المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الغلو في الدين بين التفسير والتبرير

عبدالله بن عبدالرحمن الوطبان

صفحة ٤ من ٥

الغلو في الدين بين التفسير والتبرير 51 www.almohtasb.com لنا، فلا عبرة بعبادة الجوارح إن كانتيحدده النبي لا تؤثر في القلب وتنعكس على أداء الحقوق، فهذه صورة ظاهرة لا حقيقة لها. ولئن كان مآل المرأة الصوامة القوامة المتصدقة التي تؤذي باللسان أنها من أهل النار، فما الظن بمن قتل، وفجَّر، ودمَّر، وخرَّب، وأفسد في الأرض فسادًا تجاوز حدود الجيران ليشمل أمة الإسلام؟ فكيف يمكن رغم كل هذا أن ييرر البعض لهؤلاء أعمالَهم؟! بقوله في حق  رسوله ولقد خاطب ا ﯟ ﯠ ﯡ ﴿ ومنهم عبد الله بن أبي بن سلول: المنافقين، ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ]4[ ﴾ ﯧﯨ ﯦﯣ ﯤ ﯥ ﯢ (كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ وَسِيمًا جَسِيمًا صَحِيحًا صَبِيحًا ذَلِقَ اللِّسَانِ، مَقَالَتَهُ. وَصَفَهُ اللهُ بِتَمَامِ الصُّورَةِ فَإِذَا قَالَ سَمِعَ النَّبِي ﯩ ﴿ ، وفي حديث زيد بن أرقم، قال: (وقَوْلُهُ: (((وَحُسْنِ الإِْبَانَةِ) ، (((قَالَ: كَانُوا رِجَالاً أَجْمَلَ شَيْءٍ) ]4[ ﴾ﯪ ﯫ الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن (1( أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي، تحقيق: أحمد القاهرة، الطبعة الثانية، – البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية ). 125 -124/18ه،1384 .)2140 /4 صحيح مسلم (2(

عدد الصفحات ٥٢

الغلو في الدين بين التفسير والتبرير 52 www.almohtasb.com « :وفي الصحيح يقول رسول ا ما أجلده، ما أظرفه، ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبَّة من خردل من ، ويعلق أبو المظفر الشيباني قائلاً: (أي أنه كانت جلادته (((إيمان .(((وظرفه لغير الله ولم يكن في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان) بل والمقصود أن الظاهر قد لا يعطي الحقيقة عن شخصية ما، ربما يكون الظاهر غلافًا حسنًا لكنه يخفي وراءه كل شر، فلا ينبغي أن يخدع أحد بالظاهر ويبرر أفعال الإجرام بحجة صلاح الباطن أو حسن القصد والنية!  الرابع: إلزام أهل التبرير بالتبرير للعصاة والملاحدة: - إن إننا لو بحثنا فسوف نجد لكل انحراف عن الشرع المطهر للإفراط أو التفريط- أسباباً متعددة؛ فهل سنلتمس لكل المنحرفين الأعذار، ونعد تلك الأسباب مبررات يلزم منها التهاون والتسامح مع المنحرفين؟ إن واقع من اختلط لديهم تفسير الغلو بالتبرير للغلاة يُكَذِّبُ ).143 /126 /1)، وصحيح مسلم6497 /104 /8 صحيح البخاري (1( الإفصاح عن معاني الصحاح، يحيى بن (هُبَيْرَة بن) محمد بن هبيرة الذهلي (2( الشيبانيّ، أبو المظفر، عون الدين، المحقق: فؤاد عبد المنعم أحمد، دار ).213 /2هـ،1417الوطن،

