المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

جواهر القلائد في فضل المساحد

حسام الدين عفانه

صفحة ٦ من ٢٠

81 وقد سبق أنه لم يثبت شيءٌ في فضل الصخرة على وجه الخصوص، وإنما الثابت ما ورد في فضائل المسجد الأقصى التي سبق ذكرها. ( ) بدعُ الصوفية في المسجد الأقصى والأناشيد الدِّينية والفِرق المنشدة : اعتادت بعض فرق الصوفية القدوم إلى المسجد الأقصى بجماعاتٍ كثيرة العدد، وهم يعلقون مسابح كبيرة الحجم في رقابهم، ويعقدون ما يسمونه مجالس ذكرٍ، أو مديحٍ للرسول صلى الله عليه وسلم، وبعض هؤلاء يستعملون الدفوف في إنشادهم داخل المسجد الأقصى. كما وأن بعض فرق الإنشاد ، والتي يسمونها زوراً وبهتاناً - فرق الإنشاد الدِّيني - ينشدون أناشيدهم باستعمال الدفوف مع رفع الأصوات ،ويردد عوام المصلين معهم، ويتحول المسجد الأقصى إلى ما يشبه جوقةً غنائيةً كبيرةً ! وهذه المظاهر تشاهد في المسجد الأقصى المبارك عند عقد الاحتفالات التي يسمونها دينية، كما في احتفالهم بالإسراء والمعراج والمولد النبوي وذكرى الهجرة وغيرها . وهذه الأمور كلها من البدع المخالفة لهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولما كان عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين وأولي العلم والتحقيق . وتظهر معالم هذه البدع فيما يلي : ( ) أنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اتخذ سبحةً، فضلاً أن يجعلها في رقبته، ولا ثبت هذا التعليق عن الصحابة ولا عن التابعين، وإنما تعليق السبحات في الأعناق من المبتدعات، ومن التشبه برجال الدِّين من الملل الأخرى . قال الشيخ علي محفوظ [:ومن بدعهم - أي الصوفية - وضع السبحة في العنق أو اليد بدون الذِّكر، فهو من فعل المرائين الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، ويعرفوا من طريق الوهم والتضليل ، والطريق إلى الله عز وجل هي متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما سوى ذلك ضلالٌ نعوذ بالله منه ](1 ). ( ) الإبداع ص 7 1 ، وانظر السنن والمبتدعات ص 01 ، السلسلة الضعيفة /3.

عدد الصفحات ٨١

82 ( ) إن هذا الإنشاد الدِّيني كما يسمونه ، لا يجوز فعلهُ في المساجد، لأن المساجد لها آدابها وأحكامها التي يجب المحافظة عليها . قال السيوطي[: ومن ذلك - أي من البدع - الرقص والغناء في المساجد وضرب الدف أو الرباب أو غير ذلك من آلات الطرب، فمن فعل ذلك في المسجد فهو مبتدعٌ ضالٌ مستحقٌ للطرد والضرب، لأنه استخفَّ بما أمر الله بتعظيمه . قال الله تعالى :{ في بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ } أي تعظم { وَيُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ } أي يُتلى فيها كتابه، وبيوت الله هي المساجد ، قد أمر الله بتعظيمها وصيانتها عن الأقذار والأوساخ...والغناء والرقص، فمن غنَّى أو رقص، فهو مبتدعٌ ضالٌ مضلٌ مستحقٌ للعقوبة ](1 ). وإذا كان رفع الصوت بقراءة القرآن، منهيٌ عنه في المسجد، فما بالك بهذه الأناشيد التي ترافقها الدفوف، وما بالك بفعلها قبل صلاة الجمعة، بمناسبة الاحتفالات التي يسمونها دينية، حيث يكون المسجد ممتلئاً بالمسلمين الذين ينتظرون صلاة الجمعة، فيشوش هؤلاء المنشدون على عباد الله . قال الشيخ علي محفوظ [:ومنها إقامة حلقات الذِّكر المحرَّف في المساجد ، أيام المولد مع ارتفاع أصوات المنشدين مع التصفيق الحاد من رئيس الذاكرين (بل الراقصين) وقد يضربون على البازة أو السلامية أثناء الذكر في المسجد، وكل ذلك غير مشروعٍ بإجماع العلماء، ولم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عهد الخلفاء الراشدين، ومن بعدهم من الصحابة والتابعين، ولا عهد الأئمة الأربعة المجتهدين رضي الله عنهم أجمعين ]( ). كما أن في هذا الإنشاد تشبهاً بالنصارى الذين يفعلون شبهه في كنائسهم. ثم إن هذا الإنشاد الدِّيني ! ليس له أصلٌ صحيحٌ يُعتمد عليه، فليس هو من جملة القُرَب الشرعية . وقد سئل الإمام العز بن عبد السلام عن مثل ذلك [:ما يقول سيدنا في جماعة من أهل الخير والصلاح والورع يجتمعون في وقتٍ، فينشد لهم منشدٌ أبياتاً في المحبة وغيرها ، فمنهم من يتواجد، فيرقص ومنهم من يصيح ويبكي، ومنهم من يغشاه شبه الغيبة عن إحساسه، فهل يكره لهم هذا العمل أم لا ؟ ( ) الأمر بالاتباع ص 30 . ( ) الإبداع ص 07- 01.

