المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 72 لأخذنا منه باليمين، يقول: لأخذنا منه بالقوة منا والقدرة، ثم لقطعنا منه نياط القلب، وا نما يعني بذلك أنه كان يعاجله بالعقوبة، ولا يؤخره بها . وقد قيل : إن معنى قوله: لأخذنا منه باليمين، لأخذنا منه باليد اليمنى من يديه؛ قالوا: وا نما ذلك مثل، ومعناه: إنا كنا نذله ونهينه، ثم نقطع منه بعد ذلك الوتين، قالوا: وا نما ذلك كقول ذي السلطان إذا أراد الاستخفاف ببعض من بين يديه لبعض أعوانه: خذ بيده فأقمه، وافعل به كذا وكذا، قالوا: وكذلك معنى قوله: لأخذنا منه باليمين، أي لأهناه كالذي يفعل بالذي وصفنا حاله"213. "تَنْزيلٌ أي هو تنزيل مِّنْ رَب ِّ الْعالَمِّينَ أي ممن رب اهم بصنوف نعمه، ومنها ما نزله وأوحاه ليهتدوا به إلى سبل السعادة، ومناهج الفلاح"214. "وأن ما جاء به تنزيل رب العالمين، لا يليق أن يكون قول البشر بل هو كلام دال على عظمة من تكلم به، وجلالة أوصافه، وكمال تربيته لعباده، وعلوه فوق عباده"215. ويقول سبحانه وتعالى ﴿ حَدٍ عَنۡ ُ حََٰجِزِينَ َ فَمَا مِنكُم م ِنۡ أ ٤٧ وَإِن ُۥ لتََذۡكِرَة ل ِلۡنۡمُُ قِنَ ٤٨ ن مِنكُم مُّكَذ ِبِنَ َ وَإِن ا لََۡعۡلۡنَمُ أ ٤٩ وَإِن ُۥ لََۡسَۡۡةٌ عَََ ٱلۡكََٰفِرِينَ ٥٠ وَإِن ُۥ لََۡقُّ ٱلََۡ قِنِ ٥١ فَسَب ِحۡ بِٱسۡمِ رَب ِكَ ٱلۡعَظِيمِ ٥﴾216، "فما منكم أيها الناس من أحد عن محمد لو تقول علينا بعض الأقاويل ، فأخذنا منه باليمين ، ثم لقطعنا منه الوتين ، حاجزين يحجزوننا عن عقوبته، وما نفعله به. وقوله: وا نه لتذكرة للمتقين: وا ن هذا القرآن لتذكرة: يعني عظة يتذكر به، ويتعظ به، للمتقين، وهم الذين يتقون عقاب الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه. 213 الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن المرجع السابق، ص (242-243.) 214 القاسمي، محمد جمال الدين، محاسن التأويل، المرجع السابق، ج 9، ص314. 215 السعدي، عبدالرحمن بن ناصر، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، المرج ع السابق، ص884. 216 سورة الحاقة، الآيات47-52.)
عدد الصفحات ٨١المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 73 وا نا لنعلم أن منكم مكذبين: وا نا لنعلم أن منكم مكذبين أيها الناس بهذا القرآن، وا نه لحسرة على الكافرين: وا ن التكذيب به لحسرة وندامة على الكافرين بالقرآن يوم الق يامة. وا نه لحق اليقين: وا نه للحق اليقين الذين لا شك فيه أنه من عند الله ، لم يتقوله محمد صلى الله عليه وسلم، فسبح باسم ربك العظيم بذكر ربك، وتسميته، ال عظيم، الذي كل شيء في عظمته صغير"217. "وَا ِّنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِّينِّ أي: أعلى مراتب العلم، فإن أعلى مراتب العلم اليقين وهو العلم الثابت، الذي لا يتزلزل ولا يزول. واليقين مراتبه ثلاث ة، كل واحدة أعلى مما قبلها: أولها: علم اليقين، وهو العلم المستفاد من الخبر. ثم عين اليقين، وهو العلم المدرك بحاسة البصر. ثم حق اليقين، وهو العلم المدرك بحاسة الذوق والمباشرة. وهذا القرآن الكريم، بهذا الوصف، فإن ما فيه من العلوم المؤيدة بالبراهين القطعية، و ما فيه من الحقائق والمعارف الإيمانية، يحصل به لمن ذاقه حق اليقين" 218. وفي نهاية هذا الفصل نُذ ِّكر بأبرزالمواضيع التي أوردناها فيه، ففي الموضوع الأول عرفنا القرآن الكريم في اللغة وفي الاصطلاح، وفي الموضوع الثاني تطرقنا إلى تعريف سبب النزول وذكر سبب نزول هذه السورة، وبعد ذلك ذكرنا مسميات سو رة الحاقة، وفي الموضوع الرابع عرفنا الآية في اللغة وفي الاصطلاح وذكرنا فوائد معرفة الآيات وعددها، وعدد آيات سورة الحاقة، أما في الموضوع الخامس فعرفنا السورة لغة واصطلاحاً وذكرنا فوائد تجزئة القرآن إلى سور وبعدها تكلمنا عن ترتيب سورة الحاقة في المصحف، وبعدها عرفنا المناسبة ف ي اللغة وفي الاصطلاح وذكرنا فائدة المناسب ة ومناسبة السورة لما قبلها، وفي الموضوع السابع عرجنا على صلة سورة الحاقة بما بعدها، وأخيراً فصلنا في أهم الموضو عات التي اشتملت عليها سورة الحاقة. 217 الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن المرجع السابق، ج23، ص (594-595.) 218 السعدي، عبدالرحمن بن ناصر، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، المرجع السابق، ص 884.