عدد الصفحات ٥٣

الغلو في الدين بين التفسير والتبرير 53 www.almohtasb.com فإننا لم نسمع لهم تبريراً لبعض الشباب الذين يقع منهم فسادذلك؛ أخلاقي عريض، سواء بشرب المسكِر أو المخدِّر أو المشاركة في الحفلات الماجنة أو الوقوع في الفاحشة والعياذ بالله، بل نجدهم ينتفضون ضد هذه المنكرات ويطالبون الجهات الرسمية بالتصدي لها بحزم وقوة، مع أن الأسباب للوقوع في كل ذلك متوفرة؛ من قوة الشباب وفتوته، وضعف الرقابة الأُسْرية والمجتمعية، ووفرة المال، والقنوات والمواقع المفسدة التي تغسل عقول الشباب صباح مساء، وتبرج بعض الفتيات وسفورهن وتهاونهن، فلماذا الكيل بمكيالين؟ فلا شك أن انجرار قلة من ونقول مثل ذلك في ظاهرة الإلحاد؛ شبابنا للإلحاد له أسبابه الخارجية، مثل انتشار المواقع والقنوات ووسائل التواصل التي تروج للإلحاد، وسهولة وصول الشباب إليها، ومثل الاستهداف الكبير لشبابنا من قِبَل جهات خارجية تريد أن تصرفه عن دينه، ومثل انتشار الكتب والروايات التي تدعو للإلحاد أو تُزيِّنه وتُجمِّله، ومثل همز ولمز بعض الكتاب المشهورين في ثوابت الدين وتشكيكهم في أصوله وفروعه، ومثل عدم تطبيق حد الردة على الملحدين بل استضافتهم وتلميعهم في بعض القنوات الفضائية العربية مما يجرئ غيرهم، إلى غيرها من الأسباب.

عدد الصفحات ٥٤

الغلو في الدين بين التفسير والتبرير 54 www.almohtasb.com فنحن لم نسمع لأولئك المبررين للغلاة دعوات للتسامح وتقدير الملابسات والظروف، ومراعاة مع هؤلاء الملحدين، الأسباب التي دعتهم للإلحاد، ولم نسمع منهم خلطاً بين تفسير الظاهرة بوجود هذه الأسباب وبين التبرير للملاحدة، بل إنهم يطالبون بإنزال أقسى العقوبات بمن ثبت وقوعه في الإلحاد، بغض النظر عن أسباب انحرافه. فمرة ثانية، لماذا الكيل بمكيالين؟ إنَّ خطر الإلحاد لا شك عظيم، ولا يمكن لعاقل أن يقلل منه، فهو من أعظم المنكرات لأنه يتعلق بأساس الدين وأعظم غاياته وما يدعو إليه وهو توحيد الله وعبادته، فيأتي الإلحاد لينكر وجود الله ابتداءً، وهذه جريمة كبرى لا يمكن السكوت عنها أو التهاون بشأنها، لكننا لو نظرنا إلى ضرر كل من الظاهرتين على المجتمع والأمة فلن نشك أن ضرر الغلو أعظم بكثير، فإن ضرر الإلحاد غالباً غير مُتَعَدٍّ، ونسبة الملحدين في مجتمعاتنا المسلمة لا تكاد تذكر، ولا يوجد لهم ذلك النشاط الذي يترك آثاره العميقة على المجتمع؛ وأما الغلو فإن خطره منذ القديم يطال الكثيرين، يقول بقتال الخوارج قبل التوجه بجيشه ابن كثير عن قرار علي وأهل الشامإلى معاوية خِيَرَةٌ عَظِيمَةٌ لَهُمْ وَلأَِهْلِ الشَّامِ أَيْضًا؛ إِذْ لَوْ قَوُوا هَؤُلاَءِ لأََفْسَدُوا