عدد الصفحات ٨٢

83 فأجاب : الرقص بدعةٌ لا يتعاطاه إلا ناقصُ العقل ولا يصلح إلا للنساء ](1 ). ونص الفقهاء على أنه لا يجوز شغل المساجد بالغناء والرقص ( ) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية[:ومن أعظم ما يقوي الأحوال الشيطانية سماعُ الغناء والملاهي، وهو سماعُ المشركين، قال الله تعالى :{ وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً } قال ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم وغيرهما من السلف:"التصدية" التصفيق باليد، والمكاءُ مثل الصفير، فكان المشركون يتخذون هذا عبادةً، وأما النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فعبادتهم ما أمر الله به من الصلاة والقراءة والذكر ونحو ذلك ، والاجتماعات الشرعية، ولم يجتمع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على استماع غناءٍ قط، لا بكفٍ ولا بدفٍ ولا تواجدٍ، ولا سقطت بردتُهُ، بل كل ذلك كذبٌ باتفاق أهل العلم بحديثه . وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا أمَّروا واحداً منهم أن يقرأ والباقون يستمعون، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لأبي موسى الأشعري: ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يستمعون، ومرًّ النبي صلى الله عليه وسلم بأبي موسى الأشعري وهو يقرأ فقال له:( مررت بك البارحة وأنت تقرأ، فجعلت أستمع لقراءتك فقال : لو علمت أنك تستمع لحبَّرته لك تحبيراً ) أي لحسنته لك تحسيناً ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :( زينوا القرآن بأصواتكم ) ، وقال صلى الله عليه وسلم :(للهُ أشهد أُذناً أي استماعاً إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته )،وقال صلى الله عليه وسلم لابن مسعود :( اقرأ عليَّ القرآن فقال:أقرأ عليك وعليك أنزل ؟ فقال : إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأتُ عليه سورة النساء حتى انتهيت إلى هذه الآية{ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا } قال:حسبك، فإذا عيناه تذرفان من البكاء.ومثل هذا السماع هو سماعُ النبيين وأتباعهم كما ذكره الله في القرآن فقال :{ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا } ( ) فتاوى العز بن عبد السلام ص 7 9-7 5. ( ) مجموع الفتاوى 1/ 1.

عدد الصفحات ٨٣

84 وقال في أهل المعرفة :{ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ } ومدح سبحانه أهل هذا السماع بما يحصل لهم من زيادة الإيمان واقشعرار الجلد ودمع العين، فقال تعالى :{ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } وقال تعالى :{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ }. وأما السماع المُحْدَث، سماعُ الكف والدف والقصب، فلم تكن الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر الأكابر من أئمة الدِّين يجعلون هذا طريقاً إلى الله تبارك وتعالى، ولا يعدونه من القُرَب والطاعات، بل يعدونه من البدع المذمومة، حتى قال الشافعي :خلَّفت ببغداد شيئاً أحدثته الزنادقة، يسمونه التغبير، يصدون به الناس عن القرآن، وأولياء الله العارفون يعرفون ذلك ، ويعلمون أن للشيطان فيه نصيباً وافراً ، ولهذا تاب منه خيار من حضره منهم ](1 ). ( )الاحتفال بالإسراء والمعراج: من البدع المرتبطة بالمسجد الأقصى المبارك، بدعةُ الاحتفال بالإسراء والمعراج، فقد جرت عادة المسلمين في هذه الديار وغيرها على الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج في السابع والعشرين من شهر رجب من كل عامٍ ، وفي هذا اليوم الذي يُعتبر عيداً ، تُعطل الدوائر والمؤسسات والمدارس والجامعات وتُقام الاحتفالات في المساجد. وقبل بيان بدعية هذه الاحتفالات أقول: إن حادثة الإسراء والمعراج حقٌ وصدقٌ، لا شك في ذلك ولا ريب. وقد ثبتت بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وأشارت إلى ذلك أولُ آية من سورة الإسراء حيث يقول الله تعالى :{ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الاقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } سورة الإسراء الآية . ( ) مجموع الفتاوى /50- 59.

