المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 56 أما قوله تعالى ﴿ فَهَلۡ تَرَىَٰ لَهُم م ِنۢ بَاقِيَة ٨﴾155. "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فهل ترى يا محمد لعاد قوم هود من بقاء، وقيل: عني بذلك: فهل ترى منهم باقيا، وكان بعض أهل المعر فة بكلام العرب من البصريين يقول : معنى ذلك : فهل ترى لهم من بقية ، ويقول : مجازها مجاز الطاغية ، مصدر"156. "وقيل أي من فرقة باقية أو نفس باقية. وقيل: من بقية. وقيل: من بقاء. فاعلة بمعنى المصدر؛ نحو العاقبة والعافية. ويجوز أن يكون أسما؛ أي هل تجد لهم أحدا باقيا. وقال ابن جريج: كانوا سبع ليال وثمانية أيام أحياء في عذاب الله من الريح، فلما أمسوا في اليوم الثامن ماتوا، فاحتملتهم الريح فألقتهم في البحر "157. "وقيل أي هل تحس منهم من أحد من بقاياهم أو ممن ينتسب إليهم بل بادوا عن آخرهم ولم يجعل الله لهم خلفا "158. أما قوله تعالى ﴿وَجَآءَ فِرۡعَوۡنُ وَمَن قَبۡلۡنَ ُۥ وَٱلۡمُؤۡتَفِكََٰتُ بِٱلَۡۡاطِئَةِ ٩﴾159. "قيل: وجاء من قبل فرعون من الأمم المكذبة بآيات الله ، كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط بالخطيئة. وقيل: وجاء مع فرعون من أهل بلده مصر من القبط، والمؤتفكات بالخاطئة يقول: والقرى التي ائتفكت بأهلها فصار عاليها سافلها بالخاطئة يعني بالخطيئة . وكانت خطيئتها: إتيانها الذكران في أدبارهم . قال ابن زيد، في قوله : ﴿وَجَآءَ فِرۡعَوۡنُ وَمَن قَبۡلۡنَ ُۥ وَٱلۡمُؤۡتَفِكََٰتُ بِٱلَۡۡاطِئَةِ ٩﴾ قال: المؤتفكات: قوم لوط، ومدينتهم وزرعهم، وفي قوله: والمؤتفكة أهوى قال: أهواها 155 سورة الحاقة، آية8. 156 الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، المرجع السابق، ج 23، ص215. 157 القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، المرجع السابق، ج 18، ص261. 158 ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، المرجع السابق، ج 8، ص226. 159 سورة الحاقة، آية 9.
عدد الصفحات ٦٥المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 57 من السماء: رمى بها من السماء؛ أو حى الله إلى جبريل عليه السلام، فاقتلعها من الأرض، ربضها ومدينتها، ثم هوى بها إلى السماء؛ ثم قلبهم إلى الأرض، ثم أتبعهم الصخر حجارة ، وقرأ قول الله ﴿حِجَارَة م ِن سِج ِيل م نضُود ٨٢ مُّسَو مَةا ﴾160 قال المسومة المعدة للعذاب"161. وقيل " ﴿وَجَآءَ فِرۡعَوۡنُ وَمَن قَبۡلۡنَ ُۥ ﴾ قرأ أبو عمرو والكسائي «ومن قبله»بكسر القاف وفتح الباء؛ أي ومن معه وتبعه من جنوده. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم اعتبار ا بقراءة عبدالله وأبي «ومن معه». وقرأ أبو موسى الأشعري «ومن تلقاءه». الباقون «قبله»بفتح القاف وسكون الباء؛ أيومن تقدمه من القرون الخالية والأمم الماضية. «والمؤتفكات»أي أهل قرى لوط. وقراءة العامة بالألف. وقرأ الحسن والجحدري «والمؤتفكة»على التوحيد. قال قتادة: إنما سميت قرى قوم لوط«مؤتفكات»لأنها ائتفكت بهم، أي انقلبت، وذكر الطبري عن محمد بن كعب القرظي قال: خمس قر يات: صبعة وصعرة وعمرة ودوما وسدوم؛ وهي القرية العظمى. «بالخاطئة»أي بالفعلة الخاطئة وهي المعصية والكفر. وقال مجاهد: بالخطايا التي كانوا يفعلونها. وقال الجرجاني: أي بالخطأ العظيم؛ فالخاطئة مصدر" 162. وقيل "﴿وَجَآءَ فِرۡعَوۡنُ وَمَن قَبۡلۡنَ ُۥ ﴾ قرئ بكسر القاف أي ومن عنده ممن في زمانه من أتباعه من كفار القبط وقرأ آخرون بفتحها أي ومن قبله من الأمم المشبهين له وقوله تعالى ﴿وَٱلۡمُؤۡتَفِكََٰتُ ﴾ وهم الأمم المكذبون بالرسل (بالخاطئة) وهي التكذيب بما أنزل الله قال الربيع (بالخاطئة) أي بالمعصية وقال مجاهد بالخطايا"163 . وقيل: "وكذلك غير هاتين الأمتين الطاغيتين عاد وثمود جاء غيرهم من الطغاة العتاة كفرعون مصر الذي أرسل الله إليه عبده ورسوله موسى [ عليه الصلاة 160 سورة هود، الآيات( 82-83). 161 الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، المرجع السابق، ج23، ص216. 162 القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، المرجع السابق، ج 18، ص262. 163 ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، المرجع السابق، ج 8، ص226.
