المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر

عبد الرحمن بن عابد الشنبري

صفحة ٤ من ١١

المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 40 أولاً: التعريف بالقرآن الكريم أ. لغةً: من الفعل " (قَرَأَ) الكتاب (قِّرَاءَةً) و (قُرْآنًا) بالضم. وَ (قَرَأَ) الشيء (قُرْآنًا) بالضم أيضا جمعه وضمه ومنه سمي القرآن لأنه يجمع السور ويضمها. 84 والقراءة ضم الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في الترتيل، والقرآن في الأصل كالقراءة: مصدر قرأ قراءة وقرآنًا. قال تعالى: ﴿إِن عَلۡنَيۡنَا جََۡعَ ُۥ وَقُرۡءَانَ ُۥ ١٧ نََٰ ُ فَٱت بِعۡ قُرۡءَانَ ُۥ ۡ فَإِذَا قَرَأ١٨﴾85. أي قراءته 86. ب. اصطلاحاً: كلام الله، المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم المتعبد بتلاوته87. وكذلك هو "كلام الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة جبري عليه السلام، المعجز في لفظه، المتعبد بتلاوته، المنقول إلينا بالتواتر، المتحدي بأقصر سورة منه، المكتوب في المصاحف من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس"88 . ثانياً: سبب نزول سورة الحاقة . أ. تعريف سبب النزول. "هو ما نزل قرآن بشأنه وقت وقوعه كحادثة أو سؤال "89. 84 الرازي، محمد بن أبي بكر،1420هـ)، مختار الصحاح، ط5، تحقيق، يوسف الشيخ محمد، بيروت، المكتبة ا لعصرية، ص 249. 85 سورة القيامة، الآيات (17-18.) 86 القطان، مناع بن خليل،1421هـ)، مباحث في علوم القرآن، ط 3، الرياض، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، ص 15. 87 نفس المرجع السابق، ص 17. 88 السنوسي، رضا محمد، 1421هـ)، محاضرات في الثقافة الإسلامية، ط 3، المدينة المنورة، مكتبة دار الزمان، ص 2. 89 القطان، مناع بن خليل،مباحث في علوم القرآن، المرجع السابق، ص 78.

عدد الصفحات ٤٩

المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 41 وكذلك "هو ما نزلت الآية أو الآيات متحدثة عنه أن مبينة لحكمه أيام وقوعه والمعنى أنه حادثة وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أو سؤال وجه إليه فنزلت الآية أو الآيات من الله تعالى ببيان ما يتصل بتلك الحادثة أو بجواب هذا السؤال"90. ب. سبب نزول سورة الحاقة. سبب نزول قوله عز وجل ﴿ذُن وََٰعِيَة ُ وَتَعِيَهَآ أ﴾91 قال أبو بكر التميمي أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر أخبرنا الوليد بن أبان أخبرنا العباس الدوري أخبرنا بشر بن آدم أخبرنا عبد الله بن الزبير قال: سمعت صالح بن هشيم يقول: سمعت بريدة يقول: قال رسول الله لعلي: إن الله أمرني أن أدنيك ولا أقصيك وأن أعلمك وتعي وحق على الله أن تعي فنزلت ﴿ذُن وََٰعِيَة ُ وَتَعِيَهَآ أ﴾.92 ثالثاً: مسميات سورة الحاقة . السورة " لها اسمان: سورة الحاقة؛ لمفتتحها "93، وسورة الس ِّلسلة؛ لقوله ﴿فِِ سِلۡنۡسِلۡنَة ذَرۡعُهَا سَبۡعُونَ ﴾94. "وسماها الجعبري في منظومته في ترتيب نزول السور«الواعية»ولعله أخذه من وقوع قوله : ﴿ذُن وََٰعِيَة ُ وَتَعِيَهَآ أ﴾."95 رابعاً: عدد آيات سورة الحاقة . أ. تعريف الآية: 90 الزرقاني، محمد عبدالعظيم، (د.ت)، مناهل العرفان في علوم القرآن، ط 3، مصر، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، ج 1، ص106. 91 سورة الحاقة، آية 12. 92 الواحدي،أبو الحسن علي بن احمد، أسباب نزول القرآن، المرجع السابق ، ص444. 93 الفيروزآبادي، محمد بن يعقوب، 1416هـ)، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، تحقيق، محمد علي النجار، القاهرة، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية- لجنة إحياء التراث الإسلامي، ص 478. 94 سورة الحاقة، آية 32. 95 بن عاشور، محمد الطاهر،1394هـ)، التحرير والتنوير ، تونس، الدار التونسية للنشر،ج29، ص110.

