزام بعقيدة يجب أن ينافحوا عنها، وشرع يجب عليهم أن يلتزموه في حياتهم، ونمط من السلوك ل يقدرون عليه لضعف في نفوسهم وخسارة لمكاسب دنيوية يتمسكون بها ويحاربون الناس عليه. لماذا لا يجوز على الأنبياء الكذب؟ : ا- لأن الله تعالى فضَ لهم على عباده واختارهم منهم، فهم النخبة من خلقه أنش أهم على عينه (ولتصنع على عيني) ..( و ا س م اع يل و ال ي س ع و ي ون س و ل وطاا و ك لاًّ فض ل ن ا ع ل ى ال ع ال م ين ) (1) . عصمهم الله عن الخطأ، وحب اهم العلم والمعرفة.. بل إنَ الله فضَ ل بعضهم على بعض: ( ت ل ك الر س ل ف ض ل ن ا ب ع ض ه م ع ل ى ب ع ض )(2). ( و ل ق د ف ض ل ن ا ب ع ض الن ب يِّين ع ل ى ب ع ض و آت ي ن ا د او ود ز ب وراا ) (3). 2- لأن الأنبياء أصحاب رسالت والرسول مؤتمن.. ول يكون أمين اا إلَّ إذا كان مثال الإنسان الكامل في صفاته، يستطيع أداء الرسالة المكلف بها أدا ءا صحيحاا .. وكلمة واحدة تزرع الشك في نفوس أتباعه فضلاا عن الآخرين والأعداء المتربصين له، الذين يحصون عليه حركاته وسكناته، ويكيدون له، ويمكرون به. 3- لأنهم قدوة، ول يكون الإنسان قدوة لغيره إل إذا ملأ عينه، وفرض بتصرفاته وأعماله احترامه له، ول بد أن تكون شخصية القدوة متكاملة في كل جانب من جوانب الحياة، سامقة كقمم الجبال، ترنو إليها العيون، وتتطلع إليها العقول، وتج ب لها القلوب، فتقلدها في أفعالها وأقوا لها (1) سورة الأنعام : الآية 55 . (2) سورة البقرة : الآية 263. (3) سورة الإسراء : الآية 66.

عدد الصفحات ٥٣

64 وا شارتها ولذلك كان الأنبيا ء الأسوة الحسنة لمن دعوهم، وقد مدح رب العزة رسوله الكريم فقال : (و ا ن ك ل ع لى خ ل ق ع ظ يم ) (1). وزكى نفسه وسمعه وبصره ولسانه وقلبه وعقله وجعله الرجل الكامل .. لماذا؟!! ( ل ق د ك ان ل ك م ف ي ر س ول الل ه أ س و ةٌ ح س ن ةٌ لِّم ن ك ان ي ر ج و الل ه و ال ي و م الآ خ ر و ذ ك ر الل ه ك ث يراا ) (1). والمتتبع لآيات القرآن الكريم يجد أنه ما من نبي الاَ كذَ به قوم ه : ( ك ذ ب ت ق و م ن وح ال م ر س ل ين ) (2). ( ك ذ ب ت ع ادٌ ال م ر س ل ين) (3). (ك ذ ب ت ث م ودال م ر س ل ين ) (4). (ك ذ ب ت ق و م ل وط ال م ر س ل ين) (6) . (ك ذ ب ت ق ب ل ه م ق و م ن وح و أ ص ح اب الر سِّ و ث م ود ) (5) . وقد ذكر القرآن تكذيب الأقوام رسلهم جملة واحدة. ( إن كل إل كذب الرسل فحق عقاب) (7) . (و أ ص ح ابالأ ي ك ة و ق و م ت ب ع ك لٌّ ك ذ ب الر س ل ف ح ق و ع يد ) (5). (1) سورة القلم : الآية 4. (1) سورية الاحزاب: الآية 21. (2) سورة الشعراء: الآية 106 (3) سورة الشعراء : الآية 123. (4) سورة الشعراء : الآية 141. (6) سورة الشعراء : الآية 150. (5) سورة ق : الآية 12. (7) سورة ص: الآية 14. (5) سورة ق : الآية 14.

