33 عندئذ فقط استسلموا وأخذوا العهد، وأعطوا الميثاق المغل ظ الموث ق أن يدخلوا بيت المقدس س ج داا ، وأن يعظموا السبت الذي طلبوا أن يكون لهم عيد اا . فماذا كان منهم بمجرد أن ذهب عنهم الخوف وغاب عنهم القهر؟!! لقد تملصوا من الميثاق الغليظ الذي أ خذ عليهم ونقضوه، وحر فوا الآيات وكفروا بها .. وقتلوا أنبياء الله بغير حق، وتبجحو ا حين قالوا : نحن ل نقبل الموعظة، فهي ل تصل إلى قلوبنا، لأن القلوب مغلقة ،بل إنها بعد الغلق مقفلة، فلا ينفذ إليها شيء مما يقوله الأنبياء. هذه المقولة: " قلوبنا غ لف " التي قالوها بسوء أدب وا صرار على المعصية، وضرب بكل العظات والعبر عرض الحائط أورثتهم غضب الله تعالى، فطبع على قلوبهم فصاروا كفار اا ل يعرفون للإيمان سبيلاا إل من رحم الله وهم قليل، خالفوا طريق اليهود المعوج، وفتحوا قلوبهم للحق فكتب الله لهم الإيمان، وزينه في قلوبهم . وهناك- بعد ذلك- أسباب عديدة استحقوا بسببها ما استحقوا من تحريم ا لطيبات عليهم في الدنيا وو عيد بالنار التي تنتظرهم في الآخرة ، وساء المآل... منها: ا- أنهم كفروا بنبوة عيسى عليه السلام حين جاءهم يصحح معتقداتهم ويخفف عنهم- بإذن الله- بعض ما عوقبوا به، كفروا بعيسى ووصفوا أم ه الصِّ دِّ يقة بالزنا .. ذلك القول الذي يكررونه مع الأنبياء العظام، فيعقوب عليه السلام رم وه بالزنا بزوج ابنه، بعد أن شرب الخمر، فسكر.. حاشاه أن يكون كذلك، فهو عبد الله و رسوله . ولوطٌ سقته بنتاه الخمر فزنا بهما فولدتا سفاح اا .. وهل يقول بحق الأنبياء هذه المقالة الخبيثة إل من سفه نفسه؟!! أفلا يرمون الصديقة، وهذه عادتهم لعنة الله عليهم؟! وا ذا كان الأبرار الأطهار والعفيفات الطاهرات لم يسلموا من أذى اليهود فما ظنك بسائر البشر!!! 2- لم يكتفوا بان كفروا برسالة عيسى، إنما حاولوا قتله، وكادوا يظفرون به لول العناية الربانية التي رفعته إلى السماء، ليكون في حرز حريز . وأن ى يصلون إليه، وقد كتب الله في سابق علمه أنه سيعود آخر الزمان ي دك معاقلهم، ويحاربهم، ويقتلهم، ويفرض عليه الإيمان به نبياا يحكم
عدد الصفحات ٣٣34 بشريعة محمد عليه الصلاة والسلام؟ ! هذه الشريعة التي يكيدون لها، ولن يفلحوا ما دامت السموات والأرض ، فالله حفظها بحفظه، وكلأها برعايته، و ا ن مما يثلج الصدر أنه ما من كتابي يموت إل وهو في حشرجة الروح يعرض عليه كفره فيموت مغموماا مهموماا يندب حظه العاثر، وكفره الذي أودى به المهالك . 3- أنهم ظلموا أنفسهم بكفرهم، فاستحقوا غضب الله وناره، وظلموا غيرهم حين صد وهم عن سبيل الله بالإرهاب المادي، والإغراء المعنوي، فهم يلمزون المؤمنين، ويسب ونهم، ويشتمونهم، ويدفعون الأموال لأعوانهم وأزلمهم ثمن اا لإبادة المسلمين، أو التضييق عليهم.. 4- كما أنهم حاربوا الله علانية، إذ تعاملوا بالربا، وقد نهاهم الله عنه، بل يرون من العمل بالد ين- الد ين اليهودي المحر ف- أن يقرضوا غير اليهودي بالربا، وأن يأكلوا أمواله بالباطل، وبكل طريقة، مهما كانت مجحفة وظالمة. وهكذا يكشف الله تعالى حقيقة اليهود، ويفضح خبث طويتهم، وعداءهم للدين ورسله على مرِّ الدهور وكرِّ العصور. ويوضح للمسلمين الطري ق السديد في تعاملهم مع هذا الصنف الماكر، فلا ي أمنون له، ول يتعاملون معه إل بالحذر والحيطة ...أليسوا أعداء الله وأعداء رسوله وأعداء المؤمنين؟ !! 6- كما يؤكد سبحانه أن موقف اليهود من الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وا نكارهم نب و ته هو موقفهم من سائر الأنبياء والرسل، وهذا ل يضير الرسول الكريم . وا ذا أتتك م ذم تي من ناقص *** فهي الشهادة لي بأني كاملٌ ويرفع الله مقام النبي صلى الله عليه وسلم، فيذكره في مقدمة الأنبياء والمرسلين، فهو أعظمهم وا ن جاء آخر هم، فهو الخاتم لبناء التوحيد، وهو صاحب الدين الذي ارت ضاه الله لعباده.
