17 " وغر هم في دينهم ما كانوا يفترون ..". قاعدة عظيمة يسوقها القرآن الكريم : ل يجتمع في قلب واحد [ الخوف من الآخرة والحياء من الله] ،و [ الإعراض عن شرع الله والتبج ح والوقاحة ]،( ف ك ي ف إ ذ ا ج م ع ن اه م ل ي و م ل ر ي ب ف يه و و فِّي ت ك ل ن ف س م ا ك س ب ت و ه م ل ي ظ ل م ون (72) (1) وأعتقد أن هذا التهديد وا ن كان ي قصد به هؤلء المفترون الجاحدون إل أنه تقريرٌ لحالهم وبيانٌ لنهايتهم، فهو سواء ه ددوا أم لم ي هد دوا لن يؤثر في مجرى حياتهم، فقد ط ب ع على قلوبهم فهم ل يعقلون ول يشعرون. وهو تهديد وتنبيه للعاقلين أن ل يز لو ا في مستنقع تحكيم الشهوات وا يثار الهوى . (1) سورة آل عمران : الآية 26.
عدد الصفحات ١٧15 سورة آل عمران (2) [ الآيات 69- 51] المباهلة: الملاعنة، والجته اد في الدعاء : ( إ ن م ث ل ع يس ى ع ن د الل ه ك م ث ل آد م خ ل ق ه م ن ت ر اب ث م ق ال ل ه ك ن ف ي ك ون (24 )ال ح ق م ن ر بِّك ف لا ت ك ن م ن ال م م ت ر ين (06 )ف م ن ح اج ك ف يه م ن ب ع د م ا ج اء ك م ن ال ع ل م ف ق ل ت ع ال و ا ن د ع أ ب ن اء ن ا و أ ب ن اء ك م و ن س اء ن ا و ن س اء ك م و أ ن ف س ن ا و أ ن ف س ك م ث م ن ب ت ه ل ف ن ج ع ل ل ع ن ت الل ه ع ل ى ال ك اذ ب ين (01) قد ينساق الإنسان وراء فكرة فتملك عليه لبه، وينافح عنها ويتخذها عقيدة.. وا لى هنا ل يوجد ضر رٌ كبيرٌ من ذلك، إل إذا كانت عقيدة، ينتج عنها مواقف تمس الدين والمبدأ، وتخالف المألوف، وتعاكس المنطق والعقل .. إذ ذاك يجب توضيح الأمر، وبسط القول فيه، ليعود الإنسان إلى صوابه، فإن توضح له الحق وعرف أنه كان على خط أ وجب عليه العودة إليه، والف ي ء إلى جادة الصواب، فإن فعل، عفا الله عم ا مضى وبدأت صفحة جديدة مضيئة تج ب ما قبلها.. وان ركب الإنسان رأسه بعدما ظهر الحق، فهنا الطامة الكبرى . فحين زار رفد نصارى نجران مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، قابلوه عليه الصلاة والسلام، وحادثوه، وحين قال في حق عيسى عليه السلام: " إن عيسى عبد الله وكلمته، أنكروا عليه ذلك، فعيسى ل أب له، وهو بذلك، على حد زعمهم، ليس كالبشر وان خرج من بطن امرأة وما دام عيسى كلمة الله، فهو- حاشاه- ابنه، و حسبوا أنهم على حق وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم غ م ط أخاه عيسى حقه، فبدؤوه قائلين: أرنا عبد اا خلق من غير أب؟!. . سبحان الله.. وهو القادر على كل شيء.. كان سؤالهم هذا محرج اا .. نعم محرج اا لهم، ل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أجابهم بسؤال أشد وقعاا على نفوسهم من النبال.. قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "آدم من كان أبوه؟ أعجبتم من عيسى ل أب له؟! فآدم ليس له أب ول أم ".