عدد الصفحات ٦٦المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 58 والسلام وأراه من الآيات البينات ما تيقنوا بها الحق ولكن جحدوا وكفروا ظلما وعلوا وجاء من قبله من المكذبين، ﴿وَٱلۡمُؤۡتَفِكََٰتُ ﴾ أي: قرى قوم لوط الجميع جاءوا ﴿بِٱلَۡۡاطِئَةِ ﴾ أي: بالفعلة الطاغية وهي الكفر والتكذيب والظلم والمعاندة وما انضم إلى ذلك من أنواع الفواحش والفسوق"164. وقيل: "نص تعالى هنا أن فرعون ومن قبله ، والمؤتفكات جاءوا بالخاطئة ، وهي: ﴿فَعَصَوۡاْ رَسُولَ رَب ِهِمۡ ﴾، وكذلك عاد وثمود كذبوا بالقارعة . فالجميع اشترك في الخاطئة، وهي عصيان الرسول ﴿فَعَصَََٰ فِرۡعَوۡنُ ٱلر سُولَ ﴾165، ولكنه قد أخذهم أخذة رابية ، ونوع في أخذهم ذلك : فأغرق فرعون وقوم نوح ، وأخذ ثمود بالصيحة ، وعادا بريح ، وقوم لوط بق لب قراهم ، كما أخذ جيش أبرهة بطير أبابيل ، فهل في ذلك مناسبة بين كل أمة وعقوبتها ، أم أنه للتنويع في العقوبة؛ لبيان قدرته تعالى وتنكيله بالعصاة لرسل الله . الواقع أن أي نوع من العقوبة فيه آية على القدرة ، وفيه تنكيل بمن وقع بهم ، ولكن تخصيص كل أمة بما وقع عليها يثير تساؤلا ، ولعل مما يشير إليه القرآن إشارة خفيفة هو الآتي: أما فرعون ، فقد كان يقول : ﴿نۡهََٰرُ تََۡرِي مِن لَيۡسَ لَِ مُلۡنۡكُ مِصَۡۡ وَهََٰذِهِ ٱلَّۡ َ أ تََۡتِِٓ ﴾166، فلما كان يتطاول بها جعل الله هلاكه فيها، أي: في جنسها . وأما قوم نوح ، فلما يئس منهم ب عد ألف سنة إلا خمسين عاما ، وأصبحوا لا يلدون إلا فاجرا كفارا، فلزم تطهير الأرض منهم، ولا يصلح لذلك إلا الطوفان ، وأما ثمو د ، فأخذوا بالصيحة الطاغية ، لأنهم نادوا صاحبهم فتعاطى فعقر ، فلما كان نداؤهم صاحبهم سببا في عقر الناقة، كان هلاكهم بالصيحة الطاغية . 164 السعدي، عبدالرحمن بن ناصر، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، المرجع السابق ص 882. 165 سورة المزمل، آية 16. 166 سورة الزخرف، آية 51.
عدد الصفحات ٦٧المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 59 وأما عاد ، فلطغيانهم بقوتهم ، كما قال تعالى ﴿لَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ َ أ٦ إِرَمَ ذَاتِ ٱلۡعِمَادِ ٧ ِلََٰدِ ٱل تِِ لَمۡ يُُۡلۡنَقۡ مِثۡلۡنُهَا فِِ ٱلۡۡ ٨﴾167، وسواء عماد بيوتهم وقصورهم، فهو كناية عن طول أجسامهم، ووفرة أموالهم، وتوافر القوة عندهم، فأخذوا بالريح ، وهو أرق وألطف ما يكون، مما لم يكونوا يتوقعون منه أية مضرة ولا شدة. وكذلك جيش أبرهة، لما جاء مدل بعدده وعدته، وجاء معه بالفيل أقوى الحيوانات، سلط الله عليه أضعف المخلوقات: الطيور ﴿بَابِيلَ َ رۡسَلَ عَلۡنَيۡهِمۡ طَيۡۡاا أ َ وَأ٣ تَرۡمِيهِم بِِِجَارَ ة م ِن سِج ِيل ٤﴾168. أما قوم لوط ، فلكونهم قلبوا الأوضاع بإتيان الذكور دون الإناث ، فكان الجزاء من جنس العمل، قلب الله عليهم قراهم. والعلم عند الله تعالى ، ولا شك أن في ذ لك كله تخويفا لقريش" 169. أما قوله تعالى ﴿ خۡذَة ر ابِيَةا َ خَذَهُمۡ أ َ فَعَصَوۡاْ رَسُولَ رَب ِهِمۡ فَأ ١٠﴾170. "يقول جل ثناؤه : فعصى هؤلاء الذين ذكرهم الله ، وهم فرعون ومن قبله والمؤتفكات رسول ربهم، فأخذهم ربهم بتكذيبهم رسله أخذة ، يعني أخذة زائدة شديدة نامية ، من قولهم : أربيت : إذا أخذ أكثر مما أعطى من الربا؛ يقال : أربيت فربا رباك ، والفضة والذهب قد ربوا" 171. وقيل "قوله تعالى: «فعصوا رسول ربهم »قال الكلبي: هو موسى. وقيل: هو لوط لأنه أقرب. وقيل: عنى موسى ولوطا عليهما السلام؛ كما قال تعالى: ﴿فَقُ ولََّٓ إِن ا 167 سورة الفجر، الآيات (6-8). 168 سورة الفيل، الآيات (3-4) 169 الشنقيطي، محمد الأمين1415هـ)، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، مكة المكرمة، دار عالم الفوائد، ج8، ص(258- 259.) 170 سورة الحاقة، آية 10. 171 الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، المرجع السابق، ج23، ص218.
