121 2- كره لقاء - أولاا: التعريف اللغوي : لقاء الله: تقدم ذكره (1). - ثانياا: التعريفالاصطلاحي: لقاء الله: تقدم ذكره (2). وكره لقاء الله: "هم أهل الشقاوة يكرهون لقاءه لما علموا من سوء ما ينتقلون إليه"(3)،"وكراهة النقلة عن الدنيا إلى الآخرة، مخافة العقوبة لما قدمت أيديهم "(4). - ثالثاا: التعريف النبوي كره لقاء الله: الْكَافِرَ إِذَا حضِرَ بُش ِرَ بِعَذَابِ اللَِّّ وَعُ قُوبَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْء أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ . حديث (م(5) :)أخرجه الإمام البخاري، بسنده، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، عَنِ النَّبِي ِ ، قَالَ: ((...)، و مَنْ كَرِّهَ لِّقَاءَ اللََِّّّ، كَرِّهَ اللََُّّ لِّقَاءَهُ (...)، وَا ِّنَّ الْكَافِّرَ إِّذَ ا حُضِّرَ بُش ِّرَ بِّعَذَابِّ اللََِّّّ وَعُقُوبَتِّهِّ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِّلَيْهِّ مِّمَّا أَمَامَهُ كَرِّهَ لِّقَاءَ اللََِّّّ وَكَرِّهَ اللََُّّ لِّقَاءَهُ ). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. إن الله قد عاب قومًا يكرهون لقاءه، ويتعلقون بحب الدنيا، فقال : [إِنَّ الَّذِيْنَ لاَ يَرْجُوْنَ لِقَاءَنَا وَرَضُوْا بِالحَْيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بَِِّا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ ](6) فبين حالهم أكثر تفصيلاً في قوله :[وَلَتَجِدَنََُّّمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلََ حَيَاة وَمِنَ الَّذِيْنَ أَشََْكُوْا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَة ](7)، فنجدهم فارين من الموت؛ لما كسبت أيديهم، كما قال فيهم :[وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدَاً بِماَ قَدَّمَتْ أَيْدِيُِّْمْ ](8)،وهذا المعنى الذي أراده النبي في تعريفه 2 ."إن العبد لا يكره لقاء مولاه؛ إلا لما قدم له من الإساءة إليه، وا ن كان المؤمن يكره الموت، فإن الموت غير لقاء الله، فهو يكره ما فيه من المشقة، وشدة سكراته، كراهة طبيعية )1) تقدم، ينظر حديث10.) )2) تقدم، ينظر حديث10.) )3) ينظر: شرح النووي على مسلم17/10.) )4) ينظر: غريب الحديث للقاسم بن سلام (3/2.) )5) تقدَّم. ينظر: حديث رقم10.) )6) (سورة يونس 7.) )7) (سورة البقرة 96.) )8) (سورة الجمعة 7.)
عدد الصفحات ١٣١122 جبلت عليها الطبائع البشرية لا أنه كاره لقاء ربه" (1)، قال أبو الفضل العراقي -رحمه الله-: "أن خوف العبد من ذنبه ليس كراهية للقاء الله تعالى؛ لأن الخائف من ذنبه يطلب أن يكون مصيره إلى الدار الآخرة، على وجه مرضي يقربه إلى الله تعالى، فكره حالة نفسه التي هو عليها، ولم يكره لقاء الله مطلقًا، بل أحب لقاءه على غير تلك الحالة"(2). 3. كره الكافر والفاجر للموت دائم في حال الصحة وفي حال المرض؛ إلا أنه إذا احتضر وبشر بعذاب الله وعقوبته، وما هو مستقبله بعد موته، كره الموت أشد كره، ولا يجديه كرهه له، إذ لابد من الموت وبعده عذاب النار، والعياذ بالله الواحد الأحد القهار(3). 3- الكفارات - أولاا: التعريف اللغوي : الكَفًّارات: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "كَفَرَ" الكاف والفاء والراء أصل صحيح، يدل على الستر والتغطية(4)،وسميت الكفارات بذلك؛ لأنها تُكَفِ ر الذنوب أي تسترها مثل كفارة الأيمان، وكفارة الظهار، والقتل الخطأ، قد بينها الله في كتابه وأمر بها عباده(5). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي الكفارات: هي ما وجب على الجاني جبرًا لما منه وقع، وزجرًا عن مثله(6). قالت الباحثة هي ما أوجب الشرع فعله تكفيرًا عن الخطايا التي وقع فيها المؤمن بجهالته وضعفه، أو زجرًا عن ارتكاب المعاصي لمن لم يقع فيها بعد، أو تمحيصًا وتطهيرًا من الذنب، والتعريفات السابقة متقاربة، وتجدها تتوافق مع التعريفات اللغوية؛ أن كلاهما يراد به الستر والتغطية والمحو. - ثالثاا: التعريف النبوي: الكفارات: هي المكث في المساجد بعد الصلاة، والمشي على الأقدام الى الجماعة، واسباغ الوضوء في المكاره. حديث (م (7) :)أخرجه الإمام الترمذي، بسنده، عَنِ ابْنِ عَبَّاس ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَِّّ :(أَتَانِّي اللَّيْلَةَ رَب ِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِّي أَحْسَنِّ صُورَةٍ، قَالَ : أَحْسَبُهُ قَالَ فِّي الْمَنَامِّ، )1) ينظر: التنوير شرح الجامع الصغير 10/33.) )2) ينظر: طرح التثريب في شرح التقريب 3/269.) )3) عظات وعبر من أحاديث سيد البشر (ص27.) )4) مقاييس اللغة (5/191.) )5) ينظر: تهذيب اللغة10/114.) )6) التوقيف على مهمات التعاريف (ص 282.) )7) تقدَّم. يُنظر: حديث17.)