عدد الصفحات ٣٤36 وهو صاحب الدين الذي ل يقبل الله إيمان عبده وا سلامه إل به. ( إ ن الدِّين ع ند الل ه الإ س لا م ) (1). والله يشهد أن محمداا رسوله .. وهل بعد شهادة الله شهادة، اللهم آمنا بك رب اا ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياا ، وبالإسلام ديناا فتقبل منا إنك أنت السميع العليم. (1) سورة آل عمران : الآية 19
عدد الصفحات ٣٥35 سورة المائدة [ الآيتان61- 62 ] (ي ا أ ي ه ا ال ذ ين آم ن وا ل ت ت خ ذ وا ال ي ه ود و الن ص ار ى أ و ل ي اء ب ع ض ه م أ و ل ي اء ب ع ض و م ن ي ت و ل ه م مِّنك م ف إ ن ه م ن ه م إ ن الل ه ل ي ه د ي ال ق و م الظ ال م ين (61 )ف ت ر ى ال ذ ين ف ي ق ل وب ه م م ر ضٌ ي س ار ع ون ف يه م ي ق ول ون ن خ ش ى أ ن ت ص يب ن ا د آئ ر ةٌ ف ع س ى الل ه أ ن ي أ ت ي ب ال ف ت ح أ و أ م ر مِّن ع ند ه ف ي ص ب ح وا ع ل ى م ا أ س ر وا ف ي أ ن ف س ه م ن اد م ين ) هل تجوز موالة اليهود والنصارى؟ إن من يقول بهذا ي دم ج نفسه فيهم، ويقف معهم في خندق واحد لأنه صار منهم وصاروا منه .. وما أشبه الليلة بالبارحة، إنها النفس الإنسانية الخاوية، الخالية من الإيمان التي ترى الدنيا أولا ، وترى الدنيا آخراا ، تنظر إلى أمام أنفها ول تستطيع النفاذ إلى حقيقة الحياة وحقيقة أن اليهود والنصارى بعضهم من بعض، وأن المسلم متميِّ زٌ عنهم فهو عبد الله موحد له، وهو يعلم أن سفره إلى الآخرة حقٌّ ل تشوبه شائبة، وأن السفر يستتبع الزاد ، وأن الزاد يجب أن يكون مبرأ من الهوى وحظ النفس.. وأن خير الزاد التقوى . وأين موالة أهل الكتاب- أعدائنا- من التقوى؟ !! إن البراء من الشرك والمشركين أول الدرب إلى الله تعالى و الوصول إليه سبحانه، وهل تكون موالة من عبدوا عزيراا ومن عبدوا المسيح طريقاا إلى الله وقد رضوا أن يكونوا مشركين كفاراا "وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم ب أفواههم، يضاهئون قول الذين كفروا من قبل، قاتلهم الله أنى يؤفكون ". قال محمد بن إسحاق: كان من أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب ق د مت بج ل ب "ببضاعة" لها، فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على ك شف وجهها، فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها،
عدد الصفحات ٣٦37 فلما قامت انكشفت سوءتها، فضحكوا بها، فصاحت، فوثب رجلٌ من المسلمين إلى الصائغ فقتله، وكان الصائغ يهودياا ، وشد ت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع. وكان بنو قينقاع أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه.. فقام إليه عبد الله بن أبي بن سلول حين أمكنه الله منهم، فقال يا محمد أحس ن في موا لي ! فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، أحسن في موالي ! فاعرض عنه، فادخل ابن سلول يد ه في جيب درع رسول الله صلى الله عليه وسلم (أي لمس صدره وشدد ) فقال له (رسول الله ): أرسلني (اتركني )، وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأوا لوجهه ظللاا (تغير وجهه لغضبه) ثم قال: ويحك، أرسلني . قال: ل، والله : ل أرسلك حتى تحسن في موالي أربع م ئة حاسر وثلاث مئة دارع. قد منعوني من الأحمر والأسود (من العرب والعجم ) تحصدهم في غداة واحدة؟ ! إني والله امرؤ أخشى الدوائر (سوء المنقلب ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هم لك. ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، و كان لهم من ح ل فه مثل الذي لهم من عبد الله بن أبي، فخلعهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتبر أ إلى الله عز وجل و الى رسوله من حلفهم، وقال: يا رسول الله، أتولى الله ورسوله والمؤمنين وأبرأ من حلف هؤلء الكفار ووليتهم . ففيه، وفي ابن سلول نزلت هذه القصة . إن دين الإسلام هو الدين الوحيد الذي يقبله الله من الناس ( إ ن الدِّين ع ند الل ه الإ س لا م )(1) ومنهجه هو المنهج الكامل المنفرد بقدرته على معالجة مشاكل الحياة إلى يوم القيامة ول لقاء بينه وبين التشريعات الأخرى، ول مقاربة، وا ل لم تكن هناك حاجة إليه إذا كانت الشرائع قريبة منه .. فموقف الإسلام حاسمٌ وفاصلٌ من التشريعات الأخرى . (1) سورة آل عمران : الية 19.
عدد الصفحات ٣٧35 والذين يحاولون تمييع هذه المفاصلة الحاسمة باسم التسامح والتقريب بين أهل الأديان السماوية يخطئون ف ه م معنى الأديان، كما يخطئون فهم معنى التسامح، فالدين الأخير المقبول عند الله (الإسلام )، ول تسامح في ذلك .. إنما التسامح يكون في المعاملات الشخصية، ل في التصور العتقادي، ول في النظام الجتماعي، ( و م ن ي ب ت غ غ ي ر الإ س لا م د يناا ف ل ن ي ق ب ل م ن ه ) (1). أما الذين يرون اليهود والنصارى أكثر قوة من المسلمين، وأكثر عدداا ، فيميلون إليهم، فإيمانهم ضعيف، والذين يرونهم أكثر غنى، والمصالح القتصادية أوفر حظاا معهم، إيمانهم ضعيف. والذين يقفون معهم ضد المسلمين، لأن المسلمين يريدون تحكيم ال قرآن وشريعة الله في الحياة، هؤلء خرجوا عن الإسلام، ولو كانت أسماؤهم أسماء المسلمين، فالنصر من عند الله، وهل هناك من هو أقوى من الله؟ !! والعزة من عنده والغنى بيده سبحانه، ول ينسى هذا كل ه إل الضعيف المتهالك، الذي يرى نفسه دون أهل الكتاب . و و ص ف الله تعالى هذا الصنف الموالي لأهل الكتاب، أنهم " في قلوبهم مرض "، والسقيم المريض يتصرف بحمق، ويسيء التصرف، لأنه ل يعرف الخير من الشر إل من زاوية قاصرة ، ولو كان يعرف الله حق المعرفة، ويؤمن به حق الإيمان، تبرأ من موالتهم واتخذهم أعداء.. لأنهم اتخذوا ديننا هزو اا ولعباا وتربصوا بنا الدوائر، ومكروا بنا وأعلنوا عدواتهم لنا .. فما الذي يجمعنا وا ياهم؟! إنه البراء والولء .. البراء من الكافرين والولء لله ولرسوله وللمؤمنين وليس من دون ذلك بص ةٌ من إيمان. ليس في قلبي سوى الإيمان بالله العظيم فهور بِّي وهو ح س ب ي وهو بي الب ر الرحيم ل أ والي في حياتي غيرمولي الكريم (1) سورة آل عمران : الآية 56 .