عدد الصفحات ٥٠

المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 42 1. الآيةلغةً: الآية في اللغة تطلق على عدة معان؛ منها:  "العلامة: ومنه قوله تعالى﴿تِيَكُمُ ٱلت ابُوتُ فِي ِ سَكِينَة ۡ ن يَأ َ إِن ءَايَةَ مُلۡنۡكِ ِۦٓ أ م ِن ر ب ِكُمۡ ﴾96.  العبرة ومنه قوله تعالى ﴿قَدۡ كََنَ لَكُمۡ ءَايَة فِِ فِئَتَنِۡ ٱلتَۡقََُاٞۖ ﴾97.  المعجزة: ومنه قوله تعالى ﴿سَلۡ بَنِِٓ إِسۡرََٰٓءِيلَ كَمۡ ءَاتَيۡنََٰهُم م ِنۡ ءَايَةِۢ بَي ِنَة ﴾98.  الدليل والبرهان: ومنه قوله تعالى ﴿وَمِنۡ ءَايََُِٰ ِۦ خَلۡنۡقُ رۡضِ ٱلس مََٰوََٰتِ وَٱلَّۡ لۡوََٰنِكُمۡۚ َ لۡسِنَُِكُمۡ وَأ َ وَٱخُِۡلََٰفُ أ ﴾99. والمناسبة بين كل هذه المعاني اللغوية للآية وبين الآية القرآنية واضحة، فهي من القرآن المعجز، وهي علامة على صدق من جاء بها، وفيها عبرة لمن أراد أن يعتبر بها، وهي من الأمور العجيبة لسمو أسلوبها ومعناها، وفيها معنى الدليل لأنها برهان على ما تضمنته من هداية وعلم "100. 2. الآيةاصطلاحاً: والآية في الاصطلاح "هي طائفة من القرآن منقطعة عما قبلها وما بعدها معروفة بالسماع، مندرجة في السورة" 101. 3. فوائد معرفة الآيات وعددها  "العلم بأن كل ثلاث آيات قصار معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم. وفي حكمها الآية الطويلة التي تعدل بطولها تلك الثلاث القصار. ووجه ذلك أن الله تعالى أعلن التحدي بالسورة الواحدة فقال سبحانه مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِّنَا فَأْتُوا بِّ سُورَةٍ م ِّنْ مِّثْلِّه أقصر سورة كما 96 سورة البقرة، آية 248. 97 سورة آل عمران، آية 13. 98 سورة البقرة، آية 211. 99 سورة الروم، آية 22. 100 الحسن، محمد علي،1421هـ)، المنار في علوم القرآن مع مدخل في أصول التفسير ومصادره، بيروت، مؤسسة الرسالة، ص165. 101 نفس المرجع السابق، ص 165.

عدد الصفحات ٥١

المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 43 تصدق بأطول سورة. وأقصر سورة في القرآن هي سورة الكوثر وهي ثلاث آيات قصار. فثبت أن كل ثلاث آيات قصار معجزة وفي قوتها الآية الواحدة الطويلة التي تكافئها.  حسن الوقف على رؤوس الآي عند من يرى أن الوقف علىالفواصل سنة.  اعتبار الآيات في الصلاة والخطبة  ومن الفوائد معرفة الوقف ولأن الإجماع انعقد على أن الصلاة لا تصح بنصف آية. وقال جمع من العلماء: تُ جز ئ بآية وآخرون بثلاث آيات وآخرون لا بد من سبع. والإعجاز لا يقع بدون آية. فللعدد فائدة عظيمة في ذلك"102. 4. ترتيب آيات القرآن: "انعقد إجماع الأمة على أن ترتيب آيات القرآن الكريم على هذا النمط الذي نراه اليوم بالمصاحف كان بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى وأنه لا مجال للرأي والاجتهاد فيه. بل كان جبريل ينزل بالآيات على الرسول صلى الله عليه وسلم ويرشده إلى موض ع كل آية من سورتها. ثم يقرؤها النبي صلى الله علي ه وسلم على أصحابه"103. ب. عدد آيات سورة الحاقة: وآيات السورة "إِّحدى وخمسون في عد البصرة والشام، واثنتان في عَد الباقين. وكلماتها مائتان وخمس وخمسون. وحروفها أَلف وأَربعمائة وثمانون "104. خامساً: ترتيب سورة الحاقة في المصحف. أ. تعريف السورة: 1. السورة لغةً: 102 الزرقاني، محمد عبدالعظيم، مناهل العرفان في علوم القرآن، المرجع السابق، ج 1، ص (344-346.) 103 نفس المرجع السابق، ج 1، ص346. 104 الفيروزآبادي، محمد بن يعقوب، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، المرجع السابق، ص478.