عدد الصفحات ١٣٢123 فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ ، هَلْ تَدْرِّي فِّيمَ يَخْتَصِّمُ المَلَُ الأَعْلَى؟ قَالَ: " قُ لْتُ: لاَ، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِّفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيَّ ، أَوْ قَالَ : فِّي نَحْرِّي، فَعَلِّمْتُ مَا فِّي السَّمَاوَاتِّ وَمَا فِّي الأَرْضِّ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ ، هَلْ تَدْرِّي فِّيمَ يَخْتَصِّمُ المَلَُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فِّي الكَفَّارَاتِّ، وَالْكَفَّارَاتُ: الْمُكْثُ فِّي الْمَسَاجِّدِّ بَعْدَ الصَّلَوَاتِّ، وَالْمَشْيُ عَلَى الأَْقْدَامِّ إِّلَى الْجَمَاعَاتِّ، وَا ِّسْبَ اغُ الْوُضُوءِّ فِّي الْمَكَارِّهِّ ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِّكَ عَاشَ بِّخَيْرٍ وَمَاتَ بِّخَيْرٍ، وَكَانَ مِّنْ خَطِّيئَتِّهِّ كَيَوْمِّ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ) الحديث. - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1 .الكفارات وصف فيه عموم وخصوص، فعمومه يشمل التغطية والستر، وخصوصه ما ذكره النبي ، لذا نجد أن النبي عرفه ا بشيء منها 2. سميت الخصال المذكورة في الحديث كفارات ؛ لأنَّ ها تكفر ما قبلها من الذنوب، فهي من باب تسمية الشيء باسم لازمه (1)، وقد"خص النبي هذه الأمور بالذكر، حثًا على فعلها؛ لأنَّ ها دائمة فكانت مظنة أن تمل"(2). 3. إن جعل الدين هينًا لينًا، ليس شاق ا مُكَلِ فًا على العباد بحيث لا يتحملونه، كما قال الحق : [لا يُكَلِفُ اَللههُ نَفْساً إِلاه وُسْعَها ](3)، ومع ذلك فقد فتح باب التوبة للمجرمين، وجعل في الدين من الرخص والكفارات ما يسه ل أمر الدين(4) . 4. الغرض من الاستفها م عن تلك الكفارات، يفيد إظهار علم النبي التفصيلي الذي علمه تعالى إياه، وأن يخبر بها أمته لتفعلها(5). 4- لمة الشيطان - أولاا: التعريف اللغوي: - لَمَّة: اسم مشتق من الفعل "لَمَّ" اللام والميم أصله صحيح، يدل على اجتماع ومقاربة ومضامة(6)، ومنه اللَّ مَّة: وهو المس، وهو الشيء القليل(7)، و الهَمَّة والخَطْرة تقع في القلب، وما )1) ينظر: مرقاة المفاتيح 2/610)، مرعاة المفاتيح 2/438.) )2) ينظر: السابق2/610.) )3) (سورة البقرة :286 .) )4) ينظر: مرقاة المفاتيح 2/610.) )5) ينظر: معجم مصطلح الأصول (ص240.) )6) مقاييس اللغة5/197.) )7) مختار الصحاح (ص285.)
عدد الصفحات ١٣٣124 كان من خطرات الخير فهو من المَلَك، وما كان من خطرات الشر فهو من الشيطان(1)، وقيل الشيء المجتمع، والوفرة وقيل فوقها، والجمع لِمَم ولِمَام(2). - الشيطان إبليس عليه لعنة الله . - ثانياا: التعريف الاصطلاحي لَمَّة الشيطان: هي الهَمَّة والوسوسة تقع في القلب، بواسطة الشيطان (3)، والخاطر المستقر الذي لا يضطرب (4). - ثالثاا: التعريف النبوي لمة الشيطان: إِيعَاد بِالشَّر ِ وَتَكْذِيب بِالْحَق ِ . حديث ( 38 :)أخرجه ا لإمام الترمذي (5)، بسنده (6)،عَنْ عَبْدِ اللَِّّ بْنِ مَسْعُود ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَِّّ : (إِّنَّ لِّلشَّيْطَانِّ لَمَّةا بِّابْنِّ آدَمَ ، وَلِّلْمَلَكِّ لَمَّةا، فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِّ ؛ فَإِّيعَادٌ (7) بِّالشَّر وَتَكْذِّيبٌ بِّالْحَق ِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِّ ؛ فَإِّيعَادٌ بِّالْخَيْرِّ ، وَتَصْدِّيقٌ بِّالْحَق ِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِّكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِّنَ اللََِّّّ ، فَلْيَحْمَدِّ اللَََّّ، وَمَنْ وَجَدَ الأُْخْرَى ؛ فَلْيَتَعَوَّذْ بِّالِلَِّّ مِّنَ الشَّيْطَانِّ الرَّجِّيمِّ، ثُمَّ قَرَأَ [الشَّيْ طَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْش ](8))(9). )1) ينظر: لسان العرب 12/552.) )2) ينظر: المحكم والمحيط الأعظم10/377.) )3) ينظر: الكاشف عن حقائق السنن2/526)، وينظر: مرقاة المفاتيح 1/143.) )4) ينظر: فتح الباري (12/388.) )5) سنن الترمذي، أبواب تفسير القرآن - باب ومن سورة البقرة ( 5/219،ح2988.) )6 )سند الحديث قال الإمام الترمذي: حَدَّثَنَا هَنَّاد ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَْحْوَصِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِي ِ، عَنْ عَبْدِاللَِّّ بْنِ مَ سْعُود ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَِّّ...(الحديث )7 )الإيعاد: التوعد بالعقاب". التوقيف على مهمات التعاريف (ص 67.) (8( ( سورة البقرة 268.) )9 )دراسة الحديث - أولاا: دراسة رجال الإسناد: جميع رجال إسناده من الثقات، عدا: عطاء بن السائب أبو محمد: ويقال أبو السائب الثقفي الكوفي، مات سنة مائة وست وثلاثين. قال ابن سعد: "ثقة، وقد روى عنه المتقدمون، وقد كان تغير حفظه بآخره، واختلط في آخر عمره"، وقال الذهبي: "ثقة، ساء حفظه بآخره"، وقال أبو حاتم: "محله الصدق قديماً قبل أن يختلط، صالح مستقيم الحديث، ثم بأخرة تغير حف ظه، في حديثه تخاليط كثيرة، وقال ابن عدي: "اختلط فِي آخر عمره"، وقال ابن حجر: "صدوق اختلط"، وقال ابن حبان: "يهم في الشيء بعد الشيء"، وقال العلائي:
عدد الصفحات ١٣٤125 - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. إن الخواطر تنقسم إلى ثلاثة أقسام، وهي: "أخرج له البخاري حديثًا واحدًا مقروناً بآخر، ولم يخرج له مسلم، وأحاديث أهل البصرة عنه مما سمع بعد الاختلاط، لأنه قدم عليهم في أخرة عمره". قالت الباحثة: صدوق تغير بأخرة، ورواية أهل البصرة عنه بعد الاختلاط، ولعل الإمام الألباني قد تبين له أمر الصحة بعد التضعيف، كما أنه قد يكون أشكل على الإمام شعيب: لأن رواية أبي الأحوص عن عطاء لم تتميز، قبل أو بعد الاختلاط. ينظر: الطبقات الكبرى (6/328)، الكاشف2/22)، الجرح والتعديل 6/334)، الكامل في ضعفاء الرجال ( 7/78)، تقريب التهذيب (ص 391)، مشاهير علماء الأمصار (ص 264)، المختلطين (ص82). - ثانياا: تخريج الحديث تفرد به الإمام الترمذي من أصحاب الكتب الستة، وتابعه آخرون ، فقد أخر جه النسائي في السنن الكبرى، كتاب التفسير- قَوْلُهُ تَعَالَى268( ]10/37،ح10985). وأخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب الرقائق - باب الأدعية (3/278،ح997). كلاهما (النسائي، وابن حبان) من طريق عطاء بن السائب عن مُرَّة الهمداني، مرفوعًا. وأخرجه أبو داود في الزهد (ص164،ح164)، من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتنبة، موقوفًا. وأخرجه ابن المبارك في الزهد والرقائق، باب فضل ذكر الله (1/503،ح1435)، من طريق المسيَّب بن رافع، عن عامر بن عَبْدَة، موقوفًا. ثلاثتهم (مرة الهمداني، وعبيد الله بن عبد الله، وعامر بن عبدة)، بألفاظ متماثلة، عن عبدالله بن مسعود. - ثالثاا: الحكم على سند الحديث إسناده حسن لغيره؛ لأجل عطاء بن السائب، وقد توبع عليه موقوفًا، (يراجع التخريج )، وقال الإمام الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، وهو حديث أ بي الأحوص ، لا نعرفه مرفوعًا ؛ إلا من حديث أبي الأحوص"، وقال في موضع: "سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: روى بعضهم هذا الحديث عن عطاء بن السائب وأوقفه. وأرى أنه قد رفعه غير أبي الأحوص، عن عطاء بن السائب، وهو حديث أبي الأحوص"، وقيل: "هذا حديث ضعفه الشيخ الألباني رحمه الله ثم صححه"، وعلق الشيخ الأرناؤوط فقال: "عطاء بن السائب: اختلط، وأبو الأحوص- وهو سلامة بن سليم - سمع منه بعد الاختلاط". قالت: الباحثة: ولعل الإمام الألباني انبرى عن حكمه الأول إلى حكم آخر؛ لأجل المتابعة الموقوفة، والله أعلم. ينظر: سنن الترمذي ( 5/220)،العلل الكبير للترمذي (ص353)،تراجعات الألباني (ص 31)، صحيح ابن حبان (3/27.)
عدد الصفحات ١٣٥126 أ- ما يُعْلَم قطعًا أنه داعي الشر فلا يخفى كونه وسوسة. ب- ما يُعْلَم كونه داعي الخير فلا يشك في كونه إلهامًا. ت- ما يُتَرَدَّد فيه، فلا يدري من أي القبيلين؛ فإن من مكائد الشيطان أنه يعرض الشر في معرض الخير، والتميز بينهما غامض، لذا فَحُقَّ بالعبد أن يقف عند كل هم يصدر له، ليَعْلَم مصدره، وأن يمعن النظر فيه بنور البصيرة، لا هواء الطبع، ولا يطلع عليه إلا بنور اليقين وغزارة العلم(1)، إيذانًا بقوله :[إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِف مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا ](2). 2. إنَّ "سبب السواد غير سبب الإنارة، وكذا الأنوار في القلب وظلماته سببان فسبب الخاطر الداعي للخير يسمى ملكً ا، والداعي للشر شيطانً ا، واللطف الذي به تهيأ القلب لقبول لَمَّةُ الْمَلَكِ يسمى توفيقً ا، واللطف الذي به تهيأ القلب لقبول وسواس الشيطان إغواءً وخذلانً ا، فإن المعاني مختلفة مفتقرة إلى أسامي مختلفة، والملك عبارة عن خلق خلقه الله شأنه إفاضة الخير وا فادة العلم وكشف الحق والوعد بالمعروف، والشيطان عبارة عن خلق شأنه الوعيد بالشر والأمر بالفحشاء، فالوسوسة في مقابلة الإلهام، والشيطان في مقابلة الملك، والتوفيق في مقابلة الخذلان وا ليه يشير بآية [وَمِنْ كُلِ شَْء خَلَقْنَا زَوْجَينِْ ](3)" (4). 3 .جُعِلَ الشيطان قر ين النفس الأمارة وصاحبها الذي يليها فهو يعدها ويُمَنِ يها، ويقذف فيها الباطل ويأمرها بالسوء ويزينه لها ويطيل في الأمل، كما قال الحق :[يَعِدُهُمْ وَيُمَنِيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا ](5)،لذا فإن النفس الأمارة هي النفس المذمومة، التي تأمر بكل سوء، وهذا من طبيعتها إلا ما وفقها الله وثبتها وأعانها، فما تخلص أحد من شر نفسه إلا بتوفيق الله له(6)، لذا يجبالعمل بوصية النبي ، وامتثال أمره بالتحصن با، والالتجاء إليه، من خلال التعوذ بالله من الشيطان، لطرد الخواطر الشيطانية والوسوسة، وذلك بُغية الثبات، وحفظ النفس من الوقوع في شَرِ الشيطان وشِركِه. 4 .إن "ال قلب بأصل الفطرة صالح لقبول آثار الملائكة وآثار الشياطين صلاحً ا متساويً ا لكن يترجح أحدهما باتباع الهوى والاكباب على الشهوات والإعراض عنها ومخالفتها"(7)، وقدقال )1) ينظر: التنوير شرح الجامع الصغير 4/69.) )2) (سورة الأع راف: 201.) )3) (سورة ال ذاريات : 49 .) )4 )فيض القدير2/500.) )5) (سورة النساء 120 .) )6) ينظر: الروح (ص 226)، بتصرف )7 )فيض القدير2/500.)
