المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإيمان بالقرآن الكريم والكتب السماوية

علي محمد الصلابي

صفحة ٦ من ٩

ٔ المرأة وأعطاها حقوقها بوصفها إنساناً وكرمها بوصفها أنثى، وكرمها بوصفها بنتاً، وكرمها بوصفها زوجة، وكرمها أماً، وكرمها بوصفها عضواً فً المجتمعٔ. لقد جاء الإسلبم وبعض الناس ٌنكرون إنسانٌة المرأة، وآخرون ٌرتابون فٌها، وؼٌرهم ٌعترؾ بإنسانٌتها، ولكنه ٌعتبرها مخلوقاً خلق لخدمة الرجل، فكان من فضل الإسلبم أنه كرم المرأة، وأكد إنسانٌتها، وأهلٌتها للتكلٌؾ، والمسبولٌة والجزاء ودخول الجنة، واعتبرها إنساناً كرٌماً له كل ما للرجل من حقوق إنسانٌة، لأنهما فرعان من شجرة واحدة، وأخوان ولدهما أب واحد هو آدم، وأم واحدة هً حواء، فهما متساوٌان فً أصل النشؤة، متساوٌان فً الخصابص الإنسانٌة العامة، متساوٌان فً التكالٌؾ والمسبولٌة، متساوٌان فً الجزاء والمصٌرٕ، وفً ذلك ٌقول القرآن الكرٌم: "ٌَا أٌَُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْس وَاحِدَة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثٌِرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَّ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَّ كَانَ عَلٌَْكُمْ رَقٌِبًا" (النساء ، آٌة : ٔ). وإذا كان الناس ـ كل الناس ـ رجالاً ونساءً، خلقهم ربهم من نفس واحدة وجعل من هذه النفس زوجاً تكملها وتكتمل بها، كما قال فً آٌة أخرى: " وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لٌَِسْكُنَ إِلٌَْهَا" (الأعراؾ ، آٌة : ٕ)، وبث فً هذه الأسرة الواحدة رجالاً كثٌراً ونساءً، كلهم عباد لرب واحد، وأولاد لأب واحد وأم واحدة، فالأخوة تجمعهم.ولهذا أمرت الآٌة الناس بتقوى الله، ورعاٌة الرحم الواشجة بٌنهم: " وَاتَّقُواْ اللهَّ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ " (النساء ، آٌة : ٔ). والرجل ـ بهذا النص ـ أخ المرأة، والمرأة شقٌقة الرجل، وفً هذا قال الرسول صلى الله علٌه وسلم: "إنما النساء الشقابق الرجال"ٖ. ٔ ـ فً مساواة المرأة للرجل فً التكلٌؾ والتدٌن والعبادة: ٌقول القرآن الكرٌم: "إِنَّ الْمُسْلِمٌِنَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُإْمِنٌِنَ وَالْمُإْمِنَاتِ وَالْقَانِتٌِنَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقٌِنَ وَالصَّادِقَ اتِ وَالصَّابِرٌِنَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعٌِنَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقٌِنَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّابِمٌِنَ وَالصَّابِمَاتِ وَالْحَافِظٌِنَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرٌِنَ اللهََّ كَثٌِرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهَُّ لَهُم مَّؽْفِرَةً وَأَجْرًا عَظٌِمًا " (الأحزاب ، آٌة : ٖ٘). ٕ ـ فً التكالٌؾ الدٌنٌة الاجتماعٌة الأساسٌة: ٌسوِّي القرآن بٌن الجنسٌن بقوله تعالى : "وَالْمُإْمِنُونَ وَالْمُإْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلٌَِاء بَعْض ٌَؤْمُرُونَ بِالْمَعْرُوؾِ وٌََنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وٌَُقٌِمُونَ الصَّلبَةَ وٌَُإْتُونَ الزَّكَاةَ وٌَُطٌِعُونَ اللهَّ وَرَسُولَهُ أُوْلَـبِكَ سٌََرْحَمُهُمُ اللهُّ " (التوبة ، آٌة : ٔ). ٔ كٌؾ نتعامل مع القرآن العظٌم صـ81. ٕ ملبمح المجتمع المسلم د. ٌوسؾ القرضاوي صـٕٖٔ. ٖ صحٌح الجامع الصؽٌر ٖٖٖٕ رواه أحمد وأبو داود، والترمذي عن عابشة.

عدد الصفحات ٨٢

ٕ 3 ـ وفً قصة آدم توجَّه التكلٌف الإلهً: إلٌه وإلى زوجه سواء، قال تعالى: " ٌَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلبَ مِنْهَا رَؼَداً حٌَْثُ شِبْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمٌِنَ " (البقرة ، آٌة : ٖ٘). والجدٌد فً هذه القصة ـ كما ذكرها القرآن ـ أنها نسبت الإؼواء إلى الشٌطان لا إلى حواء ـ كما فعلت التوراة المحرفة: " فَؤَزَلَّهُمَا الشٌَّْطَانُ عَنْهَا فَؤَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فٌِهِ " (البقرة ، آٌة : ٖٙ). ولم تنفرد حواء بالأكل من الشجرة ولا كانت البادبة، بل كان الخطؤ منهما معاً، كما كان الندم والتوبة منهما جمٌعاً : " رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَؽْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرٌِنَ " (الأعراؾ ، آٌة : ٖ). بل فً بعض الآٌات نسبة الخطؤ إلى آدم بالذات وبالأصالة: " وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسًَِ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا " (طه ، آٌة : ٘ٔٔ)، " فَوَسْوَسَ إِلٌَْهِ الشٌَّْطَانُ قَالَ ٌَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْك لاَّ ٌَبْلَى" (طه ، آٌة : ٕٔ). وقال تعالى: " وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَؽَوَى " (طه ، آٌة : ٕٔٔ). كما نسب إلٌه التوبة وحده أٌضاً،: " ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلٌَْهِ وَهَدَى " (طه ، آٌة : ٕٕٔ)، مما ٌفٌد أنه الأصل فً المعصٌة وامرأته تبع له. ومهما ٌكن الأمر فإن خطٌبة حواء لا ٌحمل تبعتها إلا هً، وبناتها براء من إثمها، ولا تزر وازرة وزر أخرى: " تِلْكَ أُمَّة قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْؤَلُونَ عَمَّا كَانُوا ٌَعْمَلُونَ " (البقرة ، آٌة : ٖٗٔ). ٗ ـ وفً مساواة المرأة للرجل فً الجزاء : ودخول الجنة ٌقول الله تعالى : "فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنًِّ لاَ أُضٌِعُ عَمَلَ عَامِل مِّنكُم مِّن ذَكَر أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْض " (آل عمران ، آٌة : ٘)، فنص القرآن فً صراحة على أن الأعمال لا تضٌع عند الله، سواء إكان العامل ذكراً أم أنثى، فالجمٌع بعضهم من بعض، من طٌنة واحدة، وطبٌعة واحدة، قال تعالى: " مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَر أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُإْمِن فَلَنُحٌٌَِْنَّهُ حٌََاةً طٌَِّبَةً وَلَنَجْزٌَِنَّهُمْ أَجْرَهُم بِؤَحْسَنِ مَا كَانُواْ ٌَعْمَلُونَ " (النحل ، آٌة : 10.) ــ وقال تعالى: " وَمَن ٌَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَر أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُإْمِن فَؤُوْلَـبِكَ ٌَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ ٌُظْلَمُونَ نَقٌِرًا" (النساء ، آٌة : ٕٗٔ). 5 ـ وفً الحقوق المالٌة للمرأة: أبطل الإسلبم ما كان علٌه كثٌر من الأمم ـ عرباً وعجماً ـ من حرمات النساء من التملك والمٌراث، أو التضٌٌق علٌهن فً التصرؾ فٌما ٌملك واستبداد الأزواج بؤموال المتزوجات منهن، فؤثبت لهن حق التملك بؤنواعه وفروعه، وحق التصرؾ بؤنواعه المشروعة، فشرع الوصٌة والإرث لهن كالرجال، وأعطاهن حق البٌع والشراء والإجارة والهبة والإعارة،