عدد الصفحات ٥٢

المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 44 "سميت السورة من القرآن سورة لأنها درجة إلى غيرها، ومن همزها جعلها بمعنى بقية من القرآن وقطعة، وأكثر القراء على ترك الهمزة فيها؛ وقيل: السورة من القرآن يجوز أن تكون من سؤرة المال، ترك همزه لما كثر في الكلام؛ التهذيب: وأما أبو عبيدة فإنه زعم أنه مشتق من سورة البناء، وأن السورة عرق من أعراق الحائط، ويجمع سورا" 105. 2. السورة اصطلاحاً: "طائفة مستقلة من آيات القرآن ذات مطلع ومقطع. قالوا: وهي مأخوذة من سور المدينة. وذلك إما لما فيها من وضع كلمة بجانب كلمة وآية بجانب آية كالسور تو ضع كل لبنة فيه بجانب لبنة ويقام كل صف منه على صف"106. ب. فوائد تجزئة القرآن إلى سور: 1. "التيسير على الناس وتشويقهم إلى مدارسة القرآن وتحفظه لأنه لو كان سبيكة واحدة لا حلقات بها لصعب عليهم حفظه وفهمه وأعياهم أن يخوضوا عباب هذا البحر الخضم الذي لا يشاهدون فيه عن كثب مرافئ ولا شواطئ . 2. الدلالة على موضوع الحديث ومحور الكلام فإن في كل سورة موضوعا بارزا تتحدث عنه كسورة البقرة وسورة يوسف وسورة النمل وسورة الجن. 3. الإشارة إلى أن طول السورة ليس شرطا في إعجازها بل هي معجزة وا ن بلغت الغاية في القصر كسورة الكوثر. 4. الإشارة إلى أن طول السورة ليس شرطا في إعجازها بل هي معجزة وا ن بلغت الغاية في القصر كسورة الكوثر. 5. أن الحافظ إذا حذق السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها فيعظم عنده ما حفظه ومنه حديث أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا، ومن ثم كانت القراءة في الصلاة بسورة أفضل. 105 ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، المرجع السابق، ج 4،ص386. 106 الزرقاني، محمد عبدالعظيم، مناهل العرفان في علوم القرآن، المرجع السابق، ج 1، ص350.

عدد الصفحات ٥٣

المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 45 6. أن التفصيل بحسب تلاحق الأشكال والنظائر وملائمة بعضها لبعض وبذلك تتلاحق المعاني والنظم"107. ج. ترتيب سورة الحاقة في المصحف: تقع سورة الحاقة بعد سورة القلم، وقبل سورة المعارج، وترتيبها في مصحف المدينة المنورة الصادر عن مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف التاسعة والستون، حيث تقع في الجزء التاسع والعشرون –جزء تبارك -، في النصف الأول من الحزب السابع والخمسين، بدايتها في الثلث الأخي ر من الصفحة السادسة والستين بعد الخمسمائة، ونهايتها بعد منتصف الصفحة الثامنة والستين بعد الخمسمائة. سادساً : مناسبة سورة الحاقة لما قبلها . أ. تعريف المناسبة: 1. المناسبة لغةً الْمُقَارَبَةُ وَفُلاَنٌ يُنَاسِّبُ فُلاَنًا أَيْ يَقْرُبُ مِّنْهُ وَيُشَاكِّلُهُ وَمِّنْهُ النَّسِّيبُ الَّذِّي هُوَ الْقَرِّيبُ الْمُتَّصِّلُ كَالأَْخَوَيْنِّ وَابْنِّ الْعَم ِّ وَنَحْوِّه 108. 2. المناسبة اصطلاحاً هي الرابطة بين شيئين بأي وجه من الوجوه. وفي كتاب الله تعني ارتباط السورة بما قبلها وما بعدها. وفي الآيات تعني وجه الارتباط في كل آية بما قبلها وما بعدها 109. ب. فائدة المناسبة: "جعل أجزاء الكلام بعضها آخذا بأعناق بعض فيقوى بذلك الارتباط ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم المتلائم الأجزاء، وقد قل اعتناء المفسرين بهذا النوع لدقته وممن أكثر منه الإمام فخر الدين الرازي وقال في تفسيره أكثر لطائف 107 نفس المرجع السابق، ج 1، ص351. 108 الزركشي، محمد بن عبدالله، 1376هـ)، البرهان في علوم القرآن، تحقيق، محمد أبو الفضل إبراهيم، بيروت، دار المعرفة، ج 1، ص35. 109 مسلم، مصطفى،1426هـ)، مباحث في التفسير الموضوعي، دمشق، دار القلم، ص58.

عدد الصفحات ٥٤

المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 46 القرآن مودعة في الترتيبات والروابط وقال بعض الأئمة من محاسن الكلام أن يرتبط بعضه ببعض لئلا يكون منقطعا"110. ج. مناسبة السورة لما قبلها: لما وقع في ن ذكر يوم القيامة مجملا في قوله ﴿يَوۡمَ يُكۡشَفُ عَن سَاق ﴾111 شرح ذلك في هذه السورة بناء على هذا اليوم وشأنه العظيم 112. سابعاً: صلة سورة الحاقة بما بعدها . "لما ختم أمر الطامة الكبرى في الحاقة حتى ثبت أمره، وتساوى سره وجهره، ودل عليها حتى لم يبق هناك نوع لبس في وجوب التفرقة في الحكمة بين المحسن والمسيء، وختم بأن ترك ذلك مناف للكمال فيما نتعار فه من أمور العمال بعد أن أخبر أنه يعلم أن منهم مكذبين، وكان السائل عن شيء يدل على أن السائل ما فهمه حق فهمه، ولا اتصف بحقيقة علمه، عجب في أول هذه ممن سأل عنها فقال على أنه لو لم يسأل عنها إلا واحد من العباد لكان جديراً بالتعجب منه والإنكار عليه بالإفراد في قوله "113. ثامناً: الموضو عات التي اشتملت عليها سورة الحاقة. أ. الحديث عن القيامة وأهوالها: يقول سبحانه وتعالى: ﴿ٱلَۡۡآق ةُ ١ مَا ٱلَۡۡآق ةُ ٢ دۡرَىَٰكَ مَا ٱلَۡۡآق ةُ َ وَمَآ أ٣﴾114،الحاقة الساعة التي تحق فيها الأمور، ويجب فيها الجزاء على الأعمال، ﴿مَا ٱلَۡۡآق ةُ ﴾ يقول: 110 الزركشي، محمد بن عبدالله، البرهان في علوم القرآن، المرجع السابق، ج 1، ص36. 111 سورة القلم، آية 42. 112 السيوطي، عبدالرحمن بن أبي بكر، (د.ت)، أسرار ترتيب الق رآن، تحقيق، عبدالقادر أحمد عطا، القاهرة، دار الاعتصام، ص 142. 113 البقاعي، إبراهيم بن عمر، (د.ت)، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، القاهرة، دار الكتاب الإسلامي، ج 20، ص389. 114 سورة الحاقة، الآيات (1-3).