عدد الصفحات ١٨19 إن على عقولهم القاصرة التي اعتقدت أن عيسى ابن الله لكونه ل أب له، أن يجعلوا من آدم عليه السلام إلهاا - والعياذ بالله - فلا أب له ول أم .. ولم يهتدوا إلى أن الله إذا أراد شيئ اا قال له كن، فيكون. وذلك قوله تعالى: "ول ي أتونك بمثل- أي عيسى- إل جئناك بالحق- أي آدم- وأحسن تفسير اا ". ب ه ت القوم فما حاروا جواب اا .. وأن ى لدعاة الباطل أن ينطقوا إذا تجلى صوت الحق.. وهذه طريقة "الذكر الحكيم " في مخاطبة الفطرة بالمنطق الفطري البسيط في أعقد القضايا.. هكذا وبسرعة وبساطة تتجلى حقيقة عيسى وحقيقة آدم.. كيف ثار الجدل حول عيسى؟ وهو ج ار وفق السنة الكبرى في يسر ووضوح ؟! سنة الخلق والنشأة جميعاا ؟!! إنها النفخة الإلهية، والروح الإلهي، والأمر الإلهي لكلا النبي ي ن سلام الله عليهما، فلا شبهات، ول تلبيس، ول ضلالت .. وحين دعاهم صلوات الله وسلامه عليه إلى الإسلام قالوا متبجحين : قد كنا قبلك مسلمين.. أي صفاقة هذه؟ أليس في إنجيلكم صفة النبي صلى الله عليه وسلم وكنتم- كيهود- تنتظرونه لتؤمنوا به؟ ها هو قد جاء، وعرفه سيدكم وكبيركم - العاقب-. فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إل أن جابههم مؤكداا ضلالهم: " كذبتم، يمنعكم من الإسلام ثلاث: ا- قولكم اتخذ الله ولداا . 2- وأ ك ل ك م الخنزير . 3- وسج ود كم للصليب". ومن الفتراء على الله أن يولد له ولدٌ ، وأن يقتله اليهود، وأن يرضى بما فعلوه دون أن يدافع عن ولده.. حاشاه فهو الواحد الأحد، الفرد الصمد . وتعجبني هذه الأبيات :
عدد الصفحات ١٩20 عجباا للمسيح بين النصارى والى الله والداا نسبوه أس ل موه إلى اليهود وقالوا إن هم بعد ق ت ل ه صلب وه فإذا كان ما يقولون حقاا فسلوهم وأ ين كان أبو ه ؟ فإذا كان راضياا بقضاهم فاشكروهم لأجل ما صنعوه وا ذا كان ساخطاا بقضاهم فاعبدوهم لأن هم غ لب وه وما زال الناس حتى يومنا هذا يجادلون في الخنزير، وهو بذاته م ن فِّ ر للطبع القويم، وقد حر مه الله تعالى قبل أن يكشف العلم الحديث أن في دمه ولحمه وأمعائه دودة شديدة الخطورة (الدودة الشريطية )، وأنه ي أكل القاذورات والفض لات الآدمية، وأنه ديوث، إن أراد مواقعة أ ن ث اه د ع ا كل الخنازير إليها فإن فرغت منها أتاها. وقد أثبت الطب أن الإنسان يتأثر بلحم ما يأكله سلباا وا يجاباا . وهذا الصليب يعلق على صدور النصار ى و ي تبارك به وهو علم على كنائسهم وشعار لأعلامهم، وكأن الر ائي يحسب أنهم فرحون بصلبه، وهو لم يصلب وسيكسر الصليب، وي قاتل أهله، ويحكم بشريعة الإسلام آخر الزمان . ولعلم الله تعالى أن النصارى م جادلون م مارون، طلب إلى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتجنب المماراة، وما كان صلى الله عليه وسلم ممترياا ول شاك اا فيما يتلوه عن ربه في لحظة من لحظات حياته، وا نما هو التثبيت على الحق للرسول ولأمته من بعده. ولكي ينهي القرآن الكريم الجدل والمناظرة حول هذه القضية، أمر الله فيه الرسول الكريم أن يدعو النصارى إلى المباهلة، فيجمع الطرفان أبناءهم ونساءهم، ويقفا متقابل ي ن.. جمع النصارى أمام آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، إن كان النصارى موقنين بصدق دعواهم وهم ليسوا كذلك.. فيجأر الجميع بالدعوة إلى الله أن يحفظ الفريق الصادق، ويبيد الكاذبين.. فريق المشركين الضالين الذين أساءوا إلى الذات الإلهية، فوصفوها بالضعف حيث أحاجوها إلى ولد يعضد أباه ويساعده.وفريق المؤمنين الذين يعرفون حق المعرفة رب هم بأسمائه الحسنى وصفاته العظمى. وحين أ ز ف موعد المباهلة ورأى المشركون أنهم قاب قوسين أو أدنى من الهلاك، وأن الوادي سيضطرم عليهم نار اا ، فمحمدٌ
عدد الصفحات ٢٠21 نبي مرسل، هكذا اعترف أحبارهم، وأنه قد جاء بالفصل في أمر عيسى تركوا المباهلة، ورضوا أن ي سلموا في الدنيا، ويسلم لأحبارهم جاه هم وسلطانهم، ولو كانوا في الآخرة حطب جهنم.. رضوا بالسلامة في الدنيا على أن يدفعوا لرسول الله الجزية عن يد وهم صاغرون. وهذا دأب المشركين، فهم حين يحاربون المسلمين ينفسون عليهم إيمانهم لأنه نور يهدي إلى الدرب القويم، وينفسون عليهم طمأنينتهم وهدوءهم لأنها نتاج التسليم إلى الله.. وهم حين يحاربون المسلمين يدافعون عن سلطانهم ومصالحهم الدنيوية ومطامعهم وأهوائهم .
