الغلو في الدين بين التفسير والتبرير 35 www.almohtasb.com بهم أنهم ما أرادوا إلا خيراً، كتحكيم الشريعة ونصرة المستضعفين وغيرها من الشعارات التي يرفعونها. إن مما لا يمكن إغفاله أن ديننا أعطى كل شيء حقه وقدره، ومن هذه الأمور المعتبرة شرعًا مراعاة العاطفة الإنسانية؛ لكن الشرع لا يتسامح مع أفعال غير مضبوطة بهدي الكتاب والسنة ومقاصد الشرع وضوابط المصلحة الشرعية وإن كان دافعها عاطفة جياشة للدين. ولا شك كذلك أن من الأمور المعتبرة شرعًا بل المحمودة -كما سبق- الغيرة على شرع الله وعلى حرماته أن تنتهك، المطلوبة لكن الحرقة والحمية -وحدها- لا تدل على الغيرة المحمودة، فضلاً أن تدل على صواب عمل صاحبها، ففي الحديث الصحيح إِلَى رَجُلٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: نَظَرَ النَّبِي «يُقَاتِلُ المُشْرِكِينَ، وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ المُسْلِمِينَ غَنَاءً عَنْهُمْ، فَقَالَ فَتَبِعَهُ رَجُلٌ، أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى جُرِحَ، فَاسْتَعْجَلَ المَوْتَ، فَقَالَ بِذُبَابَةِ سَيْفِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، فَتَحَامَلَ عَلَيْهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ، « :فَقَالَ النَّبِي أَهْلِ الجَنَّةِ وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ، عَمَلَ أَهْلِ
عدد الصفحات ٣٦الغلو في الدين بين التفسير والتبرير 36 www.almohtasb.com .(((النَّارِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنَّمَا الَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا يكون من فكم من صاحب مخالفة عقدية أو بدعة سلوكية أشجع الناس في الدعوة لها والتضحية في سبيلها، وتاريخ الأمة زاخر بأمثال هؤلاء، فهل كانت شجاعتهم وحماستهم وعاطفتهم منقذًا لهم من وصفهم بالخطأ والضلال؟ .)6493/103 /8 صحيح البخاري (1(
عدد الصفحات ٣٧الغلو في الدين بين التفسير والتبرير 37 www.almohtasb.com Lطرق إزالة اللبس بين التفسير والتبرير J وإزالة اللبس والخلط الحاصلإن الفصل بين التفسير والتبرير، في هذه المسألة عند البعض يمكن أن يكون بأكثر من طريق: الأول - بيان الهدي النبوي في معاملة الغلاة: وهو أعظم طريق وأولاه؛ بأن نذكِّر من اختلط عليهم الأمر في التعامل مع سلف هؤلاء الغلاة، بهدي النبي ومعلوم أننا مأمورون عند التنازع في الأمور بالرد لكتاب الله ﰀ ﰁ ﰂ ﴿، قال الله تعالى: تعالى وسنة رسوله ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍﰎ ﰏ ﰐ .]59[ ﴾ﰑ ﰒ ﰓ وإذا رجعنا إلى العلاج النبوي لمن بلغ به الغلو حدَّ الخروج على « : فسنجد قولهالمسلمين وقتالهم، «، وقوله(((فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ ، قال الحافظ: (أَيْ قَتْلاً لاَ يُبْقِي مِنْهُمْ (((أَدْرَكْتُهُمْ لََقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ .1066 )746 /2، صحيح مسلم3611 )201 /4 صحيح البخاري (1( .1064 )741 /2، صحيح مسلم3344 )137 /4 صحيح البخاري (2(
