10 والوفاء من أخلبق السلوك الإجتماعٌة العظٌمة، التً كان للقرآن الكرٌم بها عناٌة فابقة لما له من عظٌم الدلالة على تزكٌة النفوس، وصفاء الفطر وسلبمة الإٌمانٔ. ٔـ الترؼٌب بالوفاء بالعهد: رؼب الله تعالى بالوفاء بالعهود بما أعد الله لهم من الثواب وبما أثنى به علٌهم فً محكم الكت اب، قال تعالى :" وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلٌَْهُ اللهََّ فَسٌَُإْتٌِهِ أَجْرًا عَظٌِمًا " (الفتح، آٌة : ٓٔ). وقد فصل فً آٌات أخرى عظمة ذلك الأجر فقال:" إِنَّمَا ٌَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ * الَّذٌِنَ ٌُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِّ وَلاَ ٌِنقُضُونَ الْمٌِثَاقَ * وَالَّذٌِنَ ٌَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُّ بِهِ أَن ٌُوصَلَ وٌََخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وٌََخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ * وَالَّذٌِنَ صَبَرُواْ ابْتِؽَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلبَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلبَنٌَِةً وٌََدْرَإُونَ بِالْحَسَنَةِ السٌَِّّبَةَ أُوْلَبِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْن ٌَدْ خُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَابِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرٌَِّّاتِهِمْ وَالمَلبَبِكَةُ ٌَدْخُلُونَ عَلٌَْهِم مِّن كُلِّ بَاب * سَلبَم عَلٌَْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ " (الرعد، آٌة : 1 ـٕٗ). فترى أن ذلك الأجر العظٌم لم ٌقتصر علٌهم بل سرى إلى أصولهم وفروعهم وأهلٌهم وأي نعٌم للمرء أكبر من أن ٌصحبه فٌه أصوله وفروعه وأهلوه، لا جرم لا ٌفرط عاقل بهذا الثناء وذلك الجزاء بعد أن ٌعلمه وهو قادر على أن ٌناله إلا أن ٌكون ممن ؼلبت علٌه شقوته، وأولبك لهم سوء الدار. ٕـ الأوامر القرآنٌة بالوفاء بالكٌل والوزن: الوفاء بالكٌل والوزن، وهو المجال الذي ٌتعلق كلٌة بحقوق الآخرٌن، وما ٌترتب علٌه من قوام حٌاتهم ومعاشهم، وهو المجال الذي لا سبٌل إلى التساهل فٌه لأنه مبنً على المشاحة والمقاصة، فالوفاء فٌه ٌصلح للناس أحوالهم، وٌحفظ لهم حقوقهم، ولهذا تكرر الأمر به فً القرآن الكرٌم خمس مرات منها: ـ قوله تعالى:" وَأَوْفُواْ الْكٌَْلَ وَالْمٌِزَانَ بِالْقِسْطِ " (الأنعام، آٌة : ٕ٘ٔ). ـ وقال تعالى:" وَأَوْفُوا الْكٌَْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقٌِمِ " (الإسراء، آٌة : ٖ٘)ٕ. وتحدث القرآن الكرٌم عن شعٌب علٌه السلبم مع قومه، فقد كان قومه بحكم موقع بلبدهم الجؽرافً ٌتحكمون فً طرق التجارة الموصلة بٌن شمال الجزٌرة وجنوبها، وبٌن مصر والشام وبلبد العراق، فكانوا ٌفرضون على الناس ما شاءوا من المعاملبت التجارٌة الجابرة، سعٌاً إلى جنً الربح الفاحش، دون مراع اة لما ٌقع على ؼٌرهم من الظلم والؽبن ، وقد شاعت فٌهم هذه المعاملبت حتى صارت أمراً متعارفاً علٌه عندهم، فلما بعث الله شعٌباً علٌه ٔ أخلبق النبً صلى الله علٌه وسلم فً القرآن والسنة (ٕ/ 1.) ٕ المصدر نفسه (ٕ/ ٗ٘٘).
عدد الصفحات ٩٨18 السلبم استهل دعوته بمحاربة ما كانوا علٌه من عبادة الاصنام والأوثان، ثم ثنى بمحاربة تلك المعاملبت الجابرة، ومن أبرزها نقص المٌزان والمكٌالٔ. قال تعالى:" وَإِلَى مَدٌَْنَ أَخَاهُمْ شُعٌَْبًا قَالَ ٌَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَّ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـه ؼٌَْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بٌَِّنَة مِّن رَّبِّكُمْ فَؤَوْفُواْ الْكٌَْلَ وَالْمٌِزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشٌَْاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فًِ الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلبَحِهَا ذَلِكُمْ خٌَْر لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّإْمِنٌِنَ " (الأعراؾ، آٌة : ٘). ولهذه الآٌة نظابر فً سورة هود، قال تعالى:" وَإِلَى مَدٌَْنَ أَخَاهُمْ شُعٌَْبًا قَالَ ٌَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَّ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـه ؼٌَْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكٌَْالَ وَالْمٌِزَانَ إِنًَِّ أَرَاكُم بِخٌَْر وَإِنًَِّ أَخَاؾُ عَلٌَْكُمْ عَذَابَ ٌَوْم مُّحٌِط * وٌََا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكٌَْالَ وَالْمٌِزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشٌَْاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فًِ الأَرْضِ مُفْسِدٌِنَ " (هود، آٌة : ٖ ـ ٗ). وقال تعالى فً سورة الشعراء " أَوْفُوا الْكٌَْلَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرٌِنَ " (الشعراء، آٌة : ٔ). ونجد تركٌز شعٌب على معالجة هذا الإنحراؾ المتؤصل فً قومه بؤسالٌب مختلفة، شملت الأمر والنهً والترؼٌب والترهٌب. وقد كان لقوم شعٌب معاملبت أخرى جابزة ؼٌر نقص المكٌال والمٌزان وذلك أمر متوقع ممن ٌمارس هذا العمل ونجد شعٌباً ٌذكر هذه المعاملبت فً جملة من الأمور التً نهاهم عنها وهً: أ ـ بخس الناس أشٌاءهم: وذلك فً قوله تعالى:" وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشٌَْاءهُمْ " (الأعراؾ، آٌة : ٘). والبخس فً الأصل هو النقص، ومن أحسن ما قٌل فً حدِّه قول ابن العربً رحمه الله : البخس فً لسان العرب هو النقص بالتعٌٌب والتزهٌد، أو المخادعة عن القٌمة أو الاحتٌال فً التزٌد فً الكٌل أو النقصان منهٕ. فالبخس على هذا أعم من نقص المٌزان والم كٌال، فإنه ٌكون فً المكٌل والموزون وؼٌرهما كالمعدودات، والمقدرات فٌعم كل تصرؾ ٌُقصد منه انتقاص حقوق الناس، ولذلك صور كثٌرة لا تنقضًٖ. ب ـ الفساد فً الأرض: وقد ورد فً قوله :" وَلاَ تُفْسِدُواْ فًِ الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلبَحِهَا" (الأعراؾ، آٌة : ٘). وقوله " وَلاَ تَعْثَوْاْ فًِ الأَرْضِ مُفْسِدٌِنَ " (هود، آٌة : ٘). والفساد فً الأرض أعمّ من كل ما سبق، فٌدخل فٌه كل معصٌة كانوا ٌعملونها، من عبادة ؼٌر الله، ونقص المكٌال والمٌزان وبخس الناس حقوقهم وؼٌر ذلكٗ. ٔ أسباب هلبك الأمم السالفة، سعٌد محمد بابا صـ ٓ٘ٗ. ٕ أحكام القرآن (ٕ/ 8.) ٖ أسباب هلبك الأمم السالفة سعٌد محمد بابا صـ ٓ٘ٗ. ٗ المصدر نفسه صـ ٔ٘ٗ.