عدد الصفحات ٨٣

ٖ والوقؾ والصدقة والكفالة والحوالة والرهن وؼٌر ذلك من العقود والأعمال وٌتبع ذلك حقوق الدفاع عن مالها، كالدفاع عن نفسها ـ بالتقاضً وؼٌره من الأعمال المشروعةٔ. ٙ ـ المرأة باعتبارها أماً : لا ٌعرؾ التارٌخ دٌناً ولا نظاماً كرَّم المرأة باعتبارها أماً، وأعلى من مكانتها، مثل الإسلبم، لقد أكد الوصٌة بها وجعلها تالٌة للوصٌة بتوحٌد الله وعبادته، وجعل برها من أصول الفضابل، كما جعل حقها أوكد من حق الأب لما تحملته من مشاق الحمل والوضع والإرضاع والتربٌة، وهذا ما ٌقرره القرآن وٌكرره فً أكثر من سورة لٌثبته فً أذهان الأبناء ونفوسهم وذلك فً مثل قوله تعالى:" وَوَصٌَّْنَا الإِْنسَانَ بِوَالِدٌَْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْن وَفِصَالُهُ فًِ عَامٌَْنِ أَنِ اشْكُرْ لًِ وَلِوَالِدٌَْكَ إِلًََّ الْمَصٌِرُ " (لقمان، آٌة : ٗٔ)، وقال تعالى:" وَوَصٌَّْنَا الإِْنسَانَ بِوَالِدٌَْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلبَثُونَ شَهْرًا" (الأحقاؾ، آٌة : ٘ٔ)ٕ. ومن توجٌهات القرآن الكرٌم: أنه وضع أمام المإمنٌن والمإمنات أمثلة وقدوة حسنة لأمهات صالحات، كان لهن أثر ومكان فً تارٌخ الإٌمان. ــ فؤم موسى تستجٌب إلى وحً الله وإلهامه، وتلقى ولدها وفلذه كبدها فً الٌمّ، مطمبنة إلى وعد ربها قال تعالى:" وَأَوْحٌَْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعٌِهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلٌَْهِ فَؤَلْقٌِهِ فًِ الٌَْمِّ وَلاَ تَخَافًِ وَلاَ تَحْزَنًِ إِنَّا رَادُّوهُ إِلٌَْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلٌِنَ " (القصص، آٌة : 0.) ــوأم مرٌم التً نذرت ما فً بطنها محرراً لله، خالصاً من كل شرك أو عبودٌة لؽٌره، داعٌة الله أن ٌتقبل منها نذرها قال تعالى:" فَتَقَبَّلْ مِنًِّ إِنَّكَ أَنتَ السَّمٌِعُ الْعَلٌِمُ " (آل عمران، آٌة : ٖ٘). ــ فلما كان المولد أنثى على ؼٌر ما كانت تتوقع لم ٌمنعها ذلك من الوفاء بنذرها، سابلة الله أن ٌحفظها من كل سوء قال تعالى:" وِإِنًِّ أُعٌِذُهَا بِكَ وَذُرٌَِّّتَهَا مِنَ الشٌَّْطَانِ الرَّجٌِمِ " (آل عمران، آٌة : ٖٙ). ــ ومرٌم ابنة عمران أم المسٌح عٌسى، جعلها القرآن آٌة فً الطهر القنوت لله والتصدٌق بكلماته:" وَمَرٌَْمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتًِ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فٌِهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتٌِنَ " (التحرٌم، آٌة : ٕٔ)ٖ. 0ـ المرأة باعتبارها بنتا: كان العرب فً الجاهلٌة ٌتشاءمون بمٌلبد البنات، وٌضٌقون به، حتى قال أحد الآباء ـ وقد بشر بؤن زوجه ولدت أنثى: والله ما هً بنعم الولد نصرها بكاء ٔ ملبمح المجتمع المسلم د. القرضاوي صـ ٕٖٗ. ٕ ملبمح المجتمع المسلم ص8. ٖ المصدر نفسه ص ٖٖٔ.

عدد الصفحات ٨٤

ٗ وبرها سرقة. ٌرٌد أنها لا تستطٌع أن تنصر أباها وأهلها إلا بالصراخ والبكاء، لا بالقتال والسلبح، ولا أن تبرهم إلا بؤن تؤخذ من مال زوجها لأهلها. وكانت التقالٌد المتوارثة عندهم تبٌح للؤب أن ٌبد ابنته ـ ٌدفنها حٌة ـ خشٌة من فقر قد ٌقع، أو من عار قد تجلبه حٌن تكبر على قومها وفً ذلك ٌقول القرآن منكراً علٌهم ومقرعاً لهم:" وَإِذَا الْمَوْإُودَةُ سُبِلَتْ * بِؤَيِّ ذَنب قُتِلَتْ " (التكوٌر، آٌة : 8 ـ1.) وٌصؾ حال الآباء عند ولادة البنات، قال تعالى:" وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظٌِم * ٌَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أٌَُمْسِكُهُ عَلَى هُون أَمْ ٌَدُسُّهُ فًِ التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا ٌَحْكُمُونَ " (النحل، آٌة : 8 ـ1.) وكانت بعض الشرابع القدٌمة تعطى الأب الحق فً بٌع ابنته إذا شاء وبعضها الآخر ـ كشرٌعة حمورابً ـ تجٌز له أن ٌسلمها إلى رجل آخر لٌقتلها. جاء الإسلبم فاعتبر البنت كالابن ـ هبة من الله ونعمة ـ ٌهبها لمن ٌشاء من عباده، قال تعالى: " ٌَهَبُ لِمَنْ ٌَشَاء إِنَاثًا وٌََهَبُ لِمَن ٌَشَاء الذُّكُورَ * أَوْ ٌُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وٌََجْعَلُ مَن ٌَشَاء عَقٌِمًا إِنَّهُ عَلٌِم قَدٌِر " (الشورى ، آٌة : 1 ـ 1.) وبٌن القرآن الكرٌم فً قصصه أن بعض البنات قد تكون أعظم أثراً وأخلد ذكراً، من كثٌر من الأبناء الذكور، كما فً قصة مرٌم ابنة عمران التً اصطفاها الله وطهرها واصطفاها على نساء العالمٌن، وقد كانت أمها عندما حملت بها تتمنى أن تكون ذكراً ٌخدم الهٌكل، وٌكون من الصالحٌن ٔ، قال تعالى: "إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنًِّ نَذَرْتُ لَكَ مَا فًِ بَطْنًِ مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنًِّ إِنَّكَ أَنتَ السَّمٌِعُ الْعَلٌِمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنًِّ وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللهُّ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلٌَْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنًِّ سَمٌَّْتُهَا مَرٌَْمَ وِإِنًِّ أُعٌِذُهَا بِكَ وَذُرٌَِّّتَهَا مِنَ الشٌَّْطَانِ الرَّجٌِمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَ بُّهَا بِقَبُول حَسَن وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا" (آل عمران ، آٌة : ٖ٘ ـ 0.) وجعل رسول الإسلبم الجنة جزاء كل أب ٌحسن صحبة بناته، وٌبر على تربٌتهن وحسن تؤدٌبهن، ورعاٌة حق الله فٌهن، حتى ٌبلؽن، أو ٌموت عنهن، وجعل منزلته بجواره ـ صلى الله علٌه وسلم ـ فً دار النعٌم المقٌم، قال صلى الله علٌه وسلم : " من كان له ثلبث بنات، فصبر على لأوابهن وضرابهن وسرابهن، أدخله الله الجنة برحمته إٌاهن، فقال رجل واثنتان ٌا رسول الله؟ قال: واثنتان. قال رجل: ٌا رسول الله، وواحدة، قال: وواحدةٕ. ٔ ملبمح المجتمع المسلم صـٕٖٖ ـ ٖٖٖ. ٕ رواه الحاكم وصحح اسناده ووافقه الذهبً (ٗ / ٙ).