عدد الصفحات ٥٤

66 إذاا فما من نبي جاء قومه إل كذبوه .. وكأنهم تواصوا بذلك، ومردوا عليه ( ف و ي لٌ لِّل ذ ين ك ف ر وا م ن ي و م ه م ال ذ ي ي وع د ون ) (1) . ولم يكن الرسول عليه الصلاة والسلام ب دعاا من الرسل فكذبه قومه وآذوه (و ا ن ي ك ذِّب وك ف ق د ك ذ ب ال ذ ين م ن ق ب ل ه م ) (2) ولم يأل القرآن الكريم أن ر د على افتراءات الكفار وتكذيبهم، بل عض د موقف النبي صلى الله عليه وسلم، ودافع عنه ووصفه بالصدق، ورد على افتراءات الكفار (3). (و م ا ك ان ه لذ ا ال ق ر آن أ ن ي ف ت ر ى م ن د ون الل ه) (4). بل هاجم القرآن المفترين المكذبين، وتحداهم أن يأتوا بمثله ( أ م ي ق ول ون اف ت ر اه ق ل ف أ ت وا ب ع ش ر س و ر مِّث ل ه م ف ت ر ي ات ) (6) . ولن يستطيعوا لأنه كتاب الله العزيز العليم، الذي ل يأتيه الباطل من بين يديه ول من خلفه . بعض أسباب التكذيب والفتراء : لو استعرضنا آيات القرآن الكريم، باحثين عن الأسباب التي دعت الناس إلى تكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لوقفنا على كثير منها .. ولسنا هنا في صدد إحصائها، إنما نحب أن نلقي ضوءا على أهمها. ا- الشرك .. فهو الطام ة الكبرى التي تؤدي بصاحبها إلى جهنم وساءت مصير اا ، وقبل ذلك إلى غضب الله تعالى، فحياة الشرك، والرغبة في البقاء في حمأتها ووحلها تجعل المشرك يكذب الرسول صلى الله عليه وسلم والأنبياء من قبله صلوات الله عليهم ( و م ن ي ش ر ك ب الل ه ف ق د اف ت ر ى إ ث ماا ع ظ يما )ا (1). 2- المكابرة : تؤدي بصاحبها في مستنقع الضلال وحفرة الإشراك والكفر ألم يقل الحكماء " العناد ي و رث الكفر" والمكابرة تشحن صاحبها أن يجد ثغرة للتفلت، وتعميه عن رؤية الحق، (1) سورة الذاريات: الاية 50 . (2) سورة فاطر : الآية 26. (3) سورة يونس : الآية 37. (4) سورة يوسف : الآية 111. (6) سورة هود : الآية 13. (1) سورة النساء: الاية 84.