عدد الصفحات ٩٩11 ج ـ قطع الطرٌق: قال تعالى:" وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاط تُوعِدُونَ " (الأعراؾ، آٌة : ٙ). وفً هذه الآٌة نهًُ عما كانوا ٌفعلونه من القعود فً طرٌق من ٌرٌد المجًء إلى شعٌب لسماع دعوته، فٌصدونه وٌقولون: إنه كذابٔ، وهذا من الأوجه التً حُملت هذه الجملة، وذكر فٌها وجهان آخران، أولهما : قطع الطرٌق وسلب أموال النا س، وثانٌهما : القعود فً الطرق لأخذ العشور من الناس وجوّز الشوكانً رحمه الله حمل الحملة على هذه الأوجه كلها ٕ. وعلى الرؼم من الجهود التً بذلها شعٌب علٌه السلبم فً معالجة هذه الإنحرافات فً قومه فإنه لم ٌلق منهم ؼٌر العناد والإصرار، وذلك لشٌوع تلك الانحرافات بٌنهم وتؤصلها فٌهم، وفً آخر الأمر ردوا علٌه ردّاً قبٌحاً، إذ اعتبروا محاولاته فً صرفهم عن معاملبتهم الجابرة ضرباً من الهذٌان سببه ما ٌدوم علٌه من الصلبة، قال تعالى:" قَالُواْ ٌَا شُعٌَْبُ أَصَلبَتُكَ تَؤْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا ٌَعْبُدُ آبَاإُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فًِ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لأََنتَ الْحَلٌِمُ الرَّشٌِدُ " (هود، آٌة : 80)، فقولهم:" أَوْ أَن نَّفْعَلَ فًِ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء" ٌعنون به ما درجوا علٌه من نقص المكٌال والمٌزان وبخس الناس حقوقهم وسابر معاملبتهم الظالمة، فاستهزأوا بشعٌب، وأنكروا علٌه تدخله فً تلك الأمور، بدعوى أن الأموال لهم، وهم أحرار فٌها، ٌتصرفون فٌها كٌؾ شاءوا، وٌفرضون على الناس ما ٌحقق لهم الأرباح. وهذا عٌن ما ٌردِّده المنحرفون عن المنهج الربانً فً هذا العصر، بل وفً كل عصر، ٌتعاطون أكل أموال الناس بالباطل عن طرٌق الؽش والخداع، والحٌل والربا وسابر المعاملبت المحرمة، فإذا نهوا عن ذلك تعللوا واحتجوا بما ٌسمونه بحرٌة الاقتصاد، واستنكروا أن ٌتدخل الدٌن فً هذه الأمورٖ. والأجدر بهإلاء، لا سٌما المنتسبٌن منهم إلى الإسلبم أن ٌعتبروا بما حلّ بؤشباههم فً سالؾ الأزمان من الهلبك بسبب معاملبتهم الظالمة وإصرارهم علٌها، أفٌؤمن أحدهم أن ٌؤخذه الله بعاجل العذاب، وٌجعله عبرة لأهل زمانه ولمن بعده، كما جعل قوم شعٌب عبرة لأهل زمانهم ولمن بعدهم والعاقل من اتعظ بؽٌره، لا من وُعظ به ؼٌره ٗ، فقد كان قوم شعٌب أهل شرك وكفر، وتطفٌؾ للمكاٌٌل والموازٌن، ولم ٌُجد معهم دعوة شعٌب إٌابهم إلى التوحٌد، وإٌفاء الكٌل والمٌزان، بل ازدادوا عناداً وإصراراً، فؤصابتهم الظلة وهً سحابة أظلتهم، فٌها شرر من نار ولهب، ووهج عظٌم، ثم جاءتهم صٌحة من السماء ورجفة من الأرض شدٌدة من أسفل منهم، فزهقت الأرواح وفاضت النفوس، وخمدت الأجسام٘. ٔ المصدر نفسه صـ ٔ٘ٗ. ٕ المصدر نفسه صـ ٕ٘ٗ، فتح القدٌر (ٕ/ ٕٕٗ). ٖ فً ظلبل القرآن (ٗ/ 1.) ٗ أسباب هلبك الأمم السالفة صـ ٖ٘ٗ. ٘ تفسٌر ابن كثٌر (ٕ/ ٕٕٗ).
عدد الصفحات ١٠٠ٓٓٔ ٖـ الأمر بالوفاء بالعقود: قال تعالى:" ٌَا أٌَُّهَا الَّذٌِنَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ " (المابدة، آٌة : ٔ). ومعنى الآٌة : ٌا أٌها الذٌن التزمتم بإٌمانكم أنواع العقود والعهود فً إظهار طاعة، أوفوا بتلك العقود التً التزمتم بها وإنما سمى الله تعالى هذه التكالٌؾ عقوداً، لأنه ربطها بعباده كما ٌربط الشًء بالشًء بالحبل الموثق ٔ، فالآٌة الكرٌمة تنادي الموصوفٌن بالإٌمان أن ٌفوا بالعقود التً التزموا بها، ووصفهم بالإٌمان تهٌٌجاً لهم على الوفاء بالعقود، لأن ذلك من مقتفٌات الإٌمان الذي تعلوا بهٕ. ٗـ الأمر بالوفاء بالنذر: قال تعالى:" ثُمَّ لٌَْقْضُوا تَفَثَهُمْ ٖ وَلٌُْوفُوا نُذُورَهُمْ وَلٌَْطَّوَّفُوا بِالْبٌَْتِ الْعَتٌِقِ " (الحج، آٌة : 1.) والنذور: جمع نذر وهو التزام قربة لم تتعٌن فً الشرعٗ، ومنه ما وردت فٌه الآٌة مما ٌنذره الحاج من أعمال البر فً حجه من هدي ونحوه. وهو ما شملته آٌة المابدة السابقة، لأن عقد ٌعقده المإمن مع الله تبارك وتعالى فإفراده بالذكر من بٌن سابر العقود ٌدل على أهمٌة الوفاء به وحتى لا ٌفرط فٌه المإمن فٌتخلى عن عدم الإٌفاء به لعدم المطالب فً الدنٌا، إذ لا ٌزع على الإٌفاء به إلا قوة الإٌمان٘. ولذلك كان تهدٌد الله تعالى للمفرطٌن به مخٌفاً حٌث قال:" وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَة أوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْر فَإِنَّ اللهَّ ٌَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمٌِنَ مِنْ أَنصَار " (البقرة، آٌة : ٓ). فإذا كان النذر ٌعلمه الله تعالى فإن رهن المجازاة به أداء أو تفرٌطاً، فلب ٌخادع إلا نفسه إن هو لم ٌؾ به أما أذا وفّى به فإنه ٌكون ذا مكانة عالٌة عند الله تعالى، كما ٌدل علٌه تنوٌه الله تعالى بؤهل هذا الخلق العظٌم فً كتابه الكرٌمٙ. 5ـ تنوٌه القرآن الكرٌم بأهل الوفاء: قال تعالى :" إِنَّمَا ٌَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ * الَّذٌِنَ ٌُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِّ وَلاَ ٌِنقُضُونَ الْمٌِثَاقَ " (الرعد، آٌة : 1 ـٕٓ). فنعتهم الله تعالى بؤولً الألباب، أي: أصحاب عقول، حٌث هدتهم عقولهم إلى وجوب احترام العهود والمواثٌق التً التزموا بها لخالقهم فً الإٌمان والعبادة، والمخلوقٌن فً المعاملبت والسلوك، فلب ٌنقضون عهداً ولا مٌثاقاً ومنها قوله ٔ التفسٌر الكبٌر (ٔٔ/ ٖٕٔ). ٕ أخلبق النبً صلى الله علٌه وسلم فً القرآن (ٕ/ 8.) ٖ أي لٌزٌلوا أوساخهم وشعثهم كطول الشعر والظفر. ٗ الٌقوت النفٌس للشاطري صـ ٕٗٙ. ٘ أخلبق النبً صلى الله علٌه وسلم (ٕ/ 1.) ٙ المصدر نفسه (ٕ/ 1.)