عدد الصفحات ٨٤

85 وأما أنه صلى الله عليه وسلم أُسريَ به في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب، فلم يثبت ذلك بسندٍ صحيحٍ، فقد اختلف العلماء في وقت الإسراء والمعراج على أقوالٍ كثيرةٍ ، قال الحافظ ابن حجر [:وذهب الأكثر إلى أنه كان بعد المبعث، ثم اختلفوا، فقيل قبل الهجرة بسنةٍ ، قاله ابن سعد وغيره ، وبه جزم النووي، وبالغ ابن حزم فنقل الإجماع فيه، وهو مردودٌ، فإن في ذلك اختلافاً كثيراً يزيد على عشرة أقوال ](1 ). ثم ذكر الحافظ هذه الأقوال وهي: . قبل الهجرة بثمانية أشهر . . قبل الهجرة بستة أشهر . 7 .قبل الهجرة بسنة . 1 .قبل الهجرة بأحد عشر شهراً . 0 .قبل الهجرة بسنة وشهرين . 1 .قبل الهجرة بسنة وخمسة أشهر . 3 .قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً . 9 .قبل الهجرة بثلاث سنوات . 5 .قبل الهجرة بخمس سنوات . وهنالك قولٌ عاشرٌ ذكره النووي بأن الإسراء كان قبل الهجرة بنحو سنتين( ) . وكما أنهم اختلفوا في تحديد السنة التي حدثت فيها حادثة الإسراء والمعراج، فكذلك اختلفوا في الشهر الذي وقعت فيه، فقيل : كان ذلك في السابع والعشرين من رجب . وقيل في شهر رمضان . وقيل في شهر شوال . وقيل في شهر ربيع الأول . وقيل في شهر ربيع الثاني . وقد ذكر هذه الأقوال كلها الحافظ ابن حجر( ) . ( ) فتح الباري 9/ 5 . ( ) خلاصة الأحكام في مهمات السنن وقواعد الإسلام /17. (7) فتح الباري 9/ 95.

عدد الصفحات ٨٥

86 وقال الإمام أبو الخطاب ابن دحية [:وذكر بعض القُصَّاص أن الإسراء كان في رجب ، وذلك عند أهل التعديل والتجريح عين الكذب . قال الإمام أبو إسحاق الحربي: أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الأول ](1 ). وقد بحث المسألة أيضاً الإمام القرطبي في تفسيره ، وذكر الاختلاف الكبير في تحديد وقت الإسراء والمعراج، وزاد أنـه قـد روي أن الإسـراء كـان بـعـد مـبـعـثه بخمس سنين( ) . وأضاف الحافظ ابن كثير أن من العلماء من يرى أن الإسراء والمعراج وقع قبل الهجرة بستة عشر شهراً ، وكان ذلك في شهر ذي القعدة ، وذكر أن بعض الناس ادَّعى أن ذلك كان أول ليلة جمعة من شهر رجب، وعقَّب على ذلك بأنه لا أصل له( ) . وقال العلامة أبو شامة المقدسي[:وذكر بعض القُصَّاص أن الإسراء كان في رجب، وذلك عند أهل التعديل والتجريح عين الكذب]( )، وهذه العبارة سبقت في كلام ابن دحية. وقال الإمام النووي [:وكان الإسراء سنة خمسٍ أو ستٍ من النبوة، وقيل سنة اثنتي عشرة منها، وقيل بعد سنةٍ وثلاثة أشهر منها، وقيل غير ذلك . وكان ليلة السابع والعشرين من شهر ربيع الأول ]( ). وقال العلامة ابن القيم ناقلاً عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية [:و يقم دليلٌ معلومٌ لا على شهرها ،ولا على عشرها ولا على عينها، بل النقول في ذلك منقطعةٌ مختلفةٌ، ليس فيها ما يُقطع به، ولا شُرع للمسلمين تخصيصُ الليلة التي يُظن أنها ليلة الإسراء بقيام ولا غيره]( ). وقال العلامة ابن القيم أيضاً [:و يجوز لأحدٍ أن يتكلم فيها بلا علمٍ، ولا يُعرف عن أحدٍ من المسلمين أنه جعل لليلة الإسراء فضيلةً على غيرها، لا سيما على ليلة القدر ، ولا كان الصحابة ( ) أداء ما وجب من بيان وضع الوضاعين في رجب ص 07-01 . ( ) تفس القرطبي 5/ 5 . (7) البداية والنهاية 7/ 53. (1) الباعث ص 1. (0 )فتاوى الإمام النووي ص 9. (1 )زاد المعاد /03 .