عدد الصفحات ١٣٦127 الإمام ابن القيم –رحمه الله -: "أن لمة الشيطان وا لقاءه تكثر في القلب المظلم الذي قد اسود بدخان الشهوات والشبهات"(1). 5- لمة المَلَك - أولاا: التعريف اللغوي: لَمَّة: تقدم تعريفها في الحديث السابق. المَلَك: مفرد الملائكة. - ثانياا: التعريف الاصطلاحي: لَمَّة المَلِّ ك: هي الهَمَّة والإلهام يقع في قلب المؤمن، بواسطة الوحي(2)، والخاطر المسقر الذي لا يضطرب (3). - ثالثاا: التعريف النبوي لمة المَلك: إِيعَاد بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيق بِالْحَق ِ . حديث (م (4) :)أخرجه الإمام الترمذي، بسنده، عَنْ عَبْدِ اللَِّّ بْنِ مَسْعُود ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَِّّ : (إِّنَّ لِّلشَّيْطَانِّ لَمَّةا بِّابْنِّ آدَمَ ، وَلِّلْمَلَكِّ لَمَّةا، (...)، وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِّ ؛ فَإِّيعَادٌ بِّالْخَيْرِّ ، وَتَصْدِّيقٌ بِّالْحَق ِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِّكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِّ نَ اللََِّّّ ، فَلْيَحْمَدِّ اللَََّّ ) الحديث. - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. "الإيعاد وا ن اختص بالشر عرفًا، إلا أنه استعمله في الخير للازدواج في الأمن من الاشتباه بذكر الخير"(5). 2. إن الله وك ل بكل إنسان قرينًا من الملائكة، وقرينًا من الجن (6)، كما شَهِدَ بذلك حديث سفيان ،(وَقَدْ وُك ِّلَ بِّهِّ قَرِّينُهُ مِّنَ الْجِّن ِّ وَقَرِّينُهُ مِّنَ الْمَلاَئِّكَةِّ) (7). ولعل هذا القرين من الملائكة، غير الملائكة الذين أمروا بحفظ أعماله، قيَّضه الله له ليهديه ويرشده (8). )1) ينظر: الروح (ص 257.) )2) ينظر: الكاشف عن حقائق السنن2/526)، وينظر: مرقاة المفاتيح 1/143.) )3) ينظر: فتح الباري12/388.) )4) تقدَّم. يُنظر: حديث38.) )5) التنوير شرح الجامع الصغير 4/69.) )6) ينظر: الروح (ص 227-725.) )7) صحيح مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار- باب تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس، وأن مع كل إنسان قرينًا (4/2168،ح2814.) )8) ينظر: عالم الملائكة الأبرار (ص 44.)
عدد الصفحات ١٣٧128 3. "أن الملك قرين النفس المطمئنة، لذا فالإلهام الملكي يكثر في القلوب الطاهرة النقية، التي قد استنارت بنور الله ، فللملك اتصال وبينه وبينها، فإنه طيب طاهر لا يجاور إلا قلبًا يناسبه، فتكون لمة الملك بهذا القلب أكثر من لمة الشيطان"(1). 4. من أعمال الملائكة مع الإنسان: أنهم يلازمون الإنسان في حياته كلها، وبعد مماته، من خلال تنشيط القوى الروحية الكائنة في الإنسان بإلهام الحق والخير(2)، ويَصْدُقُ ذلك قوله : :(يَتَعَاقَبُونَ فِّيكُمْ مَلاَئِّكَةٌ بِّاللَّيْلِّ وَمَلاَئِّكَةٌ بِّالنَّهَارِّ، وَيَجْتَمِّعُونَ فِّي صَلاَةِّ الفَجْرِّ وَصَ لاَةِّ العَصْرِّ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِّينَ بَاتُوا فِّيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِّهِّمْ : كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِّبَادِّي؟ فَيَقُولُونَ : تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ) (3). 5. إن الله قد كتب على نفسه الخير لعباده دون الشر، وأن الشر لا يقع بالمرء إلا من قِبَلِ نفسه، بغفلته وضلاله، ومنه قوله تعالى: [مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَة فَمِنَ اللهَِّ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِئَة فَمِنْ نَفْسِكَ ](4). 6. ضرورة الحمد والشكر على نعمة الإسلام، والهداية إلى الصراط المستقي م، والثبات على الحق القويم، ومنه قوله تعالى: [وَقَالُوا الحَْمْدُ للهَِِّ الَّذِي هَدَانَا لهَِذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللهَُّ ](5). 6- المبشرات - أولاا: التعريف اللغوي: المُبَش ِّرَات: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "بَشَ رَ" الباء والشين والراء أصل واحد، يدل على ظهور الشيء مع حسن وجمال، ويقال: بشرت فلانً ا أبشره تبشيرً ا، وذلك يكون بالخير، وربما حمل عليه غيره من الشر، وربما ذلك جنسً ا من التبكيت، فأما إذا أُ طْ لِ ق الكلام إطلاقً ا؛ فالبشارة )1) ينظر: الروح (ص 227-257.) )2) ينظر: العقائد الإسلامية (ص119.) )3) أخرجه الإمام ال بخاري، كتاب مواقيت الصلاة- باب فضل صلاة العصر (1/115،ح555)، وينظر: ح 3223، وح 7429، وح 7486، وأخرجه الإمام مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب فضل صلاتي الصبح والعصر، والمحافظة عليهما (1/439،ح632)، بطرق متعددة، وألفاظ متماثلة، من حديث أبي هريرة، مرفوعًا. )4) (سورة النساء :79.) )5) (سورة الأعراف :43.)