عدد الصفحات ٥٥

المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 47 أي الساعة الحاقة، ﴿دۡرَىَٰكَ مَا ٱلَۡۡآق ةُ َ وَمَآ أ﴾، يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وأي شيء أدراك وعرفك أي شيء الحاقة 115. وقيل: سميت حاقة لأنها تكون من غير شك، وقيل: سميت بذلك لأنها أحقت لأقوام الجنة، وأحقت لأقوام النار، وقيل: سميت بذلك لأن فيها يصير كل إنسان حقيقا بجزاء عمله، وقال الأزهري: يقال حاققته فحققته أحقه؛ أي غالبته فغلبته، فالقيامة حاقة لأنها تحق كل محاق في دين الله بالباطل؛ أي كل مخاصم، وفي الصحاح: وحاقه أي خاصمه وادعى كل واحد منهما الحق؛ فإذا غلبه قيل حقه.116 وقال بعضهم: من عوائد العرب في محاوراتهم اللطيفة، إذا أرادوا تشويق المخاطب في معرفة شيء ودرايته، أتوا بإجمال وتفصيل. أي: أي شيء أعلم المخاطب ما هي؟117 وقيل: الْحَاقَّةُمن أسماء يوم القيامة، لأنها تحق وتنزل بالخلق، وتظهر فيها حقائق الأمور، ومخبآت الصدور، فعظم تعالى شأنها وفخمه، بما كرره من قوله: ﴿ٱلَۡۡ آق ةُ ١ مَا ٱلَۡۡآق ةُ ٢ دۡرَىَٰكَ مَا ٱلَۡۡآق ةُ َ وَمَآ أ٣﴾ فإن لها شأنا عظيما وهولا جسيما، ومن عظمتها أن الله أهلك الأمم المكذبة بها بالعذاب العاجل.118 ويقول سبحانه وتعالى ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِِ ٱلصُّورِ نَفۡخَة وََٰحِدَة ١٣ ِبَالُ رۡضُ وَٱلۡۡ وَحُِۡلۡنَتِ ٱلَّۡ فَدُك َُا دَك ة وََٰحِدَة ١٤ فَيَوۡمَئِذ وَقَعَتِ ٱلۡوَاقِعَةُ ١٥﴾119. 115 الطبري، محمد بن جرير1422هـ)، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج 23، تحقيق عبدالله بن عبدالمحسن التركي، القاهرة، دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، ص (205،207.) 116 القرطبي، محمد بن أحمد 1384هـ)، الجامع لأحكام القرآن، ط 2، القاهرة، دار الكتب المصرية، ج18، ص257. 117 القاسمي، محمد جمال الدين1418هـ)، محاسن التأويل، تحقيق محمد باسل عيون السود، بيروت، دار الكتب العلمية، ج9، ص309. 118 السعدي، عبدالرحمن بن ناصر 1420هـ)، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، تحقيق عبدالرحمن بن معلا اللويحق، الرياض، مؤسسة ا لرسالة، ص 882. 119 سورة الحاقة، الآيات (13-15).

عدد الصفحات ٥٦

المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 48 "فإذا نفخ في الصور إسرافيل نفخة واحدة وهي النفخة الأولى، وحملت الأر ض والجبال فدكتا دكة واحدة يقول: فزلزلتا زلزلة واحدة. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة قال: صارت غبارا، وقيل :فدكتا وقد ذكر قبل الجبال والأرض وهي جماع، ولم يقل: فدككن، لأنه جعل الجبال كالشيء الواحد. فيومئذ وقعت الواقعة يقول جل ثناؤه: فيومئذ وقعت الصيحة الساعة، وقامت القيامة"120. وقيل: "يقول تعالى مخبرا عن أهوال يوم القيامة وأول ذلك نفخة الفزع ثم يعقبها نفخة الصعق حين يصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم بعدها نفخة القيام لرب العالمين والبعث والنشور وهي هذه النفخة وقد أكدها ههنا بأنها واحدة لأن أمر الله لا يخالف ولا يمانع ولا يحتاج إلى تكرار ولا تأكيد وقال الربيع هي النفخة الأخيرة والظاهر ما قلنا ه. ولهذا قال ههنا ﴿ِبَالُ فَدُك َُا دَك ة وََٰحِدَة رۡضُ وَٱلۡۡ وَحُِۡلۡنَتِ ٱلَّۡ ﴾ أي فمدت مد الأديم العكاظي وتبدلت الأرض غير الأرض "121. وقيل﴿فَإِذَا نُفِخَ فِِ ٱلصُّورِ نَفۡخَة وََٰحِدَة ﴾ أي: لخراب العالم ، قال أبو السعود: هذا شروع في بيان نفس الحاقة، وكيفية وقوعها، إثر بيان عظم شأنها بإهلاك مكذبيها. ﴿ِبَالُ فَدُك َُا دَك ة وََٰحِدَة رۡضُ وَٱلۡۡ وَحُِۡلۡنَتِ ٱلَّۡ ﴾ أي: رفعتا وضربتا ببعضهما من شدة الزلازل، وفي توصيفها بالوحدة تعظيم لها، وا شعار بأن المؤثر لدك الأرض والجبال 120 الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، المرجع السابق، ج23، ص223. 121 ابن كثير، إسماعيل بن عمر1419هـ)، تفسير القرآن العظيم، تحقيق، محمد حسين شمس الدين، بيروت، دار الكتب العلمية، ج8، ص(227-228.)