عدد الصفحات ١٠١ٔٓٔ سبحانه فً سٌاق تعداد صفات أهل البر من عباده، قال تعالى:" وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرٌِنَ فًِ الْبَؤْسَاء والضَّرَّاء وَحٌِنَ الْبَؤْسِ أُولَـبِكَ الَّذٌِنَ صَدَقُوا وَأُولَـبِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ " (البقرة، آٌة : 00.) فوصؾ الله تعالى أصحاب هذه الأخلبق، ومنها خلق الوفاء بؤنهم أهل صدق وأهل تقوى، وذلك لأنهم صدقوا ما عاهدوا الله علٌه، واتقوا عذابه وعقابه الذي وعد به الناكثٌن والخابنٌن، فتؤمل مبلػ هذا الثناء من الملك الجلٌل المتضمن للتنوٌه العظٌم بؤهل تلك الأخلبق الكرٌمة تجد التعبٌر قاصراً عن إدراك كنهه، لما ٌنطوي علٌه من الجزاء الكبٌر المعد لأإلبك الموصفٌن بهذه الصفات، إذ هو بحسب مقام المُثنً والمثٌب، وجعلنا الله ممن نال حظاً من ثنابه وجزابه الكرٌم، فإن جزاءه الكرٌم لهو الجزاء الأوفى، ولا ؼرو أن ٌنال أهل الوفاء ذلك الثناء وذلك الجزاء العظٌم، فإنهم قد تحلوا بذلك الخلق العظٌم الذي هو من صفات الحق تبارك وتعالى، فإنه سبحانه ذو الوفاء الذي لا ٌدانٌه وفاء، كما أخبر سبحانه عن نفسه وهو أصدق القابلٌن بقوله :" وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِّ " (التوبة، آٌة : ٔٔٔ). كما أنه من صفات أنبٌاء الله علٌهم الصلبة السلبم فهذا نبً الله إبراهٌم علٌه السلبم قد ضرب المثل فً الوفاء، إذ وفىّ وفاء لم ٌُعرؾ أحد من البشر أن ابتلى بمثله، وذلك حٌنما أمره الله تعالى بؤن ٌذبح ابنه، فلذة كبده بٌده فما كان منه إلا أن امتثل أمر ربه، وطاوعه ابنه على أمر ربه، وتلّه للجبٌن لٌحقق أمر الله، فلما علم الله صدقه ووفاءه فداه بذبح عظٌم وناداه معبراً عن رضاه عنه وعن وفابه بقوله :" ٌَا إِبْرَاهٌِمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّإٌَْا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنٌِنَ " (الصافات، آٌة : ٗٓٔ ـ ٘ٓٔ)ٔ. كما ابتلبه الله أٌضاً بكلمات من التكالٌؾ الشرعٌة، قال تعالى :" وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهٌِمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَؤَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنًِّ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرٌَِّّتًِ قَالَ لاَ ٌَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمٌِنَ " (البقرة، آٌة : ٕٗٔ). فاستحق بذلك أن ٌنوه الله تعالى بوفابه هذا فقال:" وَإِبْرَاهٌِمَ الَّذِي وَفَّى ". وفّى بجمٌع ما أمره الله به من التكالٌؾ الشرعٌةٕ. وكذلك نبً الله ٌوسؾ علٌه السلبم فإن خُلق الوفاء حمله على أن ٌنسى ما عمله إخوانه معه من مكر وخدٌعة بحٌث كانوا ٌهدفون إلى أن ٌلقوه حتفه حٌنما ألقوه ٔ أخلبق النبً صلى الله علٌه وسلم (ٕ/ ٓٙ٘). ٕ أخلبق النبً صلى الله علٌه وسلم (ٕ/ ٔٙ٘).
عدد الصفحات ١٠٢ٕٓٔ فً ؼٌابة الجُبّ، ناهٌك عما أورثوه أباهم نبً الله ٌعقوب علٌه السلبم من حزن عمٌق على فقد ابنه ٌوسؾ علٌه السلبم حتى ابٌضت عٌناه من الحزن، ومع ذلك فلمّا وفد إلٌه إخوانه بعد أن مكنه الله من خزابن الأرض، قال تعالى:" أَلاَ تَرَوْنَ أَنًِّ أُوفًِ الْكٌَْلَ وَأَنَاْ خَ ٌْرُ الْمُنزِلٌِنَ " (ٌوسؾ، آٌة : 1.) هذا هو الوفاء بحقوق الناس عامة، والإخوان والأرحام منهم خاصة، وهذا هو الخلق الكرٌم اللببق من نبً كرٌم، ولا رٌب فهو الكرٌم ابن الكرٌم ابن الكرٌم علٌهم وعلى نبٌنا أفضل الصلبة والتسلٌمٔ ٙـ ما أعده الله لأهل الوفاء من الأجر والجزاء: قال تعالى:" إِنَّ الأَْبْرَارَ ٌَشْرَبُونَ مِن كَؤْس كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عٌَْنًا ٌَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهَِّ ٌُفَجِّرُونَهَا تَفْجٌِرًا * ٌُوفُونَ بِالنَّذْرِ وٌََخَافُونَ ٌَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطٌِرًا " (الدهر، آٌة : ٘ ـ 0.) فسماهم الله تعالى أبراراً، ومعلوم أن الأبرار لهم صفات كثٌرة تدل على عظمة إٌمانهم وتعبدهم، ولكن لم ٌذكر الله تعالى فً هذه الآٌة الدالة على مبلػ ثوابهم وأجرهم إلا صفة الوفاء والخوؾ، وذلك لأن هذا الوصؾ أبلػ فً التوفر على أداء الواجبات، لأن من وفى بما أوجبه الله على نفسه لله، كان أوفى بما أوجبه الله علٌه بالأولىٕ، وذلك ٌدل على قوة الإٌمان، إذ لا ٌدفع إلى الوفاء بالنذر إلا قوة الإٌمان، وتفاوت الناس عند الله تعالى إنما ٌكون بحسب قوة إٌمانهم وضعفه، كما دل علٌه قوله تعالى:" إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهَِّ أَتْقَاكُ مْ " (الحجرات، آٌة : ٖٔ). جعلنا الله من أهل الوفاء والتقوى بمنه وكرمهٖ. فهذه من أهم مقاصد القرآن الكرٌم، وقد تناولنا بعضها، كتصحٌح المتعقد، وتقوى الله وعبادته وتزكٌة النفس، والحرٌة، والشورى، وكرامة الإنسان، وتحرٌر المرأة من ظلم الجاهلٌة، وتكوٌن الأسرة، وبناء الأمة الشهٌدة على الناس، والسماحة، والرحمة، والوفاء بالعهود. المبحث الخامس: جمع القرآن وكتابته: أولاً : جمع القرآن الكرٌم كتابة من فم رسول الله صلى الله علٌه وسلم: وردت لفظ "الجمع" بمعنى: "الحفظ مع دقة الترتٌب" عدة مرات فً كتاب الله وذلك من مثل قوله تعالى مخاطباً خاتم أنبٌابه ورسله صلى الله علٌه وسلم :" لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلٌَْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلٌَْنَا بٌََانَهُ " (القٌامة، آٌة : ٙٔ ـ 1.) كما وردت لفظة "الجمع" بمعنى: "الكتابة والتدوٌن " والمعنى الأول آتاه الله تعالى ـ لخاتم أنبٌابه ورسله صلى الله علٌه وسلم ـ ولعدد ؼٌر قلٌل من صحابته الكرام وممن تابعهم من الصالحٌن إلى الٌوم وحتى ٌوم الدٌن، وهإلاء تدارسوا ٔ المصدر نفسه (ٕ/ ٔٙ٘). ٕ المصدر نفسه (ٕ/ ٔٙ٘)، أنوار التنزٌل وأسرار التؤوٌل صـ ٗ. ٖ أخلبق النبً صلى الله علٌه وسلم فً القرآن والسنة (ٕ/ ٔٙ٘).