عدد الصفحات ٣٨39 ل أوالي غير دين الل مصطفى خير الأنام فهو ح بي، نو ر عيني وله مني السلام (1) ما الذييجمعنا وا ياهم؟ والمفاصلة ح د دها الله تعالى في قرآنه الكريم يعلنها على الملأ إلى قيام الساعة.. يعلنها منادياا المؤمنين أن يحذروا أهل الكتاب : ( ف لا ت ت خ ذ وا م ن ه م أ و ل ي اء) (2) . ومنادياا المسلمين اللتزام بالدين القويم، فاللتزام به يورث ثبات الإيمان، ودوام حب الله لهم، وزر ع حبِّ ه في قلوبهم، ويهبهم الع ز ة والمن عة، ويجعلهم بالجهاد- سادة الدنيا وقادتها، فيدكون معاقل الكفر، ول يخافون في الله لومة لئم، ويتفضل عليهم بنعمه الكثيرة فهو واسع النعم . ومنادياا المؤمنين موضحاا أن اليهود أعداءٌ ، اتخذوا الصلاة، قيام ها وركوع ها وسجودها مجالا للسخرية من المسلمين والستهزاء بهم، ف أي ولي ة ولي ت هم؟؟!! وماذا يتبقى للمسلمين من كرامة وا يمان إن ارتضوا أهل الكتاب أولياء؟! إنها نداءات ثلاثة (1) حري بالمسلمين أن ي ع و ه ا وأن يعملوا بها .. فلا لقاء بين المؤمنين الملتز مين بشرع الله .. وأبناء القردة والخنازير و عبدة الطواغيت، الذين غضب الله عليهم ولعنهم لعناا كبير اا ، أبناء القردة وال خنازير الذين يسارعون في الإثم والعدوان وأكل السحت. أبناء القردة والخنازير الذين أساءوا إلى الذات الإلهية فوصفوا الله بالفقر والبخل وترفعوا عن ذلك.. أبناء القردة وا لخنازير الذين يسعون في الأرض فساد اا ويؤ جِّ جون الحروب، ويسعِّ رون نارها . ل لقاء بينا وبينهم ،فالولء الولء ، والبراء البراء . (1) الأبيات للمؤلف. (2) سورة النساء : الآية 59. (1) الآيات الثلاث61- 64-67.
عدد الصفحات ٣٩40 سورة الأنعام [ الآية 33 ] (ق د ن ع ل م إ ن ه ل ي ح ز ن ك ال ذ ي ي ق ول ون ف إ ن ه م ل ي ك ذِّب ون ك و ل ك ن الظ ال م ين ب آي ات الل ه ي ج ح د ون ). يجلس ال نبي صلى الله عليه وسلم في زاوية من زوايا المسجد الحرام بمكة مغموم اا حزين اا مهموماا ، ينظر إلى الكعبة المشرفة، ويخاطب ربه .. أنت تعلم يا رب أني ما آليت جهداا في دعوة القوم إلى توحيدك وعبادتك، وبذلت غاية وسعي أ ذكِّ رهم بخالق هم، وأ عرِّ فهم بآياته، أنذرهم عقابه، وأرغِّ بهم في ثوابه .. و لكنهم ينظرون إلي مغضبين، تطير من أعينهم الشرر، وتنبعث من قلوبهم موجات الكره والغضب، يسمعونني قارص الكلام، ويصمونني بالكذب تارة ..والجنون أخرى .. والسحر ثالثة .. وقد كانوا يدعونني الصادق الأمين.. الصادق في كل ما أحدثهم، الأمين فيما يودعونه عندي من الودائع التي ل يأمنون أن يودعوها أبناءهم وآباءهم وأمهات هم وا خوان هم.. إن كثير اا ممن يكذبونني ويتقو لون علي الأقاويل لهم عندي أمانات ل يطمئنون إلى تركها في بيوتهم.. كانت نفس الرسول الكريم صلوات الله عليه وسلامه، هذه النفس الشف افة التي تتحمل الجبال في قوتها الرقيقة، التي تستعذب العذاب في إيصال دعوة الله إلى قريش وجيرانها، الصافية التي تستقبل شوائب أذى الكافرين بإيمان قوي وعزيم ة ل تتضعضع، تتأثر من انصراف قريش ذوي القلوب القاسية عن تقبل هذا الدين العظيم، وترمي صاحبه بأسوأ الصفات .. وهم يعرفونه مثال الرجل الكامل، والإنسان القدوة . أليس هذا مما يثير الآلم والأحزان؟ !! ويجعل الهموم تجثم على القلب الشريف جثوم الجبال الرواسي .. وهنا ي رطِّ ب ال له تعالى خاطر رسوله، وتمر يد الرحمة والعناية على قلبه الشريف، وتمسح عنه همومه وتغسل عنه أساه.. إنهم يا رسول الله يعر فونك صادقاا أميناا كريم اا طيباا لطيفاا .. ما شك وا