عدد الصفحات ٦٨المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 60 رَسُولُ رَب ِ ٱلۡعََٰلۡنَمِنَ ١٦﴾172. وقيل«رسول »بمعنى رسالة. وقد يعبر عن الرسالة بالرسول؛ قال الشاعر: لقد كذب الواشون ما بحت عندهم بسر ولا أرسلتهم برسول. «فأخذهم أخذة رابية »أي عالية زائدة على الأخذات وعلى عذاب الأمم. ومنه الربا إذا أخذ في الذهب والفضة أكثر مما أعطى. يقال: ربا الشيء يربو أي زاد وتضاعف. وقال مجاهد: شديدة. كأنه أراد زائدة في الشدة." 173 أما في قوله تعالى ﴿إِن ا لَم ا طَغَا ٱلۡمَآءُ حََۡلۡنۡنََٰكُمۡ فِِ ٱلَۡۡارِيَةِ ١١﴾174. "يقول تعالى ذكره: إنا لما كثر الماء فتجاوز حده المعروف، كان له، وذلك زمن الطوفان ، وقيل: إنه زاد فعلا فوق كل شيء بقدر خمس عشرة ذراعا حملناكم في الجارية أي: حملناكم في السفينة التي تجري في الماء . قال ابن زيد، في قوله: حََۡلۡنۡنََٰكُمۡ فِِ ٱلَۡۡارِيَةِ ، الجارية: سفينة نوح التي حُملتم فيها؛ وقيل : حملناكم ، فخاطب الذين نزل فيهم القرآن ، وا نما حمل أجدادهم نوحا وولده ، لأن الذين خوطبوا بذلك ولد الذين حملوا في الجارية ، فكان حمل الذين حملوا فيها من الأجداد حملا لذريتهم" 175. أمافي قوله تعالى: ﴿ذُن وََٰعِيَة ُ لَِۡجۡعَلۡنَهَا لَكُمۡ تَذۡكِرَة وَتَعِيَهَآ أ ١٢﴾176. "يقول لنجعل السفينة الجارية التي حملناكم فيها لكم تذكرة ، يعني عبرة وموعظة تتع ظون بها، وتعيها أذن واعية يعني حافظة عقلت عن الله ما سمعت"177. 172 سورة الشعراء، آية 16. 173 القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، المرجع السابق، ج 18، ص262. 174 سورة الحاقة، آية 11. 175 الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، المرجع السابق، ج23، ص221. 176 سورة الحاقة، آية 12. 177 القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، المرجع السابق، ج 18، ص (263-264.)
عدد الصفحات ٦٩المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 61 "عن علي بن حوشب ، قال : سمعت مكحولا يقول :قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: وتعيها أذن واعية ثم التفت إلى علي ، فقال : "سألت الله أن يجعلها أذنك" قال علي رضي الله عنه : فما سمعت شيئا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فنسيته. وعن عبد الله بن رستم ، قال : سمعت بريدة يقول :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي: (يا علي ;إن الله أمرني أن أدنيك ولا أقصيك ، وأن أعلمك وأن تعي، وحق على الله أن تعي) قال : فنزلت " 178 ﴿ذُن وََٰعِيَة ُ وَتَعِيَهَآ أ﴾. "قال قتادة: الأذن الواعية أذن عقلت عن الله تعالى، وانتفعت بما سمعت من كتاب الله عز وجل"179. ج. ذكر السعداء وفرحهم عند أخذهم كتبهم بأيمانهم: يقول سبحانه وتعالى: ﴿وتَِِ كِتََٰبَ ُۥ بِيَمِينِ ِۦ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقۡرَءُواْ كِتََٰبِيَ ۡ ُ م ا مَنۡ أ َ فَأ١٩ ِ إِنّ ِ مُلََٰقٍ حِسَابِيَ ۡ نّ َ ظَنَنتُ أ ٢٠﴾180. "يقول تعالى ذكره فأما من أعطي كتاب أعماله بيمينه ، فيقول: (اقرءوا كتابيه). قال ابن زيد ، في قول الله: ( هَآؤُمُ ٱقۡرَءُواْ كِتََٰبِ يَ ۡ ) قال : تعالوا . وقوله: (ِ مُلََٰقٍ حِسَابِيَ ۡ نّ َ ِ ظَنَنتُ أ إِنّ ) يقول : إني علمت أني ملاق حسابيه إذا وردت يوم القيامة على ربي ، عن قتادة: (ِ مُلََٰقٍ حِسَابِيَ ۡ نّ َ ِ ظَنَنتُ أ إِنّ ) قال : ما كان من ظن الآخرة فهو علم" 181. وقيل في قوله تعالى: " فأما من أوتي كتابه بيمينه إعطاء الكتاب باليمين دليل على النجاة. وقال ابن عباس: أول من يعطى كتابه بيمينه من هذه الأمة عمر بن الخطاب، وله شعاع كشعاع الشمس. قيل له: فأين أبو بكر؟ فقال هيهات هيهات! 178 الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، المرجع السابق، ج23، ص223. 179 القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، المرجع السابق، ج 18، ص (263-264.) 180 سورة الحاقة، الآيات (19-20). 181 الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، المرجع السابق، ج23، ص232.