عدد الصفحات ٨٦

87 والتابعون لهم بإحسان يقصدون تخصيص ليلة الإسراء بأمرٍ من الأمور، ولا يذكرونها، ولهذا لا يُعرف أي ليلةٍ كانت، وإن كان الإسراء من أعظم فضائله، ومع هذا فلم يشرع تخصيص ذلك الزمان، ولا ذلك المكان، بعبادةٍ شرعيةٍ، بل غارُ حراءٍ الذي ابتدأ فيه بنزول الوحي ، وكان يتحراه قبل النبوة، لم يقصده هو ولا أحدٌ من أصحابه بعد النبوة، مدة مقامه بمكة ، ولا خصَّ اليوم الذي أنزل فيه الوحي بعبادةٍ ولا غيرها ، ولا خصَّ المكان الذي ابتدأ فيه بالوحي ، ولا الزمان بشيءٍ، ومن خصَّ الأمكنة والأزمنة من عنده بعباداتٍ لأجل هذا وأمثاله، كان من جنس أهل الكتاب، الذين جعلوا زمان أحوال المسيح مواسم وعبادات، كيوم الميلاد ويوم التعميد وغير ذلك من أحواله. وقد رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنها جماعةً يتبادرون مكاناً يصلون فيه فقال : ما هذا ؟ قالوا : مكانٌ صلَّى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم .فقال: أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد ؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا ، فمن أدركته فيه الصلاة فليصل وإلا فليمض](1 ). وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي [:وقد روي أنه كان في شهر رجب حوادثُ عظيمةٌ، ولم يصح شيءٌ من ذلك، فروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد في أول ليلة منه، وأنه بُعث في السابع والعشرين منه، وقيل في الخامس والعشرين، ولا يصح شيءٌ من ذلك ، وروي بإسناد لا يصح عن القاسم بن محمد أن الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم كان في سابع وعشرين من رجب، وأنكر ذلك إبراهيم الحربي وغيره،وروي عن قيس بن عباد قال:في اليوم العاشر من رجب ]( ). وبعد هذا العرض للأقوال الواردة في وقت حادثة الإسراء والمعراج أقول: إنه لم يثبت بحديثٍ صحيحٍ ، ولا خبرٍ صحيحٍ عن صحابي، توقيت هذه الحادثة، لا في السابع والعشرين من رجب ولا غيره، وبناءً على ذلك ، فإن تحديد السابع والعشرين من رجب، على أنه وقتها، غيرُ صحيحٍ، وينقصه الدليلُ الثابت. ( ) زاد المعاد /09-05 .وقد ذكر محققا الكتاب أن أثر ابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف وسنده صحيح. ( ) لطائف المعارف ص 77 .

عدد الصفحات ٨٧

88 وقد رأينا أن أهل العلم لم يثبتوا تلك الروايات الواردة في تعيين وقت هذه الحادثة، ولو سلمنا جدلاً أن وقت حادثة الإسراء والمعراج معلوم، فلا يجوز للمسلمين الاحتفال بهذه المناسبة، لأن ذلك لم يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز لهم أن يعتبروها عيداً من أعياد المسلمين، تتعطل فيه الأعمالُ، وتُقام فيه الاحتفالات، لأن ذلك زيادةٌ في الدِّين، وشرعٌ لم يأذن به الله عز وجلَّ . قال الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز [:وهذه الليلة التي حصل فيها الإسراء والمعراج، لم يأت في الأحاديث الصحيحة تعيينُها ،وكل ما ورد في تعيينها، فهو غير ثابتٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم بالحديث، ولله الحكمة البالغة في إنساء الناس لها، ولو ثبت تعيينها لم يجز للمسلمين أن يخصوها بشيءٍ من العبادات ، فلم يجز لهم أن يحتفلوا بها ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم لم يحتفلوا بها، ولم يخصوها بشيءٍ، ولو كان الاحتفال بها أمراً مشروعاً لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم للأمة، إما بالقول أو الفعل ،ولو وقع شيءٌ من ذلك لعُرف واشتهر، ولنقله الصحابة رضي الله عنهم إلينا، فقد نقلوا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم كل شيءٍ تحتاجه الأمة، ولم يفرطوا في شيءٍ من الدِّين، بل هم السابقون إلى كل خير، فلو كان الاحتفال بهذه الليلة مشروعاً، لكانوا أسبق الناس إليه، والنبي صلى الله عليه وسلم هو أنصحُ الناس للناس ، وقد بلَّغ الرسالة غاية البلاغ ، وأدى الأمانة، فلو كان تعظيم هذه الليلة والاحتفال بها من دين الإسلام ، لم يُغفله النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يكتمه، فلما لم يقع شيءٌ من ذلك، عُلم أن الاحتفال بها وتعظيمها ليس من الإسلام في شيءٍ، وقد أكمل الله لهذا الأمة دينها ، وأتمَّ عليها النعمة، وأنكر على من شرع في الدِّين ما لم يأذن به الله، قال سبحانه وتعالى في كتابه المبين من سورة المائدة :{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاسْلامَ دِينًا } ، وقال عز وجل في سورة الشورى {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّين مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْ لِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة التحذيرُ من البدع والتصريح بأنها ضلالةٌ، تنبيهاً للأمة على عظم خطرها ،وتنفيراً لهم من اقترافها ،ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( من