عدد الصفحات ٣٨الغلو في الدين بين التفسير والتبرير 38 www.almohtasb.com ، فهذه((((﴾ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ﴿أَحَدًا، إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: الدعوة للمة لقتلهم حيث وُجِدوا، وهذا العزم على الاستئصال، لم تأخذه بهم رأفة البتة، ولم يلتمس لهم مُشعِر بأنه «أي عذر، رغم أنه وصفهم قبلها بقوله «، وقال فيهم(((البَرِيَّةِ .(((مَعَ صِيَامِهِمْ فهذا علي على هديه،وقد سار أصحاب النبي : يقتلهم يوم النهروان قتلاً ذريعاً، قال ابن كثير (وأقبلت الخوارج يقولون: لا حكم إلا لله، الرواح الرواح إلى الجنة، فحملوا على الخيَّالة الذين قدَّمهم عليٌّ، ففرقوهم حتى أخذت طائفة من الخيالة إلى الميمنة، وأخرى إلى الميسرة، فاستقبلهم الرماة بالنبل، فرموا وجوههم، وعطفت عليهم الخيالة من الميمنة والميسرة، ونهض إليهم الرجال بالرماح والسيوف، فأناموا الخوارج فصاروا صرعى تحت سنابك الخيول، وقُتِل أمراؤهم عبد الله بن وهب، وحرقوص بن زهير، وشريح بن أوفى، فتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل (1( .)377 /6،1379العسقلاني الشافعي، دار المعرفة - بيروت، .3611 )201 /4 صحيح البخاري (2( .1064 )744 /2، صحيح مسلم3610 )200 /4 صحيح البخاري (3(
عدد الصفحات ٣٩الغلو في الدين بين التفسير والتبرير 39 www.almohtasb.com ، (وَقُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى (((وعبد الله بن سخبرة السلمي، قبحهم الله) . (((بَعْضٍ، وَمَا أُصِيبَ مِنَ النَّاسِ وليس القصد من هذا الكلام أن يكون التعامل مع كل غالٍ بالقتل وإنما القصد أن العاطفة لا مكان لها هنا، فالمسيء - معاذ الله - الصائل على المسلمين بالقتل والتكفير يلقى جزاءه المستحَق، ولا يشفع له ما يظهر عليه من علامات صلاح ولا حسن قصد إن نهج هذا المنهج الرديء. أما من فمن سفك الدماء المعصومة فعلاجه السيف النبوي، لم يقع في سفك الدم الحرام فقد اختلف التعامل معه، كذلك فقد أنكر عليه « :الرجل الذي قال للنبي قوله هذا، لكنه لم يأذن بقتله لمن استأذن في ذلك، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (فهذا الرجل قد نص القرآن أنه أي يعيبك ﴾ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﴿من المنافقين بقوله: : اعدل واتق الله بعدما ويطعن عليك وقوله للنبي إلى أنه جار خص بالمال أولئك الأربعة نسب للنبي البداية والنهاية، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم (1( الدمشقي، المحقق: علي شيري، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى ).320 /7هـ،1408 .1066 )748 /2 صحيح مسلم (2(
عدد الصفحات ٤٠الغلو في الدين بين التفسير والتبرير 40 www.almohtasb.com : أولست أحق أهل ولم يتق الله ولهذا قال النبي الأرض أن يتقي الله ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ ومثل هذا الكلام لا ريب أنه يوجب القتل لو قاله اليوم أحد لأنه كان يظهر الإسلام وهو وإنما لم يقتله النبي الصلاة التي يقاتل الناس حتى يفعلوها، وإنما كان نفاقه بما يخص من الأذى وكان له أن يعفو عنه وكان يعفو عنهم النبي تأليفا للقلوب لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه وقد ، وهذا ما فعله علي (((جاء ذلك مفسرا في هذه القصة أو في مثلها) حيث (جَاءَ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ، فَدَخَلَ عَلَى بن أبي طالب عَائِشَةَ... مَرْجِعَهُ مِنَ الْعِرَاقِ لَيَالِيَ قُتِلَ عَلِيٌّ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ شَدَّادٍ، هَلْ أَنْتَ صَادِقِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ؟ تُحَدِّثُنِي عَنْ هَؤُلاَءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيٌّ، قَالَ: وَمَا لِي لاَ أَصْدُقُكِ؟ قَالَتْ: فَحَدِّثْنِي عَنْ قِصَّتِهِمْ قَالَ: فَإِنَّ عَلِيًّا لَمَّا كَاتَبَ مُعَاوِيَةَ، وَحَكَّمَ الْحَكَمَيْنِ، خَرَجَ عَلَيْهِ ثَمَانِيَةُ آلافٍ مِنْ قُرَّاءِ النَّاسِ، فَنَزَلُوا بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا: حَرُورَاءُ، مِنْ جَانِبِ الْكُوفَةِ، وَإِنَّهُمْ عَتَبُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا: انْسَلَخْتَ مِنْ الصارم المسلول على شاتم الرسول، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد (1( الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحرا الحنبلي الدمشقي، المحقق: محمد محيي الدين عبد الحميد، الحرس .228الوطني السعودي، المملكة العربية السعودية، ص
عدد الصفحات ٤١الغلو في الدين بين التفسير والتبرير 41 www.almohtasb.com قَمِيصٍ أَلْبَسَكَهُ اللهُ تَعَالَى، وَاسْمٍ سَمَّاكَ اللهُ تَعَالَى بِهِ، ثُمَّ انْطَلَقْتَ فَحَكَّمْتَ فِي دِينِ اللهِ، فَلا حُكْمَ إِلا لِلَّهِ تَعَالَى. فَلَمَّا أَنْ بَلَغَ عَلِيًّا مَا عَتَبُوا عَلَيْهِ، وَفَارَقُوهُ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ مُؤَذِّنًا فَأَذَّنَ أَنْ لاَ يَدْخُلَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلا رَجُلٌ قَدْ حَمَلَ الْقُرْآنَ. فَلَمَّا أَنِ امْتَلاتِ الدَّارُ مِنْ قُرَّاءِ النَّاسِ، دَعَا بِمُصْحَفٍ إِمَامٍ عَظِيمٍ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَصُكُّهُ بِيَدِهِ وَيَقُولُ: أَيُّهَا الْمُصْحَفُ، حَدِّثِ النَّاسَ، فَنَادَاهُ النَّاسُ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا تَسْأَلُ عَنْهُ إِنَّمَا هُوَ مِدَادٌ فِي وَرَقٍ، وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ بِمَا رُوِينَا مِنْهُ، فَمَاذَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أَصْحَابُكُمْ هَؤُلاءِ ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي الَّذِينَ خَرَجُوا، بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ كِتَابُ اللهِ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﴿كِتَابِهِ فِي امْرَأَةٍ وَرَجُلٍ: ، فَأُمَّةُ ﴾ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎﮏ أَعْظَمُ دَمًا وَحُرْمَةً مِنَ امْرَأَةٍ وَرَجُلٍ. وَنَقَمُوا مُحَمَّدٍ عَلَيَّ أَنْ كَاتَبْتُ مُعَاوِيَةَ: كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَقَدْ جَاءَنَا بِالْحُدَيْبِيَةِ، سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ « :حِينَ صَالَحَ قَوْمَهُ قُرَيْشًا، فَكَتَبَ رَسُولُ اللهِ . فَقَالَ: سُهَيْلٌ لاَ تَكْتُبْ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقَالَ: اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللهُمَّ، فَقَالَ «الرَّحِيمِ. فَقَالَ فَقَالَ: لَوْ « :رَسُولُ اللهِ أَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ لَمْ أُخَالِفْكَ. فَكَتَبَ: هَذَا مَا صَالَحَ مُحَمَّدُ بْنُ