عدد الصفحات ٨٢المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 74 نسأل الله أن نكون قد وفقنا في تغطية وشمول سورة الحاقة من ناحية التفسير، حيث تم الرجوع إلى ما يفوق ستة من كتب التفسير المشهورة، وكذلك ما ذكره عنها بعض من كتب في علوم القرآن.
عدد الصفحات ٨٣المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 75 الفصل الثالث المبادئ التربوية المستنبطة من سورة الحاقة تمهيد. أولاً: تعريف المبادئ. ثانياً: مبدأ الإيمان. ثالثاً: مبدأ المجازاة على العمل. رابعاً: الاعتبار بمن مضى. خامساً: مبدأ أن السعادة في الطاعة. سادساً: مبدأ التكافل الاجتماعي. سابعاً: مبدأ تعظيم القرآن الكريم.
عدد الصفحات ٨٤المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 76 الفصلالثالث المبادئ التربوية المستنبطة من سورة الحاقة تمهيد: أول ما يمكن أن نتطرق إليه في هذا الفصل المبادئ التربوية العامة، حيث نب دأ بتعريفها لغةً واصطلاحاً، وبعد ذلك نعرفها بما نراه مناسباً لهذه الدراسة، ومن ثم نذكر أهم المبادئ التربوية المس تنبطة من السورة بشيء من التفصيل، حيث قَسَّ منا هذا الفصل إلى ستة مواضيع، فبدأنا بأهم هذه المبادئ وجعلناه الموضوع الأول والذي هو مبدأ الإيمان، حيث أخذنا خمسة من أركان الإيمان تكلمنا عنها بشيء من التفصيل، وهي الإيمان بالله سبحانه وتعالى، والإيمان بالملائكة عليهم السلام، والإيمان بالكتب التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على رسله، وبعد ذلك أخذنا الإيمان بالرسل عليهم جميعاً الصلاة والسلام وعلى نبينا محمد أفضل الصلاة وأتم التسليم، ومن بعد ذلك أخذنا الإيمان باليوم الآخر. ومن ثم أخذنا مبدأ المجازاة على العمل، والذي أساسه أن من عمل صالحاً فله الحسنى ومن عمل غير ذلك فلا يَلومَنَّ إلا نفسه، فجعلناه الموضوع الثاني، و أما الموضوع الثالث فهو مبدأ الاعتبار بمن مضى من الأمم السابقة التي ورد ذكره ا في القرآن الكريم، بعد ذلك جعلنا مبدأ السعادة في طاعة الله الموضوع الرابع، حي ث أن من أطاع الله فهو السعيد في الدنيا والآخرة، ومن عصاه فهو شقي الدنيا والآخرة. وفي الموضوع الخامس أخذنا مبدأ التكافل الاجتماعي، والذي ظهر في صورة إطعام المساكين وحظ الآخرين على إطعامهم، وفي آخر مواضيع هذا الفصل تكلمنا عن مبدأ تعظيم القرآن الكريم، حيث أنه كلام الله سبحانه وتعالى الذي أرسل ب ه الروح الأمين جبريل عليه السلام إلى رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم .
عدد الصفحات ٨٥المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 77 أولاً: تعريف المبادئ أ. المبادئ لغةً : "البَدْءُ والبَدِّيءُ: الأَوَّلُ؛ ومنهُ قَوْلُهُمْ: افْعَلْهُ بادِّيَ بَدْءٍ، عَلَى فَعْ لٍ، وبادِّي بَدِّيءٍ عَلَى فَعِّيلٍ، أَي أَوَّلَ شيءٍ"219. وكذلك "مبدأ الشيء أوله ومادته التي يتكون منها كالنواة مبدأ النخل أو يتركب منها كالحروف مبدأ الكلام مبادئ، و مبادئ العلم أو الفن أو الخلق أو الدستور أو القانون قواعده الأساسية التي يقوم عليها ولا يخرج عنها" 220. ب. المبادئ اصطلاحاً : "ما يعتقده المرء من المبادئ التي توجه عمله كمبادئ السياسة، ومبادئ الأخلاق، ومبادئ الفن، فهي قواعد ومعايير عملية تبنى عليها قيم الاعمال"221. ج. المبادئ التربوية الإسلامية: هي "القواعد الأساسية والمنطلقات العامة التي تُكَو ِّن في جموعها التربية الإسلامية أو المنهج التربوي الإسلامي"222. ثانياً: مبدأ الإيمان. أ. معنى الإيمان: 1. الإيمان لغةً "ضد الكفر. والإيمان: بمعنى التصديق، ضده التكذيب. يقال: آمن به قوم وكذب به قوم، فأما آمنته المتعدي فهو ضد أخفته. وفي التنزيل العزيز "223: ﴿وَءَامَنَهُم م ِنۡ خَوۡفِۢ ﴾224. 2. الإيمان اصطلاحاً "قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. فهو يشمل عقائد الإيمان، وأخلاقه، وأعماله"225. 219 ابن منظور، محمد بن مكرم، لس ان العرب، ط 3، المرجع السابق، ج 1، ص27. 220 مصطفى، إبراهيم، والزيات، أحمد، وعبدالقادر، حامد، والنجار، محمد، (د.ت)، المعجم الوسيط، تحقيق، مجمع اللغة العربية، الإسكندرية، دار الدعوة، ج 1، ص42. 221 صليبا، جميل،1414هـ)، المعجم الفلسفي، بيروت، الشركة العالمية للكتاب ، ج2، ص320. 222 خياط، محمد جميل،1416هـ)، المبادئ والقيم في التربية الإسلامية، سلسلة البحوث التربوية والنفسية، جامعة أم القرى، ص21. 223 ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، المرجع السابق ، ج 13،ص21. 224 سورة قريش، آية 4. 225 السعدي، عبدالرحمن بن ناصر، (د.ت)، التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، (د.ن)، ص 42.
عدد الصفحات ٨٦المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 78 3. الإيمان في الاصطلاح الشرعي روى عمر ابن الخطاب رضي الله عنه في حديثه الطويل أن جبريل عليه السلام عندما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان حيث قال: (قَالَ فَأَخْبِرْنِى عَنِ الإِ يمَانِ. قَالَ «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُ ؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَر ِهِ »قَالَ صَدَقْتَ...) الحديث 226. ومن أركان الإيمان التي أشارت إليها دلالات السورة ما يلي: ب. الإيمان بالله: والإيمان بالله يتضمَّنُ أربعة أمور: الإيمان بوجود الله، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته سبحانه وتعالى. 1. الأمر الأول الإيمان بوجود الله تعالى. "وقد دلَّ على وجوده - تعالى -: الفطرة، والعقل، والشرع، والحس. أما دلالةالفطرة على وجوده - سبحانه-: فإنَّ كل مخلوق قد فُطِّرَ على الإيمان بخالقه من غير سبق تفكير، أو تعليم، ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة إلاَّ من طرأ على قلبه ما يصرفه عنها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا ويولدُ على الفطرة، فأبواهُ يهودا نه، أو ينصرانه، أو يمجسانه ...)227. وأما دلالةالعقل على وجود الله- تعالى - فلأن هذه المخلوقات: سابقها ولاحقها، لابد لها من خالق أوجدها، إذ لا يمكن أن توجد نفسها بنفسها؛ ولا يمكن أن توجد صدفة. لا يمكن أن توجد نفسها بنفسها؛ لأن الشيء لا يخلقُ نفسه؛ لأنه قبل وجوده معدوم فكيف يكون خالقًا؟! ولا يمكن أن توجد صدفة؛ لأن كل حادث لابد له من محدث، ولأن وجودها على هذا النظام البديع، والتناسق المتآلف، والارتباط الملتحم 226 النيسابوري، مسلم بن الحجاج، (د.ت)، صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ج1، ص36. 227 البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، المرجع السابق، ج2، ص94.