عدد الصفحات ٨٨

89 أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردُّ ). وفي رواية لمسلم : ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ ). وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال:( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته يوم الجمعة: أما بعد فإن خير الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، وشرَّ الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ])(1 ). وقال الشيخ علي محفوظ [: ومنها ليلة المعراج، التي شرَّف الله تعالى هذه الأمة بما شرع لهم فيها، وقد تفنن أهلُ هذا الزمان بما يأتونه في هذه الليلة من المنكرات، وأحدثوا فيها من أنواع البدع ضروباً كثيرةً، كالاجتماع في المساجد،وإيقاد الشموع والمصابيح فيها وعلى المنارات مع الإسراف في ذلك، واجتماعهم للذكر والقراءة وتلاوة قصة المعراج ،وكان ذلك حسناً لو كان ذكراً وقراءةً وتعليمَ علمٍ ،لكنهم يلعبون في دين الله، فالذاكر على ما عرفت ،والقارئ على ما سمعت، فيزيد فيه ما ليس منه ،وينقص منه ما هو فيه، وما أحسن سير السلف، فإنهم كانوا شديدي المداومة على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ،لا يخرجون عن الثابت قيد شعرة، ويعتقدون الخروج عنه ضلالةً ،لا سيما عصر الصحابة ومن بعدهم من أهل القرون الثلاثة المشهود لهم بالخير رضي الله عنهم أجمعين ]( ). ثانياً :المخالفات في المسجد الأقصى المبارك: تقع عدة مخالفاتٍ للأحكام الشرعية في المسجد الأقصى المبارك، كما وأن هنالك تقصيراً واضحاً من المسؤولين عن المسجد في جوانب عديدة ، وسأذكر أهمها: أولاً :جمع صلاة الجمعة مع العصر للمسافرين في المسجد الأقصى المبارك: من الأمور التي فيها خلطٌ على عامة المسلمين، ما يجري كل جمعةٍ في المسجد الأقصى المبارك، من جمعٍ لصلاة الجمعة مع العصر ،حيث إن مؤذن المسجد الأقصى وبعد انتهاء صلاة الجمعة يقيم الصلاة للعصر عبر مكبرات الصوت، ويتقدم أحد أئمة المسجد الأقصى في الغالب ، فيصلي بالناس، ومعظم المصلين يصلون مع هذه الجماعة، بما فيهم أهل بيت المقدس وما حوله، علماً ( ) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية 7/10. ( )الإبداع ص 3 .

عدد الصفحات ٨٩

90 أن أكثرهم غير مسافرين، وبعض هؤلاء يقول إنه يصلي مع هذه الجماعةسنة الجمعة البعدية، وهذه بدعةٌ مقدسيةٌ لا أعلم أنها تقع بهذه الطريقة في غير المسجد الأقصى المبارك ! ولبيان حقيقة هذه المسألة لا بد أن أبين أن الأصل في باب العبادات هو اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم بدون زيادة ولا نقصان، فليس لأحدٍ مهما كان أن يزيد في العبادة شيئاً ، ولا أن يُنقص منها شيئاً ،وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثين صحيحين مشهورين ، بالالتزام بالعبادة كما فعلها هو عليه الصلاة والسلام. أولهما: قوله صلى الله عليه وسلم:(صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري، فهذا الحديث الصحيح الصريح يقرر هذا الأصل، وهو لزوم الاتباع في الصلاة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فنؤدي الصلاة كما وردت عن رسول صلى الله عليه وسلم بلا زيادةٍ ولا نقصانٍ . وثانيهما: قول الرسول صلى الله عليه وسلم:(خذوا عني مناسككم) رواه مسلم، فهذان الحديثان يدلان على أن الأصل في العبادات هو التوقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا يثبت شيءٌ من العبادات إلا بدليلٍ من الشرع، قال شيخ الإسلام ابن تيمية[: وجماع الدِّين أصلان ؛ أن لا يُ عبد إلا الله، ولا نعبده إلا بما شرع ،لا نعبده بالبدع، كما قال تعالى:{ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } سورة الكهف الآية5 .وذلك تحقيق الشهادتين؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمداً رسول الله، ففي الأولى : أن لا نعبد إلا إياه. وفي الثانية: أن محمداً هو رسوله المبلغ ، فعلينا أن نصدق خبره ونطيع أمره، وقد بين لنا ما نعبد الله به ، ونهانا عن محدثات الأمور ،وأخبر أنها ضلالة، قال تعالى:{ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }سورة البقرة الآية ](1 ). وذكر الإمام ابن العربي عن الزبير بن بكار قال[: سمعت مالك بن أنس وأتاه رجلٌ فقال : يا أبا عبد الله من أين أحرم ؟ قال: من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول صلى الله عليه وسلم. فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد. فقال: لا تفعل. قال: فإني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر. قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة. فقال: وأي فتنة هذه ؟ إنما هي أميال ( ) رسالة العبودية ص 35- 3