عدد الصفحات ٧٠المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 62 زفته الم لائكة إلى الجنة. ذكره الثعلبي. وقد ذكرناه مرفوعا من حديث زيد بن ثابت بلفظه ومعناه في كتاب التذكرة. والحمد لله. فيقول هاؤم اقرؤوا كتابيه أي يقول ذلك ثقة بالإسلام وسرورا بنجاته؛ لأن اليمين عند العرب من دلائل الفرح، والشمال من دلائل الغم. قال الشاعر: أبيني أفي يمنى يديك جعلتني فأفرح أم صيرتني في شمالك وقيل: إن هاؤم كلمة وضعت لإجابة الداعي عند النشاط والفرح. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ناداه أعرابي بصوت عال فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم هاؤم يطول صوته"182. وقوله تعالى إِّن ِّي ظَنَنتُ أي أيقنت وعلمت، عن ابن عباس وغيره. وقيل: أي إني ظننت أن يؤاخذني الله بسيئاتي عذبني فقد تفضل علي بعفوه ولم يؤاخذني بها. قال الضحاك: كل ظن في القرآن من المؤمن فهو يقين. ومن الكافر فهو شك. وقال مجاهد: ظن الآخرة يقين، وظن الدنيا شك. وقال الحسن ف ي هذ الآية: إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل وا ن المنافق أساء الظن بربه فأساء العمل. « أَن ِّي مُلََٰقٍ حِّسَابِّيَه »أي في الآخرة ولم أنكر البعث؛ يعني أنه ما نجا إلا بخوفه من يوم الحساب، لأنه تيقن أن الله يحاسبه فعمل للآخرة" 183. وقيل "يخبر تعالى عن سعادة من يؤتى كتابه يوم القيامة بيمينه وفرحه بذلك وأنه من شدة فرحه يقول لكل من لقيه " هاؤم اقرءوا كتابيه" أي خذوا اقرءوا كتابيه لأنه يعلم أن الذي فيه خير وحسنات محضة لأنه ممن بدل الله سيئاته حسنات قال عبد الرحمن بن زيد معنى (هَاؤُمُ اِّقْرَءُوا كِّتَابِّيَهْ ) أي ها اقرءوا كتابيه وؤم زائدة ك ذا قال والظاهر أنها بمعنى هاكم وقد قال ابن أبى حاتم حدثنا بشر بن مطر الواسطي حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا عاصم الأحول عن أبي عثمان قال : المؤمن يعطى كتابه بيمينه في ستر من الله فيقرأ سيئاته فكلما قرأ سيئة تغير لونه حتى يمر بحسناته فيقرؤها فيرجع إليه لونه ثم ينظر فإذا سيئاته قد بدلت حسنات قال فعند ذلك يقول هاؤم اقرءوا كتابيه . 182 القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، المرجع السابق، ج 18، ص270. 183 نفس المرجع السابق
عدد الصفحات ٧١المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 63 وقوله تعالى إني ظننت أني ملاق حسابيه أي قد كنت موقنا في الدنيا أن هذا اليوم كائن لا محالة"184 كما قال تعالى ﴿ن هُم مُّلََٰقُواْ رَب ِهِمۡ َ ٱل ِينَ يَظُنُّونَ أ ﴾185. وقيل: "إِّن ِّي ظَنَنْتُ أي: علمت أَن ِّي مُلاقٍ حِّسابِّيَهْ أي جزائي يوم القيامة. أي فأعددت له عدته من الإيمان والعمل الصالح"186. وقيل: "وهؤلاء هم أهل السعادة يعطون كتبهم التي فيها أعمالهم الصالحة بأيمانهم تمييزا لهم وتنويها بشأنهم ورفعا لمقدارهم، ويقول أحده م عند ذلك من الفرح والسرور ومحبة أن يطلع الخلق على ما من الله عليه به من الكرامة: ﴿هَآؤُمُ ٱقۡرَءُواْ كِتََٰبِيَ ۡ ﴾ أي: دونكم كتابي فاقرأوه فإنه يبشر بالجنات، وأنواع الكراما ت، و مغفرة الذنوب، وستر العيوب، والذي أوصلني إلى هذه الحال، ما من الله به علي من الإيمان بالبعث والحساب، والاستعداد له بالممكن من العمل، ولهذا قال حِّسَابِّيَهْ -هنا- [187. أما في قوله تعالى ﴿ فَهُوَ فِِ عِيشَة ر اضِيَة ٢١ فِِ جَن ةٍ عََلََِة ٢٢ قُُُوفُهَا دَانِيَة ٢٣ كُُُواْ وَٱشَۡۡبُواْ هَنِيٓ ي امِ ٱلَۡۡالََِةِ سۡلۡنَفُُۡمۡ فِِ ٱلَّۡ َ ا بِ بِمَآ أ٢٤﴾188. يقول تعالى ذكره "فالذي وصفت أمره ، وهو الذي أوتي كتابه بيمينه ، في عيشة مرضية ، أو عيشة فيها الرضا ، فوصفت العيشة بالرضا وهي مرضية ، لأن ذلك مدح للعيشة ، والعرب تفعل ذلك في المدح والذم ، فتقول : هذا ليل نائم ، وسر كاتم ، وماء دافق ، فيوجهون الفعل إليه ، وهو في الأصل مقول لما يراد من المدح أو الذم ، ومن قال ذلك لم يجز له أن يقول للضارب: مضروب، ولا للمضروب: ضارب ، لأنه لا مدح فيه ولا ذم . 184 ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، المرجع السابق، ج 8، ص (229-230.) 185 سورة البقرة، آية 46. 186 القاسمي، محمد جمال الدين، محاسن التأويل، المرجع السابق، ج 9، ص311. 187 السعدي، عبدالرحمن بن ناصر، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، المرجع السابق ص 883. 188 سورة الحاقة، الآيات (21-24).