عدد الصفحات ٢١22 سورة آل عمران (3) [ الآية 72 ] (و ق ال ت ط ائ ف ةٌ م ن أ ه ل ال ك ت اب آم ن وا ب ال ذ ي أ ن ز ل ع ل ى ال ذ ين آم ن وا و ج ه الن ه ار و اك ف ر وا آ خ ر ه ل ع ل ه م ي ر ج ع ون ) إن الحرب غير المعلنة أشد وقعاا من الحرب المعلنة، والكيد العملي غير المصادم أشد إيذاءا من المجابهة الصدامية. لقد لجأ اليهود الذين رأوا ازدياد عدد المسلمين وشدة تمسكهم بدينهم وحبهم لله ورسوله إلى طريقة ماكرة لئيمة، فأمروا سفلتهم بإظهار الإيمان ثم الرجوع عنه .. مما يوقع بعض ضعاف النفوس والعقول، وغير المتثبتين من حقيقة دينهم وطبيعته في بلبلة واضطراب، وبخاصة العرب الأميين الذين يظنون أن أهل الكتاب أعرف منهم بطبيعة الديانات والكتب، فإذا رأوهم يؤمنون ثم يرت د ون حسبوا أن ارتدادهم بسبب اطلاعهم على خبيئ ة ونقص في هذا الدين، فتأرجحوا ودخل الشك في قلوبهم، فلم يخلصوا لهذا الدين، وكانوا منه على ح ر ف ، وهؤلء يعتبرون عبئاا على الدين فلا هم أعداؤه ول هم منه . يقول سيد، رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى، في الظلال، الجزء الأول ، ص 416-415: "ما تزال هذه الخدعة تت خ ذ حتى اليوم في شتى الصور التي تناسب تطور الملابسات والناس في كل جيل، ولقد يئس أعداء المسلمين أن تنطلي اليوم هذه الخدعة، فلجأت القوى المناهضة للإسلام في العالم إلى طرق شتى، كلها تقوم على تلك الخدعة القديمة. أن لهذه القوى اليوم في أنحاء العالم الإسلامي جيش اا جرار اا من العملاء، في صور أساتذة وفلاسفة ودكاترة وباحثين، وأحيان اا كتاباا وشعراء وف نانين وصحفيين، يحملون أسماء المسلمين لأنهم انحدروا من سلالة مسلمة، وبعضهم من "علماء" المسلمين. هذا الجيش من العملاء م وج ه لخلخلة العقيدة في النفوس بشتى الأساليب، في صورة بحث وعلم وأدب وفنٍّ وصحافة، وتوهين قواعدها من الأساس، والتهوين من شأن العقيدة والشريعة سواء، وتأويلها وتحميلها ما ل تطيق. والدق المتواصل على "رجعيتها، وتط رفها وتزمتها " والدعوة إلى
عدد الصفحات ٢٢23 التفلت منها، وا بعادها عن مجال الحياة إشفاق اا عليها من الحياة أو إشفاقاا على الحياة منها، وابتداع تصورات وم ثل وقواعد للشعور والسلوك تناقض وتحطم تصورات ا لعقيدة ومثلها، وتزيين تلك التصورات المبتدعة بقدر تشويه التصورات والمثل الإيمانية وا طلاق الشهوات من عقالها، وسحق القاعدة الخ لقية التي تستوي على العقيدة النظيفة لتخر في الوحل الذي ينثرونه في الأرض نثر اا : ويشو هون التاريخ ك ل ه ويحرفونه كما يحرفون النصوص! وهم بعد مسلمون! أليسوا يحملون أسماء المسلمين؟! وهم بهذه الأسماء المسلمة يعلنون الإسلام وجه النهار وبهذه المحاولت المجرمة يكفرون آخره .. ويؤدون بهذه وتلك دور أهل الكتاب القديم، ل يتغير إل الشكل والإطار في ذلك الدور القديم . وكأن أهل الكتاب يقول بعض هم لبعض، تظاهروا بالإسلام أول النهار، واكفروا آخره لعل المسلمين يرجعون عن دينهم، وليكن هذا سر اا بينكم ل تبدونه، ول تأتمنون عليه إل أهل دينكم.. ".