عدد الصفحات ٩٠

91 أزيدها. قال: وأي فتنةٍ أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلةٍ قصَّر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، إني سمعت الله يقول :{ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ](1 ). إذا تقرر أن الأصل في العبادات التوقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو كما يعبر بعض أهل العلم أن الأصل في العبادات الحظر والمنع ، فإنه لا يجوز شرعاً جمع صلاة العصر إلى صلاة الجمعة لا في حق المقيم ولا في حق المسافر، لعدم ورود ذلك في السنة النبوية، وما نُ قل ذلك الجمع عن أحدٍ من الصحابة رضوان الله عليهم، ولا يصح إثبات ذلك بالقياس على جواز جمع الظهر مع العصر ، للفروق الكثيرة بين صلاتي الجمعة والظهر، فصلاة الجمعة لها كيفيةٌ خاصةٌ بها، ولها أيضاً شروطٌ خاصةٌ بها، فلا يصح قياسها على الظهر، لأنه لا قياس في الصلاة، قال العلامة محمد صالح العثيمين[: فإن قال قائلٌ : أفلا يصح قياس جمع العصر إلى الجمعة على جمعها إلى الظهر؟ فالجواب : لا يصح ذلك لوجوه :الأول: أنه لا قياس في العبادات. الثاني: أن الجمعة صلاة مستقلة منفردة بأحكامها تفترق مع الظهر بأكثر من عشرين حكماً، ومثل هذه الفروق تمنع أن تلحق إحدى الصلاتين بالأخرى . الثالث: أن هذا القياس مخالفٌ لظاهر السنة، فإن في صحيح مسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوفٍ ولا مطرٍ ، فسئل عن ذلك فقال:( أراد أن لا يحرج أمته )، وقد وقع المطر الذي فيه المشقة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمع فيه بين العصر والجمعة، كما في صحيح البخاري وغيره عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى يوم الجمعة وهو على المنبر، فما نزل من المنبر إلا والمطر يتحادر من لحيته، ومثل هذا لا يقع إلا من مطرٍ كثيرٍ يبيح الجمع لو كان جائزاً بين العصر والجمعة، قال : وفي الجمعة الأخرى دخل رجلٌ فقال: يا رسول الله غرق المال، وتهدم البناء، فادع الله يمسكها عنا، ومثل هذا يوجب أن يكون في الطرقات وَ حَلٌ يبيح الجمعَ لو كان جائزاً بين العصر والجمعة . ( ) الاعتصام للشاطبي /7 .

عدد الصفحات ٩١

92 فإن قال قائل: ما الدليل على منع جمع العصر إلى الجمعة؟ فالجواب: إن هذا سؤال غير واردٍ ، لأن الأصل في العبادات المنع إلا بدليل، فلا يطالب من منع التعبد لله تعالى بشيءٍ من الأعمال الظاهرة، أو الباطنة، وإنما يطالب بذلك من تعبد به لقوله تعالى منكراً على من تعبدوا لله بلا شرع:{ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّين مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُ مْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } سورة الشورى الآية ، وقال تعالى:{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَا نِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } سورة المائدة الآية7، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ ). وعلى هذا: فإذا قال القائل: ما الدليل على منع جمع العصر مع الجمعة؟ قلنا: ما الدليل على جوازه ؟ فإن الأصل وجوب فعل صلاة العصر في وقتها، خولف هذا الأصل في جمعها إلى الظهر عند وجود سبب الجمع، فبقي ما عداه على الأصل، وهو منع تقديمها على وقتها ](1 ). وبعد هذا التأصيل، لا بد من التنبيه على الأمور التالية: أولاً : لا جمعةَ على المسافر باتفاق أهل العلم، ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى الجمعة في السفر، ولكن إن حضر المسافر الجمعة لزمته، لعموم قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } سورة الجمعة الآية5، وإذا صلى المسافر الظهر في يوم الجمعة فيجوز له أن يجمع إليها العصر، لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الجمع بين الظهر والعصر. ثانياً : لا شك أن الكيفية التي تتم بها الصلاة المذكورة في المسجد الأقصى المبارك، كيفيةٌ بدعيةٌ ، لم ترد في الشرع، حيث إن مؤذن المسجد يقيم لصلاة العصر عبر مكبرات الصوت، ومن ثمَّ يتقدم الإمام، وأحياناً يكون هو من أمَّ في الجمعة، وغالباً يكون الإمام من أهل المسجد ، أي أنه مقيم ،ثم أكثر من في المسجد يصلي معهم، مع العلم أنهم من أهل بيت المقدس وأكنافه، ومن هؤلاء عوام قد صلوا العصر جمعاً مع أنهم غير مسافرين ؟! ( ) مجموع فتاوى ورسائل العلامة العثيمين 1/ 9 - 97.