عدد الصفحات ٧٢المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 64 وقولهفِِ جَن ةٍ عََلََِة يقول : في بستان عال رفيع ، من قوله: ( في جنة) من صلة عيشة وقوله: (قطوفها دانية) يقول : ما يقطف من الجنة من ثمارها دان قريب من قاطفه، وذكر أن الذي يريد ثمرها يتناوله كيف شاء، قائما وقاعدا، لا يمنعه منه بعد، ولا يحول بينه وبينه شوك "189. وقوله: كُُُواْ وَٱشَۡۡبُواْ هَنِيٓ ي امِ ٱلَۡۡالََِةِ سۡلۡنَفُُۡمۡ فِِ ٱلَّۡ َ ا بِ بِمَآ أ يقول لهم ربهم ج ل ثناؤه : كلوا معشر من رضيت عنه، فأدخلته جنتي من ثمارها، وطيب ما فيها من الأطعمة، واشربوا من أشربتها، هنيئا لكم لا تتأذون بما تأكلون، ولا بما تشربون، ولا تحتاجون من أكل ذلك إلى غائط ولا بول، ي امِ ٱلَۡۡالََِةِ سۡلۡنَفُُۡمۡ فِِ ٱلَّۡ َ بِمَآ أ يقول: كلوا واشربوا هن يئا : جزاء من الله لكم ، وثوابا بما أسلفتم، أو على ما أسلفتم، أي على ما قدمتم في دنياكم لآخرتكم من العمل بطاعة الله ، فِِ ﴿ي امِ ٱلَۡۡالََِةِ ٱلَّۡ ﴾ يقول: في أيام الدنيا التي خلت فمضت"190. وقيل "﴿فَهُوَ فِِ عِيشَة ر اضِيَة ﴾ أي في عيش يرضاه لا مكروه فيه. وقال أبو عبيدة والفراء: راضية أي مرضية؛ كقولك: ماء دافق؛ أي مدفوق. وقيل: ذات رضا؛ أي يرضى بها صاحبها. مثل لا بن وتامر؛ أي صاحب اللبن والتمر، في جنة عالية أي عظيمة في النفوس. قطوفها دانية أي قريبة التناول، يتناولها القائم والقاعد والمضطجع على ما يأتي بيانه في سورة الإنسان. والقطوف جمع قطف (بكسر القاف) وهو ما يقطف من الثمار. والقطف (بالفتح) المصدر. والقطاف (بالفتح والكسر) وقت القطف. كلوا واشربوا أي يقال لهم ذلك. هنيئا لا تكدير فيه ولا تنغيص. بما أسلفتم قدمتم من الأعمال الصالحة. في الأيام الخالية أي في الدنيا. وقال: كلوا بعد قوله: فهو في عيشة راضية لقوله: فأما من أوتي ومن يتضمن معنى الجمع "191. 189 الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، المرجع السابق، ج23، ص234. 190 نفس المرجع السابق 191 القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، المرجع السابق، ج 18، ص271.
عدد الصفحات ٧٣المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 65 "وذكر الضحاك أن هذه الآية نزلت في أبي سلمة عبدالله بن عبد الأسد المخزومي؛ وقاله مقاتل. والآية التي تليها في أخيه الأسود بن عبد الأسد؛ في قول ابن عباس والضحاك أيضا؛ قال الثعلبي. ويكون هذا الرجل وأخوه سبب نزول هذه الآيات. ويعم المعنى جميع أهل الشقاوة وأهل السعادة؛ يدل عليه قوله تعالى: كلوا وأشربوا. وقد قيل: إن المراد بذلك كل من كان متبوعا في الخير والشر. فإذا كان الرجل رأسا في الخير، يدعو إليه ويأمر به ويكثر تبعه عليه، دعي باسمه واسم أبيه فيتقدم حتى إذا دنا أخرج له كتاب أبيض بخط أبيض، في باطنه السيئات وفي ظاهره الحسنات فيبدأ بالسيئات فيقرأها فيشفق ويصفر وجهه ويتغير لونه فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه هذه سيئاتك وقد غفرت لك فيفرح عند ذلك فرحا شديدا، ثم يق لب كتابه فيقرأ حسناته فلا يزداد إلا فرحا؛ حتى إذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه هذه حسناتك قد ضوعفت لك فيبيض وجهه ويؤتى بتاج فيوضع على رأسه، ويكسى حلتين، ويحلى كل مفصل منه ويطول ستين ذراعا وهي قامة آدم عليه السلام؛ ويقال له: انطلق إلى أصحابك فأخبرهم وبشرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا. فإذا أدبر قال: هاؤم اقرؤوا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه. قال الله تعالى: فهو في عيشة راضية أي مرضية قد رضيها في جنة عالية في السماء قطوفها ثمارها وعناقيدها. دانية أدنيت منهم. فيقول لأصحابه: هل تعرفوني؟ فيقولون: قد غمرتك كرامة، من أنت؟ فيقول: أنا فلان بن فلان أبشر كل رجل منكم بمثل هذا. كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية أي قدمتم في أيام الدنيا"192. وقيل: ﴿فِِ جَن ةٍ عََلََِة ﴾: "أي رفيعة قصورها حسان حورها نعيمة دورها دائم حبورها ، قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو عتبة الحسن بن علي بن مسلم السكوني حدثنا إسماعيل بن عياش عن سعيد بن يوسف عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلام الأسود قال سمعت أبا أمامة قال سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يتزاور أهل الجنة قال: نعم إنه ليهبط أهل الدر جة العليا إلى أهل الدرجة السفلى فيحيونهم 192 القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، المرجع السابق، ج 18، ص271.