عدد الصفحات ٥٥

الغلو في الدين بين التفسير والتبرير 55 www.almohtasb.com الأَْرْضَ كُلَّهَا عِرَاقًا وَشَامًا، وَلَمْ يَتْرُكُوا طِفْلاً وَلاَ طِفْلَةَ وَلاَ رَجُلاً وَلاَ امْرَأَةً؛ لأَِنَّ النَّاسَ عِنْدَهُمْ قَدْ فَسَدُوا فَسَادًا لاَ يُصْلِحُهُمْ إِلاَّ الْقَتْلُ .(((جُمْلَةً فلا يكاد يوجد مجتمع من المجتمعات وما أشبه الليلة بالبارحة! المسلمة اليوم إلا ويعاني من الغلو وآثاره؛ من تفريق الكلمة، وإثارة العداوات والنزاعات، والتكفير غير المنضبط بضوابط الشرع، واستحلال الأموال والدماء، والقيام بأعمال التفجير والتدمير، وتسليط الأعداء على الأمة التي يزعم الغلاة أنهم ما قاموا إلا لنصرتها والدفاع عنها، وجلب جيوش الكفر إلى بلاد المسلمين وانحسار تطبيق شرع الله فيها، بسبب الافتئات على الأمة وزجها في حروب لا طاقة لها بها، والتضييق على العمل الإسلامي، وتشويه الجهاد، والتسلط على المجاهدين الصادقين، إلى غير ذلك. فكيف بعد كل هذا تُلتمس العذار للغلاة وتُبرر لهم أفعالهم؟!  الخامس: بيان مآلات الغلو: وكما إن لمآلات الأفعال دورًا كبيرًا في الحكم على الأفعال، « :يقول العلامة الشاطبي ).584 /10 البداية والنهاية ط هجر (1(

عدد الصفحات ٥٦

الغلو في الدين بين التفسير والتبرير 56 www.almohtasb.com مَقْصُودٌ شَرْعًا كَانَتِ الأَْفْعَالُ مُوَافِقَةً أَوْ مُخَالِفَةً، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ لاَ يَحْكُمُ عَلَى فِعْلٍ مِنَ الأَْفْعَالِ الصَّادِرَةِ عَنِ الْمُكَلَّفِينَ بِالإِْقْدَامِ أَوْ ، وبالنظر (((بِالإِْحْجَامِ إِلاَّ بَعْدَ نَظَرِهِ إِلَى مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْفِعْلُ) لمآلات الغلو وآثاره تظهر الحقيقة، ويتجلى لمن اختلط عليه الأمر وبال هذا الفكر، ويظهر لمن خلط بين التفسير والتبرير، أنه شريك بدرجة أو أخرى في هذه الثار، ويتحمل مسؤولية من اغتر بتبريره واختار المضي في طريق الغلو.  فمن آثار الغلو ومآلاته: ™ ) تقسيم المجتمع الواحد1 ولوإن أصحاب الغلو يقودهم داؤهم لتصنيف المخالفين لهم في فروعٍ يسع فيها الخلاف إلى تصنيفات تفرق جسد الأمة الواحدة والمجتمع الواحد، وليت الأمر يتوقف عند التصنيف لكنه يتطور إلى التبديع والتفسيق والتكفير غير المنضبط بالضوابط الشرعية، وعندها تتفرق الأمة شيعًا متناحرة بدلاً من الاعتصام والائتلاف، في زمان ائتلف فيه أهل الكفر من مختلف الملل وتناسوا ما بينهم لتحقيق مصالحهم. ).178-177 /5 الموافقات (1(