عدد الصفحات ٨٥

٘ لم تعد ولادة البنت عبباً ٌُخاؾ منه، وطالع نحس ٌُتطٌر به، بل نعمة تُشكر ورحمة تُرجى وتُطلب، لما وراءها من فضل الله تعالى، وجزٌل مثوبته، وبهذا أبطل الإسلبم عادة الوأد إلى الأبد، وأصبح للبنت فً قلب أبٌها مكان عمٌقٔ. 8 ـ المرأة باعتبارها زوجة: كانت بعض الدٌانات والمذاهب تعتبر المرأة رجساً من عمل الشٌطان ٌجب الفرار منه واللجوء إلى حٌاة التبتل والرهبنة، وبعضها الآخر كان ٌعتبر الزوجة مجرد آلة متاع للرجل، أو طاه لطعامه أو خادم لمنزله، فجاء الإسلبم ٌعلن بطلبن الرهبانٌة وٌنهً عن التبتل وٌحث على الزواج وٌعتبر الزوجٌة آٌة من آٌات الله فً الكون، قال تعالى: " وَمِنْ آٌَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلٌَْهَا وَجَعَلَ بٌَْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فًِ ذَلِكَ لآٌََات لِّقَوْم ٌَتَفَكَّرُونَ " (الروم ، آٌة : ٕٔ). وقرر الإسلبم للزوجة حقوقاً على زوجها، ولم ٌجعلها مجرد حبر على ورق، بل جعل علٌها أكثر من حافظ ورقٌب، من إٌمان المسلم وتقواه أولاً، ومن ضمٌر المجتمع وٌقظته ثانٌاً، ومن حكم الشرع وإلزامه ثالثاً . وأول هذه الحقوق ((الصداق)): الذي أوجبه الله للمرأة على الرجل إشعاراً منه برؼبته فٌها وإرادته لها قال تعالى: " وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شًَْء مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنٌِبًا مَّرٌِبًا " (النساء ، آٌة : ٗ). فؤٌن هذا من المرأة التً نجدها فً مد نٌات أخرى، فدفع هً للرجل بعض مالها، مع أن فطرة الله جعلت المرأة مطلوبة لا طالبة؟ وثانً هذه الحقوق : هو "النفقة" فالرجل مكلؾ بتوفٌر المؤكل والملبس والمسكن والعلبج لا مرأته بالمعروؾ والمعروؾ هو ما ٌتعارؾ علٌه أهل الدٌن والفضل من الناس بلب إسراؾ ولا تقتٌر، قال تعالى:" لٌُِنفِقْ ذُو سَعَة مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلٌَْهِ رِزْقُهُ فَلٌُْنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهَُّ لاَ ٌُكَلِّؾُ اللهَُّ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا" (الطلبق، آٌة : 0.) وثالث ال حقوق: هو "المعاشرة بالمعروؾ " قال تعالى :" وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوؾِ " (النساء، آٌة : 1.) وهو حق جامع ٌتضمن إحسان المعاملة فً كل علبقة بٌن المرء وزوجه، من حسن الخلق، ولٌن الجانب، وطٌب الكلبم، وبشاشة الوجه، وتطٌٌب نفسها بالممازحة والترفٌه عنها. وفً مقابل هذه الحقوق أوجب علٌها طاعة الزوج ـ فً ؼٌر معصٌة طبعاً ـ والمحافظة على ماله، فلب تنفق منه إلا بإذنه وعلى بٌته، فلب تدخل فٌه أحداً إلا برضاه ولو كان من أهلها. ٔ ملبمح المجتمع المسلم (ٖٖٗ.

عدد الصفحات ٨٦

ٙ وهذه الواجبات لٌست كثٌرة ولا ظالمة فً مقابل ما على الرجل من حقوق فمن المقرر أن كل حق ٌقابله واجب، ومن عدل الإسلبم أنه لم ٌجعل الواجبات على المرأة وحدها ولا على الرجل وحده، بل قال تعالى:" وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلٌَْهِنَّ بِالْمَعْرُوؾِ " (البقرة، آٌة : 8.) فللنساء من الحقوق مثل ما علٌهن من الواجبات ومن جمٌل ما ٌروى أن أبن عباس ـ رضً الله عنه ـ وقؾ أمام المرآة ٌصلح هٌبته، وٌعدل من زٌنته، فلما سبل فً ذلك قال: أتزٌن لامرأتً كما تتزٌن لً امرأتً، ثم تلب الآٌة الكرٌمة " وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلٌَْهِنَّ بِالْمَعْرُوؾِ ". وهذا من عمٌق فقه الصحابة للقرآن الكرٌمٔ. ولم ٌهدر الإسلبم شخصٌة المرأة بزوجها، ولم ٌذبها فً شخصٌة زوجها، كما هو الشؤن فً التقالٌد الؽربٌة التً تجعل المرأة تابعة للرجل، فلب تُعرؾ بؤسمها ونسبها ولقبها العابلً، بل بؤنها زوجة فلبن. أما الإسلبم فقد أبقى للمرأة شخصٌتها المستقلة المتمٌزة، ولهذا عرفنا زوجات الرسول صلى الله علٌه وسلم بؤسمابهن وأنسابهن، فخدٌجة بنت خوٌلد، وعابشة بنت أبً بكر، وحفصة بنت عمر، ومٌمونة بنت الحارث، وصفٌة بنت حًٌ وكان أبوها ٌهودٌاً محارباً للرسول صلى الله علٌه وسلم. كما أن شخصٌتها المدنٌة لا تنقص بالزواج، ولا تفقد أهلٌتها للعقود والمعاملبت وسابر التصرفات، فلها أن تبٌع وتشتري، وتإجر أملبكها وتستؤجر وتهب من مالها وتتصدق وتوكل وتخاصم. وهذا أمر لم تصل إلٌه المرأة الؽربٌة إلا حدٌثاً، ولازالت فً بعض البلبد مقٌَّدة إلى حدَّ ما بإرادة الزوجٕ. 1ـ المحافظة على أنوثة المرأة: الإسلبم ٌحافظ على أنوثة المرأة، حتى تظل ٌنبوعاً لعواطؾ الحنان والرقة والجمال، ولهذا أحلّ لها بعض ما حُرِّم على الرجال، بما تقتضٌه طبٌعة الأنثى ووظٌفتها، كالتحلً بالذهب، ولبس الحرٌر الخالص، قال رسول الله صلى الله علٌه وسلم: إن هذٌن حرام على ذكور أمتً حل لإناثهمٖ. كما أنه حرّم علٌها كل ما ٌجافً هذه الأنوثة، من التشبه بالرجال فً الزي والحركة والسلوك وؼٌرها، فنهى أن تلبس المرأة لبسة الرجل، كما نهى الرجل أن ٌلبس لبسة المرأة، ولعن المتشبهات من النساء بالرجال، مثلما لعَن المتشبهٌن من الرجال بالنساء، قال رسول الله صلى الله علٌه وسلم: ثلبثة لا ٔ ملبمح المجتمع المسلم صـ ٖٓٗ. ٕ ملبمح المجتمع المسلم صٖٔٗ. ٖ سنن ابن ماجه رقم ٘.