عدد الصفحات ٧٤المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 66 ويسلمون عليهم ولا يستطيع أهل الدرجة السفلى يصعدون إلى الأعلين تقصر بهم أعمالهم. وقد ثبت في الصحيح إن الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض "193. وقيل: في﴿قُُُوفُهَا دَانِيَة ﴾ "قال البراء بن عازب أي قريبة يتناولها أحدهم وهو نائم على سريره وكذا قال غير واحد قال الطبراني عن الدبري عن سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن عطاء بن يسار عن سلمان الفارسي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يدخل أحد الجنة إلا بجواز : بسم الله الرحمن ال رحيم هذا كتاب من الله لفلان بن فلان أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية. وكذا رواه الضياء في صفة الجنة من طريق سعدان بن سعيد بن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يعطى المؤمن جوازا على الصراط : بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لفلان أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية. وقيل في: كُُُواْ وَٱشَۡۡبُواْ هَنِيٓ ي امِ ٱلَۡۡالََِةِ سۡلۡنَفُُۡمۡ فِِ ٱلَّۡ َ ا بِ بِمَآ أأي يقال لهم ذ لك تفضلا عليهم وامتنانا وا نعاما وا حسانا وا لا فقد ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: اعملوا وسددوا وقاربوا واعلموا أن أحدا منكم لن يدخله عمله الجنة. قالوا ولا أنت يا رسول الله قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل "194. د. ذكر الأشقياء وذلهم وقهرهم عندما يأخذون كتبهم بشمائلهم: أما في قوله تعالى: ﴿وتَ كِتََٰبِيَ ۡ ُ وتَِِ كِتََٰبَ ُۥ بِشِمَالَِِۦ فَيَقُولُ يََٰلۡنَيۡتَنِِ لَمۡ أ ُ م ا مَنۡ أ َ وَأ ٢٥وَلَمۡ دۡرِ مَا حِسَابِيَ ۡ َ أ ٢٦ يََٰلۡنَيَُۡهَا كََنَتِ ٱلۡقَاضِيَةَ ٢٧﴾195. "يقول تعالى ذكره: وأما من أعطي يومئذ كتاب أعماله بشماله، فيقول: يا ليتني لم أعط كتابيه، وَ لَمۡ دۡرِ مَا حِسَابِيَ ۡ َ أ يقول: ولم أدر أي شيء حسابيه . 193 ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، المرجع السابق، ج 8، ص (230-231.) 194 ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، المرجع السابق، ج 8، ص (230-312.) 195 سورة الحاقة، الآيات (25-27).
عدد الصفحات ٧٥المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 67 وقوله: يََٰلۡنَيَُۡهَا كََنَتِ ٱلۡقَاضِيَةَ يقول : يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفر اغ من كل ما بعدها ، ولم يكن بعدها حياة ولا بعث؛ والقضاء هو الفراغ . وقيل : إنه تمنى الموت الذي يقضي عليه ، فتخرج منه نفسه "196. وقيل وا ذا كان الرجل رأسا في الشر، يدعو إليه ويأمر به فيكثر تبعه عليه، نودي باسمه واسم أبيه فيتقدم إلى حسابه، فيخرج له كتاب أسود بخط أسود في باطنه الحسنات وفي ظاهره السيئات، فيبدأ بالحسنات فيقرأها ويظن أنه سينجو، فإذا بلغ آخر الك تاب وجد فيه هذه حسناتك وقد ردت عليك، فيسود وجهه ويعلوه الحزن ويقنط من الخير، ثم يقلب كتابه فيقرأ سيئاته فلا يزداد إلا حزنا، ولا يزداد وجهه إلا سوادا، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه هذه سيئاتك وقد ضوعفت عليك أي يضاعف عليه العذاب. ليس المعنى أنه يزاد عليه ما لم يعمل - قال - فيعظم للنار وتزرق عيناه ويسود وجهه، ويكسى سرابيل القطران ويقال له: انطلق إلى أصحابك وأخبرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا؛ ينطلق وهو يقول: يا ليتني لم أوت كتابيه. ولم أدر ما حسابيه. يا ليتها كانت القاضية يتمنى الموت"197. أما في قوله تعالى ﴿مَآ غۡنََِٰ عَنِ ِ مَالََِ ۡۡۜ َ أ٢٨ هَلۡنَكَ عَنِ ِ سُلۡنۡطََٰنِيَ ۡ ٢٩ خُذُوهُ فَغُلۡنُّوهُ ٣٠ ثُم ٱلََِۡۡيمَ صَلۡنُّوهُ ٣١ ثُم فِِ سِلۡنۡسِلۡنَة ذَرۡعُهَا سَبۡعُونَ ذِرَاعَ فَٱسۡلۡنُكُوهُ ٣٢ إِن ُۥ كََنَ لََّ يُؤۡمِنُ بِٱللّ ِ ٱلۡعَظِيمِ ٣٣﴾198. "يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل الذي أوتي كتابه بشماله غۡنََِٰ عَنِ ِ مَالََِ ۡۡۜ َ مَآ أ يعني أنه لم يدفع عنه ماله الذي كان يملكه في الدنيا من عذاب الله شيئا، هَلۡنَكَ عَ نِ ِ سُلۡنۡطََٰنِيَ ۡ يقول: ذهبت عني حججي ، وضلت ، فلا حجة لي أحتج بها . 196 الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، المرجع السابق، ج23، ص235. 197 القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، المرجع السابق، ج 18، ص271. 198 سورة الحاقة، الآيات (28-33).