عدد الصفحات ٩٢

93 ثالثاً : دعوى بعض الناس أنهم يصلون سنة الجمعة البعدية مع هذه الجماعة، دعوى باطلةٌ ، لأن الأصل في السنن أن تصلى فرادى لا مع الجماعة،إلا ما ورد فيه دليلٌ خاص، وقد قرر المحققون من أهل العلم أنه لا يجوز إثبات نوعٍ من العبادات لدخوله تحت الدليل العام، بل لا بد من دليلٍ خاصٍ ، فمثلاً لو قال شخص عندما رأى المصلين في المسجد يصلون سنة الفجر أشتاتاً في أنحاء المسجد ، فقال: يا جماعة هلا اجتمعتم وصلينا سنة الفجر في جماعة، لأنه صح في الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم:( يدُ الله على الجماعة )، أو لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:( صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بخمس أو سبع وعشرين درجة ) فاستدلالُ هذا الرجل بالأدلة العامة لا يُ قبل، ولا يصح ولا يجوز أن تدخل سنة الفجر في هذه العمومات، ولو لم يثبت لدينا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لا تصلوا سنة الفجر في جماعة. حيث لا يوجد لدينا حديث بهذا المعنى، فصلاة سنة الفجر في جماعة بدعةٌ ، وإن كان الشرع قد حثَّ على الجماعة وعلى صلاة الجماعة، وأن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد (1 ). رابعاً : ينفرد المسجد الأقصى المبارك بهذه البدعة المقدسية دون المساجد الأخرى، ويخشى إن استمر الحال كذلك، وتطاول الزمن، أن يعتقد عامةُ الناس مشروعيتها، وقد صح في الحديث قول النبي صلي الله عليه وسلم:( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌ )( ) . خامساً : لو سلمنا جدلاً بجواز الجمع بين الجمعة والعصر - وهو قولٌ ضعيفٌ لا يسنده دليلٌ صحيحٌ - فإن الواجب على المسافرين أن يتنحوا في ناحية من المسجد ويصلوا لوحدهم، لا أن تُقام لهم الصلاة من مؤذن المسجد عبر مكبرات الصوت، ويهب معظم المصلين ليصلوا معهم، وفي ذلك من تضليل العامة ما فيه، وخاصةً مع تكراره أيضاً في غير يوم الجمعة، حي ث تُ قام الصلاة بعد انتهاء صلاة الظهر، فيصلى معظم أهل المسجد معهم، وأصبح الأمر كأنه سنةً متبعةً ! وخلاصة الأمر أن جمع صلاة الجمعة مع العصر للمسافرين في المسجد الأقصى المبارك بالكيفية التي يتم بها أمرٌ مبتدع، وهو على خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والواجب على ( ) انظر فتاوى العلامة الألباني ص 15-05. ( )رواه مسلم.

عدد الصفحات ٩٣

94 القائمين على المسجد منع ذلك. وواجب أهل العلم أن ينبهوا الناس إلى بدعية تلك الصلاة، وأن يحثوهم على اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثانياً : حرمةُ التبرك بتربة وحجارة المسجد الأقصى المبارك من الأمور المحرمة شرعاً ما يفعله بعض الناس حيث إنهم يأخذون حفنةً من تراب المسجد الأقصى المبارك ويرسلونها لأقاربهم في الخارج ليتبركوا بها، وبيان الحكم الشرعي في هذه المسألة كما يلي: المسجد الأقصى المبارك له أهمية خاصة عند المسلمين وبركاته وفضائله متعددة، وقد وردت نصوصٌ كثيرةٌ في فضائله وبركاته، سبق ذكرها. وعلى الرغم من ثبوت هذه الفضائل للمسجد الأقصى، فلا يجوز شرعاً التبرك بتربته أو حجارته أو شجره أو نحو ذلك، لأن التبرك بأمرٍ ما لا بد أن يكون ثابتاً بالشرع ، وليس الأمر متروكاً لما يتداوله عامة الناس، ولا بد أن أبين أولاً معنى التبرك، فالتبرك في اللغة هو طلب البركة،والبركة هي: النماء والزيادة، والتبريك:الدعاء للإنسان بالبركة. وبارك الله الشيء وبارك فيه وعليه: وضع فيه البركة، وفي التنزيل:{ وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ }سورة الأنعام الآية 5 .وتبركت به:تيمنت به.قال الراغب الأصفهاني: البركةُ ثبوتُ الخير الإلهي في الشيء.قال تعالى:{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ }سورة الأعراف الآية 51 .{ وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ }سورة الأنبياء الآية 05 .تنبيهاً على ما يفيض به من الخيرات الإلهية. وعلى هذا فالمعنى الاصطلاحي للتبرك هو: طلب ثبوت الخير الإلهي في الشيء(1 ) . وقد جعل العلماءُ التبركَ على نوعين: تبركٌ مشروعٌ ، وتبركٌ ممنوع، أما التبرك المشروع: فهو ما توفرت فيه الشروط التالية: أ. ورود الدليل الشرعي على أن هذه الأعيان والأوصاف مباركة، لأن هذا أمرٌ توقيفي، متوقفٌ على ثبوت الدليل من الكتاب والسنة، كالتبرك بالقرآن الكريم، قال الله تعالى:{ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ ( ) الموسوعة الفقهية الكويتية 5/15.