عدد الصفحات ٥٧

الغلو في الدين بين التفسير والتبرير 57 www.almohtasb.com ويخلطون بين المراتب،والغلاة يُبرِزون الأخطاء ضخمةً جسيمةً، يخلطون بين الصغيرة والكبيرة والفعل الكفري، ويجعلون من الفرع أصلاً بل أصولاً، ويأتون إلى مسائل فيزعمون أنها حدٌّ فاصل بين الإيمان والكفر تارة، وبين عصمة الدم وإهداره تارة أخرى، فيكفرون مخالفهم في مسألة ما، ولا يتوقفون عند حد تكفير المخالف فحسب، بل يُقعِّدون قاعدةَ تفريقٍ للمة، فمن وافقهم فيما قالوه فهو المؤمن كامل الإيمان معصوم الدم والمال، ومن خالفهم فهو كافر أو فاسق يهدر دمه وماله، فيصير المجتمع شيعًا. ™ ) إهدار جهود كبيرة من أمة تنزف2 ولو لم يكن للغلو إلا هذا الأثر لكان كافيًا لكل ذي عينين أن وأن يعي ضراوة شرورهم، فلا يلتمس يدرك خطورة أمر الغلاة، لهم الأعذار، ولا يختلق لهم التبريرات، ففي ظل الظروف التي تمر بها الأمة كان ينبغي أن توجه كل الجهود لبناء أمة إسلامية قوية، وأن توجه لنشر الدعوة الإسلامية الإصلاحية الصحيحة بين أرجاء المعمورة، فإذا بالجهود والأموال والأوقات والعلماء تصرف لعلاج الغلاة أنفسهم، ولمداواة آثارهم التي عمت وطمت، وكذلك توجه لوقاية المسلمين من شرورهم، ويترتب على ذلك إشغالٌ لموارد الأمة، فبدلاً من أن توجه للبناء والارتقاء، فإذا بها

عدد الصفحات ٥٨

الغلو في الدين بين التفسير والتبرير 58 www.almohtasb.com تصرف لمجرد محاولة الحفاظ على البنية الأساسية للمة، وإلى الله المشتكى. ™ ) تخويف الناس من التدين والمتدين3 استغلال أعداء الدين للغلاة وأعمالهممن أخطر آثار الغلو، الشنيعة لرسم صورة ذهنية وهمية ليست بالحقيقية لأهل الدين، صورة مضمونها التخويف والتنفير من التدين وأهله، وبالتالي صرف الناس عن الدين ووقوعهم أسرى للشبهات والشهوات، وهو مؤذن بفساد في المجتمع عريض، فلو أدرك المبررون أثر الغلاة في الصد عن الدين، وأن أثرهم أعظم تأثيرًا من أعداء الدين الذين يظهرون حربَه، لكانوا أول المواجهين للغلو وأهله. ™ ) ضعف الأمن والأمان أو انعدامه4 إن نظرة للدول التي اكتوت بنار الغلو والتشدد، فانفرط عقد فانتشرت فيها التفجيرات، والاغتيالات، التي أمنها وأمانها، نالت كل شيء، فلم تفرق بين رجل وامرأة، ولا كبير وصغير، ولا معصوم الدم وغيره، لكفيلةٌ أن توقظ المبررين من غفلتهم وتبصرهم بخطورة الغلو وأهله.

عدد الصفحات ٥٩

الغلو في الدين بين التفسير والتبرير 59 www.almohtasb.com ™ ) جر الأعداء لبلاد المسلم5 بل وقُسِّمت، فكم من دولة إسلامية حوربت وتم احتلالها، ونُهبت خيراتها، ودُمرت بنيتها التحتية وشُرد أهلها، بحجة وجود الغلاة فيها وأنهم يشكلون خطرًا على الدول المعتدية؟ لن يجد صعوبة ومن يطالع خطاب الغلاة الذي يوجهونه للعالم في العثور على ما يبرر به المعتدون المحتلون عدوانهم، فقد اعتاد الغلاة على إطلاق صيحات التهديد والوعيد في كل الاتجاهات ضد كل القوى في العالم، ولا يوجد عاقل إلا ويعلم أنها تهديدات فارغة، لا يقدر أصحابها على تنفيذها، وكيف يفعلون وهم يقاتلون العالم بسلاح لا يصنعونه بل يصنعه هو؟ أن هؤلاء الغلاة يعطون المعتدين لكن المحصلة في النهاية مبررات عدوانهم، وليت الضرر يقع على الغلاة وحدهم لكنه يطال الأطفال والنساء والأبرياء كذلك.  السادس: تحرير المصطلحات: تحرير من طرق إزالة اللبس والخلط بين التفسير والتبرير، المصطلحات الشرعية، ويقصد بذلك بيان معاني مصطلحات استعملت في غير مواضعها.