عدد الصفحات ١٣٨129 بالخير والنذارة بغيره (1)، ومنه المُبَشِرَات: وهي الرياح التي تُبَشِ ر بالغيث(2)، ومنه قوله تعالى [وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِيَاحَ مُبَشرَِات ](3). - ثانيًا: التعريف الاصطلاحي المُبَشِّ رَات: هي كل خبر صدق تتغير به بشرة الوجه، ويستعمل في الخير والشر، وفي الخير أغلب(4). - ثالثاا: التعريف النبوي: المُبَش ِّرَاتُ : الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ. حديث ( 39:) أخرجه الإمام البخاري (5)، بسنده (6)، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَِّّ ، يَقُولُ : (لَمْ يَبْقَ مِّنَ النُّبُوَّةِّ إِّلاَّ المُبَش ِّرَاتُ، قَ الُوا: وَمَا المُبَش ِّرَاتُ؟ قَالَ : الرُّؤْيَا الصَّالِّحَةُ) (7). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. المبشرات هي مَا يرِيه الله نفس الحالم إِذا صفت من أكدار الجسد، وتخلصت من الأفكار الفاسدة، فيشرف الله تَعَالَى به على كثير من المغيبات، الَّتِي لم تأت بعد، وعَلى قدر تفاضل النَّفس في النَّقَاء والصفاء يكون تفاضل ما يراه في الصدق (8). 2. قوله( :لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلاَّ المُبَش ِرَاتُ )، دلالة على أنه لم يبق مما يناسب الوحي إلا الرؤيا، وأن ما بقي دون الرؤيا فلم يعتد به، لذلك يعد التحديث والإلهام والفراسة والكهانة والكشف كلها دون الرؤيا(9). 3 .من أمارات صلاح الرؤيا؛ أن تكون تبشيرًا بالثواب على الطاعة، أو تحذيرً ا من المعصية(10). )1) ينظر: مقاييس اللغة1/251.) )2) ينظر: مختار الصحاح (ص35.) )3) (سورة الروم 46.) )4( ينظرالتعريفات (ص 45.) )5( صحيح البخاري، كتاب التعبير- باب المبشرات ( 9/31،ح6990.) )6( سند الحديث قال الإمام البخاري: حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْب ، عَنِ الزُّهْرِي ِ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَي ِبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَِّّ ، يَقُولُ...(الحديث )7( تخريج الحديث تقدم. ينظر حديث (23). )8( ينظرالفصل في الملل والأهواء والنحل (5/14.) )9( ينظرالقائد إلى تصحيح العقائد (ص80.) )10( ينظرفتاوى ابن الصلاح (1/145.)
عدد الصفحات ١٣٩130 4. وصف الرؤيا الصالحة بأنها مبشرة، إما على التغليب، وا ما على أصل اللغة، فمن الرؤيا الصالحة ما تكون منذرة، وهي صادقة يريها الله تعالى عبده المؤمن(1). 5. إن الرؤيا الصالحة وا ن اختصت غالبًا بأهل الصلاح، فقد تقع لغيرهم، قال علماء التعبير: إذا رأى الكافر أو الفاسق رؤيا صالحة؛ كانت بشرى بهدايته أو التوبة أو إنذار من بقائه على حاله، وقد يرى ما يدل على الرضى بما هو فيه ابتلاء وغرورًا ومكرًا نعوذ بالله من ذلك(2). 7- مستقر الشمس - أولاا: التعريف اللغوي: مُسْتاقار: مصدر مشتق من الفعل "قَرَّ" القاف والراء أصلان صحيحان، يدل أحدهما على برد، والآخر على تمكن، يُقال قَ رَّ واستقر(3)، ومنه وقع الأمر بِقَرِ ه، أي: بِمُسْتَقَرِ هِ (4)، قالت الباحثة: مُسْتَقَر الشمس: مكان استقرارها وتَمَكُنها ومنتهاها. - ثانياا: التعريف الاصطلاحي: مستقر الشمس: قيل أنه عبارة عن انتهائها، إلى أن تسامت جزءًا من العرش معلومًا، بحيث تخضع عنده وتذلل، وهو المُعَبَّر عنه بسجودها، وتُسْتَأذَن في سيرها المعتاد لها من ذلك المحل، متوقعة ألا يؤذن لها في ذلك، وأن تؤمر بالرجوع من حيث جاءت، وبأن تطلع من مغربها، فإن كانت الشمس تعقل نسب ذلك كله إليها، وا ن كانت لا تعقل فعل ذلك الملائكة الموكلون بها(5). - ثالثاا: التعريف النبوي: مستقر الشمس: مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ . حديث ( 40 :)أخرج ــه الإم ـــام البخ ـاري (6)، بســــنده(7)،عَنْ أَبِي ذَر ، قَ ــالَ: سَأَلْ ــــتُ النَّبِيَّ ،عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ([](8)، قَالَ :(مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْش )(1). )1( السابق(ص146.) )2( السابق6/184.) )3( ينظر: مقاييس اللغة5/7.) )4( تهذيب اللغة8/227.) )5( طرح التثريب في شرح التقريب 8/259.) 6)) صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن - باب (6/123،ح4803.) )7 )سند الحديث قال الإمام البخاري: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيع ، حَدَّثَنَا الأَْعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّ يْمِي ِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَر ، قَالَ...(الحديث (8( (سورة يس : 38.)