عدد الصفحات ٥٥

65 وتسول له العناد والتحدي، ورجلٌ هذه صفاته وهذه طريقته في الحياة ل يرى ضياء الإيمان ول يريد أن يراه فيكذ ب صاحبه ويتقول عليه الأقاويل : ) ب ل ى ق د ج اءت ك آي ات ي ف ك ذ ب ت ب ه ا و اس ت ك ب ر ت ) (1). (و ا نِّي ك ل م ا د ع و ت ه م ل ت غ ف ر ل ه م ج ع ل وا أ ص اب ع ه م ف ي آذ ان ه م و اس ت غ ش و ا ث ي اب ه م و أ ص ر وا و اس ت ك ب ر وا اس ت ك ب اراا ) (2) . كما أن الجحود- كما مر معنا- يؤدي إلى التكذيب : ( ق د ن ع ل م إ ن ه ل ي ح ز ن ك ال ذ ي ي ق ول ون ف إ ن ه م ل ي ك ذِّب ون ك و ل ك ن الظ ال م ين ب آي ات الل ه ي ج ح د ون ) (3). 3- ضعف الأيمان وعدمه: ومن أين لفاقد الشيء أن يشعر بلذته، إن الإيمان إذا لمس ش غاف القلب حرك مشاعره، وأو قد حبه لله ورسوله فصد ق كتابه وحفظه علماا وعملاا وطب قه فكان قرآن اا يمشي على الأرض، أما فر اغ القلب من الإيمان والعقل من التفكر فيورث التكذيب والفتراء : ( إ ن م ا ي ف ت ر ي ال ك ذ ب ال ذ ين ل ي ؤ م ن ون ب آي ات الل ه و أ و للئ ك ه م ال ك اذ ب ون ) (4) . بعض نتائج الافتراء والتكذيب: إن نتائجها متعددة، وا حصاؤها يستدعي الكثير من النتباه والتفكر ، وا ليك أخي المؤمن بعض ها، نسأل الله تعالى أن يكتب لنا الإيمان، ويزينه في قلوبنا، ويكر ه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، وأن يجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم لقائه سبحانه: 1- السقوط في غضب الله ولعنته أبد الآبدين: ( و م ن أ ظ ل م م م ن اف ت ر ى ع ل ى الل ه ك ذ باا أ و ل لئ ك ي ع ر ض ون ع ل ى ر بِّه م و ي ق ول الأ ش ه اد ه لؤ لء ال ذ ين ك ذ ب وا ع ل ى ر بِّه م أ ل ل ع ن ة الل ه ع ل ى الظ ال م ين ) (1). 2- العذاب الشديد: والسؤال الاستنكاري : ( و ي ل ك م ل ت ف ت ر وا ع ل ى الل ه ك ذ باا ف ي س ح ت ك م (2) ب ع ذ اب و ق د خ اب م ن اف ت ر ى ) (3) . (1) سورة الزمر : الآية 69. (2) سورة نوح : الآية 7. (3) سورة الأنعام : الآية 33. (4) سورة النحل : الآية 106. (1) سورة هود : الآية 15. (2) يسحتكم: يستأصلكم

عدد الصفحات ٥٦

67 فما أشدَ هذا العذاب الذي توعده الله الكافرين وما أعظم تدميره الذي لا ي بقي ولا يذر، سببه تكذيب المرسلين والافتراء على الله سبحانه. ( ت الل ه ل ت س أ ل ن ع م ا ك نت م ت ف ت ر ون ) (1). وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه من نوقش الحساب فقد هلك يقول الله تعالى: يا عبدي أرسلت إليك محمد اا صلى الله عليه وسلم فلم تؤمن، بل كذ بته ورميته بالفتراء وقلت ما أنزل الله من شيء..خلقت لك العقل تفكر به، فعشت كالأنعام ل تستعمل عقلك إل بما يرضي شهواتك .. وض حت لك الطريق إل ي ، وزرع ته بعلامات الأمان، ولوحات التوجيه، لتصل إلى مرضاتي سالم اا ، وأنرت ه بالشريعة السمحاء تساعدك على الرؤية الواضحة فلا تصطدم بمعوقات الشهوات، وذل ل ت لك الطريق وم ه دته تمهيداا ، فأزلت الجنادل وصغار المثبطات.. فأعرضت عن هذا كله، وركبت رأسك، واتبعت سفاسف الأمر فليس لك عندي جزاء سوى النار .. نعوذ بالله من غضبه وسخطه. 3- الكذب على النفس أولا وخسارة الأنفس : إن الإنسان حين يكذب يسعى إلى مصلحة نفسه - كما يظن- ويعمل لنفعها فيسلك سبيل الكذب والتكذيب ويسمح لنفسه أن يفتري على الله والناس، وأول من يكذب عليهم الكذاب نفسه، في ضلها وي رديها في شر أعماله: ( انظ ر ك ي ف ك ذ ب وا ع ل ى أ نف س ه م و ض ل ع ن ه م م ا ك ان وا ي ف ت ر ون ) (1) فهو في البداية يعرف نفسه كذاب اا ، ويعمل لطمس الحقيقة، وعلى مر الأيام ل يرى الحقيقة التي طمسها، إنما يرى كذبه ن م ا وطغى حتى ما عاد يرى غيره، فيض ل معتقداا أنه على الحق.. وبذلك يخسر نفسه : ( ق د خ س ر وا أ نف س ه م و ض ل ع ن ه م م ا ك ان وا ي ف ت ر ون ) (2) ومن خسر نفسه فلن يرى خسارة أشد منها، ول يفلح أبد ا (إ ن ال ذ ين ي ف ت ر ون (3) سورة طه : الآية 51. (1) سورة النحل : الآية 65. (1) سورة الأنعام : الآية 24. (2) سورة الأعراف : الآية 63.