عدد الصفحات ٨٧المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 79 بين الأسباب ومسبباتها، وبين الكائنات بعضها مع بعض يمنعُ منعًا باتًّا أن يكون وجودها صدفة، إذ الموجود صدفة ليس على نظام في أصل وجوده فكيف يكون منتظمًا حال بقائه وتطوره؟! وا ذا لم يمكن أن توجد هذه المخلوقات نفسها بنفسها، ولا أن توجد صدفة؛ تعيَّن أن يكون لها موجد هو الله رب العالمين"228. "وأما دلالةالشرع على وجود الله - تعالى-: فلأن الكتب السماوية كُلَّ ها تنطقُ بذلك، وما جاءت به من الأحكام العادلة المتضمنة لمصالح الخلق؛ دليل على أنها من رب حكيم عليم بمصالح خلقه، وما جاءت به من الأخبار الكونية التي شهد الواقع بصدقها؛ دليل على أنها من رب قادر على إيجاد ما أخبر به. وأما أدلة الحسعلى وجود الله؛ فمن وجهين: الوجه الأول أننا نسمعُ ونشاهدُ من إجابة الداعين، وغوث المكروبين، ما يدلُ دلالة قاطعة على وجوده تعالى، قال الله سبحانه: ﴿وَنُوحاا إِذۡ نَادَىَٰ مِن قَبۡلُ فَٱسَُۡجَبۡنَا لََُۥ ﴾229، وقال تعالى: ﴿إِذۡ تَسَُۡغِيثُونَ رَب كُمۡ فَٱسَُۡجَ ابَ لَكُمۡ ﴾230. وما زالت إجابة الداعين أمرًا مشهودًا إلى يومنا هذا؛ لمن صدق اللجوء إلى الله تعالى، وأتى بشرائط الإجابة. الوجه الثاني أنَّ آيات الأنبياء التي تسمَّى المعجزات ويشاهدها الناس، أو يسمعون بها، برهان قاطع على وجود مرسلهم، وهو الله تعالى؛ لأنها أمو ر خارجة عن نطاق البشر، يجريها الله تعالى؛ تأييدًا لرسله، ونصرًا لهم"231. 2. الأمر الثاني الإيمان بربوبية الله بأنه واحد جل وعلا في ربوبيته لا شريك معه. 228 العثيمين، محمد بن صالح، (1412هـ)، نبذة في العقيدة الإسلامية، مكة المكرمة، دار الثقة للنشر والتوزيع، ص (34-35). 229 سورة الأنبياء، آية 76. 230 سورة الأنفال، آية 9. 231 العثيمين، محمد بن صالح، نبذة في العقيدة الإسلامية، المرجع السابق، ص (35-36).
عدد الصفحات ٨٨المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 80 3. الأمر الثالث إيمان بألوهية الله وأنه واحد في إلاهيته، يعني: في استحقاقه للعبادة لا ندَّ له. 4. الأمر الرابع إيمان بالأسماء والصفات وأنه سبحانه واحد في أسمائه وصفاته لا مثيل له"232. ويتبين هذا المبدأ–الإيمان بالله- من خلال: 1. التصريح بلفظ الجلالة -الله-سبحانه وتعالى أو لفظ الرب جل في علاه حيث ذكر بالألفاظ الصريحة في خمس آيات في السورة، منها قوله سبحانه: ﴿إِن ُۥ كََنَ لََّ يُؤۡمِنُ بِٱللّ ِ ٱلۡعَظِيمِ ٣٣﴾233 أي "إنه قد خلا قلبه من الإيمان بالله، والرحمة بالعباد، فلم يعد هذا القلب يصلح إلا لهذه النار وذلك العذاب، خلا قلبه من الإيمان بالله فهو موات، وهو خرب، وهو بور ، وهو خلو من النور، وهو مسخ من الكائنات لا يساوي الحيوان بل لا يساوي الجماد، فكل شيء مؤمن، يسبح بحمد ربه، موصول بمصدر وجوده ، أما هو فمقطوع من الله ، مقطوع من الوجو د المؤمن بالله"234. 2. الكناية عن الله سبحانه وتعالى بضمير متصل أو مستتر، حيث وردت فيما يفوق السبع عشرة آية في السورة، منها قوله عز وجل ﴿وَلَوۡ تَقَو لَ عَلۡنَيۡنَا بَ عۡضَ قَاوِيلِ ٱلَّۡ ٤٤﴾235 أي "ومفاد هذا القول من الناحية التقريرية أن محمدا - صلى الله عليه وسلم- صادق فيما أبلغهم. وأنه لو تقول بعض الأقاويل التي لم يوح بها إليه، لأخذه الله فقتله على هذا النحو الذي وصفته الآيات. ولما كان هذا لم يقع فهو لا بد صادق"236. ومما سبق يرى الباحث أن مما يؤيد مبدأ الإيمان بصفة عامة والإيمان با بصفة خاصة ما أشارت إليه الآيات الكثيرة التي ذُكر فيها الإيمان بالله سبحانه وتعالى في سورة الحاقة، سواءً كان تصريحاً أو كنايةً وأنه أهم المبادئ التربوية التي يمكن 232 آل الشيخ، صالح بن عبدالعزيز ، (1419)، شرح كتاب أصول الإيمان لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، (د.ن 233 سورة الحاقة، آية 33. 234 الشاذلي، سيد قطب إبراهيم، 1412هـ)، في ظلال القرآن، ط 17، القاهرة، دار الشروق، ج6، ص3683. 235 سورة الحاقة، آية 44. 236 الشاذلي، سيد قطب إبراهيم، في ظلال القرآن، ط 17، المرجع السابق، ج 6، ص3689.