عدد الصفحات ١٤٠131 - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. الحديث فيه دلالة واضحة على أن الشمس تجري وتدور على الأرض ، وفيه التصريح بأن ها تنتهي إلى مستقرها تحت العرش كل ليلة(2). 2 .تفسير النبي وتعريفه بمستقر الشمس فيه رد على من زعم أن الشمس سارية إلى مستقرها الذي لا يعلمه الإنسان. فجوابه: بطلان ما زعم، وأن مستقر الشمس تحت العرش ، وأنَّ ها تنتهي إليه كل ليلة، فتسجد حينئذ، وتستأذن في الطلوع، فتسجد حينئذ وتستأذن في الطلوع فيؤذن لها (3)، كما أخبر بذلك الذي لا ينطق عن الهوى : قَالَ: (يَا أَبَا ذَر ، هَلْ تَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ؟)، قَالَ أبو ذر : قُلْتُ: اللَُّّ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ :(فَإِنَّهَا تَذْهَبُ تَسْتَأْذِنُ فِي السُّجُودِ فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا، ثُمَّ قَرَأَ : ذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَهَا)(4). 3 .استعمال النبي لصيغة المضارع (تجري ) يدل على الاستمرارية، وهي مطابقة لحركات الشمس المستمرة إلى الحين دون توقف والى أجل يعلمه الله (5). 4لا" . ننكر أن يكون للشمس استقرار ما تحت العرش، من حيث لا ندركه، ولا نشاهده، وا نما هو خبر عن غيب فلا نكذبه ولا نكيفه؛ لأن علمنا لا يحيط به"(6). 5. من صور التوازن الإبداعي في سنن الكون، رغم حركة الشمس وجريانها، إلا أنها [لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لهََا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَ رَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِِ فَلَك يَسْبَحُونَ ](7). )1 )تخريج الحديث أخرجه الإمام البخاري، كتاب بدء الخلق - باب صفة الشمس والقمر بحسبان (4/107،ح3199)، وينظر: ح4802، ح7433. وأخرجه الإمام مسلم، كتاب الإيمان - باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان (1/139،ح159.) كلاهما(الشيخان؛ البخاري ومسلم) من حديث أبي ذر، مرفوعاً (2) ينظر: ذيل الصواعق لمحو الأباطيل (ص328.) (3) ينظر: السابق (ص329.) (4) أخرجه الإمام البخاري، كتاب التوحيد- بَابُ7]هُوَ رَب العَرْشِ العَظِيمِ [129[ (9/125،ح7424)، وأخرجه الإمام مسلم، كتاب الإيمان - باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان (1/159)، كلاهما بطرق متعددة، وألفاظ متقاربة، من حديث أبي ذر، مرفوعًا (5) الضابط اللغوي في التفسير العلمي (ص105.) (6) طرح التثريب في شرح التقريب 8/259.) (7) (سورة يس 4.)
عدد الصفحات ١٤١132 8- المشتبهات - أولاا: التعريف اللغوي: المُشَبِّ هات، والمُشْتَبِّهات: كلاهما مشتق من الفعل "شَبَهَ" الشين والباء والهاء أصل واحد، يدل على تشابه الشيء وتشاكله لونًا ووصفًا، يقال شِ بْه وشَبَه وشَبِيه ، والمُشَبِ هَات، والمُشْتَبِهات: من الأمور المُشْكِلات، واشتبه الأمران، إذا أَشْكَلاَ (1)، والشُبْهَةُ : الالتباس، واشْتَبَهَ علي الشئ، إذا اختلط ومنه: شَبَّهْت عليَ يا فلان: إذا خلط عليك، والمُتشابِهاتُ : المُتَماثِلاتُ (2) . - ثانياا: التعريف الاصطلاحي: - المُشَبِّ هَات: "هي الظن المشتبه بالعلم، ومشابهة الحق للباطل والباطل للحق من وجه إذا حقق النظر فيه ذهب، فهو ما لم يتيقن كونه حرامًا أو حلالاً (3) - ثالثاا: التعريف النبوي المُشَبَّهَاتٌ: لاَ يَعْلَمُهَا كَثِير مِنَ النَّاسِ أُمُورٌ مُشْتَبِّهَاتٌ: لاَ يَدْرِي كَثِير مِنَ النَّاسِ أَمِنَ الحَلاَلِ هِيَ أَمْ مِنَ الحَرَامِ، فَمَنْ تَرَكَهَا اسْتِبْرَاءً لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ فَقَدْ سَلِمَ، وَمَنْ وَاقَعَ شَيْئًا مِنْهَا، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَ الحَرَامَ. حديث (م(4):) أخرجه الإمام البخاري، بسنده، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِير ، يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَِّّ يَقُولُ(الحَلاَلُ بَي ِّنٌ، وَالحَرَامُ بَي ِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِّيرٌ مِّنَ النَّاسِّ، فَمَنِّ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِّ ا سْتَبْرَأَ لِّدِّينِّهِّ وَعِّرْضِّهِّ، وَمَنْ وَقَعَ فِّي الشُّبُهَاتِّ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِّمَى، يُوشِّكُ أَنْ يُوَاقِّعَهُ ) الحديث. حديث (41:) وأخرجه الإمام الترمذي (5)، بسنده(6)، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِير ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَِّّ يَقُولُ : (الحَلاَلُ بَي ِّنٌ وَالحَرَامُ بَي ِّنٌ، وَبَيْنَ ذَلِّكَ أُمُورٌ مُشْتَبِّهَاتٌ، لاَ يَدْرِّي كَثِّيرٌ مِّنَ النَّاسِّ أَمِّنَ الحَلاَلِّ هِّيَ أَمْ مِّنَ الحَرَامِّ، فَمَنْ تَرَكَهَا اسْتِّبْرَاءا لِّدِّينِّهِّ وَعِّرْضِّهِّ فَقَدْ سَلِّمَ، وَمَنْ وَاقَعَ (1( مقاييس اللغة3/243.) (2( ينظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية 6/2236)، تهذيب اللغة6/59.) (3( ينظر: التوقيف على مهمات التعاريف (ص 201)، التعريفات (ص 124.) (4( تقدم. ينظر حديث13.) ((5 سنن الترمذي، أبواب البيوع - باب ما جاء في ترك الشبهات ( 3/503،ح1205.) (6( سند الحديث قال الإمام الترمذي: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيد ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْد ، عَنْ مُجَالِد ، عَنْ الشَّعْبِ ي ِ، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِير ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَِّّ يَقُولُ...(الحديث).