عدد الصفحات ٢٣24 سورة النساء(1) [ الآيتان 75- 79 ] (أي ن م ا ت ك ون وا ي د ر ك ك م ال م و ت و ل و ك ن ت م ف ي ب ر وج م ش ي د ة و ا ن ت ص ب ه م ح س ن ةٌ ي ق ول وا ه ذ ه م ن ع ن د الل ه و ا ن ت ص ب ه م س يِّئ ةٌ ي ق ول وا ه ذ ه م ن ع ن د ك ق ل ك لٌّ م ن ع ن د الل ه ف م ال ه ؤ ل ء ال ق و م ل ي ك اد ون ي ف ق ه ون ح د يثاا (22 )م ا أ ص اب ك م ن ح س ن ة ف م ن الل ه و م ا أ ص اب ك م ن س يِّئ ة ف م ن ن ف س ك و أ ر س ل ن اك ل لن اس ر س ولا و ك ف ى ب الل ه ش ه يداا ) في هاتين الآيتين الكريمتين وقفات هي : 1 - أن الموت حق على المخلوقات لا ينجو منه أحد. 2- أن المسلمين من ضعاف الإيمان وإن كانوا لا يستطيعون أن ينسبوا إلى الذات العلية إلاَ كل خير فإنهم ،وا ن كانوا على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكتسبوا شفافية الروح وعمق الإيمان، فالشفافية وعمق الإيمان رزق من الله تعالى، فهم يتجرؤون على رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيتهمونه زور اا - أنه سبب بلائهم من الناس، إذ طلب إليهم الجهاد في كل جهة، والمشركون من حولهم، وك أنه يرمي بهم إلى الموت . 3- أن على كل مسلم مؤمن با تعالى أن يعتقد أنه ل يضر ول ينفع إل الله تعالى، فهو سبحانه خالق الض ر والنفع وبيده مقاليد الأمور، فالمؤمن الحق ل يتهم الدعاة المخلصين وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ل يليق بهم.. فكل ما يصيب المؤمن يرفع درجاته ويعظم له أجر اا . 4- أن من يرفع عقيرته فيتهم أولياء الله والدعاة إليه إنما يتهم نفسه بضعف العقل وقل ة الفهم، بل إنهم ل يكادون يفقهون ما ي لقى إليهم من الآيات التي تعزو كل ما يصيب الإنسان من خير أو شر لعلم الله. 6- وأن من يجرح رسول ا صلى الله عليه وسلم والمخلصين الدعاة إلى الله، يشير إلى نفسه بضعف الإيمان، وا لى الناس بان يحذروه، وي شكوا فيه .