عدد الصفحات ٤٠41 يوماا أنك كذلك.. ولكنه الركون إلى الأرض واللتصاق بأوحالها.. إنك تدعوهم إلى العتقاد الصحيح، والط ه ر من أدران الجاهلية، وقد تعو دوا التيه في الضلال والغي، والسقوط في أوحال الوثنية، ل يريدون الخروج من الظلام الذي أل ف وه إلى النور الساطع، وهل يرى الأعشى بهاء النهار وجمال الكون فيه..؟!! إنهم ل يكذبونك يا رسول الله ، لكن سادتهم وكبراءهم تلك الطبقة التي تتزعم المعارضة ول تشك- أبداا - في صدق رسالتك، وأن هذا القرآن ليس من كلام البشر ول يملك البشر أن يأتوا بمثل هذا القرآن .. هذه الطبقة- على الرغم من ذلك - يرفضون إظهار التصديق بك ، وبدعوتك، ويرفضون اتِّ باع هذا الدين الجليل والدخول فيه!!! إنهم لم يرفضوا لأنك كاذب - حاشاك يا رسول الله- لكن لأن في دعوتك خطر اا على مكانتهم وخطراا على نفوذهم، وخطراا على مكاسبهم.. من أجل ذلك صد وا عن الإسلام وقر روا الجحود بآيات الله والبقاء على كفرهم، وعنادهم، وشركهم . والأخبار التي تقرر الأسباب الحقيقية لموقف قريش هذا، وحقيقة ظنِّ هم بهذا القرآن كثيرةٌ . روى ابن إسحاق : حدثني محمد بن مسلم الزهري : أنه ح دِّ ث أن أبا سفيان بن حرب، وأبا جهل بن هشام، والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي، حليف بني زهرة . خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي من الليل في بيته، ف أخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه، وكلٌّ ل يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الصبح تفرقوا، فجمعهم الطريق، فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: ل تعودوا ، فلو رآكم بعض سفها ئكم لأوقعتم في نفسه شيئاا ، ثم انصرفوا . حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة، ثم انصرفوا . حتى إذا كانت الليلة الثالثة، أخذ كل رجل منهم فجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: ل نبرح حتى نتعاهد أل نعود، فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرقوا .. فلما أصبح الأخنس بن ش ريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت أشياء أعرفها، وأعرف ما يراد
عدد الصفحات ٤١42 بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ول ما يراد بها . قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به .. ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل، فدخل عليه في بيته، فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: ماذا سمعت؟.. تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفر س ي رهان، قالوا : من ا نبيٌّ يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟ والله ل نؤمن به أبداا ، ول نصدقه .. فقام عنه الأخنس وتركه .. وروى ابن جرير - من طريق أسباط عن السدي - في قوله : ( ق د ن ع ل م إ ن ه ل ي ح ز ن ك ال ذ ي ي ق ول ون ) الآية(1). لما كان يوم بدر قال الأخنس بن شريق لبني زهرة : يا بني زهرة إن محمداا ابن اختكم، فأنتم أحق من ذب عن ابن اخته، فان كان نبياا ل م تقاتلوه اليوم، وا ن كان كاذباا كنتم أحق من كف عن ابن أخته، قفوا حتى أ لقى أبا الحكم، فإن غ ل ب محمدٌ رجعتم سالمين، وا ن غ ل ب محمد فإن قومكم