عدد الصفحات ٨٧

80 ٌدخلون الجنة ولا ٌنظر الله إلٌهم ٌوم القٌامة: العاق لوالدٌه، والمرأة المترجلةٔ، والدٌوثٕ. والإسلبم ٌحمً هذه الأنوثة وٌرعً ضعفها فٌجعلها أبداً فً ظل رجل مكفولة النفقات، مكفٌة الحاجات، فهً فً كؾ أبٌها أو زوجها أو أولادها أو إخوتها ٌجب علٌهم نفقتها، وفق شرٌعة الإسلبم، فلب تضطرها الحاجة إلى الخوض فً لجج الحٌاة وصراعها ومزاحمة الرجال بالمناكب. والإسلبم ٌحافظ على خُلُقها وحٌابها، وٌحرص على سمعتها وكرامتها وٌصون عفافها من خواطر السوء، وألسنة السوء ـ فضلبً عن أٌدي السوء أن تمتد إلٌها. ولهذا ٌوجب الإسلبم علٌها ؟ أ ــ الؽض من بصرها والمحافظة على عفتها ونظافتها: قال تعالى:" وَقُل لِّلْمُإْمِنَاتِ ٌَؽْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وٌََحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ " (النور، آٌة : ٖٔ). ب ــ الاحتشام والتستر فً لباسها وزٌنتها دون إعنات لها ولا تضٌٌق علٌها: قال تعالى :" وَلاَ ٌُبْدٌِنَ زٌِنَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلٌَْضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جٌُُوبِهِنَّ " (النور، آٌة : ٖٔ). ج ــ ألا تبدي زٌنتها الخفٌة ـ كالشعر والعنق والنحر والذراعٌن والساقٌن ـ إلا لزوجها ومحارمها الذٌن ٌشق علٌها أن تستر منهم أستتارها من الأجانب:" وَلاَ ٌُبْدٌِنَ زٌِنَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَابِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنًِ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنًِ أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَابِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أٌَْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعٌِنَ ؼٌَْرِ أُوْلًِ الإِْرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذٌِنَ لَمْ ٌَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء" (النور، آٌة : ٖٔ). د ــ أن تتوقر فً مشٌتها وكلامها قال تعالى:" وَلاَ ٌَضْرِبْنَ بِؤَرْجُلِهِنَّ لٌُِعْلَمَ مَا ٌُخْفٌِنَ مِن زٌِنَتِهِنَّ " (النورن آٌة : ٖٔ). وقال:" فَلبَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فٌََطْمَعَ الَّذِي فًِ قَلْبِهِ مَرَض وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا" (الأحزاب، آٌة : ٕٖ). فلٌست ممنوعة من الكلبم، ولٌس صورتها عورة، بل هً مؤمورة، أن تقول قولا معروفاٖ. هـ ــ أن تتجنب كل ما ٌجذب انتباه إلٌها : وٌؽرٌه بها، من تبرج الجاهلٌة الأولى أو الأخٌرة، فهذا لٌس من خلق المرأة العفٌفة قال رسول الله صلى الله علٌه وسلم: أٌُّما امرأة استعطرت ثم خرجت من بٌتها لٌشم الناس رٌحها فهً زانٌةٗ. ٔ المترجلة: المتشبه بالرجال. ٕ مسند أحمد رقم ٓ اسناده صحٌح، الدٌوث: الذي لا ٌبالً من دخل على أهله. ٖ ملبمح المجتمع المسلم صٖٙٙ ـ 0. ٗ سنن الترمذي رقم ٙ حسن صحٌح.

عدد الصفحات ٨٨

88 (و) أن تمتنع عن الخلوة بؤي رجل لٌس زوجها ولا محرْما لها صوناً لنفسها ونفسه من هو اجس الإثم، ولسمعتها من ألسنة الزور، قال رسول الله صلى الله علٌه وسلم: لا ٌخلون رجل بؤمرأة إلا مع ذي محرمٔ. (ز) ألا تختلط بمجتمع الرجال الأجانب إلا لحاجة داعٌة، ومصحة معتبرة وبالقدر اللبزم، كالصلبة فً المسجد، وطلب العلم والتعاون على البر والتقوى، بحٌث لا تحرم المرأة من المشاركة فً خدمة مجتمعها، ولا تنسى الحدود الشرعٌة فً لقاء الرجال. إن الإسلبم بهذه الأحكام ٌحمً أنوثة المرأة من أنٌاب المفترسٌن من ناحٌة وٌحفظ علٌها حٌاءها وعفافها بالبعد عن عوامل الإنحراؾ والتضلٌل من ناحٌة ثانٌة، وٌصون عرضها من ألسنة المفترٌن والمرجفٌن من ناحٌة ثالثة، وهو ـ مع هذا كله ـ ٌحافظ على نفسها وأعصابها من التوتر والقلق، ومن الهزات والاضرابات، نتٌجة لجموع الخٌال، وانشؽال القلب، وتوزع عواطفه بٌن شتى المثٌرات والمهٌّجات وهو أٌضاً ـ بهذا الأحكام والتشرٌعات ـ ٌحمً الرجل من عوامل الإنحراؾ والقلق وٌحمً المجتمع كله من عوامل السقوط والإنحلبلٕ. الثانً عشر: بناء الأمة الشهٌدة على الناس: من أهداؾ الإسلبم الأساسٌة، تكوٌن "الأمة" متمٌزة واستطاع النبً صلى الله علٌه وسلم تحقٌق ذلك وفق رإٌة واضحة مبنٌة على عقٌدة راسخة وشرٌعة حاكمة وتخلص العرب من الفرقة والشتات والعصبٌات القبلٌة والنعرات الجاهلٌة، وانتقلوا نقلة كبٌرة فً عالم الفكر وعالم الشعور، وعالم الشعور، وعالم الواقع، وأصبحت تلك القبابل أمة واحدة، تعبد إله واحد وتخضع لكتاب واحد وتنقاد لزعامة الرسول صلى الله علٌه وسلم المبٌن والمعتبر والموضح لهم التعالٌم الإلهٌة، وأصبحت هذه الأمة لا تقوم على رابطة عرقٌة ولا لونٌة ولا إقلٌمٌة ولا طبقٌة بل هً أمة عقٌد ورسالة قبل كل شًء. هً أمة الإسلبم أو أمة المسلمٌن كما قال الله تعالى:" هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمٌنَ مِن قَبْلُ وَفًِ هَذَا لٌَِكُونَ الرَّسُولُ شَهٌِدًا عَلٌَْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ " (الحج، آٌة : 08)ٖ.ٗ فقد أخرج الله الأمة المسلمة ـ التً قادها النبً صلى الله علٌه وسلم ـ لتإدي دوراً كونٌاً كبٌراً، ولتحمل منهجاً إلهٌاً عظٌماً، ولتنشىء فً الأرض واقعاً فرٌداً، ونظاماً جدٌداً، وهذا الدور الكبٌر ٌقتضً التجرد والعط اء، والتمٌز والتماسك وبتعبٌر مختصر ٌقتضً أن تكون طبٌعة هذه الأمة من العظمة ٔ البخاري رقم 88 فتح الباري(ٕ/1.) ٕ ملبمح المجتمع المسلم ص8. ٖٖ كٌؾ نتعامل مع القرآن العظٌم ص10. ٗ فً ظلبل القرآن (ٔ /1 )سٌد قطب.