عدد الصفحات ١٠٣ٖٓٔ القرآن الكرٌم ولا ٌزالون ٌتدارسونه وٌستظهرونه لتمكنوا من القراءة به فً الصلوات المكتوبة وفً النوافل وفً الاستشهاد وأما جمع القرآن الكرٌم بمعنى تدوٌنه كتابة فقد مرّ بمراحل ثلبثة: أولها جمع القرآن الكرٌم كتابة من فم رسول الله صلى الله علٌه وسلمٔ. إن جمٌع الأحادٌث الواردة فً هذا الشؤن تتفق على أن ترتٌب آٌات القرآن، حسبما علٌه المصحؾ الآن، إنما هو ترتٌب توقٌفً، لم ٌجتهد فٌه رسول الله ولا أحد من الصحابة فً عهده أو من بعده وإنما كان ٌتلقى ترتٌبها بعضها إلى جانب بعض، وحٌاً من عند الله بواسطة جبرٌل. روى أحمد بإسناده عن عثمان بن أبً العاص، قال: كنت جالساً عند رسول الله صلى الله علٌه وسلم إذ شخص ببصره ثم صوّبه، قال :"أتانً جبرٌل فؤمرنً أن ضع هذه الآٌة هذا الموضع ببصره ثم صوّبه قال : أتانً حبرٌل فؤمرنً أن أضع هذه الآٌة هذا الموضع من هذه السورة :" إِنَّ اللهَّ ٌَؤْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإٌِتَاء ذِي الْقُرْبَى " (النحل، آٌة : ٙٔ/ ٓ)ٕ. إن من مظاهر عناٌة الله بالقرآن الكرٌم وحفظه ما تمّ على ٌد الرسول صلى الله علٌه وسلم وأمته من حفظ القرآن فً صدورهم وكتابته فً الصحؾ وقد بلػ الرسول صلى الله علٌه وسلم وأمته فً ذلك أرقى مناهج التوثٌق ذلك أن القرآن الكرٌم نزل على رسول الله صلى الله علٌه وسلم ـ صلوات الله وسلبمه علٌه ـ منجماً فً ثلبث وعشرٌن سنة ٖ، حسب الحوادث ومقتضى الحال، وكانت السورة تدون ساعة نزولها، إذ كان المصطفى صلى الله علٌه وسلم إذا ما نزلت علٌه آٌة أو آٌات قال: ضعوها فً مكان كذا... سورة كذاٗ. ولهذا اتفق العلماء على أن جمع القرآن توقٌفً، بمعنى أن ترتٌبه بهذه الطرٌقة التً نراه علٌها الٌوم فً المصاحؾ إنما هو بؤمر الله ووحً من الله٘. وما ٌقال عن ترتٌب آٌات القرآن هو الذي ٌقوله إجماع المإرخٌن والمحدّثٌن والباحثٌن عن ترتٌب السور ووضع البسملة فً رإوسها، قال القاضً أبو بكر بن الطٌب رواٌة عن مكً رحمه الله فً تفسٌر سورة "براءة" إن ترتٌب الآٌات فً السور، ووضع البسملة فً الأوابل هو توقٌؾ من الله عز وجل، ولما لم ٌإمر بذلك فً أول سورة براءة تركت بلب بسملةٙ. وروى القرطبً عن ابن وهب قال: سمعت سلٌمان بن بلبل ٌقول سمعت ربٌعة ٌُسؤل: لم قدمت البقرة وآل عمران وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة، وإنما نزلتا فً المدٌنة؟ فقال ربٌعة: قد قدمتا، وألؾّ القرآن على علم ممّن ألفّه 0. ٔ مدخل إلى دراسة الإعجاز العلمً د. زؼلول النجار. ٕ مسند أحمد، لا ٌؤتٌه الباطل د. محمد سعٌد رمضان صـ 0. ٖ مباحث فً علوم القرآن مناع القطان صـ ٘ٓٔ. ٗ الإتقان فً علوم القرآن للسٌوطً (ٔ/ ٓٙ ـ ٔٙ). ٘ البرهان فً علوم القرآن (ٔ/ ٖٕٗ ـ ٖٕ٘). ٙ لا ٌؤتٌه الباطل محمد سعٌد رمضان صـ 0. 0 تفسٌر القرطبً(ٔ/ ٔٙ) البخاري (٘/ ٘ٙٔ).
عدد الصفحات ١٠٤ٗٓٔ هذا عن ترتٌب آي القرآن وسوره أما عن كتابته، فمن المعلوم أولاً أن النبً صلى الله علٌه وسلم كان أمٌاً لا ٌقرأ ولا ٌكتب، أجمع على ذلك عامة المإرخٌن وكل المشركٌن الذٌن كانوا على عهد رسول الله، لذا فقد كان ٌعهد بكتابة ما ٌتنزل علٌه من القرآن إلى أشخاص من الصحابة بؤعٌانهم كانوا ٌُسمون كتاب الوحً، وأشهرهم الخلفاء الأربعة وأبً بن كعب، وزٌد بن ثابت، ومعاوٌة بن أبً سفٌان، والمؽٌرة بن شعبة، والزبٌر بن العوام، وشرحبٌل بن حسنة، وعبد الله بن رواحة، وقدا كانوا ٌكتبون ما ٌتنزل من القرآن تباعاً حسب الترتٌب الذي ٌؤتً به جبرٌل فٌما تٌسر لهم، من العظام المرققة والمخصصة لذلك، وألواح الحجارة الرقٌقة والجلود، وقد كانوا ٌضعون ما ٌكتبونه فً بٌت رسول الله صلى الله علٌه وسلم، ثم ٌكتبون لأنفسهم إن شاءوا صوراً عنها ٌحفظونها لدٌهم، ولقد كان من الصحابة من ٌتتبع ما ٌنزل من آٌات القرآن وتتبع ترتٌبها فٌحفظها عن ظهر قلب، حتى كان فٌهم من حفظ القرآن كله، فمن المشاهٌر أبً بن كعب وزٌد بن ثابت وآخرونٔ. وظل الصحابة ٌعكفون على حفظ القرآن ؼٌباً، حتى ارتفعت نسبة الحفاظ منهم إلى عدد لا ٌحصى. ٌتضح لك من هذا الذي ذكرناه أن القرآن وعاه الصدر الأول من الصحابة وبلؽوه إلى من بعدهم بطرٌقتٌن اثنتٌن: أحدهما: الكتابة التً كانت تتم للقرآن بؤمر الرسول صلى الله علٌه وسلم لأشخاص بؤعٌانهم وكّل إلٌهم هذا الأمر ولم ٌنتقل رسول الله صلى الله علٌه وسلم إلى جوار ربه إلا والقرآن مكتوب كله فً بٌته. الثانٌة: حفظه فً الصدور عن طرٌق التلقً الشفهً من كبار قراء الصحابة وحفاظهم الذٌن تلقوه بدورهم عن رسول الله صلى الله علٌه وسلم، الذي أقرهم على كٌفٌة النطق والأداءٕ. وكان كل ما ٌكتب من آٌات وسور القرآن الكرٌم بعد الوحً بها مباشرة ٌحفظ فً بٌت رسول الله صلى الله علٌه وسلم مع استنساخ كُتاب الوحً نسخاً لأنفسهم من جمٌع ما أملً على كل منهم وبذلك تم جمع القرآن الكرٌم كله كتابة وحفظاً على عهد رسول الله صلى الله علٌه وسلمٖ. وثبت أن جبرٌل علٌه السلبم كان ٌعارض الرسول صلى الله علٌه وسلم بالقرآن مرّة واحدة فً كل سنة ثم عارضه به فً السنة التً توفً فٌها صلى الله علٌه وسلم مرتٌنٗ، ومعنى هذا أن القرآن الكرٌم كان فً صورته التامة فً هذه السنة التً تمّ عرضه فٌه ا مرتان، ولذلك شواهد كثٌرة ذكرها العلماء من أظهرها ما أورده البؽوي عن أبً عبد الرحمن السلمً أنه قال: كانت قراءة ٔ البرهان للزركشً (ٔ/ 8)، الإتقان(ٔ/ 8)، فتح الباري شرح البخاري(1 /8)، لا ٌؤتٌه الباطل صـ 8. ٕ لا ٌؤتٌه الباطل صـ 1. ٖ مدخل إلى دراسة الإعجاز العلمً صـ 8. ٗ البخاري رقم ٓٔ.