عدد الصفحات ٥٧

65 ع ل ى الل ه ال ك ذ ب ل ي ف ل ح ون ) (3) . وكيف يفلح من يكذب على الله، ويكذ ب رسوله؟!! ( ق د خ س ر ال ذ ين ك ذ ب وا ب ل ق اء الل ه )(4). 4- التبكيت والتوبيخ : يحاسب المكذب الكافر يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، من غير ستر يحجبه عن عيون العباد.. فلا حرمة في الآخرة لمن لم ي ر ع حرمة الله، ولا كرامة لمن جر ح كرامة الرسل والأنبياء، وكذبهم، و شه ر بهم.. فالعقاب يوم القيامة من جنس العمل. ( و ي ق ول الأ ش ه اد ه لؤ لء ال ذ ين ك ذ ب وا ع ل ى ر بِّه م أ ل ل ع ن ة الل ه ع ل ى الظ ال م ين ) (1) فتنظر إليهم الخلائق لاعنة لهم، متبرئة منهم، ويوب خه الله تعالى، والجميع يسمعون، قبل طرحه في النار قائلاا ( ب ل ى ق د ج اءت ك آي ات ي ف ك ذ ب ت ب ه ا و اس ت ك ب ر ت و ك نت م ن ال ك اف ر ين (69 )و ي و م ال ق ي ام ة ت ر ى ال ذ ين ك ذ ب وا ع ل ى الل ه و ج وه ه م م س و د ةٌ أ ل ي س ف ي ج ه ن م م ث واى لِّل م ت ك بِّر ين ) (2) . ويشتد القرآن في توبيخهم حتى ل يجد الكافر أمامه إل العذاب والنار الحارقة، ف أين المفر من عذاب الله؟! وأين الأمل في الإفلات والنجاة؟ ! ولعلك تشعر بموقفهم الم هين في هذا التصوير البديع (إ ن ال ذ ين ك ذ ب وا ب آي ات ن ا و اس ت ك ب ر وا ع ن ه ا ل ت ف ت ح ل ه م أ ب و اب الس م اء و ل ي د خ ل ون ال ج ن ة ح ت ى ي ل ج ال ج م ل ف ي س مِّ ال خ ي اط ) (3) وهل يعقل أن يتسع خرم الإبرة لحجم الجمل الضخم؟ !! نسأل الله حسن الخاتمة. بعض طرائف عذاب المكذبين والمفترين في الدنيا : لئن كان مثوى الكافرين يوم القيامة النار، خالدين فيها أبداا ، فإن الله تعالى عج ل لهم العقوبة في الدنيا ليذوقوا العذاب مرتين فيشعروا بطعم مرارة الكفر في آخر عهدهم من الدنيا، وفي الآخرة .. 1- فهؤلء قوم نوح عليهم السلام، حين كفروا أرسل الله تعالى عليهم الطوفان فأغرقهم، فأدخلهم النار (م م ا خ ط يئ ات ه م أ غ ر ق وا ف أ د خ ل وا ن اراا ف ل م ي ج د وا ل ه م مِّن د ون الل ه أ نص اراا ) (1) والعطف بالفاء (3) سورة النحل : الآية 115. (4) سورة الأنعام : الآية 31. (1) سورة هود : الآية 15. (2) سورة الزمر : الآيتان 69،56. (3) سورة الأعراف : الآية 40. (1) سو رة نوح : الآية 26.