عدد الصفحات ٥٧

المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 49 وخراب العالم هي وحدها غير محتاجة إلى أخرى ، ﴿فَيَوۡمَئِذ وَقَعَتِ ٱلۡوَاقِعَةُ ﴾ أي: نزل ت النازلة، وهي القيامة" 122. وقيل لما ذكر ما فعله تعالى بالمكذبين لرسله وكيف جازاهم وعجل لهم العقوبة في الدنيا وأن الله نجى الرسل وأتباعهم كان هذا مقدمة لذكر الجزاء الأخروي وتوفية الأعمال كاملة يوم القيامة، فذكر الأمور الهائلة التي تقع أمام القيامة وأن أول ذلك أنه ينفخ إسرافيل ﴿فِِ ٱلصُّورِ ﴾ إذا تكاملت الأجساد نابتة. ﴿نَفۡخَة وََٰحِدَة ﴾ فتخرج الأرواح فتدخل كل روح في جسدها فإذا الناس قيام لرب العالمين. ﴿ِبَالُ فَدُك َُا دَك رۡضُ وَٱلۡۡ وَحُِۡلۡنَتِ ٱلَّۡ ة وََٰحِدَة ﴾ أي: فتتت الجبال واضمحلت وخلطت بالأرض ونسفت على الأرض فكان الجميع قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، هذا ما يصنع بالأرض وما عليها. وأما ما يصنع بالسماء، فإنها تضطرب وتمور وتتشقق ويتغير لونها، وتهي بعد تلك الصلابة والقوة العظيمة، وما ذاك إلا لأمر عظيم أزعجها، وكرب جسيم هائل أوهاها وأضعفها"123. كما يقول سبحانه وتعالى ﴿وَٱنشَق تِ ٱلس مَآءُ فَهَِِ يَوۡمَئِذ وَاهِيَة ١٦ رۡجَآئِهَاۚ َ وَٱلۡمَلۡنَكُ عََََٰٓ أ وَيََۡمِلُ عَرۡشَ رَب ِكَ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَئِذ ثَمََٰنِيَة ١٧ يَوۡمَئِذ تُ عۡرَضُونَ لََّ تََۡفَََٰ مِنكُمۡ خَافِيَة ١٨﴾124. وانصدعت السماء﴿فَهَِِ يَوۡمَئِذ وَاهِيَة ﴾ يقول: منشقة متصدعة، عن الأجلح، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم، قال: "إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا بأهلها، ونزل من فيها من الملائكة، فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم 122 القاسمي، محمد جمال الدين، محاسن التأويل، المرجع السابق، ج 9، ص310. 123 السعدي، عبدالرحمن بن ناصر، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، المرجع السابق ص 883. 124 سورة الحاقة، الآيات (16-18).