عدد الصفحات ٧٦المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 68 وقال آخرون: عني بالسلطان في هذا الموضعالملك .وقوله ﴿خُذُوهُ فَغُلۡنُّوهُ ﴾ يقول تعالى ذكره لملائكته من خزان جهنم: ﴿خُذُوهُ فَغُلۡنُّوهُ ثُم ٱلََِۡۡيمَ صَلۡنُّ وهُ ﴾ يقول: ثم في نار جهنم أوردوه ليصلى فيها، ﴿فِِ سِلۡنۡسِلۡنَة ذَرۡعُهَا سَبۡعُونَ ذِرَاعَ فَٱسۡلۡنُكُوهُ ﴾ يقول : ثم اسلكوه في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا بذراع، الله أعلم بقدر طولها، وقيل: إنها تدخل في دبره، ثم تخرج من منخريه ، وقال بعضهم : تدخل في فيه ، وتخرج من دبر ه. وقوله: ﴿إِن ُۥ كََنَ لََّ يُؤۡمِنُ بِٱللّ ِ ٱلۡعَظِيمِ ﴾ يقول: افعلوا ذلك به جزاء له على كفره بالله في الدنيا ، إنه كان لا يصدق بوحدانية الله العظيم" 199. "يَقُول اللََّّ عَزَّ وَجَلَّ: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ ٱل جَحِّيمَ صَلُّوهُ : أي يأمر الزبانية أن تأخذه عنفا من المحشر فتغله أي تضع الأغلال في عنقه ثم تورده إلى جهنم فتصليه إياها أي تغمره فيها . فعن المنهال بن عمرو قال إذا قال الله تعالى خذوه ابتدره سبعون ألف ملك إن الملك منهم ليقول هكذا فيلقي سبعين ألفا في النار وروى ابن أبي الدنيا في الأهو ال أنه يبتدره أربعمائة ألف ولا يبقى شيء إلا دقه فيقول مالي ولك فيقول : إن الرب عليك غضبان فكل شيء غضبان عليك وقال الفضيل بن عياض : إذا قال الرب عز وجل خذوه فغلوه ابتدره سبعون ألفا أيهم يجعل الغل في عنقه . وَقَوْله تَعَالَى: ﴿إِن ُۥ كََنَ لََّ يُؤۡمِنُ بِٱ للّ ِ ٱلۡعَظِيمِ ﴾ أي لا يقوم بحق الله عليه من طاعته وعبادته"200. وقيل: "ثم التفت إلى ماله وسلطانه، فإذا هو وبال عليه لم يقدم منه لآخرته، ولم ينفعه في الافتداء من عذاب الله فيقول: غۡنََِٰ عَنِ ِ مَالََِ ۡۡۜ َ مَآ أ أي: ما نفعني لا في الدنيا، لم أقدم منه شيئا، ولا في الآخرة، قد ذهب وقت نفعه. 199 الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، المرجع السابق، ج 23، ص239. 200 ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، المرجع السابق، ج 8، ص231.
عدد الصفحات ٧٧المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 69 ﴿هَلۡنَكَ عَنِ ِ سُلۡنۡطََٰنِيَ ۡ ﴾ أي: ذهب واضمحل فلم تنفع الجنود الكثيرة، ولا العدد الخطيرة، ولا الجاه العريض، بل ذهب ذلك كله أدراج الرياح، وفاتت بسببه المتاجر والأرباح، وحضر بدله اله موم والغموم والأتراح. فحينئذ يؤمر بعذابه فيقال للزبانية الغلاظ الشداد: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ أي: اجعلوا في عنقه غلا يخنقه. ثُمَّ ٱل جَحِّيمَ صَلُّوهُ أي: قلبوه على جمرها ولهبها. ﴿ثُم فِِ سِلۡنۡسِلۡنَة ذَرۡعُهَا سَبۡعُونَ ذِرَاعَ ﴾ من سلاسل الجحيم في غاية الحرار ة ﴿فَٱسۡلۡنُكُوهُ ﴾ أي: انظموه فيها بأن تدخل في دبره وتخرج من فمه، ويعلق فيها، فلا يزال يعذب هذا العذاب الفظيع، فبئس العذاب والعقاب، وواحسرة من له التوبيخ والعتاب. فإن السبب الذي أوصله إلى هذا المحل: ﴿إِن ُۥ كََنَ لََّ يُؤۡمِنُ بِٱللّ ِ ٱلۡعَظِيمِ ﴾ بأن كان كافرا بربه معاندا لرسله رادا ما جاءوا به من الحق" 201. "قوله تعالى : ﴿غۡنََِٰ عَنِ ِ مَالََِ ۡۡۜ َ مَآ أ﴾ قيل في ( ما ) : إنها استفهامية ؛ بمعنى أي شيء أغنى عني ماليه ، والجواب : لا شيء ، وقيل : نافية ، أي : لم يغن عني ماليه شيئا في هذا اليوم ، ويشهد لهذا المعنى الثاني قوله تعالى ﴿يَوۡمَ لََّ يَ نفَعُ مَال وَلََّ بَنُونَ ٨٨﴾202. وقوله: ﴿غۡنََِٰ عَنۡ ُ مَالَُُۥ وَمَا كَسَبَ َ مَآ أ٢﴾203. "قوله تعالى : هلك عني سلطانيه أي : لا سلطان ولا جاه ولا سلطة لأحد في ذلك اليوم، كما في قوله تعالى :﴿وَعُرِضُواْ عََََٰ رَب ِكَ صَف ا ل قَدۡ جِئُُۡمُونَا كَمَا خَلۡنَقۡنََٰكُمۡ 201 السعدي، عبدالرحمن بن ناصر، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، المرجع السابق ص 883. 202 سورة الشعراء، آية 88. 203 سورة المسد، آية 2.