عدد الصفحات ١٠٥٘ٓٔ أبً بكر وعمر وعثمان، وزٌد بن ثابت، والمهاجرٌن والأنصار واحدة، كانوا ٌقرأون القراءة العامة فٌه، وهً القراءة التً قرأها رسول الله صلى الله علٌه وسلم على جبرٌل مرتٌن فً العام الذي قبض فٌه وكان زٌد قد شهد العرضة الأخٌرة وكان ٌقرئ الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمده الصدٌق فً جمعه أولاً وولاّه عثمان كتبة المصحؾ ٔ. على أن القرآن رؼم ذلك لم ٌجمع بٌن دفتٌن فً مصحؾ على عهد رسول الله صلى الله علٌه وسلم، وذلك لضٌق الوقت بٌن آخر آٌة نزلت من القرآن وبٌن وفاته صلى الله علٌه وسلمٕ. ثانٌا : جمع القرآن الكرٌم فً مصحف واحد على عهد الخلٌفة الأول أبً بكر الصدٌق رضً الله عنه: كان من ضمن شهداء المسلمٌن فً حرب مسٌلمة الكذّاب فً الٌمامة كثٌر من حفظة القرآن، وقد نتج عن ذلك أن قام أبو بكر رضً الله عنه بمشورة عمر بن الخطاب رضً الله عنه بجمع القرآن حٌث جمع من الرقاع والعظام والسعؾ ومن صدور الرجالٖ، وأسند أبو بكر الصدٌق رضً الله عنه هذا العمل العظٌم والمشروع الحضاري الضخم إلى الصحابً الجلٌل زٌد بن ثابت الأنصاري رضً الله عنه ٌروي زٌد بن ثابت رضً الله عنه فٌقول: بعث إلً أبو بكر رضً الله عنه : إن عمر أتانً فقال : إن القتل قد استحر ٗ ٌوم القٌامة بقراء القرآن وإنً أرى أن تؤمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كٌؾ أفعل شٌباً لم ٌفعله رسول الله صلى الله علٌه وسلم ٘؟ فقال عمر : هذا والله خٌر، فلم ٌزل عمر ٌراجعنً حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر، ورأٌت فً ذلك الذي رأى عمر، قال زٌد: قال أبو بكر: وإنك رجل شاب عاقل لا نتهمكٙ، وقد وقد كنت تكتب الوحً لرسول الله صلى الله علٌه وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه0، قال زٌد: فوالله لو كلفونً نقل جبل من الجبال ما كان بؤثقل علًّ مما كلفنً به من جمع القرآن، فتتبعت القرآن من العسب 8 واللخاؾ1، وصدور الرجال، والرقاعٓٔ، والأكتاؾٔٔ. قال: حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبً خزٌمة الأنصاري لم أجدها مع أحد ؼٌره. ٔ شرح السنة (ٖ/ ٓ٘)، تمٌز الأمة الإسلبمٌة د. اسحاق السعدي (ٔ/ ٘). ٕ لا ٌؤتٌه الباطل صـ 1. ٖ حروب الردة وبناء الدولة أحمد سعٌد صـ ٘ٗٔ. ٗ استحر: كثر واشتد. ٘ أبو بكر الصدٌق للصلببً صـ ٕٕٙ. ٙ هذه الصفات معٌار لاختٌار زٌد. 0 أي من الأشٌاء التً عندي وعند ؼٌرك. 8 العسب: جرٌد النخل. 1 اللخاؾ: جمع لخفة: وهً صفابح الحجارة. ٓٔ الرقاع: جمع رقعة وهً قطع الجلود. ٔٔ الأكتاؾ: جمع كتؾ وهو العظم الذي للبعٌر أو الشاة.
عدد الصفحات ١٠٦ٙٓٔ قال تعالى:" لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُول مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزٌِز عَلٌَْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرٌِص عَلٌَْكُم بِالْمُإْمِنٌِنَ رَإُوؾ رَّحٌِم " ( التوبة، آٌة : 8)، حتى خاتمة براءة، وكانت الصحؾ عند أبً بكر فً حٌاته حتى توفاه الله، ثم عند عمر حٌاته حتى توفاه الله ثم عند حفصة بنت عمر رضً الله عنهمٔ، وعلق البؽوي على هذا الحدٌث فقال: فٌه البٌان الواضح أن الصحابة ـ رضً الله عنهم ـ جمعوا بٌن الدفتٌن القرآن الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على رسوله صلى الله علٌه وسلم من ؼٌر أن ٌزٌدوا فٌه أو ٌنقصوا منه شٌباً والذي حملهم على جمعه ما جاء فً الحدٌث وهو أنه كان مفرقاً فً العسب واللخاؾ وصدور الرجال، فخافوا ذهاب بعضه بذهاب حفظته، ففزعوا فٌه إلى خلٌفة رسول الله ودعوه إلى جمعه، فرأى فً ذلك رأٌهم فؤمر بجمعه فً موضع واحد باتفاق من جمٌعهم، فكتبوه كما سمعوا من رسول الله من ؼٌر أن قدموا شٌباً أو أخروا أو وضعوا له ترتٌباً لم ٌؤخذوه من رسول الله صلى الله علٌه وسلم، وكان رسول الله صلى الله علٌه وسلم ٌلقى أصحابه وٌعلمهم ما ٌنزل علٌه من القرآن على الترتٌب الذي هو الآن فً مصاحفنا بتوقٌؾ جبرٌل صلوات الله علٌه، إٌاه على ذلك، وإعلبمه عند نزول كل آٌة إن هذه الآٌة تكتب عقب آٌة كذا فً السور التً ٌذكر فٌها كذإ. وهكذا ٌتضح للقارئ الكرٌم أن من أولٌات أبً بكر الصدٌق رضً الله عنه: أنه أول من جمع القرآن الكرٌم ٌقول صعصعة بن صوحان رحمه الله: أول من جمع بٌن اللوحٌن، وورث الكلبلةٖ، أبو بكر. وقال علً بن أبً طالب رضً الله عنه: ٌرحم الله أبا بكر هو أول من جمع بٌن اللوحٌنٗ. وقد اختار أبو بكر رضً الله عنه زٌد بن ثابت لهذه المهمة العظٌمة، وذلك لأنه رأى فٌه المقومات الأساسٌة للقٌام بها وهً: 1ـكونه شاباً، حٌث كان عمره ٕٔ سنة، فٌكون أنشط لما ٌطلب منه. 2ـكونه أكثر تؤهٌلبً، فٌكون أوعى له، إذ من وهبه الله عقلبً راجحؤ فقد ٌسر له سبل الخٌر. 3ـ كونه ثقة، فلٌس هو موضعاً للتهمة، فٌكون عمله مقبولاً، وتركن إلٌه النفس، وٌطمبن إلٌه القلب. 4ـكونه كاتباً للوحً، فهو بذلك ذو خبرة سابقة فً هذا الأمر وممارسة عملٌة له فلٌس ؼرٌباً عن هذا العمل، ولا دخٌلبً علٌه٘. هذه الصفات الجلٌلة جعلت الصدٌق ٌُرشح زٌداً لجمع القرآن، فكان به جدٌراً، وبالقٌام به خبٌراً . ٔ البخاري رقم ٙ. ٕ شرح السنة (ٗ/ ٕٕ٘) للبؽوي. ٖ الكلبلة: من لا ولد له ولا والد. ٗ إسناده صحٌح أخرجه ابن أبً شٌبة (0 /ٙ). ٘ التفوق والنجابة على نهج الصحابة، حمد العجمً صـ ٖ.