عدد الصفحات ١٤٢133 شَيْئاا مِّنْهَا، يُوشِّكُ أَنْ يُوَاقِّعَ الحَرَامَ، كَمَا أَنَّهُ مَنْ يَرْعَى حَوْلَ الحِّمَى، يُوشِّكُ أَنْ يُوَاقِّعَهُ، أَلاَ وَا ِّنَّ لِّكُل ِّ مَلِّكٍ حِّماى، أَلاَ وَا ِّنَّ حِّمَى اللََِّّّ مَحَارِّمُهُ)(1). (1( دراسة الحديث - أولاا: دراسة رجال الإسناد: جميع رجال إسناده من الثقات، عدا: مُجَالِد بن سعيد بن عمير الهَمْداني، أبو عمرو الكوفي، مات سنة مائة وأربع وأربعين. قال ابن معين: "ثقة"، وقال ابن مهدى: "حديث مُجَ الد عند الأحداث؛ يحيى بن سعيد، وأبى أسامة: ليس بشيء، ولكن حديث شعبة، وحماد بن زيد، وهشيم، وهؤلاء القدماء، يعني أنه تغير حفظه في آخر عمره"، وقال ابن عدي: "مجالد له عن الشعبي عن جابر أحاديث صالحة، وعن غير جابر من الصحابة أحاديث صالحة، وجملة ما يرويه عن الشعبي، وقد رواه عن غير الشعبي، ولكن أكثر روايته عنه، وعامة ما يرويه؛ غير محفوظ" وقال الذهبي: "مشهور صالح الحديث"، وقال ابن معين مرة: "لا يحتج بحديثه"، وقال أبو حاتم: "لا يحتج بحديثه، وهو أحب إلى من غيره، وليس بقوى الحديث"، وقال العجلي: "ليس بالقوي"، وقال ابن حجر: "ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره"، وقال ابن حبان: "كان رديء الحفظ، يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، لا يجوز الاحتجاج به"، وقال ابن سعد: "كان ضعيفًا في الحديث". قالت الباحثة: صدوق ربما أخطأ، تغير بأخرة، وروايته عن المتقدمين صالحة، ولعل الأئمة لم يحتملوا حديثه لاختلاطه، أما هنا فيحتمل حديثه القبول؛ لأجل الشعبي، كما علق ابن مهدي، وابن عدي، والتعديل المفسريقدم على الجرح المبهم، والله أعلم. ينظر: تاريخ ابن معين - رواية الدوري (3/269)، الجرح والتعديل (8/361)، الكامل في ضعفاء الرجال (8/169)، المغني في الضعفاء (2/542)، تاريخ ابن معين - رواية الدوري (4/59)، معرفة الثقات (ص66)، تقريب التهذيب (ص520)، المجروحين لابن حبان (3/10)، الطبقات الكبرى (6/336). - ثانياا: تخريج الحديث ينظر تخريج حديث ( 13.) - ثالثاا: الحكم على سند الحديث إسناده حسن؛ لأجل مجالد بن سعيد الصدوق ربما أخطأ، يرتقي إلى الصحيح لغيره، وقد قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح، رواه غير واحد، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير، وصححه الإمام الألباني–رحمه الله-. ينظر: سنن الترمذي (3/504)،صحيح وضعيف سنن الترمذي (3/205).
عدد الصفحات ١٤٣134 - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. "هذا الحديث جليل الموقع، عظيم النفع في الشرع، حتى قال بعض الناس بأنه ثلث الإسلام"(1). 2. الشبهات أمور فيها تلبيس وتغطية وتمويه على النَّاس، يظنونها حقًا وهي ليست بحق، وكشفها هو الإيضاح لبطلانها، ولا يعلمها إلا الخواص من أهل العلم(2). 3 ."علم المتشابهات ليس له ضابط أو قاعدة محددة، لكن هناك أمر يعين على فهم المتشابه، وهو أن المتشابه أمر فيه شَبَه من الحل يقتضي جوازه، وشَبَه من الحرمة يقتضي منعه، وحينئذ يتردد نظر الفقيه في إلحاقه بأقواهما شبهًا ليجزم بحله أو يجزم بحرمته، أو يقف موقف السلامة عند استواء الأمرين، فيقول فيه: الله أعلم"(3). 4. الأمور المشتبهات، هي سبب هلاك الأغلب لكونها لا يعلمها كثير من الناس(4)، فمن أثر عدم التورع عن المشتبهات والوقوع في الشبه، أنه يؤدي إلى الوقوع في الحرام، لذا لا بد من التحلي بالعزيمة والاستقامة الجادة على الشريعة في ترك المشتبهات، حتى يبرأ ديننا من النقص وعرضنا من الطعن. 5. إن المصيب من المجتهدين في مسائل الاشتباه واحد؛ لأن المشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، مع كون بعضهم في طلب حكمها مجتهدين، فدل على أن من يعلمها هو المصيب العالم بها دون غيره ممن هي مشتبهة عليه، وا ن كان قد يجتهد في طلب حكمها، ويصير إلى ما أداه إليه اجتهاده وطلبه(5). 6. يعرف العلماء أحكام المشتبهات من خلال النص ، أو الاستصحاب، أو غير ذلك، فإذا ترد د الشيء بين الحل والحرمة، ولم يكن فيه نص ، ولا إجماع، اجتهد فيه المجتهد، فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي ، وما لم يظهر للمجتهد فيه شيء، وهو مشبه، منه، يأخذ بحل ه، أم بحرمته، أم يتوق ف؟ ذُكِرِ فيه عدة مذاهب، وقال النووي: الأصح: أنه لا يحكم بحل، ولا حرمة، ولا إباحة، ولا غيرها؛ لأن التكليف عند أهل الحق لا يثبت إلا بالشرع (6). (1( إكمال المعلم بفوائد مسلم5/284.) (2( ينظر: شرح كتاب كشف الشبهات (ص 7.) (3( شرح زاد المستقنع للشنقيطي 20/317)، وهو من الدروس المفرغة في المكتبة الشاملة (4( ينظر: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (7/228.) (5( ينظر: المصدر نفسه. (6( ينظر: ذخيرة العقبى في شرح المجتبى 34/84.)