عدد الصفحات ٢٤26 5- وأن التجريح برسول ا ، والتشاؤم به، والتطير به وبمن يسير على طريقته، وصمٌ لهؤلء المتشائمين بالضلال والنحراف والبعد عن الدين . ومن جاءهم بهذا الدين؟! أليس هو الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي يتشاءمون به ويتطيرون به وينسبون إليه صلى الله عليه وسلم ما ل يليق به من عصمة ورحمة وخلق عظيم وي منه وبركة؟ !! فأقل ما يوصمون به النفاق والمروق من الدين . 7- أن الحسنة من الله تصيب الإنسان حين يلتزم بشرع الله تعالى ويعمل به و ي حكِّ مه في حياته، وأن السيئة تصيب الإنسان حين يبتعد عن شرع الله، فيظلم نف سه ويتيه في دياجير الشك والفساد . 5- أن رسول ا صلى الله عليه وسلم ي بلِّ غ أمر ر بِّه، ويدعو إليه وفق شريعة الله، وكان من الواجب أن ينظر إليه أنه ها د بذل نفسه لله ول يس أل الناس أجر اا على ما يفعل (ق ل م ا أ س أ ل ك م ع ل ي ه م ن أ ج ر) فالشؤم أبعد ما يكون عنه، والطيرة أبعد ما تكون عنه وهل رأيت عقلاء يتطيرون بمن يفتح عقولهم وقلوبهم إلى الخير والهدى .. إن يكن الناس جحدوا فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله شاهد على حسن أداء رسول الله صلى الله عليه وسلم للرسالة، وكفى بشهادة الله للنبي فخر اا ، ولمن يسير على دربه ع ز اا . إن الموت الذي يفر منه الإنسان م دركه، ول علاقة له بسلم أو حرب، فالكثرة الساحقة من الموتى. انتهت حياتهم على فراشهم، ل يؤخر الموت ب ع دٌ عن ساحة المعركة ول ي قرِّ به خوضها.. وما أعظم أن يتمثل المسلم بقول خالد رضي الله عنه : لقد خضت زهاء ثمانين معركة وما في جسمي شبر إل وفيه ضربة سيف أو طعنة رمح .. وها أنذا أموت على فراشي كما يموت البعير ، فلا نامت أعين الجبناء( ف إ ذ ا ج اء أ ج ل ه م ل ي س ت أ خ ر ون س اع ةا و ل ي س ت ق د م ون (29( (1) . لكن ضعاف العقل، ضعاف التفكير،يحسبون خوض المعارك دنو اا من الموت فهم ل يريدونه، ويصب ون جام غضبهم على من يدعوهم إلى القتال.. ويعتبرونه أس المساوىء .. والقرآن يدعوهم إلى الجهاد ولكنهم ل يرون فيه سوى إزهاق الأرواح وك أنهم ل يموتون، ولن يموتوا، (1) سورة الأعراف : الآية 34.
عدد الصفحات ٢٥25 وتناسوا القضاء والقدر، والفاعل الحقيقي في الموت والحياة، الله تعالى . وتناسوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم وظيفته الأولى والأخيرة أنه رسول الله ل ي ح دث ول ي ن شىء ول يشارك الله تعالى في مسؤولية أو ألوهية.. إنه ي بلِّ غ ما يأمره الله به، فطاعته طاعة لله ومعصيته معصية لله. والمؤمنون الأ تقياء هم الذين يعرفون فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكانته في قلوبهم ثانياا ، أم ا أولا فمكانته عند الله ل تدانيها مكانة. ماذا عن الط ي ر ة ؟ إن العربي قديم اا كان إذا أراد أمر اا أمسك طير اا ثم رماه إلى أعلى فإن طار يمين اا تفاءل وا ن طار يسار اا تشاءم وتطي ر، وهذا يدل على جهل.. فما علاقة الطير وطيران ه يميناا وشمالا بالأمر الذي يريده أحدهم .. إنها الأوهام والأساطير التي يبني الناس حياتهم ومعتقداتهم عليها.. والإيذاء الذي لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم من ت ط ي ر ضعاف الإيمان واليهود، هو، هو الذي لحق بموسى من قبل ( ف إ ذ ا ج اءت ه م ال ح س ن ة ق ال وا ل ن ا ه لذ ه و ا ن ت ص ب ه م س يِّئ ةٌ ي ط ي ر وا ب م وس ى و م ن م ع ه أ ل إ ن م ا ط ائ ر ه م ع ند الل ه و ل لك ن أ ك ث ر ه م ل ي ع ل م ون ) (1) . فملة الكفر واحدة والتفكير ا لجاهلي واحد، والتعليل الجاهلي واحد، ف إنما ينطلق الجميع من أهوائهم وخرافاتهم .. إن يد الله منعت عن فرعون وقومه الخير ( و ل ق د أ خ ذ ن ا آل ف ر ع و ن ب السِّن ين و ن ق ص م ن الث م ر ات ل ع ل ه م ي ذ ك ر ون ) (2) ، ولكنهم ل يدركون أن الله تعالى أراد عقابهم لجمودهم وكفرهم وأرسل عليهم إذللا لهم وجزاءا - على كفرهم - وفاقاا - أرسل الطوفان - والجراد والقمل والضفادع والدم، آيات مفصلات.. فهل ثابوا وتابوا ورجعوا إلى ربهم؟ !.. كلا.. وأن ى لهم أن يرجعوا وهم أصحاب القلوب الجوف اء، والأفئدة الصم التي طبع الله عليها بسبب ضلالهم وكفرهم .. (1) سورة الأعراف : الآية 131. (2) سورة الأعراف : الآية 130.