لن يصنعوا بكم شيئ اا ، فيومئذ س مِّ ي الأخنس وكان اسمه أ بي اا ، فالتقى الأخنس بابي جهل، فخلا به، فقال: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟ فليس هاهنا من قريش غيري وغيرك يستمع كلامنا.. فقال أبو جهل: ويحك ! والله إن محمد اا لصادق، وما كذب محمدٌ قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء، والسقاية، والحجابة، والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ فذلك قوله : ( ف إ ن ه م ل ي ك ذِّب ون ك و ل ك ن الظ ال م ين ب آي ات الل ه ي ج ح د ون ) وبغض النظر عن أن الآية مكية، وحادثة الأخنس مدنية في بدر، فقد ق ر ن النص بالحادثة ليس بسبب النزول ولكن بسبب انطباق مدلولها على الحادث، وقصة عتبة بن ربيعة الذي عرض على قومه- وكان سيداا فيهم- أن يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعرض عليه أمور اا ، لعله يقبل بعضها، فيعطونه إياها، فيك ف عن دعوته، وذلك حين أسلم حمزة رضي الله عنه، ورأى المشر كون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون، فقالوا : ن عم أبا الوليد، قم إليه فكلمه.. فقام إليه فعرض عليه الزعامة، والمال وأجمل النساء و .. (1) سورة الأنعام : الآية 33.
عدد الصفحات ٤٢43 فلما انتهى من عرضه قرأ عليه رسول ا صلى الله عليه وسلم من أول سورة حم فص لت.. فأنصت إليه عتبة مأخوذاا ، فقام عتبة إلى قريش بوجه غير الذي ذهب به فلما سألوه قال: سمعت قو لا ، والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالسحر، و ل بالشعر، و ل بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها لي .. خلو ا بين الرجل وما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب ك فيتموه بغيركم، وا ن يظهر على العرب فملكله ملككلم، وعز ه عز كم، و كنتم أسعد الناس به.. فقالو ا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال : هذا رأيي فاصنعو ا ما بدالكم.. وقيل في الحادثة أنه لم ا سمع قول الله تعالى : (ف إ ن أ ع ر ض وا ف ق ل أ نذ ر ت ك م ص اع ق ةا مِّث ل ص اع ق ة ع اد و ث م ود ) (1) أمسك عتبة على في رسول الله صلى الله عليه وسلم وناشده الر حم أن يسكت، ورجع إلى أهله، و لم يخرج إلى قريش، واحتبس عنهم .. إلى آخره . ولما حدثوه في هذا قال : أمسكت بفيه، وناشدته الر ح م أن يكف، و قد علمتم أن محمداا إذا قال شيئاا لم يكذب، فخشيت أن ينزل بكم العذاب .. إنهم يعرفون صدق النبي صلى الله عليه وسلم ، فأبو جهل يؤكد في الرواية الأسبق، أن رسول الله صادق، ويعلل كفره .. وهذا عتبة يعرف صدق رسول الله، فأسكته ناشداا إياه الر حم.. وفي قصة الوليد بن المغيرة الذي نزلت فيه أوائل سورة المدثر : ( إ ن ه ف ك ر و ق د ر (15 )ف ق ت ل ك ي ف ق د ر ) (1) إذ ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع منه، وعرض عليه، فقال يصف الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم : لا والله ما هو بكاهن: لقد رأينا الكهان فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته. وما هو بشاعر: ولقد عرفنا الشعر كله. رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه. وما هو بساحر: لقد رأينا الس ح ار وسحرهم، فما هو بنفثهم، ول عقدهم . والله إن لقوله لحلاوة، وا ن عليه (1) صورة فصلت : الآية 13. (1) سورة المدثر : الآيتان 15 /19.