عدد الصفحات ٨٩المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 81 استنباطها من هذه السورة العظيمة والذي هو أساس العقيدة الإسلامية، وهو الحياة الحقيقية للإنسان. ج. الإيمان بالملائكة: الملائكة: عالم غيبيٌّ، مخلوقون، عابدون لله تعالى، وليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء، خلقهم الله تعالى من نور، ومنحهم الانقياد التامَّ لأمره، والقوة على تنفيذه. قال الله تعالى: ﴿ وَمَنۡ عِندَهُۥ لََّ يَسَُۡكۡبُِۡونَ عَنۡ عِبَادَتِ ِۦ وَلََّ يَ سََُۡۡسُِۡونَ ١٩ يُسَب َُِونَ ٱلَ ۡلَ وَٱلۡ هَارَ لََّ يَفۡتَُُونَ ٢٠﴾237. وهم عدد كثير، لا يحصيهم إلا الله تعالى، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس في قصة المعراج أن النبي صلى الله عليه وسلم رُفع له البيت المعمور في السماء، يُصل ِّي فيه كلَّ يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم. والإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور: الأول الإيمان بوجودهم. الثاني الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه (كجبريل) ومن لم نعلم أسماءهم نؤمن بهم إجمالاً. الثالث الإيمان بما علمنا من صفاتهم، كصفة (جبريل) فقد أخبر الن بي صلى الله عليه وسلم أنه رآه على صفته التي خُلق عليها، وله ستمائة جناح قد سدَّ الأفق. وقد يتحول الملك بأمر الله تعالى إلى هيئة رجل، كما حصل (لجبريل) حين أرسله الله تعالى إلى مريم فتمثَّل لها بشرًا سويًّا، وحين جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في أصحابه، جاءه بصفة ر جلٍ شديدِّ بياضِّ الثياب، شديدِّ سوادِّ الشعر، لا يُرى عليه أثرُ السفر، ولا يعرفه أحد من الصحابة، فجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وسأل النبي صلى الله عليه 237 سورة الأنبياء، الآيات (19-20.)
عدد الصفحات ٩٠المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 82 وسلم عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، والساعة، وأماراتها؛ فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) . وكذلك الملائكة الذين أرسلهم الله تعالى إلى إبراهيم، ولوط كانوا على صورة رجال. الرابع مما يتضمنه الإيمان بالملائكة: الإيمان بما علمنا من أعمالهم التي يقومون بها بأمر الله تعالى؛ كتسبيحه، والتعبد له ليلاً ونهارًا بدون ملل، ولا فُتُور238. وقد تبين هذامن خلال قوله تعالى: ﴿رۡجَآئِهَاۚ وَيََۡمِلُ عَرۡشَ َ وَٱلۡمَلۡنَكُ عََََٰٓ أ رَب ِكَ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَئِذ ثَمََٰنِيَة ١٧﴾239، أي "والملائكة على أرجاء هذه السماء المنشقة وأطرافها، والعرش فوقهم يحمله ثمانية.. ثمانية أملاك أو ثمانية صفوف منهم، أو ثمانية طبقات من طبقاتهم، أو ثمانية مما يعلم الله، لا ندري نحن من هم ولا ما هم، كما لا ندري نحن ما العرش؟ ولا كيف يحمل؟ ونخلص من كل هذه الغيبيات التي لا علم لنا بها، ولم يكلفنا الله من علمها إلا ما قص علينا، نخلص من مفردات هذه الغيبيات إلى الظل الجليل الذي تخلعه على الموقف. وهو المطلوب منا أن تستشعره ضمائرنا. وهو المقصود من ذكر هذه الأحداث ليشعر القلب البشري بالجلال والرهبة والخشوع، في ذلك اليوم العظيم، وفي ذلك الموقف الجليل"240 . ومما سبق يرى الباحث أن الإيمان بالملائكةالذي أشارت إليه الآية الكريم ة في هذه السورة المباركة، والذي هو ركن من أركان الإيمان من أهم ما يؤ يد مبدأ الإيمان، حيث أنه يؤكد استنباط هذا المبدأ من هذه السورة الكر يمة. 238 العثيمين، محمد بن صالح، نبذة في العقيدة الإسلامية، المرجع السابق، ص (42-43). 239 سورة الحاقة، آية 17. 240 الشاذلي، سيد قطب إبراهيم، في ظلال القرآن، ط 17، المرجع السابق، ج 6، ص3680.