عدد الصفحات ٢٦27 والقول واحد في هؤلء المت طيِّ ر ي ن .. في كل زمان ومكان. فهؤلء أصحاب القرية يتطيرون بثلاثة من الأنبياء : ( إنا تطيرنا بكم .. ). (2) فيرد عليهم أنبياؤهم موضحين أن كفرهم وعنادهم سبب الشؤم والتطير ( ق ال وا ط ائ ر ك م م ع ك م ) (3) لأنهم أسرفوا في العناد والكفر .. ومادوا في الضلال.. إنها مسيرة التاريخ، والأسباب تؤدي إلى النتائج.. من عمل خير اا فلنفسه ومن أساء فعليها. * * * (2) سورة يس : الآية 15. (3) سورة يس : الآية 19.
عدد الصفحات ٢٧25 سورة النساء (2) [الآيات106- 109 ] (إ ن ا أ نز ل ن ا إ ل ي ك ال ك ت اب ب ال ح قِّ ل ت ح ك م ب ي ن الن اس ب م ا أ ر اك الل ه و ل ت ك ن لِّل خ آئ ن ين خ ص يماا (106 ) و اس ت غ ف ر الل ه إ ن الل ه ك ان غ ف و راا ر ح يماا (105 )و ل ت ج اد ل ع ن ال ذ ين ي خ ت ان ون أ نف س ه م إ ن الل ه ل ي ح ب م ن ك ان خ و اناا أ ث يماا (107 )ي س ت خ ف ون م ن الن اس و ل ي س ت خ ف ون م ن الل ه و ه و م ع ه م إ ذ ي ب يِّت ون م ا ل ي ر ض ى م ن ال ق و ل و ك ان الل ه ب م ا ي ع م ل ون م ح يطاا (105 )ه اأ نت م ه لؤ لء ج اد ل ت م ع ن ه م ف ي ال ح ي اة الد ن ي ا ف م ن ي ج اد ل الل ه ع ن ه م ي و م ال ق ي ام ة أ م م ن ي ك ون ع ل ي ه م و ك يلاا (109) * * * ما أ عظمك يا رب؟ !! وما أعظم تربيتك للمسلمين، تأمرهم أن ينصفوا أعداءهم وأعداؤهم يتربصون بهم الدوائر !! ويحيكون لهم المؤامرات ويمكرون بهم، ت علم نا أن نعدل بين الناس، فنحفظ حقوقهم، وهم يريدون لنا الموت الزؤام، ويرسمون الخطط للإيقاع بالمسلمين، فينشرون الأكاذيب، ويؤلبون المشركين، ويشجعون المنافقين، ويطلقون الإشاعات حول النبي صلى الله عليه وسلم ، ويحاولون تفسيخ المجتمع الإسلامي. في ظل هذا المكر الشديد من اليهود نزلت آية تنصف يهودياا ات هم ظلماا بسرقة، وتدين الذين تآمروا على اتهامه، وهم بيت من الأنصار في المدينة، والأنصار يومئذ ع د ة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وج ن د ه في مقاومة هذا الكيد الناصب من حوله، ومن حول الرسالة والدين والعقيدة . لقد شر ف الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ، وعظ مه حين فوض إليه الحكم بين المسلمين واليهود .. ثلاثة إخوة من الأنصار بشر وبشير ومبشر وابن عم لهم يسرقون سلاح اا وطعاماا لرفاعة بن زيد أحد المسلمين في المدينة، فلما اتهمهم وأثبت ذلك طرح بشيرٌ السلاح في بئر لأحد اليهود، واسمه زيد بن السمين، وأخذت منه (من بئره ) وبر أ الرسول ساحة بشر، والتصقت التهمة بزيد هذا،