عدد الصفحات ٨٩

81 بحٌث تسامً عظمة الدور الذي قدره الله لها فً هذه الحٌاة وتسامً المكانة التً أعدها الله لها فً الآخرة.ٔ ولم تنل هذه الأمة هذه المكانة السامقة بٌن الأمم مصادفة ولا جزافاً ولا محاباة، فالله سبحانه وتعالى منزه عن أن ٌكون فً ملكه شًء من ذلك، فكل شًء عنده بمقدار، وهو ٌخلق ما ٌشاء وٌختار، وهو سبحانه عندما أخبر أن هذه الأمة خٌر أمة أخرجت للناس، بٌن وجه ذلك وعلته فً نفس الآٌة، فقال تعالى: " كُنتُمْ خٌَْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَؤْمُرُونَ بِالْمَعْرُوؾِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُإْمِنُونَ بِاللهِّ " (آل عمران ، آٌة : ٓٔٔ)، فبهذه الأمور الثلبثة العظٌمة القدر كانت هذه الأمة خٌر أمة أخرجت للناس، على أن هذه الأمور لٌست هً كل ما كانت به هذه الأمة خٌر أمة إذ هناك أمور وخلبل كثٌرة أهلت هذه الأمة لهذه الخٌرٌة، ولكن هذه الثلبثة أهمها وأعظمها، إذ لا تدوم ولا تستمر هذه الخٌرٌة ولا تحفظ إلا بإقامتها وأدابها، فإن فقدت هذه الأمور فً جٌل من الأجٌال هذه الأمة لم ٌكن حرٌَّاً بهذه الخٌرٌة التً حظٌت بهإ. ــ أوصاف الأمة الأساسٌة فً القرآن: أبرز ما ٌمٌز هذه الأمة عن ؼٌرها من الأمم أوصاؾ أربعة: 1 ـ الربانٌة: ربانٌة المصدر، وربانٌة الوجهة، فهً أمة أنشؤها وحً الله تعالى وتعهدتها تعالٌمه وأحكامه هً من اكتمل لها دٌنها، وتمت به نعمة الله علٌها، كما قال تعالى: " الٌَْوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دٌِنَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلٌَْكُمْ نِعْمَتًِ وَرَضٌِتُ لَكُمُ الإِسْلبَمَ دٌِنًا" (آل عرمان ، آٌة : ٖ). قال تعالى هو صانع هذه الأمة، ولهذا نجد القرآن الكرٌم ٌقول : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا " (البقرة ، آٌة : ٖٗٔ)، فهذا التعبٌر " جَعَلْنَاكُمْ " ٌفٌد أن الله هو جاعل هذه الأمة ومستخدمها وصانعها. ومثل ذلك قوله تعالى: " كُ نتُمْ خٌَْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ " (آل عمران ، آٌة : ٓٔٔ)، فتعبٌر "أُ خْرِجَتْ " ٌدل على أن هناك مُخرجاً أخرج هذه الأمة، فهً لم تظهر اعتباطاً، ولم تكن نباتاً برٌاً ٌنبت وحده دون أن ٌزرعه زارع، بل هو نبات مقصود متعهِّد بالعناٌة والرعاٌة والذي أخرج هذه الأمة وزرعها وهٌؤها لرسالتها هو الله جل شؤنه. فهً أمة مصدرها ربانً، ووجهتها ربانٌة كذلك، لأنها تعٌش لله، ولعبادة الله، ولتحقٌق منهج الله فً أرض الله فهً من الله وإلى الله، كما قال تعالى لرسوله: ٔ فً ظلبل القرآن الكرٌم صـٔ. ٕ الوسطٌة فً القرآن الكرٌم للصَّلبَّبً صـٔ.

عدد الصفحات ٩٠

ٓ " قُلْ إِنَّ صَلبَتًِ وَنُسُكًِ وَمَحٌَْايَ وَمَمَاتًِ للهِِّ رَبِّ الْعَالَمٌِنَ {ٕٙٔ} لاَ شَرٌِكَ لَهُ " (الأنعام ، آٌة : ٕٙٔ ـ ٖٙٔ). 2 ـالوسطٌة: والثانً: الوسطٌة التً تإهل هذه الأمة للشهادة على الناس وثبوتها مكان الأستاذٌة للبشرٌة، وفٌها جاءت الآٌة الكرٌمة : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُ ونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وٌََكُونَ الرَّسُولُ عَلٌَْكُمْ شَهٌِدًا" (البقرة ، آٌة : ٖٗٔ). ومن وسطٌة شاملة جامعة، وسطٌة فً الاعتقاد والتصور ووسطٌة فً الشعابر والتعبد ووسطٌة فً الأخلبق والسلوك، ووسطٌة فً النظم والتشرٌع ووسطٌة فً الأفكار والمشاعر، وسطٌة بٌن الروحٌة والمادٌة، بٌن المثالٌة والواقعٌة، بٌن العقلبنٌة والوجدانٌة، بٌن الفردٌة والجماعٌة بٌن الثبات والتطورٔ. إنها الأمة التً تمثل "الصراط المستقٌم " بٌن السبل المتعرجة والملتوٌة، صراط الله الذي له ما فً السماوات وما فً الأرض، صراط الذٌن أنعم الله علٌهم من النبٌٌن والصدٌقٌن والشهداء والصالحٌن لا صراط المؽضوب علٌهم ولا الضالٌن. 3 ـ الدعوة: والوصؾ الثالث: الدعوة فهً أمة دعوة ورسالة ولٌست أمة منكفبة عن نفسها تحتكر رسالة الحق والخٌر والهداٌة لذاتها، ولا تعمل على نشرها فً الناس، بل الدعوة فرٌضة علٌها، والأمر بالمعروؾ والنهً عن المنكر مع الإٌمان بالله أساس تفضٌلها على كل الأمم. إن رسالة الإسلبم رسالة عالمٌة رسالة لكل الأجناس، ولكل الألوان، ولكل الأقالٌم، ولكل الشعوب، ولكل اللؽات. قال تعالى:" تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لٌَِكُونَ لِلْعَالَمٌِنَ نَذٌِرًا" (الفرقان، آٌة ٔ). وقال تعالى:" قُلْ ٌَا أٌَُّهَا النَّاسُ إِنًِّ رَسُولُ اللهِّ إِلٌَْكُمْ جَمٌِعًا" (الأعراؾ، آٌة : 8). ٗــ الوحدة: ٔ كٌؾ نتعامل مع القرآن العظٌم صـ18.