عدد الصفحات ٩١المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 83 د. الإيمان بالكتب: "الكتب: جمع (كتاب) بمعنى (مكتوب). والمراد بها هنا: الكتب التي أنزلها الله تعالى على رسله رحمة للخلق، وهداية لهم، ليصلُوا بها إلى سعادتهم في الدنيا والآخرة. والإيمان بالكتب يتضمن أربعة أمور: الأول: الإيمان بأن نزولها من عند الله حقًّا. الثاني: الإيمان بما علمنا اسمه منها باسمه: كالقرآن الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، والتوراة التي أنزلت على موسى صلى الله عليه وسلم، والإنجيل الذي أنزل على عيسى صلى الله عليه وسلم، والزَّبُور الذي أوتيه داود صلى الله عليه وسلم، وأما ما لم نعلم اسمه؛ فنؤمن به إجمالاً. الثالث: تصديق ما صحَّ من أخبارها، كأخبار القرآن، وأخبار ما لم يبدل أو يحرف من الكتب السابقة. الرابع : العمل بأحكام ما لم ينسخ منها، والرضا والتسليم به سواء أفهمنا حكمته أم لم نفهمها، وجميع الكتب السابقة منسوخة بالقرآن العظيم قال الله تعالى: ﴿نزَلَۡۡآ َ وَأ إِلََۡكَ ٱلۡكِتََٰبَ بِٱلَۡۡق ِ مُصَد ِق ا ل ِمَا بَنَۡ يَدَيۡ ِ مِنَ ٱلۡكِتََٰبِ وَمُهَيۡمِناا عَلۡنَيۡ ِٖۖ ﴾241، أي: حاكمًا عليه"242. وقد تبين ذلك من خلال قوله سبحانه وتعالى في الآيات الكريمات ﴿ إِن ُۥ لَقَوۡلُ رَسُول كَرِيم ٤٠ وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَاعِر قَلۡنِيلً م ا تُؤۡمِنُونَ ٤١ وَلََّ بِقَوۡلِ كََهِن قَلۡنِيلً م ا تَذَك رُونَ ٤٢ تَنزِيل م ِن ر ب ِ ٱلۡعََٰلۡنَمِنَ ٤٣﴾243، أيولقد كان مما تقو ل به المشركون على القرآن وعلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قولهم: إنه شاعر، وا نه كاهن، متأثرين في هذا بشبهة سطحية، منشؤها أن هذا القول فائق في طبيعته على كلام البشر، وأن 241 سورة المائدة، آية 48. 242 العثيمين، محمد بن صالح، نبذة في العقيدة الإسلامية، المرجع السابق، ص 46. 243 سورة الحاقة، الآيات (40-43.)
عدد الصفحات ٩٢المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 84 الشاعر في وهمهم له رئي من الجن يأتيه بالقول الفائق، وأن الكاهن كذلك متصل بالجن، فهم الذين يمدونه بعلم ما وراء الواقع! وهي شبهة تسقط عند أقل تدبر لطبيعة القرآن والرسالة، وطبيعة الشعر أو الكهانة "244. "فالشعر قد يكون موسيقي الإيقاع، رائع الأخيلة، جميل الصور والظلال ولكنه لا يختلط أبدا ولا يشتبه بهذا القرآن إن هنالك فارقا أساسيا فاصلا بينهما، إن هذا القرآن يقرر منهجا متكاملا للحياة يقوم على حق ثابت، ونظرة موحدة، ويصدر عن تصور للوجود الإلهي ثابت، وللكون والحياة كذلك. والشعر انفعالات متوالية وعواطف جياشة، قلما تثبت على نظرة واحدة للحياة في حالات الرضى والغضب، والانطلاق والانكماش، والحب والكره، والتأثرات المتغيرة على كل حال! هذا إلى أن التصور الثابت الذي جاء به القرآن قد أنشأه القرآن من الأساس، في كلياته و جزئياته، مع تعين مصدره ا لإلهي. فكل ما في هذا التصور يوحي بأنه ليس من عمل البشر، فليس من طبيعة البشر أن ينشئوا تصورا كونيا كاملا كهذا التصور، لم يسبق لهم هذا ولم يلحق، وهذا كل ما أبدعته قرائح البشر من تصورات للكون وللقوة المنشئة له المدبرة لنظامه، هذا هو معروضا مسجلا في الفلسفة وفي الشعر وفي غيرها من المذاهب الفكرية فإذا قرن إلى التصور القرآني وضح أن هذا التصور صادر من جهة غير تلك الجهة! وأنه متفرد بطابع معين يميزه من كل تصورات البشر، كذلك الأمر في الكهانة وما يصدر عنها، فلم يعرف التاريخ من قبل أو بعد كاهنا أنشأ منهجا متكاملا ثابتا كالمنهج الذي جاء به القرآن، وكل ما نقل عن الكهنة أسجاع لفظية أو حكمة مفردة، أو إشارة ملغزة!" 245 ه. الإيمان بالرسل: "الرسل: جمع (رسول) بمعنى: (مُرسَل) أي مبعوث بإبلاغ شيء. والمراد هنا: من أوحي إليه من البشر بشرع وأُمر بتبليغه. 244 الشاذلي، سيد قطب إبراهيم، في ظلال القرآن، ط 17، المرجع السابق، ج 6، ص3686. 245 نفس المرجع السابق. ص (3686-3687).