عدد الصفحات ٥٨

المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 50 الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة، فصفوا صفا دون صف، ثم نزل الملك الأعلى على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض ندوا، فلا يأتون قطرا من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قول الله: ﴿خَافُ عَلۡنَيۡكُمۡ يَوۡمَ ٱلت نَادِ َ ِٓ أ وَيََٰقَوۡمِ إِنّ ٣٢ يَوۡمَ تُوَلُّونَ مُدۡبِرِينَ مَا لَكُم م ِنَ ٱ للّ ِ مِنۡ عََصِم ﴾125، وذلك قوله﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلۡمَلۡنَكُ صَف ا صَف ا ٢٢ وَجِاْيٓءَ يَوۡمَئِذِۢ بَِِهَن مَۚ ﴾126، وقوله ﴿قَُۡارِ َ ن تَنفُذُواْ مِنۡ أ َ ِنسِ إِنِ ٱسََُُۡعُُۡمۡ أ ِن ِ وَٱلۡۡ يََٰمَعۡشَََ ٱلۡۡ رۡضِ فَٱنفُذُواْۚ لََّ تَنفُذُونَ إِلَّ بِسُلۡنۡطََٰن ٱلس مََٰوََٰتِ وَٱلَّۡ ٣٣﴾127، وذلك قوله ﴿وَٱنشَق تِ ٱلس مَآءُ فَهَِِ يَوۡمَئِذ وَاهِيَة ١٦ رۡجَآئِهَاۚ َ وَٱلۡمَلۡنَكُ عََََٰٓ أ ﴾. وعن ابن عباس، قوله: ﴿وَٱنشَق تِ ٱلس مَآءُ فَهَِِ يَوۡمَئِذ وَاهِيَة ١٦﴾ يعني متمزقة ضعيفة. ﴿رۡجَآئِهَاۚ َ وَٱلۡمَلۡنَكُ عََََٰٓ أ ﴾: والملك على أطراف السماء حين تشقق وحافاتها ، وقوله: ﴿وَيََۡمِلُ عَرۡشَ رَب ِكَ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَئِذ ثَمََٰنِيَة ١٧﴾ ، اختلف أهل التأويل في الذي عني بقوله: ثمانية، فقال بعضهم: عني به ثمانية صفوف من الملائكة، لا يعلم عدتهن إلا الله. وقال آخرون: بل عني به ثمانية أملاك. وقوله: ﴿يَوۡمَئِذ تُعۡرَضُونَ لََّ تََۡفَََٰ مِنكُمۡ خَافِيَة ١٨﴾ يقول تعالى ذكره: يومئذ أيها الناس تعرضون على ربكم، وقيل: تعرضون ثلاث عرضات. وقوله: ﴿لََّ تََۡفَََٰ مِنكُمۡ خَافِيَة ﴾ يقول جل ثناؤه: لا تخفى على الله منكم خافية، لأنه عالم بجميعكم، محيط بكلكم"128. وقيل في قوله تعالى: " ﴿وَيََۡمِلُ عَرۡشَ رَب ِكَ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَئِذ ثَمََٰنِيَة ١٧﴾ قال ابن عباس: ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله، وقال ابن زيد: هم ثمانية 125 سورة غافر، الآيات (32-33) . 126 سورة الفجر، الآيات (22-23). 127 سورة الرحمن، آية 33. 128 الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، المرجع السابق، ج232، ص231.

عدد الصفحات ٥٩

المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 51 أملاك، وعن الحسن: الله أعلم كم هم، ثمانية أم ثمانية آلاف، وقال العباس بن عبدالملك: هم ثمانية أملاك على صورة الأوعال "129. أما قوله تعالى﴿يَوۡمَئِذ تُعۡرَضُونَ ﴾ "أي، على الله؛ دليله: ﴿وَعُرِضُواْ عََََٰ رَب ِكَ صَف ا﴾130 وليس ذلك عرضا يعلم به ما لم يكن عالما به، بل معناه الحساب وتقرير الأعمال عليهم للمجازاة "131. "لا تخفى منكم خافية أي هو عالم بكل شيء من أعمالكم، فخافية على هذا بمعنى خفية، كانوا يخفونها من أعمالهم، قاله ابن شجرة، وقيل: لا يخفى عليه إنسان؛ أي لا يبقى إنسان لا يحاسب، وقال عبدالله بن عمرو بن العاص: لا يخفى المؤمن من الكافر ولا البر من الفاجر، وقيل: لا تستتر منكم عورة" 132. وقيل﴿وَيََۡمِلُ عَرۡشَ رَب ِكَ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَئِذ ثَمََٰنِيَة ١٧﴾ أي يوم القيامة يحمل العرش ثمانية من الملائكة ويحتمل أن يكون المراد بهذا العرش العرش العظيم أو العرش الذي يوضع في الأرض يوم القيامة لفصل القضاء والله أعلم بالصواب "133. وقيل يَوۡمَئِذ تُعۡرَضُونَ أي: على ربكم للحساب والمجازاة لََّ تََۡفَََٰ مِنكُمۡ خَافِيَة أي سريرة كانت تخفى في الدنيا بستر الله" 134. ب. الحديث عن المكذبين من القرون الماضية وما جرى لهم من إهلاك: أما في قوله تعالى: ﴿كَذ بَتۡ ثَمُودُ وَعََدُۢ بِٱلۡقَارِعَةِ ٤﴾135 "يقول تعالى ذكره : كذبت ثمود قوم صالح ، وعاد قوم هود بالساعة ، التي تقرع قلوب العباد فيها بهجومها عليهم. والقارعة أيضا : اسم من أسماء القيامة"136. 129 نفس المرجع السابق 130 سورة الكهف، آية 48. 131 131 الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، المرجع السابق، ج232، ص231. 132 القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، المرجع السابق، ج 18، ص268. 133 ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، المرجع السابق، ج 8، ص228. 134 القاسمي، محمد جمال الدين، محاسن التأويل، المرجع السابق، ج 9، ص311. 135 سورة الحاقة، آية 4. 136 الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، المرجع السابق، ج 23، ص207.