عدد الصفحات ٧٨المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 70 و لَ مَر ةِۢۚۚ َ أ﴾ : حفاة عراة "204. وقوله ﴿وَلَقَدۡ جِئُُۡمُونَا و لَ مَر ة َ فُرََٰدَىَٰ كَمَا خَلۡنَقۡنََٰكُمۡ أ وَتَرَكُُۡم م ا خَو لۡنََٰكُمۡ وَرَ آءَ ظُهُورِكُمۡٞۖ ﴾205. أما في قوله تعالى ﴿وَلََّ يََُضُّ عََََٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِنِ ٣٤ فَلۡنَيۡسَ لََُ ٱلََۡوۡمَ هََٰهُنَا حَِۡيم ٣٥وَلََّ طَعَامٌ إِلَّ مِنۡ غِسۡلۡنِن ٣٦ كُلۡنُ ُۥٓ إِلَّ ٱلۡخََٰ ۡ لَّ يَأ طِ ونَ ٣٧ ﴾206. "يقول تعالى ذكره مخبرا عن هذا الشقي الذي أوتي كتابه بشماله : إنه كان في الدنيا لا يحض الناس على إطعام أهل المسكنة والحاجة . فيقول جل ثناؤه: (فليس له اليوم) وذلك يوم القيامة ، ( ها هنا ) يعني في الدار الآخرة ، ( حميم ) ، يعني قريب يدفع عنه ، ويغيثه مما هو فيه من البلاء، كما حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وه ب، قال: قال ابن زيد ، في قوله: ﴿فَلۡنَيۡسَ لََُ ٱلََۡوۡمَ هََٰهُنَا حَِۡيم ﴾ القريب في كلام العرب ، ﴿وَلََّ طَعَامٌ إِلَّ مِنۡ غِسۡلۡنِن ﴾ يقول جل ثناؤه : ولا له طعام كما كان لا يحض في الدنيا على طعام المسكين ، إلا طعام من غسلين، وذلك ما يسيل من صديد أهل النار. وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول : كل جرح غسلته فخرج منه شيء فهو غسلين ، فعلين من الغسل من الجراح والدبر ، وزيد فيه الياء والنون بمنزلة عفرين . ﴿كُلۡنُ ُۥٓ إِلَّ ٱلۡخََٰ ۡ لَّ يَأ طِ ونَ ﴾ يقول : لا يأكل الطعام الذي من غسلين إلا الخاطئون ، وهم المذنبون الذين ذنوبهم كفر بالله"207. وقيل: "َقوله تعالى ﴿ إِن ُۥ كََنَ لََّ يُؤۡمِنُ بِٱللّ ِ ٱلۡعَظِيمِ ٣٣ وَلََّ يََُضُّ عََََٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِنِ ٣٤﴾ أي لا يقوم بحق الله عليه من طاعته وعبادته ولا ينفع خلقه ويؤدي حقهم فإن لله على العباد أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئا وللعباد بعضهم على بعض 204 الشنقيطي، محمد الأمين، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، المرجع السابق، ج 8، ص261. 205 سورة الأنعام، آية 94. 206 سورة الحاقة، الآيات (34-37). 207 الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، المرجع السابق، ج23، ص241.
عدد الصفحات ٧٩المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 71 حق الإحسان والمعاونة على البر والتقوى ولهذا أمر الله بإقام الصلاة وا يتاء الزكاة وقبض النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول : (الصلاة وما ملكت أيمانكم)"208. وقيل" ﴿وَلََّ يََُضُّ عََََٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِنِ ﴾ أي: ليس في قلبه رحمة يرحم بها الفقراء والمساكين فلا يطعمهم من ماله ولا يحض غيره على إطعامهم، لعدم الوازع في قلبه، وذلك لأن مدار السعادة ومادتها أمران: الإخلاص لله، الذي أصله الإيمان بالله، والإحسان إلى الخلق بوجوه الإحسان، الذي من أعظمها، دفع ضرورة المحتاجين بإطعامهم ما يتقوتون به، وهؤلاء لا إخلاص ولا إحسان، فلذلك استحقو ا ما استحقوا"209. ه. إثبات صدق القرآن : يقول سبحانه وتعالى: ﴿قۡسِمُ بِمَا تُبۡصُِۡونَ ُ فَلًَٓ أ ٣٨ وَمَا لََّ تُبۡصُِۡونَ ٣٩ إِن ُۥ لَقَوۡلُ رَسُول كَرِيم ٤٠ وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَاعِر قَلۡنِيلً م ا تُؤۡمِنُونَ ٤١ وَلََّ بِقَوۡلِ كََهِن قَلۡنِيلً م ا تَذَك رُونَ ٤٢﴾210، أي: فلا، ما الأمر كما تقولون معشر أهل التكذيب بكتاب الله ورسله ، أقسم بالأشياء كلها التي تبصرون منها، والتي لا تبصرون، إن هذا القرآن لقول رسول كريم ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم يتلوه عليهم، وما هذا القرآن بقول شاعر؛ لأن م حمدا لا يحسن قيل الشعر ، فتقولوا هو شعر، ولا هو بقول كاهن ، لأن محمدا ليس بكاهن ، فتقولوا : هو من سجع الكهان"211. ويقول سبحانه وتعالى﴿ تَنزِيل م ِن ر ب ِ ٱلۡعََٰلۡنَمِنَ ٤٣ قَاوِيلِ وَلَوۡ تَقَو لَ عَلۡنَيۡنَا بَعۡضَ ٱلَّۡ ٤٤ خَذۡنَا مِنۡ ُ بِٱلََۡمِنِ لََّ ٤٥ ثُم لَقََُعۡنَا مِنۡ ُ ٱلۡوَتِنَ ٤٦﴾212، أي"ولكنه تنزيل من رب العالمين نزل عليه، ولو تقول علينا محمد، بعض الأقاويل الباطلة، وتكذب علينا، 208 ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، المرجع السابق، ج 8، ص232. 209 السعدي، عبدالرحمن بن ناصر، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، المرجع السابق ص 883. 210 سورة الحاقة، الآيات (38-42). 211 الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن المرجع السابق، ص (241-242.) 212 سورة الحاقة، الآيات (43-46).
عدد الصفحات ٨٠