عدد الصفحات ٩١

ٔ والوصؾ الرابع: الوحدة: فالأمة التً ٌرٌدها الإسلبم أمة الوحدة، وإن تكونت من عروق وألوان وطبقات فقد صهرها الإسلبم جمٌعاً فً بوت قته، وأذاب القوارق بٌنها وربطها بالعروة الوثقى لا انفصام لها. ــ قال تعالى:" إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ " (الأنبٌاء، آٌة : ٕ). ــ وقال تعالى:" وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ " (المإمنون، آٌة : ٕ٘). ولهذا لا ٌجوز أن تقول فً تعبٌرنا: الأمم الإسلبمٌة، بل الأمة الإسلبمٌة فهً أمة واحدة كما أمر الله، ولٌست أمماً متفرقة كما أراد الإستعمار وهً أمة ذات شعوب كما قال تعالى :" وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبً ا وَقَبَابِلَ لِتَعَارَفُوا" ( الحجرات، آٌة : ٖٔ)، فلب بؤس أن نقول الشعوب الإسلبمٌة بدل "الأمم الإسلبمٌة"ٔ. ومن المفٌد هنا أن ننبِّه على قضٌة ذات شؤن وهً : أن الإٌمان بـ "الأمة" المإسسة على عقٌدة الإسلبم وأخوة الإٌمان، والتً تضم جمٌع المسلمٌن فً رحابها حٌث كانوا ـ لا ٌنفى أن هناك خصوصٌات معٌنة لكل قوم ٌعتزون بها، وٌحافظون علٌها، ولا ٌُفرِّطون فٌها، ولا مانع من ذلك إذا لم تتحول إلى عصبٌة عرقٌة تقاوم إخوة الإسلبم أو إلى نزعة إنانٌة انفصالٌة تهدد وحدة دولة الإسلبم. ولقد ترك رسول الله صلى الله علٌه وسلم وأصحابه من بعده القبابل تقاتل تحت راٌاتها الخاصة فً ظل القٌادة الإسلبمٌة العامة، لٌكون ذلك مصدراً إضافٌاً لحماسهم وإقدامهم حتى لا ٌجلبوا العار على أقوامهم وعشابرهم. إن حب الرجل لقومه وعشٌرته ورؼبته فً جلب الخٌر لهم، ودفع الشر عنهم: نزعة فطرٌة لا ؼبار علٌها، ولا خطر فٌها، كما لا خطر فً حبه لأسرته، واهتمامه بها. إن الخطر إنما ٌتمثل فٌما إذا وقفوا موقفاً معادٌاً للئسلبم وحادّوا الله ورسوله، هنا تحرم الموادة والموالاة ولو كانت لأقرب الناس للئنسان، كؤمه وأبٌه وبناته وبنٌه وزوجه وأخٌه، قال تعالى:" لاَ تَجِدُ قَوْمًا ٌُإْمِنُونَ بِاللهَِّ وَالٌَْوْمِ الآْخِرِ ٌُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهََّ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشٌِرَتَهُمْ " (المجادلة، آٌة : ٕٕ). وقال تعالى:" ٌَا أٌَُّهَا الَّذٌِنَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَ اءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلٌَِاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإٌِمَانِ وَمَن ٌَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَؤُوْلَـبِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِن كَانَ آبَاإُكُمْ وَأَبْنَآإُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشٌِرَتُكُمْ وَأَمْوَال اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَة تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلٌَْكُم مِّنَ اللهِّ وَرَسُولِهِ وَجِهَاد فًِ سَبٌِلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى ٌَؤْتًَِ اللهُّ بِؤَمْرِهِ وَاللهُّ لاَ ٌَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقٌِنَ " (التوبة، آٌة : ٖٕ ـ ٕٗ). ٔ كٌؾ نتعامل مع القرآن العظٌم صٔٓٔ.

عدد الصفحات ٩٢

ٕ لابؤس أن ٌحب الرجل أسرته، وٌحب قومه وعشٌرته وشعبه ولكن إذا تعارض ذلك مع حب الله ورسوله فإن حب الله ورسوله أؼلى من كل شًء هنا ٌتؽنى المسلم بقول القابل: أبً الإسلبم لا أب لً سواه إذا افتخروا بقٌس أو تمٌمٔ الثالث عشر: السماحة: السماحة أول أوصاؾ الشرٌعة وأكبر مقاصدها والسماحة سهولة المعاملة فٌما اعتاد الناس فٌه المشادة، فهً وسط بٌن الشدة والتساهل، ولفظ السماحة هو أرشق لفظ ٌدل على هذا المعنى، ٌقال سمح فلبن إذا جاء بمال له. قال المقنع الكندي: لٌس العطاء من الفضول سماحة حتى تجود وما لدٌك قلٌل فالسماحة أخص من الجود، ولهذا قابلها زٌاد الأعجم بالندى فً قوله: إن السماحة والمروءة والندى قً قُبَّة ضُربت على ابنِ الحَشْرَج فتدل السماحة على خلق الجود والبذل، وفً الحدٌث عن جابر ابن عبد الله قال رسول الله صلى الله علٌه وسلم"رحم الله رجلبً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا اقتضىٕ. فالسماحة من أكبر صفات الإسلبم الكابنة وسطاً بٌن طرفً إفراط وتفرٌط، وفً الحدٌث الصحٌح عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله علٌه وسلم : "أحب الدٌن إلى الله الحنٌفٌة السمحة"ٖ. فرجع معنى السماحة إلى التٌسٌر المعتدل ، وهو معنى الٌسر الموصوؾ به الإسلبم، قال تعالى: " ٌُرٌِدُ اللهُّ بِكُمُ الٌُْسْرَ وَلاَ ٌُرٌِدُ بِكُمُ الْعُسْرَ " (البقرة ، آٌة : ٘). واستقراء الشرٌعة ٌدل على هذا الأصل فً تشرٌع الإسلبم، فلٌس الاستدلال علٌه بمجرد هذه الآٌة أو هذا الخبر، حتى ٌقول معترض إن الأصول القطعٌة لا تثبت بالظواهر، لأن أدلة هذا الأصل كثٌرة منتشرة وكثرة الظواهر تفٌد القطع ولهذا قال الامام مالك بن أنس فً مواضع من الموطؤ ودٌن الله ٌسر وحسبك بهذه الكلمة من ذلك الامام فإنه ما قالها حتى استخلصها من استقراء ٔ كٌؾ نتعامل مع القرآن العظٌم صـ ٕٓٔ. ٕ البخاري رقم ٙ. ٖ البخاري الأدب المفرد رقم 88.