عدد الصفحات ٩٣المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 85 وأول الرسل نوح - عليه السلام - وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم "246. قال الله تعالى ﴿وۡحَيۡنَآ إِلَََٰ نُوح َ وۡحَيۡنَآ إِلََۡكَ كَمَآ أ َ إِن آ أ وَٱلۡ بِي ِ نَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ ﴾247. وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك في حديث الشَّفاعة أن النبي صلى الله عليه وسلم: (ذكر أن الناس يأتون إلى آدم؛ ليشفع لهم، فيعتذر إليهم ويقول: ائتوا نوحًا أول رسولٍ بعثه الله...)248 وذكر تمامَ الحديث وقال الله تعالى في محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿م ا كََنَ مَُُم دٌ حَد َ بَآ أ َ أ م ِ ن ر ِجَالِكُمۡ وَلََٰكِن ر سُولَ ٱللّ ِ وَخَاتَمَ ٱلۡ بِي ِ نَِۗ ﴾249. "ولم تخلُ أمةٌ من رسول، يبعثه الله تعالى بشريعة مستقلة إلى قومه، أو نبي يوحى إليه بشريعة من قبله؛ ليجددها، قال الله تعالى "250 :﴿ِ وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِِ كُ م ة ُ أ نِ ٱعۡ َ ر سُولَّا أ بُدُواْ ٱللّ َ وَٱجَُۡنِبُواْ ٱلط َٰغُوتَٞۖ ﴾251. وقد تبين ذلك في قوله عز وجل: ﴿ خۡذَة ر ابِيَةا َ خَذَهُمۡ أ َ فَعَصَوۡاْ رَسُولَ رَب ِهِمۡ فَأ ١٠﴾252، أي: "وهم عصوا رسلا متعددين ولكن حقيقتهم واحدة، ورسالتهم في صميمها واحدة. فهم إذن رسول واحد، يمثل حقيقة واحدة - وذلك من بدائع الإشارات القرآنية الموحية - وفي إجمال يذكر مصيرهم في تعبير يلقي الهول والحسم حسب جو السورة: فَ خَذَهُمۡ َ أ خۡذَة ر ابِيَةا َ أ .. والرابية العالية الغامرة الطامرة ، لتناسب بِٱلُ اغِيَةِ التي أخذت ثمو د والعاتية التي أخذت عادا، وتناسب جو الهول والرعب في السياق بدون تفصيل ولا تطويل!"253. 246 العثيمين، محمد بن صالح، نبذة في العقيدة الإسلامية، المرجع السابق، ص 48. 247 سورة النساء، آية 163. 248 البخاري، محمد بن إسماعيل،1422هـ)، صحيح البخاري، تحقيق محمد زهير الناصر، بيروت، دار طوق النجاة، ج8، ص116. 249 سورة الأحزاب، آية 40. 250 العثيمين، محمد بن صالح، نبذة في العقيدة الإسلامية، المرجع السابق، ص 48. 251 سورة النحل، آية 36. 252 سورة الحاقة، آية 10. 253 الشاذلي، سيد قطب إبراهيم، في ظلال القرآن، ط 17، المرجع السابق، ج 6، ص3678.