عدد الصفحات ١٠٧0 5ـوٌضاؾ لذلك أنه أحد الصحابة الذٌن جمعوا القرآن على عهد النبً صلى الله علٌه وسلم مع الإتقان وأما الطرٌقة التً اتبعها زٌد فً جمع القرآن فكان لا ٌثبت شٌباً من القرآن إلا إذا كان مكتوباً بٌن ٌدي النبً صلى الله علٌه وسلم ومحفوظاً من الصحابة، فكان لا ٌكتفً بالحفظ دون الكتابة، خشٌة أن ٌكون فً الحفظ خطؤ أو وهم، وأٌضاً لم ٌقبل من أحد شٌباً جاء به إلا إذا أتى معه شاهدان ٌشهدان أن ذلك المكتوب كتب بٌن ٌدي رسول الله صلى الله علٌه وسلم وأنه من الوجوه التً نزل بها القرآنٔ. وعلى هذا المنهج استمر زٌد رضً الله عنه فً جمع القرآن حذراً متثبتاً مبالؽاً فً الدقة والتحريٕ. إن زٌداً اتبع طرٌقة فً الجمع نستطٌع أن نقول عنها فً ؼٌر تردد، أنها طرٌقة فذّة فً تارٌخ الصناعة العقلٌة الإنسانٌة وأنها طرٌقة التحقٌق العلمً المؤلوؾ فً العصر الحدٌث وأن الصحابً الجلٌل قد اتبع هذه الطرٌقة بدقة دونها كل دقة وأن هذه الدقة فً جمع القرآن متصلة بإٌمان زٌد بالله، فالقرآن كلبم الله جل شؤنه فكل تهاون فً أمره أو إؼفال للدقة فً جمعه وزر ما كان أحرص زٌداً ـ فً حسن إسلبمه وجمٌل صحبته لرسول الله صلى الله علٌه وسلم أن ٌتنزه عنه. إن ما قام به زٌد بن ثابت رضً الله عنه بتكلٌؾ من خلٌفة المسلمٌن أبً بكر الصدٌق رضً الله عنه ومشورة عمر بن الخطاب رضً الله عنه، ومعاونة عمر رضً الله عنه وأبً بن كعب ومشاركة جمهور الصحابة ممن كان ٌحفظ القرآن أو ٌكتبه ٖ، وإقرار جمع من المهاجرٌن والأنصار مظهر من مظاهر العناٌة الربانٌة بحفظ القرآن الكرٌم وتوفٌق من الله للؤمة الإسلبمٌة وشدٌد منه لمسٌرتها وٌتضمن ذلك ـ أٌضاً ـ كما قال أبو زهرة: حقٌقتٌن مهمتٌن تدلان على إجماع الأمة كلها على حماٌة القرآن الكرٌم من التحرٌؾ والتؽٌٌر والتبدٌل، وأنه مصون بع ناٌة الله سبحانه وتعالى، ومحفوظ بحفظه وإلهام المإمنٌن بالقٌام علٌه وحٌاطتهٗ. الأولى: أن عمل زٌد رضً الله عنه لم ٌكن كتابة مبتدأة، ولكنه إعادة مكتوب٘، مكتوب٘، فقد كتب القرآن كله فً عهد النبً صلى الله علٌه وسلم، وعمل زٌد الإبتدابً هو البحث عن الرقاع والعظام التً كان قد كتب علٌها والتؤكد من سلبمتها بؤمرٌن، بشهادة أثنٌن على الرقعة التً فٌها الآٌة والآٌتان أو الآٌات، وبحفظ زٌد نفسه، وبالحافظٌن من الصحابة، وقد كانوا الجمع الؽفٌر والعدد الكبٌر، فما كان لأحد أن ٌقول: إن زٌداً كتب من ؼٌر أصل مادي قابم، بل إنه أخذ من أصل قابم ثابت مادي وبذلك نقرر أن ما كتبه زٌد هو تماماً ما كتب فً ٔ المصدر نفسه صـ ٗ. ٕ الصدٌق للصلببً صـ ٕٗٙ. ٖ الحضارة الإسلبمٌة توفٌق الواعً صـ ٔ. ٗ تمٌز الأمة الإسلبمٌة (ٔ/ ٖٓٙ). ٘ المصدر نفسه (ٔ/ ٖٓٙ).
عدد الصفحات ١٠٨8 عصر الرسول صلى الله علٌه وسلم، وأنه لٌس كتابة زٌد، بل ما كتب فً عصره علٌه الصلبة والسلبم وأملبه وما حفظه الروح القدس. الثانٌة: أن عمل زٌد لم ٌكن عملبً آحادٌاً، بل كان عملبً جماعٌاً من مشٌخة صحابة رسول الله صلى الله علٌه وسلم، فقد طلب أبو بكر إلى كل ما عنده شًء مكتوب أن ٌجًء به إلى زٌد وإلى كل من ٌحفظ القرآن أن ٌدلً إلٌه بما ٌحفظه، واجتمع لزٌد من الرقاع والعظام وجرٌد النخل ورقٌق الحجارة وكل ما كتب أصحاب رسول الله صلى الله علٌه وسلم، وعند ذلك بدأ زٌد ٌرتبه وٌوازنه وٌستشهد علٌه، ولا ٌثبت آٌة إلا إذا اطمؤن إلى اثباتها، كما أوحٌت إلى رسول اللهٔ. وأستمر الأمر كذلك، حتى إذا ما أتم زٌد ما كتب، تذاكره الناس، وتعرفوه وأقروه، فكان المكتوب متواتراً بالكتاب ومتواتراً بالحفظ فً الصدور، وما تمّ هذا الكتاب فً الوجود ؼٌر القرآنٕ ـ وأٌم الله ـ عناٌة من الرحمن خاصة بهذا القرآن العظٌمٖ. وشرؾ للؤمة الإسلبمٌة تمٌزت به على سابر الأمم ووفقها الله لخدمة كتابه فً منهج علمً سبقت إلٌه جمٌع الأممٗ. ثالثاً : جمع القرآن الكرٌم فً عدد من المصاحؾ على عهد ذي النورٌن أمٌر المإمنٌن عثمان بن عفان رضً الله عنه: ٔـ الباعث على جمع القرآن فً عهد عثمان: عن أنس بن مالك رضً الله عنه: أن حذٌفة بن الٌمان قدم على عثمان رضً الله عنه وكان ٌُؽازي أهل الشام فً فتح أرمٌنٌة، وأذربٌجان مع أهل العراق، فؤفزع حذٌفة اختلبفهم فً القراءة، فقال حذٌفة لعثمان: ٌا أمٌر المإمنٌن، أدرك هذه الأمة قبل أن ٌختلفوا فً الكتاب اختلبؾ الٌهود والنصارى فؤرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلً إلٌنا بالصُّحؾ ننسخها فً المصاحؾ ثم نردُّها إلٌك، فؤرسلت بها حفصة إلى عثمان، فؤمر زٌد بن ثابت، وعبد الله بن الزبٌر، وسعٌد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام رضً الله عنهم، فنسخوها فً المصاحؾ، وقال عثمان للرّهط القرشٌٌن الثلبثة: إذا اختلفتم أنتم وزٌد بن ثابت فً شًء من القرآن، فؤكتبوه بلسان قرٌش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصُحؾ فً المصاحؾ رد عثمان رضً الله عنه الصُحؾ إلى حفصة، فؤرسل إلى كّلِّ أفق بمصحؾ ممّا نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن فً كلِّ صحٌفة، أو مصحؾ أن ٌُحرق٘ ٔ دراسات فً القرآن، أحمد خلٌل صـ ٓ. ٕ تمٌز الأمة الإسلبمٌة (ٔ/ ٗٓٙ). ٖ دراسات تارٌخٌة من القرآن الكرٌم محمد بٌومً صـ ٖٔ ـ ٕٖ. ٗ المصدر نفسه (ٔ/ ٗٓٙ). ٘ البخاري، ك فضابل القرآن، رقم 180.