عدد الصفحات ٦٠

المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 52 وقيل"ذكر من كذب بالقيامة. والقارعة القيامة؛ سميت بذلك لأنها تقرع الناس بأهوالها. يقال: أصابتهم قوارع الدهر؛ أي أهواله وشدائده. ونعوذ بالله من قوارع فلان ولواذعه وقوارص لسانه؛ جمع قارصة وهي الكلمة المؤذية. وقوارع القرآن: الآيات التي يقرؤها الإنسان إذا فزع من الجن أو الإ نس، نحو آية الكرسي؛ كأنها تقرع الشيطان. وقيل: القارعة مأخوذة من القرعة في رفع قوم وحط آخرين؛ قاله المبرد. وقيل: عنى بالقارعة العذاب الذي نزل بهم في الدنيا؛ وكان نبيهم يخوفهم بذلك فيكذبونه. وثمود قوم صالح؛ وكانت منازلهم بالحجر فيما بين الشام والحجاز. قال م حمد بن إسحاق: وهو وادي القرى؛ وكانوا عربا. وأما عاد فقوم هود؛ وكانت منازلهم بالأحقاف. والأحقاف: الرمل بين عمان إلى حضرموت واليمن كله؛ وكانوا عربا ذوي خلق وبسطة؛ ذكره محمد بن إسحاق "137. أما القول في تأويل قوله تعالى ﴿هۡلۡنِكُواْ بِٱلُ اغِ ُ م ا ثَمُودُ فَأ َ فَأيَةِ ٥﴾138. "يقول تعالى ذكره ﴿م ا َ فَأ ثَمُودُ ﴾ قوم صالح ، فأهلكهم الله بالطاغية، واختلف - في معنى الطاغية التي أهلك الله بها ثمود - أهل التأويل ، فقال بعضهم: هي طغيانهم وكفرهم بالله . وقال بعضهم الطاغية الذنوب. وقال آخرون : بل معنى ذلك : فأهلكوا بالصيحة التي قد جاوزت مقادير الصياح وطغت عليها"139. "وقال الكلبي: بالطاغية بالصاعقة. وقال مجاهد: بالذنوب. وقال الحسن بالطغيان؛ فهي مصدر كالكاذبة والعاقبة والعافية. أي أهلكوا بطغيانهم وكفرهم. وقيل: إن الطاغية عاقر الناقة؛ قاله ابن زيد. أي أهلكوا بما أقدم عليه طاغيتهم من عقر 137 القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، المرجع السابق، ج 18، ص268. 138 سورة الحاقة، آية5. 139 الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، المرجع السابق، ج23، ص208.

عدد الصفحات ٦١

المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 53 الناقة، وكان واحدا، وا نما هلك الجميع لأنهم رضوا بفعله ومالؤوه. وقيل له طاغية كما يقال: فلان راوية الشعر، وداهية وعلامة ونسابة "140. "وقيل الطاغية الصيحة التي أسكتتهم والزلزلة التي أسكنتهم هكذا قال قتادة الطاغية الصيحة وهو اختيار ابن جرير وقال مجاهد الطاغية الذنوب وكذا قال الربيع بن أنس وابن ز يد إنها الطغيان وقرأ ابن زيد ﴿ كَذ بَتۡ ثَمُودُ بَُِغۡوَىَٰهَآ ١١﴾141 وقال السدي فأهلكوا بالطاغية قال يعني عاقر الناقة"142. "وقيل هي الصيحة العظيمة الفظيعة، التي انصدعت منها قلوبهم وزهقت لها أرواحهم فأصبحوا موتى لا يرى إلا مساكنهم وجثثهم"143. أما قوله سبحانه ﴿هۡلۡنِكُواْ بِرِيح صََۡصٍََ عََتِيَة ُ م ا عََد فَأ َ وَأ٦﴾144. يقول تعالى ذكره : وأما عاد قوم هود فأهلكهم الله بريح صرصر ، وهي الشديدة العصوف ، مع شدة بردها ، ( عاتية( يقول : عتت على خزانها في الهبوب ، فتجاوزت في الشدة والعصوف مقدارها المعروف في الهبوب والبرد . "يقول ابن عباس في قوله: ﴿هۡلۡنِكُواْ بِرِيح صََۡصٍََ عََتِيَة ُ م ا عََد فَأ َ وَأ٦﴾ أي: بريح مهلكة باردة ، عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة ، دائمة لا تفتر. وعن قتادة أن الصرصر : الباردة ، عتت عليهم حتى نقبت عن أفئدتهم . وعن ابن عباس ، قال : "ما أرسل الله من ريح قط إلا بمكيال ، ولا أنزل قطرة قط إلا بمثقال ، إلا يوم نوح ويوم عاد ، فإن الماء يوم نوح طغى على خزانه ، فلم يكن لهم عليه سبيل ، ثم قرأ: ( إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية )، وا ن الريح عتت على خزانها فلم يكن لهم عليها سبيل ، ثم قرأ: ﴿بِرِيح صََۡصٍََ عََتِيَة ﴾، وقيل: الصرصر: 140 القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، المرجع السابق، ج 18، ص258. 141 سورة الشمس، آية 11. 142 ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، المرجع السابق، ج 8، ص225. 143السعدي، عبدالرحمن بن ناصر، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، المرجع السابق ص 882. 144 سورة الحاقة، آية 6.