عدد الصفحات ٥٨

69 يدل على الترتيب والتعقيب . فما أن أغرقهم الله حتى أدخلهم النار، فخرجوا من عذاب إلى عذاب. وهذا فرعون وجيشه، خرج يتبع موسى عليه السلام وقومه ليمنعهم من الفرار بدينهم، وليقتلهم، فابتلعه اليم ، ثم نجاه الله ببدنه ليكون عبرة للأجيال إلى يومنا هذا. ف انت ق م ن ا م ن ه م ف أ غ ر ق ن اه م ف ي ال ي مِّ ) (2) . 2- وحين كذبت عادٌ نبي ها هوداا عليه السلام ، أهلكها بالريح الشديدة الصرصر، أرسلها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماا ، فترى القوم فيها صرعى ك أنهم أعجاز نخل خاوية، فلم يبق منهم أحد- في سورة الحاقة - وقد وصف الله تعالى هذا اليوم بأنه ( إ ن ا أ ر س ل ن ا ع ل ي ه م ر يحاا ص ر ص راا ف ي ي و م ن ح س م س ت م رٍّ (19 )ت نز ع الن اس ك أ ن ه م أ ع ج از ن خ ل م نق ع ر (20 )ف ك ي ف ك ان ع ذ اب ي و ن ذ ر ) (1) . 3- وحين كذبت ثمود نبيها صالحاا عليه السلام، أهلكها الله بالطاغية، وهي الصيحة المجاوزة للحد في الشدة، ( ف أ م ا ث م ود ف أ ه ل ك وا ب الط اغ ي ة ) (2) ، ( إ ن ا أ ر س ل ن ا ع ل ي ه م ص ي ح ةا و اح د ةا ف ك ان وا ك ه ش يم ال م ح ت ظ ر ) (3) ، الله أكبر صيحة واحدة تجعلهم كالعشب اليابس المتفتت من شجر الحظيرة؟ !! إنها قوة الله !! وجبروت الله!! وانتقام الله !! 4- أما النبي لوط عليه السلام فإن قومه كانوا مكذبين ضالين يأتون في ناديهم المنكر، ويت بعون غير سنة الله في الحياة.. شاذين يأتي الرجا ل الرجال .. فكان عقابهم الأول أن أرسل الله عليهم حاصباا ، وهي ريح ترميهم بالحصباء، ثم أمر الملك فقلب المدينة بهم رأس اا على عقب ( ف ج ع ل ن ا ع ال ي ه ا س اف ل ه ا )(1). وطرائق العذاب في الدنيا كثيرة في هؤلء الذين كذبوا على الله، وك ذ بوا أنبياءه، منها أن ينصر الله المسلمين عليهم، فيعذبهم بأيدي المسلمين، ويتملكهم الخزي في القتل وذلة الأسر والتبعية، ( ق ات ل وه م ي ع ذِّب ه م الل ه ب أ ي د يك م و ي خ ز ه م و ي نص ر ك م ع ل ي ه م و ي ش ف ص د ور ق و م م ؤ م ن ين (14 )و ي ذ ه ب غ ي ظ ق ل وب ه م) (2) . (2) سورة الأعراف : الآية 135. (1) سورة القمر : الآيات 19- 21. (2) سورة الحاقة : الآية 6. (3) سورة القمر : الآية 31. (1) سورة الحجر: الآية 74. (2) سورة التوبة : الآيتان 14- 16. (3) سورة الأنفال : الآية 50.