عدد الصفحات ٦٠

الغلو في الدين بين التفسير والتبرير 60 www.almohtasb.com مصطلح الفتنة، فالفتنة لفظة وردتومن تلكم المصطلحات: في الشرع وأطلقت على معان عدة، ولكن من الإشكاليات أن البعض يحمل ما يحدث من الغلو على محمل أنه فتنة ينبغي السكوت عنها، فيرى التفجير والتخريب والتدمير فيسكت، وقد ينصح غيره بالسكوت على أمثال هذه الأفعال النكراء تجنبًا للخوض في الفتن، وهذا لا شك أنه مخالف للصواب، فإن لم تكن هذه الأفعال منكرات يجب إنكارها فما المنكر إذن؟ وما أجمل هذه الكلمات النورانية، والقواعد الشرعية التي (أما ما جاء عن النبي قائلاً: وضحها الشيخ ابن باز في الفتن والقعود عنها فمعروف عند أهل العلم  « :وتفصيل ذلك فيما يلي: يقول النبي فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الساعي من يستشرف لها تستشرفه فمن استطاع أن يعوذ أخرجه البخاري في صحيحه، فهذه الفتن بملجأ أو معاذ فليفعل هي الفتن التي لا يظهر وجهها ولا يعلم طريق الحق فيها، بل هي ملتبسة، فهذه يجتنبها المؤمن ويبتعد عنها بأي ملجأ، ومن هذا « :الباب قوله أخرجه غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن

عدد الصفحات ٦١

الغلو في الدين بين التفسير والتبرير 61 www.almohtasb.com لما سئل: أيالبخاري في الصحيح، ومن هذا قوله قيل ثم من؟ قال «الناس أفضل؟ قال . « والمقصود أن هذا عند خفاء الأمور، وعلى المؤمن أن يجتنبها، أما إذا ظهر له الظالم من المظلوم والْمُبطل من الْمُحق، فالواجب أن يكون مع المحق ومع المظلوم ضد الظالم وضد المبطل، كما قيل يا رسول الله « قال أي منعه «كيف أنصره ظالما؟ قال من الظلم هو النصر. اشتبهت على بعض ولما وقعت الفتنة في عهد الصحابة الناس، وتأخر عن المشاركة فيها بعض الصحابة من أجل أحاديث ، الفتن كسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وجماعة ولكن فقهاء الصحابة الذين كان لهم من العلم ما هو أكمل قاتلوا مع علي؛ لأنه أولى الطائفتين بالحق، وناصروه ضد الخوارج وضد البغاة الذين هم من أهل الشام لما عرفوا الحق وأن عليًا مظلوم، وأن الواجب أن يُنصر وأنه هو الإمام الذي يجب أن يُتَّبع، وأن معاوية يقول ومن معه بغَوا عليه بشبهة المطالبة بقتل عثمان، وا ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟﮠ ﴿في كتابه العظيم:

عدد الصفحات ٦٢

الغلو في الدين بين التفسير والتبرير 62 www.almohtasb.com ما قال: فاعتزلوا، قال﴾ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﴿ فإذا عرف الظالم وجب أن ﴾ ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﴿يساعد المظلوم لقوله سبحانه: ، والباغون في عهد الصحابة معاوية وأصحابه، والمبغي عليه ﴾ﮭﮮ علي وأصحابه فبهذا نصرهم أعيان الصحابة نصروا عليًا وصاروا معه كما هو معلوم. في الحديث الصحيح في وقال في هذا المعنى «قصة الخوارج أَولى الطائفتين بالحق فقتلهم علي وأصحابه فاتضح بذلك أنهم . أَولى الطائفتين بالحق « في أمر عمار وقال فقتله معاوية وأصحابه في وقعة صفين. فمعاوية وأصحابه بغاة لكن مجتهدون، ظنوا أنهم مصيبون في المطالبة بدم عثمان، كما ، لكن لم ظن طلحة والزبير يوم الجمل ومعهم عائشة يصيبوا فلهم أجر الاجتهاد وفاتهم أجر الصواب. وعلي له أجر الاجتهاد وأجر الصواب جميعا، وهذه هي القاعدة الشرعية في حق المجتهدين من أهل العلم أن من اجتهد في طلب الحق ونظر في