عدد الصفحات ٤٣44 لطلاوة، وا ن أعلاه لمثمر وا ن أسفله لمغدق، وا نه ليعلو ول يعلى عليه، وما أنتم بقائلين من هذا شيئاا إل عرف أنه باطل . وا ن أقرب القول أن تقولوا : هو ساحر.. جاء بقول هو سحرٌ ،. يفرق به بين المرء وأبيه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته .. فهؤلء ل يكذبون رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يرفضون تحكيم شريعة الله، و العمل بها لأنها تسلب سلطانهم، وتذيب طغيانهم.. فقد كانوا يجحدون آيات الله، وهم يعرفون اللغة جيداا ، ه م أهلها، لأنها تجعل الحاكمية لله تعالى، فليس لهم من أسباب الزعامة - بعد ذلك- شيء. وما كذ بوا الرسل قبله - صلوات الله عليهم جميع اا - على مرِّ العصور وكرِّ الدهور إل لأنهم ليتخل و ن عن سلطانهم الكاذب الذي اغتصبوه . فاطمئن بالا يا رسول الله ، وثابر على الدعوة إلى الله إن عليك ال البلاغ المبين.. وكِّ ل أمرهم إل ى الله، فإليه عما قليل يصيرون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .. ***
عدد الصفحات ٤٤46 سورة التوبة(1) [ الآية65 ] ( و م ن ه م م ن ي ل م ز ك ف ي الص د ق ات ف إ ن أ ع ط وا م ن ه ا ر ض وا و ا ن ل م ي ع ط و ا م نه ا إ ذ ا ه م ي س خ ط ون ) المنافقون هم المنافقون يبحثون دائماا عن فوائد لهم، يريدونها خالصة لهم ،وعلى أقل تقدير يريدون الأكثر لهم.. سواء قدموا الخدمة لهؤلء وهؤلء، أم لم يفعلوا ذلك.. همهم الأاكبر جر المنفعة إليهم، بالحق..بالجور.. ل يبالون بذلك.. فإن لم يصبهم شيء بدأوا يقدحون، وأخذوا يذمون.. باسم العدل تارة، وباسم الحق تارة أخرى، وباسم الرحمة ثالثة .. وفي هذه الآية نجد وصفاا دقيقاا لهم، فهم يسالون النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم من الزكاة .. والرسول صلى الله عليه وسلم يعطي من له الحق ويمنع من ليس له ذلك، وفي المجتمع كثير من الناس يحتاجون، لكن نفوسهم كبيرة وكرامتهم عليهم عزيزة، ل يطلبون وهم المحتاجون، ويتعففون وهم أشد ما يكونون فقراا ( ي ح س ب ه م ال ج اه ل أ غ ن ي اء م ن الت ع ف ف ) (1) لماذا لأنهم ل يلحفون بالسؤال، بينما تجد الطامعين م ز قو ا غلالة الحياء ومد و ا أيديهم بالسؤال ولسانهم بالجلد لمن يقصِّ ر عنهم. وهكذا حال المنافقين الذين يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم أ و لى بذلك، فإن أعطوا ذ ك ر وا رسول الله و الإسلام بكل خير، لأنهم انتفعوا.. أما إذا منعهم أظهروا سخطهم ولمزو ا الرسول صلى الله عليه وسلم وغمزوا فيه، فلا حرمة لأحد إل إذا مد يده إلى أفواههم فملأها ، و ا لى أيديهم فحم لها، و الى عيونهم فبهرها .. وردت روايات متعددة عن سبب نزول هلذه الآية الكريمة، تقص أحداثاا معينة عن أشخاص بأعيانهم لمزو ا رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدالة التوزيع . (1) سورة البقرة : الآية 273.
عدد الصفحات ٤٥45 روى ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : لما قسم النبي صلى الله عليه وسلم غنائم حنين، سمعت رجلاا يقول: هذه قسمة ما أ ري د بها وجه الله، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فقال: رحمة الله على موسى، لقد أوذى ب أكثر من هذا فصبر. ونزلت :( و م ن ه م م ن ي ل م ز ك ف ي الص د ق ات )(1). وقال قتادة في- قوله الآية- يقول: ومنهم من يطعن عليك في الصدقات، وذكر لنا أن رجلاا من أهل البادية حديث عهد بالمدينة.. أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقسم ذهباا وفضة، فقال: يا محمد، والله لئن كان الله أمرك أن تعدل ما عدلت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ويلك فمن ذا الذي يعدل عليك بعدي؟!!!. وروى البخاري والنسائي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : بينما النبي صلى الله عليه وسلم يقسم قس ماا إذ جاءه ذو الخويصر التميمي، فقال: إعدل يا رسول الله فقال : " ويلك ومن ذا يعدل إذا لم أعدل؟ !! فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ائذن لي، فأضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : د ع ه فإن له أصحاباا يحقر أحدك م صلاته مع صلاتهم وصيام ه مع صيامهم، يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرمية ". قال أبو سعيد:" فنزلت فيهم : ( و م ن ه م م ن ي ل م ز ك ف ي الص د ق ات ) (1) ." وروى ابن جرير عن داود عن أبي عاصم قال : أ تي النبي الله صلى عليه وسلم بصدقة، فقسمها هاهنا، وهاهنا حتى ذهبت، ورآه رجل من الأنصار، فقال : ما هذا بالعدل فنزلت الآية . (1) سورة التوبة : الآية 65. (1) سورة التوبة : الآية 65.