عدد الصفحات ٩٣

ٖ الشرٌعة إن السماحة أكمل وصؾ لاطمبنان النفس وأعون على قبول الهدى والإرشادٔ، قال تعالى: " فَبِمَا رَحْمَة مِّنَ اللهِّ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا ؼَلٌِظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ " (آل عمران ، آٌة : 1.) إن حكمة السماحة فً الشرٌعة أن الله جعل هذه الشرٌعة دٌن الفطرة، وأمور الفطرة راجعة إلى الجبلة فهً كابنة فً النفوس سهل علٌها قبولها، ومن الفطرة النفور من الشدة والإعنات، قال تعالى: " ُّشِّذُ انهّوُ ؤٌَ ُّخَفِّفَ عَنكُىْ ًَخُهِكَ الإَِسَبٌُ ظَعِْفًب" (اننسبء ، آّخ : 28.) وقد أراد الله أن تكون الشرٌعة الإسلبمٌة شرٌعة عامة دابمة، فاقتضى ذلك أن ٌكون تنفٌذها بٌن الأمة سه لؤ، ولا ٌكون ذلك إلا إذا انتفى عنها الاعنات، بسماحتها أشدَّ ملبءمة للنفوس، لأن فٌها إراحة النفوس فً حال ًْ خُوٌَصتها ومجتمعها2. وقد ظهر للسماحة أثر عظٌم فً انتشار الشرٌعة وطول دوامها، إ ذ أرانا التارٌخ أن سرعة امتثال الأمم للشرابع ودوامهم على اتباعها كان على مقدار اقتراب الأدٌان من السماحة، فإذا بلػ بعض الأدٌان من الشدة حدّاً متجاوزاً لأصل السماح ة لحق اتباعه العنت ولم ٌلبثوا أن ٌنصرفوا عنه أو ٌفرِّطوا فً معظمه3. وقد حافظ الإسلبم على استدامة وصؾ السماحة لأحكامه، فقدر لها أنها إن عرض لها من العوارض الزمنٌة أو الحالٌة ما ٌصٌرها مشتملة على شدة انفتاح لها باب الرخصة المشروع بقوله تعالى: " فَمَنِ اضْطُرَّ ؼٌَْرَ بَاغ وَلاَ عَاد فَلب إِثْمَ عَلٌَْهِ " (البقرة ، آٌة : ٖ). وبقوله: " إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلٌَْهِ " (الأنعام ، آٌة : 1)، وفً الحدٌث: "إن الله ٌحب أن تإتى رُ خصه كما ٌحب أن تإتى عزابمُه"4. ومن قواعد الفقه المشهورة: المشقة تجلب التٌسٌر5. 1 ـومن سماحة القرآن الكرٌم، إنكارة على أصحاب النزعات المتطرفة والذٌن ٌحرمون الطٌبات والزٌنة التً أخرج لعباده. ــ قال تعالى: "ٌَا بَنًِ آدَمَ خُذُواْ زٌِنَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِد وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ ٌُحِبُّ الْمُسْرِفٌِنَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زٌِنَةَ اللهِّ الَّتًَِ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطٌَِّّبَاتِ مِنَ ٔ أصول النظام الاجتماعً محمد الطاهر عاشور صـٔ٘. ٕ مقاصد الشرٌعة الإسلبمٌة محمد الطاهر صـٔ. ٖ أصول النظام الاجتماعً صـٕ٘. ٗ صحٌح ابن حبان رقم ٖٗ٘. ٘ أصول النظام الاجتماعً صـٕ٘.

عدد الصفحات ٩٤

ٗ الرِّزْقِ قُلْ هًِ لِلَّذٌِنَ آمَنُواْ فًِ الْحٌََاةِ الدُّنٌَْا خَالِصَةً ٌَوْمَ الْقٌَِامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآٌَاتِ لِقَوْم ٌَعْلَمُونَ " ( الأعراؾ ، آٌة : ٖٔ ـ ٕٖ). وفً القرآن المدنً، ٌخاطب الجماعة المإمنة بقوله: "ٌَا أٌَُّهَا الَّذٌِنَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طٌَِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُّ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَّ لاَ ٌُحِبُّ الْمُعْتَدٌِنَ * وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُّ حَلبَلاً طٌَِّبًا وَاتَّقُواْ اللهَّ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُإْمِنُونَ " (المابدة ، آٌة : 80 ـ88.) وهاتان الآٌتان الكرٌمتان تبٌنان للمسلمٌن حقٌقة منهج الإسلبم فً التمتع بالطٌبات ومقاومة الؽلو الذي وجد فً بعض الأدٌان، أو عند بعض المتنطعٌنٔ. 2 ـومن سماحة الإسلبم أٌضاً : ما ٌتبعه من منهج فً الدعوة إلى الله عز وجل، وجدال المخالفٌن، ففً القرآن الكرٌم قال تعالى: " ادْعُ إِلِى سَبٌِلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتًِ هًَِ أَحْسَنُ " (النحل ، آٌة : ٕ٘ٔ). ومن تؤمل الآٌة الكرٌمة ٌجد أنها لا تكتفً بالأمر بالجدال بالطرٌقة الحسنة، بل أمرت بالتً هً أحسن، فإذا كان هناك طرٌقتان للحوار والمناقشة إحداهما: حسنة والأخرى أحسن منها، وجب على المسلم أن ٌجادل بالتً هً أحسن جذباً للقلوب النافرة وتقرٌباً للؤنفس المتباعدةٕ. ٖ ـ من سماحة النبً صلى الله علٌه وسلم: جاء فتى من قرٌش إلى النبً صلى الله علٌه وسلم ٌستؤذنه فً الزنا، فثار الصحابة وهموا به لجرأته على النبً صلى الله علٌه وسلم، ولكن النبً صلى الله علٌه وسلم وقؾ موقفاً آخر فقال: "أدنه" فدنا فقال: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله، جعلنً الله فداك؟ قال: ولا الناس ٌحبونه لأمهاتهم، ثم قال له مثل ذلك فً ابنته وأخته وعمته وخالته، فً كل ذلك ٌقول: أتحبه لكذا؟ فٌقول: لا جعلنً الله فداك، فٌقول صلى الله علٌه وسلم ولا الناس ٌحبونه.. فوضع ٌده علٌه وقال: "اللهم اؼفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه، فلم ٌكن بعد ذلك ٌلتفت إلى شًءٖ. وإنما عامله النبً صلى الله علٌه وسلم بهذا الرفق، تحسٌناً للظن به، وأن الخٌر كامن فٌه والشر طارئ علٌه، فلم ٌزل ٌحاوره حتى اقتنع عقله، واطمؤن قلبه إلى خبث الزنا وفحشه، وكسب مع ذلك دعاء النبً صلى الله علٌه وسلمٗ. الرابع عشر : الرحمة: وهً من الاخلبق القرآنٌة العظٌمة التً كانت لها العناٌة الكبرى فً القرآن الكرٌم من حٌث ذكرها والتوبة بشؤنها لما لها من عظٌم الأثر فً الحٌاة الدٌنٌة والدنٌوٌةٔ. ٔ سماحة الإسلبم عمر عبد العزٌز صـٓ. ٕ المصدر نفسه صـٖٓ. ٖ مسند أحمد (٘ / ٕٙ٘). ٗ سماحة الإسلبم د.عمر عبد العزٌز صـٖٔ.