عدد الصفحات ١٠٩1 وٌإخذ من الحدٌث الصحٌح أمور منها: أ ـ أن السبب الحامل لعثمان رضً الله عنه على جمع القرآن مع أنه كان مجموعاً، مرتباً فً صحؾ أبً بكر الصدٌق، إنما هو اختلبؾ قرّاء المسلمٌن فً القراءة، اختلبفاً أوشك أن ٌإدي بهم إلى أخطر فتنة فً كتاب الله تعالى، وهو أصل الشرٌعة، ودعامة الدٌن، وأساس بناء الأمة الإجتماعً، والسٌاسً، والخُلُقً، حتى إن بعضهم كان ٌقول لبعض : إن قراءتً خٌر من قراءتك، فؤفزع ذلك حذٌفة ففزع إلى خلٌفة المسلمٌن، وإمامهم، وطلب إلٌه أن ٌدرك الأمة قبل أن تختلؾ، فٌستشري بٌنهم الاختلبؾ، وٌتفاقم أمره، وٌعظم خطبه، فٌُمسّ نصُّ القرآن، وتُحرّؾ عن مواضعها كلماته وآٌاته، كالذي وقع بٌن الٌهود، والنصارى من اختلبؾ كل أمة على نفسها فً كتابها. ب ـ أن هذا الحدٌث الصحٌح قاطع بؤن القرآن الكرٌم كان مجموعاً فً صحؾ ومضموماً فً خٌط، وقد اتفقت كلمة الأمة اتفاقاً تاماً على أن ما فً تلك الصُّحؾ هو القرآن كما تلقته عن النبً صلى الله علٌه وسلم فً آخر عرضٌة على أمٌن الوحً جبرٌل علٌه السلبم، وأن تلك الصحؾ ظلت فً رعاٌة الخلٌفة الأول أبً بكر الصدٌق، ثم انتقلت بعده إلى رعاٌة الخلٌفة الثانً عمر بن الخطاب، ثم عرؾ عمر حضور أجله ولم ٌوِّلى عهده أحداً معٌناً فً خلبفة المسلمٌن، وإنما جعل الأمر شورى فً الرّهط المعطفٌن بالرّضا من رسول الله صلى الله علٌه وسلم، أوصى بحفظ الصحؾ عند ابنته حفصة أم المإمنٌن رضً الله عنها، وأن عثمان اعتمد فً جمعه على تلك الصُّحؾ، وعنها نقل مصحفه "الرّسمً" وأنه أمر أربعة من أشهر قرّاء الصحابة إتقاناً لحفظ القرآن، ووعٌاً لحروفه، وأداءً لقراءاته، وفهماً لإعرابه ولؽته : ثلبثة قرشٌٌن وواحداً أنصارٌاً، وهو زٌد بن ثابت صاحب الجمع الأول فً عهد الصدٌق بإشارة الفاروق. وفً بعض الرواٌات: أن الذٌن أمرهم عثمان أن ٌكتبوا من الصحؾ اثنا عشر رجلبً، فٌهم أبً بن كعب، وآخرون من قرٌش والأنصارٔ. ج ـ ونؤخذ من هذا: إن الفتوحات فً عهد عثمان كانت بإذن وأمر من الخلٌفة، وأن القرار العسكري ٌصدر من المدٌنة، وأن الولاٌات الإسلبمٌة كلها كانت خاضعة لأمر الخلٌفة عثمان فً عهده، بل ٌدّل على أن هناك إجماعاً من الصحابة والتابعٌن فً جمٌع الأقالٌم على خلبفة عثمان، وقدوم حذٌفة بن الٌمان إلى المدٌنة، لرفع اختلبؾ الناس فً قراءة القرآن، ٌدل على : أن القضاٌا الشرعٌة الكبرى كان ٌستشار فٌها الخلٌفة فً المدٌنة، وأن المدٌنة ما زالت دار النة ومجمع فقهاء الصحابةٕ. ٕ ـ استشارة جمهور الصحابة فً جمع عثمان: ٔ عثمان بن عفان لصادق عرجون صـ ٔ. ٕ المدٌنة النبوٌة فجر الإسلبم والعصر الراشدي (ٕ / ٕٗٗ).
عدد الصفحات ١١٠ٓٔٔ جمع عثمان رضً الله عنه المهاجرٌن والأنصار، وشاورهم فً الأمر، وفٌهم أعٌان الأمة، وأعلب م الأبمة، وعل ماء الصحابة، وفً طلٌعتهم علً بن أبً طالب رضً الله عنهم، وعرض عثمان رضً الله عنه هذه المعضلة على صفوة الأمة وقادتها الهادٌن المهدٌٌن، ودارسهم أمرها، ودارسوه، وناقشهم فٌها وناقشوه، حتى عرؾ رأٌهم وعرفوا رأٌه، فؤجابوه إلى رأٌه فً صراحة لا تجعل للرٌب إلى قلوب المإمنٌن سبٌلبً، وظهر للناس فً أرجاء الأرض من عقد علٌه إجماعهم فلم ٌعرؾ قط ٌومبذ لهم مخالؾ، ولا عرؾ عند أحد نكٌر، ولٌس شؤن القرآن الذي ٌخفى على آحاد الأمة فضلبً عن عل مابها وأبمتها البارزٌنٔ. إن عثمان رضً الله عنه لم ٌبتدع فً جمعه المصحؾ، بل سبقه إلى ذلك أبو بكر الصدٌق رضً الله عنه، كما أنه لم ٌضع ذلك من قبل نفسه، إنما فعله عن مشورة للصحابة رضً الله عنهم وأعجبهم هذا الفعل، وقالوا: نعم ما رأٌت، وقالوا: أٌضاً قد أحسن أي: فً فعله فً المصاحؾٕ. وقد أدرك مصعب بن سعد صحابة النبً صلى الله علٌه وسلم حٌن مشقٖ، عثمان رضً الله عنه المصاحؾ، فرآهم قد أعجبوا بهذا الفعل ٗ منه، وكان علً رضً الله عنه ٌنهى من ٌعٌب على عثمان رضً الله بذلك، وٌقول: ٌا أٌها الناس لا تؽلوا فً عثمان، ولا تقولوا له إلا خٌراً ـ أو قولوا خٌراً ـ فوالله ما فعل الذي فعل ـ أي فً المصاحؾ ـ إلا عن ملؤ منا جمٌعاً، أي : الصحابة....والله لو ولٌت، لفعلت مثل الذي فعل٘. وبعد اتفاق هذا الجمع الفاضل من خٌرة الخلق على هذا الأمر المبارك، ٌتبٌن لكل متجرد عن الهوى : أن الواجب على المسلم الرضا بهذا الصنٌع الذي صنعه عثمان رضً الله عنه وحفلظ به القرآن الكرٌمٙ. قال القرطبً فً التفسٌر: وكان هذا من عثمان رضً الله عنه بعد أن جمع المهاجرٌن والأنصار، وجلة أهل الإسلبم، وشاورهم فً ذل ك، فاتفقو ا على جمعه بما صح، وثبت من القراءة المشهورة عن النبً صلى الله علٌه وسلم واطراح ما سواه، واستصوبوا رأٌه، وكان رأٌاً سدٌداً موفقاً 0. 3 ـ الفرق بٌن جمع الصدٌق، وجمع عثمان رضً الله عنهما: الفرق بٌن أبو بكر وجمع عثمان: أن جمع أبً بكر كان لخشٌته أن ٌذهب شًء من القرآن بذهاب حملته، لأنه لم ٌكن مجموعاً فً موضع واحد، فجمعه فً صحابؾ مرتباً لآٌات سورهم على ما وقفهم علٌه النبً صلى الله علٌه وسلم، ٔ عثمان بن عفان لصادق عرجون صـ٘. ٕ فتنة مقتل عثمان بن عفان (ٔ / 08)، محمد الؽبان. ٖ مشق فً الكتابة: مد فً حروفها وجودها. ٗ التارٌخ الصؽٌر للبخاري (ٔ / ٗ)، اسناده حسن لؽٌره. ٘ فتح الباري (1 /8)، اسناده صحٌح.تصر ٙ فتنة مقتل عثمان بن عفان (ٔ / 08) 0 الجامع لأحكام القرآن(ٔ / 08.)