عدد الصفحات ٤٦47 فهؤلء المنافقون ل يقولون هذه القالة حرص اا على الدين ورغبة في الحق، ولكن غضباا على حظ أنفسهم، وغيظاا أن ليس لهم نصيب.. وهذا يدل على صريح نفاقهم.. فهل يشك أحد ممن لمس الإيمان قلب ه والنور بصيرته أن يلمز رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمانته وصدقه، وهو الملقب قبل بعثته بالصادق الأمين؟!! إنه النفاق في أوضح صوره، والكره للدين وصاحبه في أشدِّ بيانه. لو رضوا بما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا ذوي أدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لكان لهم الأجر العظيم والمكانة الأسمى م ن ل عاع الدنيا ومتاعها الزائل . لم ا وجد الأنصار على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وزع الغنائم في حنين على أهل قريش .. جمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : وقال: أو ج د تم يا معشر الأنصار في ع ر ض من أعراض الدنيا تألفت بها قلوب قوم دخلوا الإسلام جديداا .. ووك لت كم إلى دينكم وا يمانكم وحبكم لله ورسوله؟؟ !! أ م ا ترض ون أن يذهب الناس بالشاء والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ تعودون بحبيبكم ونبيكم فهو قسمتكم .. ويا لها من قسمة.. وما أعظمها من نصيب، وما أجملها من فوز عظيم..!! وهنا بكى الأنصار واخضل ت لحاهم، وسالت دموعهم تغسل ما علق في قلوبهم من الدنيا وشكوكهم - إن و ج دت- برسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : رضينا برسول الله حظاا .. رضينا برسول الله قسمة . رضينا برسول الله نصيباا .. وهنا رق قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ذو القلب الرقيق والفؤاد الرحيم .. فدعا لهم: اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار.. وأبناء أبناء الأنصار .. هذا حال المؤمنين.. فلو أن المنافقين كانوا مثلهم وعرفوا حدودهم، رضوا بق سم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و سألوا الله أن يرزقهم من فضله العميم .. وجأروا بالدعاء إليه .. والذي يجأر إلى الله بالدعاء ل يطلب من العباد إل حقه، ثم يسال رب العباد أن يكرمه الإكرام الزائد .. ويتفضل عليه التفضل العميم، فيرغب عما في أيدي الناس إلى ما في خزائن رب العباد.
عدد الصفحات ٤٧45 والمسلم يمتاز بالأدب الرفيع، أدب النفس، وأدب اللسان وأدب الإيمان .. يرضى بقسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضا التسليم والقناعة ل رضا القهر والغلب . قال تعالى: ( و ل و أ ن ه م ر ض و ا م ا آت اه م الل ه و ر س ول ه و ق ال وا ح س ب ن ا الل ه س ي ؤ ت ين ا الل ه م ن ف ض ل ه و ر س ول ه إ ن ا إ ل ى الل ه ر اغ ب ون )(1) أين جواب لو .. الجواب في أعماق النفس المؤمنة.. الجواب في ضمير المؤمن العارف بالله المحب رسوله .. الجواب في شفافية القلب الذي استنار بنور الإسلام واستضاء بضياء الإيمان.. إن الجواب واضح في رضا الله ورعايته وفضله وكرمه .. ون عم كرم الله وحبذا فضل الله. * * * (1) سورة التوبة : الآية 69.
عدد الصفحات ٤٨