عدد الصفحات ٢٨29 ولكن الله تعالى أراد أن يعلم رسوله والمسلمين من ورا ئه، أن هذا الدين ل يحابي أحداا من أتباعه على حساب الآخرين، ولو كان من أعدائه .. فالحق حق، أما القرابة والمصلحة، والمتابعة في الرأي والدين فلا مكان لها أمام الحق والعدل، وا ل كان المسلمون كغيرهم، ل يفترقون عنهم في صغير ول كبير. كشف الله المستور، وعر ف نبيه ما فعله بشرٌ وأخواه وبر أ اليهودي ، فهرب بشر إلى مكة ثم إلى خيبر مرتد اا ومات كافر اا .. وظلت الآية ت ت لى، وتظل تتلى إلى يوم القيامة دليلاا على إنصاف الإسلام والمسلمين، ودليلاا على ح بِّهم للحق والعدل مهما كان صاحبه صديقاا أو عدو اا ، فالعبرة للمبدأ ل للمصلحة، وللقيم ل للأهواء، والهدى ل للضلالة . وت علِّ منا الآيات التي نزلت بهذا الخصوص أمور اا كثيرة منها . 1- أن الله شرف رسول ه بالرسالة والدين القويم ليحكم بالحق، ويقيم العدل. 2- أن ل ندافع عن الخائنين مهما كانوا، فالحق أولى أن نتبعه. 3- أننستغفر الله، فالإنسان لضعفه قد يتصرف بما ل يلائم ما يحمل من قيم ومبادئ، وقد يتبع هواه لحظة ثم ينتبه إلى خطئه فيعمل على إصلاحه ويطلب المغفرة من الله، والله أهل للمغفرة . 4- أنه كان على هؤلء الذين أخط أوا أن يعدلوا إلى الحق فور إحساسهم بالذنب، وأن ل يتمادوا في باطلهم، إن كانوا مؤمنين، والمؤمن ل يقنط من رحمة الله بل يلجأ إليه منيباا تائباا . 6- أن الخائن ليس من المسلمين وليسوا منه، إذ الغش والإفساد ليس من سمة المسلمين . 5- أن المؤمن يشعر دائماا بمعية الله فهو يراه ويراقبه فلا يعصيه، وما أجمل وصية لقمان لبنه: (يا بني اعص الله في مكان ل يراك فيه )، أما الذين يستخفون من الناس ول يستخفون من الله فهناك دخل في إيمانهم، ينبغي أن يصف و ا من هذا الدخل.
عدد الصفحات ٢٩30 7- أن تكون سريرة المؤمن كعلانيته، فمن أحس بمعصية الله كان مع الناس واضح اا لأنه يرضي الله بذلك ويرغب في مثوبته . 5- أن العقاب في الدنيا زائل بزوالها، أما ال عقاب في الآخرة فإنه كبير ودائم - إن لم يعف الله تعالى ويغفر- ول جرم أن المؤمن يرضى بالعقوبة الزائلة عن العقوبة الدائمة. 9- أن إيذاء اليهود للنبيصلى الله عليه وسلم والإ رصاد ل ه ل يمنعه صلى الله عليه وسلم أن يحكم بالعدل بينهم لأنه ر بِّي على عين الله ورعايته فزك اه الله عقلاا وقلباا وجسماا ومدح خ ل ق ه فقال : ( و ا ن ك ل ع لى خ ل ق ع ظ يم ) (1). (1) سورة القلم : الآية 4.
عدد الصفحات ٣٠31 سورة النساء (3) [ الآية163 ] (ي س أ ل ك أ ه ل ال ك ت اب أ ن ت ن زِّل ع ل ي ه م ك ت اباا مِّن الس م اء ف ق د س أ ل وا م وس ى أ ك ب ر م ن ذ ل ك ف ق ال وا أ ر ن ا الل ه ج ه ر ةا ف أ خ ذ ت ه م الص اع ق ة ب ظ ل م ه م ث م ات خ ذ وا ال ع ج ل م ن ب ع د م ا ج اءت ه م ال ب يِّن ات ف ع ف و ن ا ع ن ذ ل ك و آت ي ن ا م وس ى س ل ط اناا م ب يناا ). نلمح القرآن الكريم يندد دائم اا بمواقف أهل الكتاب من اليهود من الرسل والرسالت ، فهم دائماا متعنتون معه في طلب الدلئل على نبوتهم، ورسالتهم .. ول ي تهم بعد ذلك يؤمنون.. فهم ل يؤمنون بل يهزأون ويسخرون ثم يقتلون الأنبياء. وفي هذا الموقف، في هذه الآية ، يعاجزون النبي صلى الله عليه وسلم ، فيسألونه أن ينزل عليهم كتاباا من السماء.. يريدون أن يلمسوه بأيديهم بعد أن ير وه يدنو منهم نازلا من السماء.. ويرى النبي عليه الصلاة والسلام من سؤالهم هذا