عدد الصفحات ٤٢الغلو في الدين بين التفسير والتبرير 42 www.almohtasb.com ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﴿عَبْدِ اللهِ قُرَيْشًا. يَقُولُ: اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ عَبْدَ ﴾ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، فَخَرَجْتُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا تَوَسَّطْنَا عَسْكَرَهُمْ، قَامَ ابْنُ الْكَوَّاءِ يَخْطُبُ النَّاسَ، فَقَالَ: يَا حَمَلَةَ الْقُرْآنِ، إِنَّ هَذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ فَأَنَا أُعَرِّفُهُ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَا يَعْرِفُهُ بِهِ، هَذَا فَرُدُّوهُ إِلَى صَاحِبِهِ، وَلا ﴾ﯮ ﯯ ﴿مِمَّنْ نَزَلَ فِيهِ وَفِي قَوْمِهِ: تُوَاضِعُوهُ كِتَابَ اللهِ. فَقَامَ خُطَبَاؤُهُمْ فَقَالُوا: وَاللهِ لَنُوَاضِعَنَّهُ كِتَابَ اللهِ، فَإِنْ جَاءَ بِحَقٍّ نَعْرِفُهُ لَنَتَّبِعَنَّهُ، وَإِنْ جَاءَ بِبَاطِلٍ لَنُبَكِّتَنَّهُ بِبَاطِلِهِ. فَوَاضَعُوا عَبْدَ اللهِ الْكِتَابَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلافٍ كُلُّهُمْ تَائِبٌ، فِيهِمُ ابْنُ الْكَوَّاءِ، حَتَّى أَدْخَلَهُمْ عَلَى عَلِيٍّ الْكُوفَةَ، فَبَعَثَ عَلِيٌّ، إِلَى بَقِيَّتِهِمْ، فَقَالَ: قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِنَا وَأَمْرِ النَّاسِ مَا قَدْ رَأَيْتُمْ، ، بَيْنَنَا فَقِفُوا حَيْثُ شِئْتُمْ، حَتَّى تَجْتَمِعَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ وَبَيْنَكُمْ أَنْ لاَ تَسْفِكُوا دَمًا حَرَامًا، أَوْ تَقْطَعُوا سَبِيلاً، أَوْ تَظْلِمُوا ذِمَّةً، فَإِنَّكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ فَقَدْ نَبَذْنَا إِلَيْكُمِ الْحَرْبَ عَلَى سَوَاءٍ، إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْخَائِنِينَ. فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يَا ابْنَ شَدَّادٍ، فَقَدْ قَتَلَهُمْ فَقَالَ: وَاللهِ مَا بَعَثَ إِلَيْهِمْ حَتَّى قَطَعُوا السَّبِيلَ، وَسَفَكُوا الدَّمَ، وَاسْتَحَلُّوا أَهْلَ (((الذِّمَّةِ. فَقَالَتْ: آَللهُ؟ قَالَ: آللهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَقَدْ كَانَ) )، قال محققوه: إسناده حسن.656/86-84/2 مسند الإمام أحمد (1(
عدد الصفحات ٤٣الغلو في الدين بين التفسير والتبرير 43 www.almohtasb.com هي وعظهم وتذكيرهم فأول سبيل في التعامل مع هؤلاء : (لو سكت ومناصحتهم ومناظرتهم، يقول العلامة ابن باز أهل الحق عن بيانه لاستمر المخطئون على أخطائهم وقلدهم غيرهم في ذلك وباء الساكتون بإثم الكتمان الذي توعدهم الله عليه ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﴿في قوله سبحانه: (سورة ﴾ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞﯟ ﯠ ﴿، (59البقرة ، وقد أخذ الله على علماء أهل (60(سورة البقرة ﴾ﯡ ﯢ ﯣ الكتاب الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه وذمهم على نبذه وراء ظهورهم وحذرنا من اتباعهم، فإذا سكت أهل السنة عن بيان أخطاء من خالف الكتاب والسنة شابهوا بذلك أهل الكتاب المغضوب . فأما إن لم تُجدِ المناصحةُ مع هؤلاء ولم يجد (((عليهم والضالين) التذكير وسلُّوا السيف على الأمة فليس لهم إلا السيف. فتذكير المبررين بهذا الهدي النبوي، وهدي الخليفة الراشد ، ومطالبتهم بالرجوع لهذا الهدي هو أول طريق علي تُسلك معهم، كي لا يخلطوا بين التفسير والتبرير. ، أشرف على جمعه وطبعه: مجموع فتاوى العلامة عبد العزيز بن باز (1( .)73-72 /3محمد بن سعد الشويعر،