عدد الصفحات ٥٩

50 والعدو ل تنكسر شرته، ول تخضد شوكته، إل بجهاده والستنفار لقتاله، والتجهز لمحاربته .. ولئن وصف النصارى واليهود المسلمين بالإرهاب، لهذه الصفة من مناقب الشانئين و سماتهم، ول يضير المسلمين ما يدعيه الأعداء إذ يمدحهم الله عز وجل ( و أ ع د وا ل ه م م ا اس ت ط ع ت م مِّن ق و ة و م ن رِّب اط ال خ ي ل ت ر ه ب ون ب ه ع د و الل ه و ع د و ك م ) (3 )فإرهاب العدو فر ض، فرضه الله على المسلمين. وقد أمرنا الله أن نثخن في الأرض، فهي اللغة التي يفهمها أعداؤنا ( م ا ك ان ل ن ب يٍّ أ ن ي ك ون ل ه أ س ر ى ح ت ى ي ث خ ن ف ي الأ ر ض ) (1) بل إن الرسول الكريم ي س ن لنا شريعة نعامل بها أعداءنا الذين يمكرون بنا دائماا ، فقد كان من وصيته صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد حين وله قيادة الجيش إلى بلاد الشام، أن ينزل على أعداء الله في ع ماية الصبح، وأن يمعن فيهم قتلاا ، وأن يحرقهم بالنار (يحرق بيوتهم )، ومن وصية الصديق رضي الله عنه لأسامة حين شيعه، أن يخفق المقاتلين بالسيف خفقاا ، وقد طلب رضي الله عنه إلى أحد قادته في قتال المرتدين أن ل ي بقي على أحد منهم قد ر عليه، وأن يحرقهم بالنيران، ويقتلهم كل ق تله.. إن أعداءنا - إن ظهروا علينا- ل يرقبو ا في مؤمن إلا ول ذمة ( إ ن ي ث ق ف وك م ي ك ون وا ل ك م أ ع د اء و ي ب س ط وا إ ل ي ك م أ ي د ي ه م و أ ل س ن ت ه م ب الس وء و و د وا ل و ت ك ف ر ون ) (2). ......... (1) سورة الأنفال: الاية 57. (2) سورة الممتحنة: الآية 2.

عدد الصفحات ٦٠

51 سورة الح جر [الآيتان 94،96 ] ) ف اص د ع ب م ا ت ؤ م ر و أ ع ر ض ع ن ال م ش ر ك ين (94 )إ ن ا ك ف ي ن اك ال م س ت ه ز ئ ين). الستهزاء والسخرية : إن الرسول صلى الله عليه وسلم مكلف بدعوة التوحيد .. وكذلك الأنبياء عليهم الصلوات والسلام عليهم أن يبلغوا رسالت ربهم وأن يوضحوها للناس ويخرجوهم - بإذن ربهم - إلى الصراط المستقيم والمحجة البيضاء ليل ها كنهارها .. والأنبياء والمرسلون ل يكلفون بذلك إل حينما يميل الناس إلى الباطل بشهواتهم، ورغباتهم، وينحرفون إلى فساد العقيدة، وفساد التصور، وفساد التصرف فيعيشون خبط عشواء، ل يدرون ل م يعيشون؟ ول م خلقوا؟ وهل يبعثون؟ ولماذا يبعثون؟ فإذا كانت هذه حالهم فسد ت فطرت هم، وفساد الفطرة أمر خطير يجعل صاحبه يعيش كالبهائم بل أضل.. فالبهائم لعقل لها تفكر به، ول نور في قلبها يدف عانها إلى الهداية.. أما الإ نسان إذا فسدت فطرته كان له عقلٌ ل يفكر به، ونورٌ طمس في قلبه، وبصيرة حجبها الران، وطول الزمان يصيِّ ر ه أكثر ضلالا من البهائم، لأنه أرقى منها مستوى بعقله وقلبه فنزل إلى مستواها بمحض إرادته - وكان يستطيع أن يرتفع - ولئن كانت البهائم مخلوقة هكذا، فلها عذرها، أما هو فقد حفر لنفسه وأساءها فكان أحط منها . ولأن الكافرين هذه صفاتهم، ف إن الرسل وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يصدعون بالتوحيد ويدعون الناس إلى عبادة ربهم يجدون عداوة شديدةا منهم وا يذاءا ..وسخريةا واستهزا ءا .. وهم يتحملون لأن صاحب الرسالة يعرف سلف اا أن دعوته تجد معارضين من ذو ي الأهواء، والمصالح الآني ة الدنيوية والمفسدين الذين ي عيشون متفلتين، ل ضابط يردعهم، ول مانع يوقفهم، ول شريعة تضبط تصرفاتهم .. هم يعلمون أن الضياء يتفلت قليلاا من حلكة الظلام، وأن النور يتقدم بطيئاا ، لكنهما يثبتان في نفوس الناس بالصبر والحلم والأناة .