عدد الصفحات ١١١ٔٔٔ وجمع عثمان كان لما كثُر الاختلبؾ فً وجوه اللقراءة حتى قرأوه بلؽاتهم على اتساع اللؽات، فؤدى ذلك إلى تخطبة بعضهم بعضاً، فخشً من تفاقم الأمر فً ذلك، فنسخ تلك الصحؾ فً مصحؾ واحد مرتباً لسوره، واقتصر من سابر اللؽات على لؽة قرٌش، محتجاً بؤنه نزل بلؽتهم، وإن كان قد وسع فً قراءته بلؽة ؼٌرهم دفعاً للحرج والمشقة فً ابتداء الأمر، فرأى: أن الحاجة قد انتهت، فاقتصر على لؽة واحدةٔ. هل المصاحف العثمانٌة مشتملة على جمٌع الأحرف السبعة؟ ذهب الشٌخ المحقق صادق عرجون ـ رحمه الله ـ إلى أنَّ : صحؾ الصِّدٌِّق التً كانت أصلبً للمصحؾ الإمام بإجماع المسلمٌن لم تكن جامعة للؤحرؾ السبعة التً وردت فً صحاح الأحادٌث بإنزال القرآن علٌها، بل كانت حرؾ منها، هو الذي وقعت به العرضة الأخٌرة، واستقرَّ علٌها الأمر فً آخر حٌاة رسول الله صلى الله علٌه وسلم، وإنما كانت الأحرؾ السبعة أولاً من باب التٌّسٌر على الأمة، ثم ارتفع حكمها لمَّا استفاض القرآن، وتمازج الناس، وتوحَّدت لؽاتهم، قال الإمام الطحاويُّ : إنَّما كانت السَّعة للناس فً الحروؾ، لعجزهم عن أخذ القرآن على ؼٌر لؽاتهم، لأنَّهم كانوا أمٌٌِّن، لا ٌكتب إلا القلٌل منهم، فلمَّا كان ٌشقُّ على كل ذي لؽة أن ٌ تحوَّل إلى ؼٌرها من اللَّؽات، ولو رَام ذلك لم ٌتهٌّؤ له إلا بمشقة عظٌمة ـ وُسّع لهم ـ فلب اختلبؾ الألفاظ، إذا كان المعنى متَّفقاً، فاكانوا كذلك حتى كثر منهم من ٌكتب، وعادت لؽاتهم إلى لسان رسول الله صلى الله علٌه وسلم، فقدروا بذلك على تحفظ ألفاظه، فلم ٌسعهم حٌنبذ أن ٌقرإوا بخلبفها . وقال ابن عبد البرِّ فبات بهذا أن تلك السبعة الأحرؾ إنما كانت فً وقؾ خاص لضرورة دعت إلى ذلك، ثمَّ ارتفعت تلك الضرورة، فارتفع حكم هذه السبعة الأحرؾ، وعاد ما ٌقرأ به القرآن على حرؾ واحدٕ. وقال الطبري: إن القراءة على الأحرؾ السبعة لم تكن واجبة على الأمة، وإنما كان جابزاً لهم، ومرخصاً لهم فٌه، فلما رأى الصحابة : أن الأمة تفترق، وتختلؾ ـ إذا لم ٌجتمعوا على حرؾ واحد ـ أجمعوا على ذلك إجماعاً شابعاً، وهم معصومون من الضلبلةٖ. وهذا الحرؾ الذي كتبت به صحؾ الإجماع القاطع، ونقل عنها المصحؾ الإمام ـ جامع لقراءات القرّاء السبعة وؼٌرها، ممّا ٌقرأ به الناس، ونقل متواتراً عن رسول الله صلىالله علٌه وسلم، لأنّ الأحرؾ الواردة فً الحدٌث ؼٌر هذه القراءاتٗ. 5ـ عدد المصاحف التً أرسلها عثمان رضً الله عنه إلى الأمصار: ٔ عثمان بن عفان للصلببً صـٖٕ٘. ٕ عثمان بن عفان لصادق عرجون صـٓ. ٖ المصدر نفسه صـ ٓ. ٗ عثمان بن عفان لصادق عرجون صـ ٓ.
عدد الصفحات ١١٢ٕٔٔ لمّا فرغ عثمان رضً الله عنه من جمع المصاحؾ، أرسل إلى كل أفق بمصحؾ، وأمرهم أن ٌحرقوا كل مصحؾ ٌخالؾ المصحؾ الذي أرسله إلى الآفاق وقد اختلفوا فً عدد المصاحؾ التً فرّقها فً الأمصار، فقٌل : إنها أربعة، وقٌل: إنها خمسة، وقٌل: إنها ستة، وقٌل: إنها سبعة، وقٌل: ثمانٌة، أما كونها أربعة، فقٌل : إنه أبقى مصحفاً بالمدٌنة، وأرسل مصحفاً إلى الشام، ومصحفاً إلى الكوفة، ومصحفاً إلى البصرة، وأما كونها خمسة، فالأربعة المتقدم ذكرها ومصحفاً لأهل مكة، وأما كونها ستة فالخمسة المتقدمة، والسادس اختلؾ فٌه، فقٌل: جعله خاصاً لنفسه، وقٌل أرسله إلى البحرٌن، وأما كونها سبعة، فالستة المتقدم ذكرها، والسابع أرسله إلى الٌمن، وأما كونها ثمانٌة، فالسبعة المتقدم ذكرها والثامن كان لعثمان ٌقرأ فٌه وهو الذي قتل وهو بٌن ٌدٌهٔ. وبعث رضً الله عنه مع كل مصحؾ من ٌرشد الناس إلى قراءاته بما ٌحتمله رسمه من القراءات مما صح وتواتر، فكان عبد الله بن السابب مع المصحؾ المكً، والمؽٌرة بن شهاب مع المصحؾ الشامً، وأبو عبد الرحمن السُّلمً مع المصحؾ الكوفً، وعامر بن قٌس مع المصحؾ البصري، وأمر زٌد بن ثابت أن ٌقرئ الناس بالمدنًٕ. من هذا الاستعراض ٌتضح أن حفظ القرآن الكرٌم قد تم بطرٌقة لم ٌحظ بها كتاب آخر فً تارٌخ البشرٌة كلها، وذلك لأن الله تعالى هو الذي تعهد بحفظه قابلبً :" إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ " (الحجر، آٌة : 1.) فوفق الله ـ سبحانه ـ نفراً من عباده الصالحٌن لٌقوموا بهذا الدور العظٌم فً ظل من الرعاٌة الإلهٌة التً حفظت لنا القرآن حفظاً كاملبً، حرفاً حرفاً، وكلمة كلمة، وآٌة آٌة، وسورة سورة، فً نفس لؽة الوحً "اللؽة العربٌة" على مدى ٌزٌد على أربعة عشر قرناً، وتعهد ربنا ـ تبارك وتعالى ـ بهذا الحفظ تعهداً مطلقاً حتى ٌبقى القرآن العظٌم شاهداً على الخلق أجمعٌن بؤنه كلبم رب العالمٌنٖ. ٔ أضواء البٌان فً تارٌخ القرآن صابر حسن صـ 00. ٕ المصدر نفسه صـ 08، عثمان بن عفان للصلببً صـٕٙ٘. ٖ مدخل إلى دراسة الإعجاز العلمً صـ ٓ ـ ٔ.
عدد الصفحات ١١٣