عدد الصفحات ٦٣

الغلو في الدين بين التفسير والتبرير 63 www.almohtasb.com أدلته من قاض أو مصلح أو محارب فله أجران إن أصاب الحق، : وأجر واحد إن أخطأ الحق، أجر الاجتهاد، كما قال « متفق على صحتهوأخطأ فله أجر فكل فتنة تقع على يد أي إنسان من المسلمين أو من المبتدعة فيكون المؤمن مع المحق ومع المظلوم أو من الكفار ينظر فيها، ضد الظالم وضد المبطل، وبهذا ينصر الحق وتستقيم أمور المسلمين، وبذلك يرتدع الظالم عن ظلمه ويعلم طالب الحق أن الواجب التعاون على البر والتقوى وعدم التعاون على الإثم ﯭ ﯮ ﯯ ﯰﯱ ﯲ ﴿والعدوان عملا بقول الله سبحانه: ، فقتال الباغي وقتال الكافر الذي قام ضد ﴾ﯳ ﯴ ﯵ ﯶﯷ المسلمين وقتال من يتعدى على المسلمين لظلمه وكفره حق وبر .(((ونصر للمظلوم وردع للظالم) كذلك من المصطلحات، الجهاد، ونصرة الدين، والخلافة: فهناك محاولات حثيثة لصرف الناس عن وصف هؤلاء الغلاة بالخروج، بادعاءات مزعومة؛ مثل أنهم مجاهدون أو محتسبون أو مجددون للدين أو مقيمون للخلافة، حتى لا يحذر الناس خطرهم، ).89 /6 مجموع فتاوى ابن باز (1(

عدد الصفحات ٦٤

الغلو في الدين بين التفسير والتبرير 64 www.almohtasb.com بل ربما يتعاطفون معهم بإطلاق مثل هذه الأوصاف، وقد يتعاونون معهم، ولا شك في خطورة هذا المنحى. فمما لا مرية فيه أن للخوارج أصولاً من شابههم في هذه الأصول ولا ينبغي لأحد أن ينسب جهادًا ولا حسبة ولا خلافة كان منهم، للخوارج، فهم من شرار الخلق، وفي هذه النسبة الباطلة تشويه لمعاني هذه الكلمات الشريفة، وصد عن سبيل الله من حيث درى المبررون أو لم يدروا. فمن أصول الخوارج التي بينتها الشريعة، وتكلم فيها العلماء التكفير بالذنب، والتخليد في النار لمرتكبه، قال شيخ المحققون، « :الإسلام ابن تيمية ، فمن أتى لذنب ليس بكفر وعدَّه مكفرًا (((الصَّغِيرِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ فهو خارجي من هذا الوجه. قال شيخ الإسلام ابن ومن أصولهم استباحة دماء المسلمين: «: (وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ تيمية أَهْلَ الِْسْلاَمِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الَْوْثَانِ؛ لَئِنْ أَدْرَكْتهمْ لََقْتُلُهُمْ قَتْلَ عَادٍ وَهَذَا نَعْتُ سَائِرِ الْخَارِجِينَ كَالرَّافِضَةِ وَنَحْوِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ يَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ لاِعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُمْ مُرْتَدُّونَ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَحِلُّونَ مِنْ ).151 /19 مجموع الفتاوى (1(