عدد الصفحات ٦١

52 ولكن الرس ل بشرٌ ، لهم عواطفهم وقدراتهم في تحمل سماجة السمجين، وبداوة المكذبين وح لف المتكبرين وسخرية الساخرين وهزء الهازئين .. والله تعالى ليتركهم لبشريتهم وضعفهم بل يق و ى أنفسهم ويشد من أزرهم . ويدافع عنهم : ( إ ن الل ه ي د اف ع ع ن ال ذ ين آم ن وا..) (1). روى القرطبي في الجزء العاشر ص 52 في الجامع لأحكام القرآن عن عبد الله بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ا أم ر بالجهر خرج هو وأصحابه غير مبالين بالمشركين معرضين عنهم . وقال ابن إسحاق: لما تمادوا في الشر، وأكثروا برسول الله صلى الله عليه وسلم الستهزاء، أنزل الله تعالى ( ف اص د ع ب م ا ت ؤ م ر ..) (2) الآية، والمعنى أن الله كافيك ه ؤ لء المشر كين المستهزئين، وكانوا خمسة من رؤساء أهل مكة ، وهم الوليد بن المغيرة وهو رأسهم، والعاص بن وائل ، والأسود بن المطلب بن أسد أبو زمعة، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن الطلاطلة، أهلك هم الله جميعاا قبل يوم بدر في يوم واحد، لستهزائهم برسول الله صلى الله عليه وسلم. وسبب هلاكهم فيما ذكر ابن إسحاق: أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يطوفون بالبيت، فقام، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر به الأسود بن المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء فعمي ووجعت عينه فجعل يضرب برأسه الجدار . ومر به الأسود بن عبد يغوث، فأشار جبريل إلى بطنه فاستسقى بطنه فمات ح ب ناا " بطنه عظمت بالماء الأصفر" ومر به الوليد بن المغيرة فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعب رجله، وكان أصابه قبل ذلك بسنين وهو يجر س ب ل ه (ثوبه المسبل اختيالا وفخر اا ) وذلك أنه مر برجل من خزاعة ي ر بش نبلاا له، فعلق سهم من نبله بإزار المغيرة فخدش في رجله ذلك الخدش، وليس بشيء فانتقض به فقتله. (1) سورة الحج : الآية 35. (2) سورة الحجر : الآية 94.