عدد الصفحات ٩٤المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 86 كما تبين ذلك فيقوله سبحانه: ﴿ قَاوِيلِ وَلَوۡ تَقَو لَ عَلۡنَيۡنَا بَعۡضَ ٱلَّۡ ٤٤ خَذۡنَا مِنۡ ُ بِٱلََۡمِنِ لََّ ٤٥ ثُم لَقََُعۡنَا مِنۡ ُ ٱلۡوَتِنَ ٤٦ حَدٍ عَنۡ ُ حََٰجِزِينَ َ فَمَا مِنكُم م ِنۡ أ ٤٧﴾254،ومفاد هذا القول من الناحية التقريرية أن محمدا - صلى الله عليه وسلم- صادق فيما أبلغهم. وأنه لو تقول بعض الأقاويل التي لم يوح بها إليه، لأخذه الله فقتله على هذا النحو الذي وصفته الآيات. ولما كان هذا لم يقع فهو لا بد صادق"255. ومما سبق يرى الباحث أن الإيمان بالرسل والذي ظهر جلياً في الآيات السابقة والذي هو أحد أركان الإيم ان مما يؤكد وجود هذا المبدأ التربوي، والذي هو مبدأ الإيمان، المتضمن في السورة ويجليه لنا، حيث أشارت الآيات ضمنياً إلى الحديث عن صالح، وهود، وموسى، ولوط، ونوح، ومحمد عليهم جميعاً أفضل الصلاة وأتم التسليم. و. الإيمان باليوم الآخر: واليوم الآخر: يوم القيامة الذي يُبْعثُ الناس فيه؛ للحساب، والجزاء. وسم ِّي بذلك؛ لأنه لا يوم بعده، حيث يستقرُ أهل الجنة في منازلهم، وأهل النار في منازلهم 256. وهذا المبدأ يتضح من خلال قوله تعالى ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِِ ٱلصُّورِ نَفۡخَة وََٰحِدَة ١٣﴾257، وهذا لا يكون إلا في اليوم الآخر، عند قيام الساعة. "والإيمان باليوم الآخر هو حجر الزاوية في العقيدة الاسلامية، ذاك لان الإنسان بطبعه لا يُلزم نفسه بالطاعة إلا أن تكون من ورائها دفع مفسدة، أو جلب مصلحة، فالإيمان بالله وبرسالاته لا يؤدي ثمرته إلا إذا كان هناك جزاء ينتظره الإنسان، ومن ثم كان الإيمان باليوم الآخر له دور كبير في إلزام الإنسان بمنهج الله، ومن هنا جاء اهتمام القرآن باليوم الآخر اهتماماً لا يقل عن الاهتمام بالركنين السابقين الإلهيات والنبوات، ولنأخذ أمثلة على هذا الاهتمام: 254 سورة الحاقة، الآيات (44-47). 255 الشاذلي، سيد قطب إبراهيم، في ظلال القرآن، ط 71، المرجع السابق، ج 6، ص3689. 256 العثيمين، محمد بن صالح، نبذة في العقيدة الإسلامية، المرجع السابق، ص 52. 257 سورة الحاقة، آية 13.
عدد الصفحات ٩٥المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 87 1. ذكر القرآن اليوم الآخر بما يصعب حصره، فلقد جاء ذكر الآخرة في القرآن بنحو (114) مرة، واليوم الآخر بنحو 26) مرة، أما أسماء اليوم الآخر فهي كثيرة جداً . 2. في الغالب يأتي ذكر الإيمان باليوم الآخر عُقيب الإيمان بالله دون فاصل ولنقرأ هذه الأمثلة"258: ﴿ وَلََٰكِن ٱلۡبِۡ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللّ ِ وَٱلََۡوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ ﴾259. ﴿ ذََٰلِكَ يُوعَظُ بِ ِۦ مَن كََنَ مِنكُمۡ يُؤۡمِنُ بِٱللّ ِ وَٱلََۡوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ ﴾260. ﴿ لََّ يَسۡتَ نفُسِهِمِۡۗ َ مۡوََٰلِهِمۡ وَأ َ ن يََُٰٰهِدُواْ بِأ َ ذِنُكَ ٱل ِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللّ ِ وَٱلََۡوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أ وَٱللّ ُ عَلۡنِيمُۢ بِٱلۡمُُ قِنَ ٤٤ إِن مَ ا يَسۡتَ ذِنُكَ ٱل ِينَ لََّ يُؤۡمِنُونَ بِٱللّ ِ وَٱلََۡوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱرۡتَابَتۡ قُلۡنُوبُهُمۡ فَهُمۡ فِِ رَيۡبِهِمۡ يَتَََد دُونَ ٤٥﴾261. 3. "الشمولية الواسعة التي حظي بها اليوم الآخر في القرآن الكريم، فلقد بحث القرآن الموت والبعث والحشر والحساب والميزا ن والصحف والصراط والجنة والنار، وكل هذا بتفصيل دقيق لا سيما إذا كان الغرض الترغيب والترهيب . هذا وسنعرض أدلة وجود اليوم الآخر ومناقشة المنكرين : يبدو أن القرآن استخدم دليل "الخلق" في إثبات اليوم الآخر، فالله خلق الكون من العدم فما المانع من أن يخلقه مرة ثانية والإعادة في عادة البشر أهون من الابتداء، وا ذا كان الأمر ممكنا، والقرآن أخبر بوقوعه، والقرآن هو المعجزة الظاهرة، فعلامَ التكذيب؟! أستطيع أن أ قول أن هذا هو الدليل الوحيد الذي استخدمه القرآن في إقناع منكري اليوم الآخر، ولنقرأ بعض الأمثلة من القرآن الكريم "262: 258 الكبيسي، محمد عياش،1416هـ)،العقيدة الاسلامية في القرآن الكريم ومناهج المتكلمين ، بغداد، مطبعة الحسام، ص275. 259 سورة البقرة، آية 177. 260 سورة البقرة، آية 232. 261 سورة التوبة، الآيات (44-45.) 262 الكبيسي، محمد عياش، العقيدة الإسلامية في القرآن الكريم ومناهج المتكلمين، المرجع السابق ، ص275.
عدد الصفحات ٩٦