عدد الصفحات ٦٢

المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 54 الشديدة ، والعاتية : القاهرة التي عتت عليهم فقهرتهم ، وقيل في قوله : بِرِيح صََۡصٍََ يعني باردة عاتية ، عتت عليهم بلا رحمة ولا بركة "145. "وقيل في قوله تعالى﴿م ا َ وَأ هۡلۡنِكُواْ بِرِيح صََۡصٍََ ُ عََد فَأ ﴾ أي باردة تحرق ببردها كإحراق النار؛ مأخوذ من الصر وهو البرد؛ قال الضحاك. وقيل: إنها الشديدة الصوت. وقال مجاهد: الشديدة السموم. «عاتية»أي عتت على خزانها فلم تطعهم، ولم يطيقوها من شدة هبوبا؛ غضبت لغضب الله. وقيل: عتت على عاد فقهرتهم. 146 وقيل :صَرْصَرٍ أي: قوية شديدة الهبوب لها صوت أبلغ من صوت الرعد القاصف"147. أما قوله تعالى ﴿ي امٍ حُسُوم اٞۖ فَتَََى ٱلۡقَوۡمَ فِيهَا صََۡعَََٰ َ سَخ رَهَا عَلۡنَيۡهِمۡ سَبۡعَ لَََال وَثَمََٰنِيَةَ أ عۡجَازُ نََۡلٍ خَاوِيَة َ ن هُمۡ أ َ كَأ٧﴾148. "يقول تعالى ذكره : سخر تلك الرياح على عاد سبع ليال وثمانية أيام حسوما؛ فقال بعضهم : عني بذلك تباعا . وقال آخرون : عني بقوله : حسوما الريح ، وأنها تحسم كل شيء ، فلا تبقي من عاد أحدا ، وجعل هذه الحسوم من صفة الريح "149. "وقيلسَخ رَهَا عَلۡنَيۡهِمۡ أي أرسلها وسلطها عليهم. والتسخير: استعمال الشيء بالاقتدار. ي امٍ حُسُوم اٞۖ َ سَبۡعَ لَََال وَثَمََٰنِيَةَ أ أي متتابعة لا تفر ولا تنقطع؛ عن ابن عبا س وابن مسعود وغيرهما. قال الفراء: الحسوم التباع، من حسم الداء إذا كوي صاحبه، لأنه يكوى بالمكواة ثم يتابع ذلك عليه. قال عبدالعزيز بن زرارة الكلابي: ففرق بين بينهم زمان تتابع فيه أعوام حسوم ، وقال المبرد: هو من قولك حسمت الشيء إذا قطعته 145 الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، المرجع السابق، ج23، ص210. 146 القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، المرجع السابق، ج 18، ص259. 147 السعدي، عبدالرحمن بن ناصر، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، المرجع السابق ص882. 148 سورة الحاقة، آية 7. 149 الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، المرجع السابق، ج23، ص213.

عدد الصفحات ٦٣

المضامين التربوية المستنبطة من سورة الحاقة وتطبيقاتها في الواقع المعاصر 55 وفصلته عن غيره. وقيل: الحسم الاستئصال. ويقال للسيف حسام؛ لأنه يحسم العدو عما يريده من بلوغ عداوته. وقال الشاعر: حسام إذا قمت معتضدا به كفى العود منه البدء ليس بمعضد"150 "والمعنى أنها حسمتهم، أي قطعتهم وأذهبتهم. فهي القاطعة بعذاب الاستئصال قال ابن زيد: حسمتهم فلم تبق منهم أحدا. وعنه أنها حسمت الليالي والأيام حتى استوعبتها. لأنها بدأت طلوع الشمس من أول يوم وانقطعت غروب الشمس من آخر يوم. وقال الليث: الحسوم الشؤم. ويقال: هذه ليالي الحسوم، أي تحسم الخير عن أهلها، وقال في الصحاح. وقال عكرمة والربيع بن أنس: مشائيم، دليله قوله تعالى: ﴿ي ام نَ ِسَات َ فِِٓ أ ﴾151. عطية العوفي: حسوما أي حسمت الخير عن أهلها. واختلف في أولها، فقيل: غداة يوم الأحد، قاله السدي. وقيل: غداة يوم الجمعة، قال الربيع بن أنس. وقيل: غداة يوم الأربعاء، قاله يحيى بن سلام ووهب بن منبه. قال وهب: وهذه الأيام هي التي تسميها العرب أيام العجوز، ذات برد وريح شديدة، وكان أولها يوم الأربعاء وأخرها يوم الأربعاء؛ ونسبت إلى العجوز لأن عجوزا من عاد دخلت سربا فتبعتها الريح فقتلتها في اليوم الثامن. وقيل: سميت أيام العجوز لأنها وقعت في عجز الشتاء"152. "قال ابن عباس " خاوية" خربة وقال غيره بالية أي جعلت الريح تضرب بأحدهم الأرض فيخر ميتا على أم رأسه فينشرخ رأسه وتبقى جثته هامدة كأنها قائمة النخلة إذا خرت بلا أغصان . وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور )153، وقال الثوري عن ليث عن مجاهد: الريح لها جناحان وذنب.154 150 القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، المرجع السابق، ج 18، ص260. 151 سورة فصلت، آية 16. 152 القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، المرجع السابق، ج 18، ص260. 153 البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، المرجع السابق، ج2، ص33. 154 ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، المرجع السابق، ج 8، ص226.

عدد الصفحات ٦٤