عدد الصفحات ٩٤

95 إِلَيْكَ مُبَارَكٌ }سورة ص الآية5، وكالتبرك بالمساجد، وخاصة المسجد الحرام والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى المبارك، ومسجد قباء، وأحاديث فضل الصلاة فيها مشهورةٌ معلومةٌ . ومثل ذلك التبرك بالأزمنة الفاضلة، مثل: شهر رمضان، وليلة القدر، والعشر الأُوَل من ذي الحجة، ويوم الجمعة، والثلث الأخير من الليل. ب. اعتقاد أن المُبارِِك هو الله تبارك وتعالى، وأن هذه الأعيان والأوصاف إنما هي أسبابٌ للبركة، فقد يتحقَّق المُسَبَبُ عند وجود سببه، وقد يتخلف لحكمة يعلمها الله تعالى. وأما التبرك الممنوع، ومنه التبرك الموهوم الذي يتوهمه بعض الناس، وإن كان في الواقع لا حقيقة له، مثل اعتقاد البركة في بعض القبور والمغارات والأماكن أو الأشخاص- غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام- أحياءً أو أمواتاً سواء ادَّعوا ذلك أو ادُّعِي فيهم. فالتبرك الممنوع ما افتقد الشرطين السابقين أو أحدهما ](1 ). إذا تقرر هذا فإنه يحرم شرعاً التبرك بتربة المسجد الأقصى المبارك أو حجارته، ويحرم إرسالها للناس في الخارج ليتبركوا بها، فهذا أمرٌ منكرٌ، وهو من الشرك الأصغر، وبيان ذلك فيما يلي: أولاً : إن التبرك المشروع بما هو ثابت التبرك به ، [ يكون بفعل العبادات وغيرها مما ورد في الشرع ما يدل على فضلها فيها، ولا يجوز التبرك بها بغير ما ورد، وعليه فمن تبرك بالأزمان، أو الأماكن، أو الأشياء التي وردت نصوصٌ تدل على فضلها أو بركتها بتخصيصها بعبادات أو تبركات معينة لم يرد في الشرع ما يدل على تخصيصها بها، فقد خالف المشروع، وأحدث بدعةً ليس لها أصلٌ في الشرع، وذلك كمن يتبرك بجدران الكعبة بتقبيلها أو مسحها، أو يتمسح بمقام إبراهيم أو بالحِجْر المسمى حِجْر إسماعيل، أو بأستار الكعبة، أو بجدران المسجد الحرام، أو المسجد النبوي وأعمدتهما ونحو ذلك، فهذا كله محرمٌ ، وهو من البدع المحدثة، وقد اتفق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وسلف هذه الأمة على عدم مشروعيته، وكمن يتبرك بأحجارٍ أو ترابِ شيءٍ من المواضع الفاضلة بالتمرغ عليه أو بجمعه أو الاحتفاظ به ](1 ). ( ) ب التبرك المشروع والممنوع د. عبد الله الدميجي بتصرف. ( ) dorar.net/enc/aqadia .

عدد الصفحات ٩٥

96 ثانياً : ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه:( أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبَّله، فقال إني أعلم أنك حجرٌ لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك)(1 ). قال الإمام النووي[:وأما قول عمر رضي الله عنه:( إني لأعلم أنك حجر وأنك لا تضر ولا تنفع) فأراد به بيان الحث على الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في تقبيله، ونبَّه على أنه لولا الاقتداء به لما فعله. وإنما قال:( وإنك لا تضر ولا تنفع ) لئلا يغتر بعض قريبي العهد بالإسلام ، الذين كانوا ألفوا عبادة الأحجار وتعظيمها ، رجاء نفعها وخوف الضرر بالتقصير في تعظيمها ، وكان العهد قريباً بذلك، فخاف عمر رضي الله عنه أن يراه بعضهم يُقبله ويعتني به فيشتبه عليه، فبين أنه لا يضر ولا ينفع بذاته ، وإن كان امتثال ما شرع فيه ينفع بالجزاء والثواب ]( ). وقال العلامة العثيمين[: الحجر الأسود لا يُتبرك به، وإنما يُتعبد الله بمسحه وتقبيله، اتباعاً للرسول صلى الله عليه وسلم، وبذلك تحصل بركة الثواب ]( ). ثالثاً : عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه طاف مع معاوية رضي الله عنه بالبيت فجعل معاوية يستلم الأركان كلها، فقال له ابن عباس:( لِمَ تستلم هذين الركنين ، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمهما ؟ فقال معاوية: ليس شيءٌ من البيت مهجوراً . فقال ابن عباس:{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } فقال معاوية: صدقت ) رواه أحمد والترمذي، وقال: حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم أن لا يُستلم إلا الحجر الأسود والركن اليماني ).قال الشيخ الساعاتي معلقاً على كلام ابن عباس ومعاوية رضي الله عنهم[: يع- أي معاوية - أنها كلها أركان البيت، فلا نستلم البعض ونترك البعض، يريد ابن عباس أننا لم نترك استلام الركنين هجراً للبيت ، ولكننا رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك ففعلنا مثله{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } فرجع معاوية إلى قول ابن عباس رضي ( ) رواه البخاري ومسلم. ( ) شرح النووي على صحيح مسلم 7/753. (7) القول المفيد على كتاب التوحيد ص 95.

عدد الصفحات ٩٦