عدد الصفحات ٦٥

الغلو في الدين بين التفسير والتبرير 65 www.almohtasb.com .(((دِمَاءِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ لَيْسُوا مُرْتَدِّينَ؛ لأَِنَّ الْمُرْتَدَّ شَرٌّ مَنْ غَيْرِهِ ومن أصولهم المبالغة في التكفير، والخروج على أئمة الهدى يقول شيخ الإسلام: (فَهَؤُلاَءِ أَصْلُ ضَلاَلِهِمْ: وعلماء الأمة، اعْتِقَادُهُمْ فِي أَئِمَّةِ الْهُدَى وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ خَارِجُونَ عَنْ الْعَدْلِ وَأَنَّهُمْ ضَالُّونَ وَهَذَا مَأْخَذُ الْخَارِجِينَ عَنْ السُّنَّةِ مِنْ الرَّافِضَةِ وَنَحْوِهِمْ ثُمَّ يَعُدُّونَ مَا يَرَوْنَ أَنَّهُ ظُلْمٌ عِنْدَهُمْ كُفْرًا. ثُمَّ يُرَتِّبُونَ عَلَى الْكُفْرِ أَحْكَامًا ابْتَدَعُوهَا. فَهَذِهِ ثَلاَثُ مَقَامَاتٍ لِلْمَارِقِينَ مِنْ .(((الحرورية وَالرَّافِضَةِ وَنَحْوِهِمْ)  السابع: الفرق بين التمسك بالنصوص والغلو: بعض من يبرر للغلاة أفعالهم يزعم أن ما صدر منهم منشؤه التمسك بالنصوص الشرعية، ولاشك أنه مما لا يُختلف فيه أن من الواجب التمسك بالنصوص الشرعية، وقد جاءت بذلك أدلة ، ]9(،6([﴾ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﴿كثيرة، يقول الله تعالى: « :ويقول رسول ا وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا ، ولكن هل الغلاة متمسكون حقًّا (((حَبَشِيًّا عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ).497 /28 مجموع الفتاوى (1( .)497 /28 مجموع الفتاوى (2( .)17142/367 /28 مسند أحمد ط الرسالة (3(

عدد الصفحات ٦٦

الغلو في الدين بين التفسير والتبرير 66 www.almohtasb.com بالنص الشرعي؟ وقد هناك فرق كبير بين التمسك بالنص، والوقوع في الغلو، سبق معنا أن أحكام الشريعة كلَّها لا يمكن أن توصف بالغلو، بل هي العدل والقسط والحد الذي ينبغي أن يقف عنده المؤمن، وما الغلو إلا تجاوز هذه الأحكام. أما الغلاة لكن النص يحتاج لفقه وفهم، وهذه مهمة العلماء، فيزهدون في العلماء وأقوالهم وتوجيهاتهم، ويفهمون النصوص على غير ما أريد منها، بسبب جهلهم وقلة فقههم وعدم أخذهم عن العلماء، ثم يستدلون بنصوص تبرر لهم أفعالهم المنكرة، من باب كلمة حق أريد بها باطل، وهذه سنة الخوارج الأولين بحذافيرها. فهؤلاء الخوارج علَى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب زعموا التمسك بنصوص الحكم بما أنزل الله، فهل كان هذا عذرًا أم أنهم أدركوا غلوهم لهم عند صحابة رسول ا وبعدهم عن التمسك بالنصوص؟ وهل حصَّل الغلاة الأدوات التي تمكنهم من فهم النصوص كما أراد الله تعالى؟ إن واقعهم ينبئ بغير ذلك، حيث تراهم من أجهل الناس باللغة والفقه وغيرها من علوم الشريعة، ويتخذون رؤوسًا جهالاً، قد يكون بعضهم أخذ شيئًا من العلم ثم انتفخ وانتفش وظنَّ نفسَه عالم العصر، وهو

عدد الصفحات ٦٧