عدد الصفحات ٤٤الغلو في الدين بين التفسير والتبرير 44 www.almohtasb.com الثاني: بيان أن صلاح القصد ليس مبررًا لسوء العمل لا ينبغي أن يجعل أي أحد إن صلاح القصد - إن سلمنا به - يبرر لمن كفَّروا المسلمين بغير حق، واستحلوا دماءهم المعصومة، وأزهقوا الأنفس المحترمة، أو حرضوا على ذلك أو أيدوه أو رضوا به، فالنية الصالحة لا تصحح العمل الفاسد، وإن إطلالة على تعامل مع من غلوا في العبادات رغم أنهم ما ضروا أحدًا، النبي وما فعلوا معصية، ولا قتلوا ولا خربوا، ولكنهم زادوا على الطاعات ، عملاً - وليس اعتقادًا - على ما جاء به رسول ا لم ينظر لنية إرادة الخير واكتفى بها، وإنما تبين أن نبينا أنكر فعلهم وشدد عليهم، فكان التعامل معهم كما ثبت في الصحيح ، يَقُولُ: جَاءَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، فَلَمَّا ، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِي النَّبِي ؟ أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِي قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلاَ أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ « لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ
عدد الصفحات ٤٥الغلو في الدين بين التفسير والتبرير 45 www.almohtasb.com .(((سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي وقد أخبرنا القرآن الكريم عن أقوام أحسنوا النية والقصد، ﮓ ﮔ ﴿: ولكنهم أساؤوا الأعمال فلم تنفعهم نيتهم، قال ا ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ : (أَيْ: ، قال ابن كثير](04،0([﴾ﮢ ﮣ ﮤ ﮟ ﴿عَمِلُوا أَعْمَالاً بَاطِلَةً عَلَى غَيْرِ شَرِيعَةٍ مَشْرُوعَةٍ مَرْضِيَّةٍ مَقْبُولَةٍ، أَيْ: يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ، وَأَنَّهُمْ ﴾ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ مَقْبُولُونَ مَحْبُوبُونَ. فهِيَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ عَبَدَ اللهَ عَلَى غَيْرِ طَرِيقَةٍ مَرْضِيَّةٍ يَحْسَبُ أَنَّهُ مُصِيبٌ فِيهَا، وَأَنَّ عَمَلَهُ مَقْبُولٌ، وَهُوَ مُخْطِئٌ، ، والخوارج من هؤلاء؛ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (((وَعَمَلُهُ مَرْدُودٌ) .(((وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: هُمُ الْحَرُورِيَّةُ قال له أصحاب المشهوروفي أثر عبد الله بن مسعود الحِلَق الذين أتوا بطريقة مبتدعة في الذكر، فكانوا يذكرون الله تعالى لا يذكرون غيره ولكن يذكرونه بطريقةٍ غير شرعيّة، وعلى )، 1401/1020 /2)، صحيح مسلم 5063/2 /7 صحيح البخاري (1( واللفظ للبخاري )، بتصرف.202 /5 تفسير ابن كثير (2( )، والحرورية هم الخوارج؛ سموا بذلك لاجتماعهم202 /5 تفسير ابن كثير (3( .في بلدة قرب الكوفة يقال لها حروراء، ومنها مبدأ خروجهم على علي
عدد الصفحات ٤٦الغلو في الدين بين التفسير والتبرير 46 www.almohtasb.com كيفيّةٍ غير نبويّة: (وَاللهِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا أَرَدْنَا إِلاَّ الْخَيْرَ. قَالَ )، وهذا هو الشاهد، ثم قال لهم: »وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَه « أَنَّ قَوْمًا يقرؤون الْقُرْآنَ لاَ « حَدَّثَنَا (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ، وَايْمُ اللهِ مَا أَدْرِي لَعَلَّ أَكْثَرَهُمْ مِنْكُمْ، ثُمَّ تَوَلَّى »يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ عَنْهُمْ. فَقَالَ عَمْرُو بْنُ سَلَمَةَ: رَأَيْنَا عَامَّةَ أُولَئِكَ الْحِلَقِ يُطَاعِنُونَا ، ومما يلاحظ أن هؤلاء القوم قد (((يَوْمَ النَّهْرَوَانِ مَعَ الْخَوَارِجِ) وقعوا في الخروج عن الصراط والسنة في العبادة، لكن خروجهم لم يتوقف عند هذا الحد حتى قادهم للغلو التكفيري فخرجوا على المسلمين وقاتلوهم، وهكذا الغلو لا يأتي إلا بالغلو والشر. : (والنية إنما تؤثر في المباحات يقول الغزالي والطاعات أما المنهيات فلا، فإنه لو نوى أن يسر إخوانه بمساعدتهم على شرب الخمر أو حرام آخر لم تنفع النية ولم يجز : (المعاصي لا تتغير ، ويقول(((أن يقال الأعمال بالنيات) مسند الدارمي المعروف بـ (سنن الدارمي)، أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن (1( بن الفضل بن بَهرام بن عبد الصمد الدارمي، التميمي السمرقندي، تحقيق حسين سليم أسد الداراني، دار المغني للنشر والتوزيع، المملكة العربية ، وصححه الألباني في 210/286 / 1،1412السعودية، الطبعة الأولى، .2005/12 / 5 “السلسلة الصحيحة“ (2(
عدد الصفحات ٤٧الغلو في الدين بين التفسير والتبرير 47 www.almohtasb.com عن موضعها بالنية فلا ينبغي أن يفهم الجاهل ذلك من عموم قوله فيظن أن المعصية تَنْقَلِبُ طَاعَةً « بِالنِّيَّةِ كَالَّذِي يَغْتَابُ إِنْسَانًا مُرَاعَاةً لقلب غَيْرِهِ أَوْ يُطْعِمُ فَقِيرًا مِنْ مَالِ غَيْرِهِ أو يبني مدرسة أو مسجداً أو رباطاً بِمَالٍ حَرَامٍ وَقَصْدُهُ الْخَيْرُ فَهَذَا كُلُّهُ جَهْلٌ وَالنِّيَّةُ لاَ تُؤَثِّرُ فِي إِخْرَاجِهِ عَنْ كَوْنِهِ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا وَمَعْصِيَةً بَلْ قَصْدُهُ الْخَيْرَ بِالشَّرِّ عَلَى خِلاَفِ مُقْتَضَى الشَّرْعِ شَرٌّ آخَرُ فَإِنْ عَرَفَهُ فَهُوَ مُعَانِدٌ لِلشَّرْعِ وَإِنْ جَهِلَهُ فَهُوَ عَاصٍ بِجَهْلِهِ إِذْ طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَالْخَيْرَاتُ إِنَّمَا يُعْرَفُ كَوْنُهَا خَيْرَاتٍ .(((للشرع فكيف يمكن أن يكونَ الشرُ خيرًا هيهات) الثالث: بيان أنه لا تلازم بين الظاهر والباطن: بل لو مما هو معلوم أنه لا تلازم بين صلاح الظاهر والباطن، لما وقعوا في هذا قيل إن هؤلاء لو كانت نيتهم خالصة ﯱ ﯲ ﴿ يقول: الانحراف الشنيع لكان وجيهاً، فا : ، قال ابن كثير](7[ ﴾ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ (أَيْ: وَالَّذِينَ قَصَدُوا الْهِدَايَةَ وَفَّقَهُمُ اللهُ لَهَا فَهَدَاهُمْ إِلَيْهَا، وَثَبَّتَهُمْ . ((( أَيْ: أَلْهَمَهُمْ رُشْدَهُمْ) ﴾ﯵ ﯶ ﴿ عَلَيْهَا وَزَادَهُمْ مِنْهَا، إحياء علوم الدين، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي، دار المعرفة (1( .)369-368 /4بيروت،– ).315 /7 تفسير ابن كثير ت سلامة (2(
عدد الصفحات ٤٨الغلو في الدين بين التفسير والتبرير 48 www.almohtasb.com ويُستأنس لهذا بأنه لا توجد فرقة ورد فيها من الذم والتحذير من كهذه الفرقة، ولا توجد فرقة أمر النبي رسول ا باستئصالها إلا هم، وهذا يشعر أنهم ليسوا على « :شيء في الباطن، ولهذا قال فيهم ، قال (((حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ .(((«الحافظ ابن حجر أن رجلاً من الخوارج ومما جاء في هذا المعنى عن التابعين فقال لهأتى الحسنَ البصري هم أصحاب دنيا. قال: ومن أين قلت، وأحدهم يمشي في الرمح حتى ينكسر فيه ويخرج من أهله وولده؟ قال الحسن: حدِّثْني عن السلطان؛ أيمنعُكَ من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والحج والعمرة؟ .(((قال: لا، قال: فأراه إنما منعكَ الدنيا فقاتلتَه عليها وإن من البلاء أن البعض يقصر حكمه على المظاهر فحسب، مع أن كثيرًا منها قد يكون خدَّاعًا؛ ولقد نبه رسول ا على خطورة الانخداع بالمظاهر التي لا حقائق تحتها، فعن سهل بن .6930 )16 /9 صحيح البخاري (1( .)288 /12 فتح الباري لابن حجر (2( البصائر والذخائر، أبو حيان التوحيدي، علي بن محمد بن العباس، المحقق (3( .156/1،1408بيروت، الطبعة الأولى،– د/ وداد القاضي، دار صادر
عدد الصفحات ٤٩الغلو في الدين بين التفسير والتبرير 49 www.almohtasb.com ، فَقَالَسعد الساعدي قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ « أَنْ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ، قَالَ: ثُمَّ سَكَتَ، فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ «المُسْلِمِينَ، فَقَالَ لاَ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لاَ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لاَ يُسْتَمَعَ، فَقَالَ رَسُولُ ، و الأمر (((« :اللهِ هنا واضح؛ بأنَّ النظرة الظاهرية لا تكشف عن حقيقة الشخصية؛ بل قد يكون ظاهر الشخص ينبئ عن الخير، لكن حقيقته غير ذلك، ويعرف هذا من أعماله؛ من سب وشتم وقذف وكذب وأكل أموال الناس بالباطل، فضلا عن سفك الدم الحرام، وفي أمثال هؤلاء فعن أبي هُرَيْرَة يتحقق حديث رسول ا قَالُوا: «، قَالَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ «الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ، فَقَالَ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ .(((أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ).5091/8 /7 صحيح البخاري (1( (2581/1997 /4 صحيح مسلم (2(
عدد الصفحات ٥٠الغلو في الدين بين التفسير والتبرير 50 www.almohtasb.com فهذه صورة رجل يتكرر في كل زمان ومكان، وكم من أمثاله فيظن كثيرون بمعيارهم القاصر أنه صاحب دين، وكيف زماننا هذا، لا يكون كذلك وهو مصلٍّ صائمٌ مزكٍّ، ولكن الحكم في مثل هذه الأمور، هو حكم رب العالمين، فقد حكم فيهم بأنهم مفلسون وإن صلوا وصاموا وزكوا. لا ينظر إلى أن اوكذلك بيَّن رسول ا الصور ولا إلى الأجسام، ولكن ينظر إلى القلوب والأعمال، فقال: « «، وقَالَ أيضًا ((( وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إِلَى صَدْرِهِ قُلُوبِكُمْ .(((إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ ، وفي موقف عجيب تحكيه لنا كتب السنة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فُلاَنَة يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلاَتِهَا، «وَصِيَامِهَا، وَصَدَقَتِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّ فُلاَنَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا، فِي النَّارِ وَصَدَقَتِهَا، وَصَلاَتِهَا، وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالأَْثْوَارِ مِنَ الأَْقِطِ، وَلاَ تُؤْذِي . فهذا مقياس وميزان، (((«جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ ).2564/1986 /4 صحيح مسلم (1( .)2564/1987 /4 صحيح مسلم (2( .)9674/421 /15 مسند الإمام أحمد (3(
عدد الصفحات ٥١