عدد الصفحات ٦٢

53 ومر به العاص بن وائل فأشار جبريل إلى أخمص رجله، فخرج على حمار يريد الطائف فربض به على ش بر قة ( نبت حجازي يؤكل، وله شوك ) فدخلت في أخمص قدمه شوكة فقتلته. ومر به الحارث بن الطلاطلة، فأشار إلى رأسه فامتخط قيحاا (سال وخرج ) فقتله، وذم هم إذ قال تعالى : ) ال ذ ين ي ج ع ل ون م ع الل ه إ للهاا آخ ر ف س و ف ي ع ل م ون ) (1 ). وقد علم الله تعالى أن الستهزاء يؤثر في النفس البشرية وأكثر ت أثر اا به الأنبياء، وأولهم ت أثر اا سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، فيضيق صدره حزن اا وألم اا بما يقولون من تكذيب وسخرية، فأمره الله تعالى معلماا ومربي اا أن يكثر من التسبيح والصلاة، ليذهب همه وحزنه . ( و ل ق د ن ع ل م أ ن ك ي ض يق ص د ر ك ب م ا ي ق ول ون (97 )ف س بِّح ب ح م د ر بِّك و ك ن مِّن الس اج د ين) (2) . وقد كان رسول الله إذا حزبه أمرٌ نادى على مؤذنه بلال قائلاا : " أرحنا بها يا بلال ". وكان يقول عليه الصلاة والسلام وجعلت قرة عيني في الصلاة . فالصلاة قر بٌ من الله، وب عدٌ عن سفساف الحياة الدنيا، ولجوء الضعيف إلى الله القوي، واستمداد العون منه والمساعدة، إنها رمز العبودية لله، وهي أقصى الدرجات التي يحلم بها العبد المتقرب من موله . من أفعال المستهزئين الساخرين : 1- تكذيبهم بآيات الله والسخرية بها والستهزاء بصحتها وصحة مصدرها : ( ث م ك ان ع اق ب ة ال ذ ين أ س اؤ وا الس وأ ى أ ن ك ذ ب وا ب آي ات الل ه و ك ان وا ب ه ا ي س ت ه ز ئ ون) (1) . وجعلوا التندر بآيات الله تسلية وا زجاء لفراغهم. ( و ات خ ذ وا آي ات ي و م ا أ نذ ر وا ه ز واا ) (2) . 2- السخرية من رسول الله وأصحابه والمؤمنين : (1) سورة الحجر : الآية 95. (2) سورة الحجر : الآيتان 97،95. (1) سورة الروم: الآية 10. (2) سورة الكهف: الآية 65.

عدد الصفحات ٦٣

54 إنها المحاربة النفسية لرسول ا صلى الله عليه وسلم ليكف عن دعوته أو يهادنهم، وهيهات هيهات، فالمؤمن بقضية ع ش ق ها، وامتزجت بقلبه، وخالطت جسمه، ل يترك دعوته، ولو وضعوا الشمس في يمينه والقمر في يساره ،ولو م ل كوه الأرض وما عليها وأغرقوه بالأموال والشهوات . ( و ا ذ ا ر أ و ك إ ن ي ت خ ذ ون ك إ ل ه ز واا أ ه ذ ا ال ذ ي ب ع ث الل ه ر س ولا ( (3) . وما من نبي أرسل إلى الكافرين إل استهزؤوا به، فهذا دأبهم منذ القديم ( ي ا ح س ر ةا ع ل ى ال ع ب اد م ا ي أ ت يه م مِّن ر س ول إ ل ك ان وا ب ه ي س ت ه ز ئ ون ) (1) . 3- الستهزاء والسخرية من الصلاة وأ صحابها: فهم يشيرون إلى المصلين إشارة تدل على قذارة أنفسهم، وخبث مكرهم (و ا ذ ا ن اد ي ت م إ ل ى الص لا ة ات خ ذ وه ا ه ز واا و ل ع با )ا (2) ، وهذه الآية وا ن كانت في المنافقين فالمنافقون كف ارٌ يصرحون أنهم يسخرون من المؤمنين، وأنهم مع الكافرين، فهم في خندق و احد ضد المسلمين ( ق ال وا إ ن ا م ع ك م إ ن م ا ن ح ن م س ت ه ز ئ ون ) (3) . وليندمن الساخرون يوم القيامة حين يرون العذاب على ما فعلوه وما فر طوا في جنب الله وليقول ن نادمين حيث ل ينفع الندم، آسفين حين ل ينفع الأسف. ( ي ا ح س ر ت ى عل ى م ا ف ر طت ف ي ج نب الل ه و ا ن ك نت ل م ن الس اخ ر ين ) (4) . وسيندمون حين يحيط بهم العذاب، ويعرفون تمام المعرفة، ويتيقنون تمام اليقين أنهم ماكثون في العذاب الأليم ( و ح اق ب ه م م ا ك ان وا ب ه ي س ت ه ز ئ ون ) (1) . (3) سورة الفرقان: الآية 41. (1) سورة يس : الآية 30. (2) سورة المائدة : الآية 65. (3) سورة البقرة : الآية 14. (4) سورة الزمر : الآية 65.

عدد الصفحات ٦٤