عدد الصفحات ٩٥

٘ ٔ ـ الرحمة صفة من صفات الله تعالى: وهً صفة من صفات الحق تبارك وتعالى التً وصؾ بها نفسه كثٌراً فً القرآن العظٌم فً نحو مابتً آٌة، فضلبً عند تصدر كل سورة بصفتً الرحمن الرحٌم، وذلك البسملة التً هً آٌة من كل سورة عدا سورة براءةٕ. وذلك للدلالة على مبلػ رحمته العظٌمة وشمولها العام بعباده ومخلوقاته. ــ قال تعالى: " وَرَحْمَتًِ وَسِعَتْ كُلَّ شًَْء فَسَؤَكْتُبُهَا لِلَّذٌِنَ ٌَتَّ قُونَ وٌَُإْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذٌِنَ هُم بِآٌَاتِنَا ٌُإْمِنُونَ * الَّذٌِنَ ٌَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبًَِّ الأُمًَِّّ " (الأعراؾ ، آٌة : ٙ٘ٔ ـ 0.) ــوقال تعالى على لسان ملببكته الكرام: " رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شًَْء رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاؼْفِرْ لِلَّذٌِنَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبٌِلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحٌِمِ " (ؼافر ، آٌة : 0.) ــ وقال تعالى تعلٌماً للنبً صلى الله علٌه وسلم أن ٌقول للمشركٌن إن هم كذبوه: " رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَة وَاسِعَة وَلاَ ٌُرَدُّ بَؤْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمٌِنَ " (الأنعام ، آٌة : 0.) ولقد قرر الله تعالى فً كتابه الكرٌم أن الرحمة صفته الثابتة التً لا تزول عنه أبداً، كما قال سبحانه: " كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ " (الأنعام ، آٌة : ٗ٘). وقد ظهرت آثار رحمته فً الخلٌقة كلها، فما من أحد مسلم أو كافر إلا وعلٌه من آثار رحمته فً هذه الدنٌا فٌها ٌتعاٌشون وٌإاخون، وٌوادُّون، وفٌها ٌتقلَّبون لكنها للمإمنٌن خاصة فً الآخرة لاحظ للكافرٌن فٌهاٖ. ٕ ـ من مظاهر رحمته بخلقه: وقد كانت أجل مظاهر رحمة الله تعالى أن بعث لهم رسله تترى، ثم بعث خاتم أنبٌابه وسٌد رسله وصفوته من خلقه محمد بن عبد الله صلوات الله وسلمه علٌه الذي أمتن به على الأمة وكشؾ به الظلمة وأزاح به الؽمة، وجعله رحمة للعالمٌن أجمعٌن، كما قال تعالى: " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمٌِنَ " (الأنبٌاء ، آٌة : 0.) وكما قال تعالى: " لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُول مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزٌِز عَلٌَْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرٌِص عَلٌَْكُم بِالْمُإْمِنٌِنَ رَإُوؾ رَّحٌِم " (التوبة ، آٌة : 8.) ــ وقد حدَّث النبً صلى الله علٌه وسلم عن رحمة الله تعالى ومبلػ سعتها وكنهها، فقال : " إن الله لمَّا قضى الخ لق كتب عنده فوق عرشه : إن رحمتً سبقت ؼضبًٗ. ــ وقال رسول الله صلى الله علٌه وسلم: "جعل الله الرحمة مابة جزء، فؤمسك عنده تسعة وتسعٌن، وأنزل فً الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلببق حتى ترفع الدَّابة حافرها عن ولدها خشٌة أن تصٌبهٔ. ٔ أخلبؾ النبً فً القرآن والسنة د. أحمد الحداد (ٕ / ٔٔٙ). ٕ المصدر نفسه (ٕ / ٕٔٙ). ٖ محاسن التؤوٌل (0 /0 )للقاسمً. ٗ مسلم رقم ٔ٘.

عدد الصفحات ٩٦

ٙ ــ ومن حدٌث عمر بن الخطاب ـ رضً الله عنه ـ قال: قُدم على رسول الله صلى الله علٌه وسلم بسبً، فإذا امرأة من السبً تسعى قد تحلب ثدٌُها، إذا وجدت صبٌاً فً السبً أخذته وألصقته ببطنها وأرضعته، فقال رسول الله صلى الله علٌه وسلم: أترون هذه المرأة طارحة ولدها فً النار؟ قلنا: لا والله وهً تقدر على أن لا تطرحه، فقال رسول الله صلى الله علٌه وسلم: الله أرحم بعباده من هذه بولدهإ. ٖ ـ حض المإمنٌن على التحلً بها: ندب الله تعالى عباده إلى التحلً بالرحمة، وحثهم علبها فً بعض مواطنها لكبٌر أهمٌتها فً تلك المواطن لٌنالوا أجرها وعظٌم ثوابها، وذلك كالرحمة بالوالدٌن اللَّذٌن عظم الله شؤنهما وقرن شكرهما بشكره، وطاعتهما بطاعته، فكانت الرحمة عند الكبر محتَّمة حٌث قال تعالى: " وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبٌََّانًِ صَؽٌِرًا" (الإسراء ، آٌة : ٕٗ). وقد قال الله جل ذكره فً شؤن أصحاب محمد صلى الله علٌه وسلم: "مُّحَمَّد رَّسُولُ اللهَِّ وَالَّذٌِنَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بٌَْنَهُمْ " (الفتح ، آٌة : 1.) ــ كما أثبتها ٌلبزمها لهم ولمن اتصؾ بصفاتهم بقوله سبحانه: " مَن ٌَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دٌِنِهِ فَسَوْؾَ ٌَؤْتًِ اللهُّ بِقَوْم ٌُحِبُّهُمْ وٌَُحِبُّونَهُ أَذِلَّة عَلَى الْمُإْمِنٌِنَ أَعِزَّة عَلَى الْكَافِرٌِنَ " (المابدة ، آٌة : ٗ٘). إذ الذلة التً ٌتحلون بها فٌما بٌنهم بسبب التراحم بٌنهم، وهذا دلٌل على أن الرحمة من أجل صفات المإمنٌن حٌث كان حدٌث القرآن عن الرحمة لدٌهم فً معرض الامتنان والثناء والمدح البلٌػ، مما ٌدل على عظٌم مكانة المتراحمٌن من المسلمٌن عند الله تعالى، وفد دلَّ على ذلك ما أعده الله تعالى لهم من الأجر والثواب الذي أخبر الله تعالى عنه بقوله: " ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذٌِنَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَ تَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُوْلَبِكَ أَصْحَابُ الْمٌَْمَنَةِ (البلد ، آٌة : 0 ـ8.) أي أصحاب الٌمٌن الذٌن ٌعطون كتبهم بؤٌمانهم والذٌن قال الله تعالى فٌهم:" وَأَصْحَابُ الٌَْمٌِنِ مَا أَصْحَابُ الٌَْمٌِنِ * فًِ سِدْر مَّخْضُود * وَطَلْح مَّنضُود * وَظِل مَّمْدُود * وَمَاء مَّسْكُوب * وَفَاكِهَة كَثٌِرَة * لاَّ مَقْطُوعَة وَلاَ مَمْنُوعَة * وَفُرُش مَّرْفُوعَة " (الواقعة، آٌة : 0 ـٖٗ)ٖ. وقد كان رسول الله صلى الله علٌه وسلم القدوة الحسنة فً تحقٌق هذا المقصد وهو الرحمة بالعالمٌن، فكانت رحمته بالمإمنٌن، وبالأهل والعٌال وبالضعفاء والكافرٌن والحٌوان وكتب السٌرة ملٌبة بالمواقؾ والأحادٌث الدالة على ذلك. الخامس عشر: الوفاء بالعهود والعقود: ٔ مسلم رقم ٗ٘. ٕ مسلم رقم ٗ٘، تحلِّب: اجتمع حلٌب ثدٌها فٌه. ٖ أخلبق النبً صلى الله علٌه وسلم فً القرآن والسنة (ٕ/ ٘ٔٙ).

عدد الصفحات ٩٧