وقاحة ما بعدها وقاحة، فالإيمان ل يعتمد على الحواس فقط، إنما يعتمد على التصديق بالعقل، والثبات في القلب، إنما هو عمل بالأركان وقناعة الجنان وتفاعل الوجدان. لكنهم في مسيرتهم، منذ أن و ج دوا إلى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة ي كذِّ بون الرسل والدعاة، ويسخرون منهم ويبطشون بهم، ويطلبون منهم ما ل يطلبه عاقل.. ول ي تهم بعد طلبهم هذا يؤمنون.. ولكنهم خبثاء، طوي اتهم فاسدة، م ر دوا على الفساد ومخالفة الحق، والبحث عن الباطل بين ظلمات الأحابيل الشيطانية . فلا تأ س - يا رسول الله- ول تحزن ، فلك بموسى عليه السلام ومن بعده مواساة، ولعله إن عرفت ما فعلوه مع موسى والأنبياء بعد - وهذا غيض من فيض- تأكد ت .، أن أحفاد القردة والخنازير، ج ب ل وا على المراوغة، والكذب والإيذاء والكفر، لقد س ألوا موسى عليه السلام أكبر
عدد الصفحات ٣١32 مما سألو ك، فسألوه أن يروا الله جهرة، وهم الذين يدعون أنهم آمنوا به، فهو نبيهم وقائدهم ومنقذهم، فهم غلاظ ل يؤمنون إل بالمحسوسات، م ت عنِّ تون فلا ي سلمون إل تحت القهر والضغط . يغدرون إن استطاعوا إلى ذلك سبيلاا ، وكيف يرون الله؟! وهل يستطيع الكليل الضعيف، أعشى البصر، أن يحيط بالنور الباهر والضوء الساطع؟ !! وهل يحيط م ن هو جزء من الوجود أن يحيط بمن أوجد الوجود؟! وأن ى للضعيف أن يعرف الكمال المطلق؟! لكنهم ل جهل هم واستكبارهم سألوه أن يروا الله عيان اا ، فكان الجواب لتطاولهم صاعقةا أحرقتهم، ول جواب لمن ل يعرف حدوده فيتجاوزها ظلم اا وعلو اا إل أن يعاقب العقاب الأليم جزاءا وفاقاا ، وفي رواية أخرى أنهم أصيبوا بالر ج فة. أما إخوانهم وأبناؤهم فلم يستطيعوا الرتفاع إلى مقام التوحيد، ل ل صوقهم بالأرض وأوحالها، وحقارة نفوسهم، فعبدوا العجل الذي صنعه ال س امر ي ، فهم ل يؤمنون كما ذكرنا إل بالمحسوسات- إن آمنوا - فكان عاقبة المجرم الأول، السامر ي، أن مات شريد اا طريد اا ل يمس شيئاا ، ول يمسه شيء، إل أخذته الرجفة، وأصابته القشعريرة، فهو ينادي بملء صوته أينما ذهب، وحيثما حل، ل مساس، ل مساس. وما أسوأها من حياة !! وشملهم الله دونه، بعفوه وكرمه، فسامحهم وتجاوز عن خطأهم، ويا له من خط أ فهو الإشراك بالله بعد أن جاءهم نبيهم بالبينات والشريعة الواضحة .. لكن الدونية التي رضعوها وجبلوا بها ل يستطيعون عنها فكاكاا . واليهود لهم طبعٌ متمردٌ ، ونفس ل تلتزم إل إذا ق هرت وأ خذت بالقوة، فآتى الله سبحانه وتعالى موسى عليه السلام سلطاناا عليهم، يخافونه، وزرع في قلوبهم المهابة له، والرضوخ أمامه، وسخ ر له كثير اا من أدوات القهر الحسي. فهذه الألواح التي حملها معه حين قفل راجع اا من لقاء ربه جل وعلا، لم يستسلموا لها ويرضوا بالعمل بها إل حين رأوا الجبل العظيم، وقيل الصخرة العظيمة، معلق اا فوق رؤوسهم يهددهم بالوقوع عليهم، إذا هم لم يستسلموا، ولم يتعهدوا ب أخذ ما أعطاهم الله من العهد، وما كتب عليهم من التكاليف في الألواح .
عدد الصفحات ٣٢