عدد الصفحات ١٤٤135 9- مفاتيح الغيب - أولاا: التعريف اللغوي: مفاتيح: مشتقة من الفعل الثلاثي "فَتَحَ" الفاء والتاء والحاء، أصل صحيح، يدل على خلاف الإغلاق(1)، و المفاتيح جمع مِفْتَاح، والمفاتح جمع مفتح(2). الغيباسم مشتق من الفعل الثلاثي "غَيَبَ" الغين والياء والباء أصل صحيح، يدل على تستر الشيء عن العيون (3)، ومن ذلكالْغَيْب فهو ما غاب عن الْخلق، مما لا يعلمه إلا الله، ولا غيب عند الله (4). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي الغَيْب: "هو ما غاب عن الحس والعقل كاملة بحيث لا يدركه واحد منهما لا بالبديهة ولا بالاستدلال كأحوال البعث ونحوه، سمي به لقوة غيبته حيث غاب عن مظهري الحس والعقل، عبر المصدر"(5). مفاتيح الغيب: "هي العلوم التي يتوصل بها إلى الغيب، و لا يعلمها غير الله تعالى"(6). - ثالثاا: التعريف النبوي مفاتيح الغيب: خَمْس لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ اللَُّّ: لاَ يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأَْرْحَامُ إِلاَّ اللَُّّ، وَلاَ يَعْلَمُ مَا فِي غَد إِلاَّ اللَُّّ، وَلاَ يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ أَحَد إِلاَّ اللَُّّ، وَلاَ تَدْرِي نَفْس بِأَي ِ أَرْض تَ مُوتُ إِلاَّ اللَُّّ، وَلاَ يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلاَّ اللَُّّ . حديث (42 :)أخرجه الإمام البخاري(7)، بسنده(8)،عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِي ِ قَالَ: (مَفَاتِّيحُ الْغَيْبِّ خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهَا إِّلاَّ اللََُّّ : لاَ يَعْلَمُ مَا تَغِّيضُ (9) الأَْرْحَامُ إِّلاَّ اللََُّّ، وَلاَ يَعْلَمُ مَا فِّي غَدٍ (1( مقاييس اللغة (4/469.) (2( كشف المشكل من حديث الصحيحين2/573.) (3( ينظر: مقاييس اللغة4/403.) (4( كشف المشكل من حديث الصحيحين2/573.) (5( التوقيف على مهمات التعاريف (ص 254.) (6( ينظر: مجمع بحار الأنوار4/89.) )7) صحيح البخاري، كتاب التوحيد - باب قول الله تعا لى أَحَدًا9/116،ح7379.) )8 )سند الحديث قال الإمام البخاري: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَد ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَل ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَِّّ بْنُ دِي نَار ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ الن بِي قَالَ...(الحديث (9( تغيضما نقص عن أن يتم حتى يموت". ينظر: المحكم والمحيط الأعظم (6/5.)
عدد الصفحات ١٤٥136 إ اللََُّّ، وَلاَ يَعْ لَمُ مَتَى يَأْتِّي الْمَطَرُ أَحَدٌ إِّلاَّ اللََُّّ، وَلاَ تَدْرِّي نَفْسٌ بِّأَي ِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِّلاَّ اللََُّّ، وَلاَ يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِّلاَّ اللََُّّ )(1). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. عبر النبي "بالمفاتيح لتقريب الأمر على السامع؛ لأن كل شيء جعل بينك وبينه حجاب فقد غيب عنك، والتوصل إلى معرفته في العادة من الباب، فإذا أغلق الباب احتيج إلى المفتاح، فإذا كان الشيء الذي لا يطلع على الغيب إلا بتوصيله لا يعرف موضعه فكيف يعرف المغيب"(2). 2. "إثبات علم الله صفة لذاته؛ إذ العلم حقيقة في كون العالم عالمًا، إذ من المحال كون العالم عالمًا ولا علم له، وكذلك سائر أوصافه المقتضية للصفات التي هي حقيقة في ثبات الأوصاف المجرأة عليه تعالى، من كونه حيًا وقادرًا وما شابه ذلك، خلافًا لما تقوله القدرية ؛ من أنه عالم قادر حي بنفسه، لا بقدرة ، ولا بعلم، ولا بحياة، ثم إذا ثبت كون علمه قديمًا وجب تعلقه بكل معلوم على حقيقته، وقد نص الباري تعالى على إثبات علمه بقوله :[إِنَّ اللهََّ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ](3)، وبقوله :[أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ](4)، وبقوله: [وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ ](5)، وبقوله: [إِلَيْهِ يُرَد عِلْ مُ السَّاعَةِ ](6)، فمن دفع علم الباري تعالى الذى هو حقيقة في كونه عالمًا، وزعم أنه عالم بنفسه لا بعلم، فقد رد نصه تعالى على إثبات العلم الذى هو حقيقة في كونه عالمًا ولا خلاف بين رد نصه على أنه ذو علم وبين نصه على أنه عالم، فالنافي لعلمه كالنافي لكونه عالمً ا(7). 3. تعلق مشيئة الله سبحانه به، أنه يعلم الأشياء قبل وقوعها(8). 4. انحصار علم الغيب في الله سبحانه، فلا يعلم الغيب أحد إلا الله ، فقط بما استأثر به نفسه؛ لأنه يقتضي اطلاع الرسول على بعض الغيب، وكذلك الولي، فَيَعْمِد أن الرسول يطلع على ذلك بأنواع الوحي كلها، وأن الولي لا يطلع على ذلك إلا بمنام أو إلهام، والله اعلم(1). )1 )تخريج الحديث صحيح البخاري، كتاب الجمعة- باب لا يدري متى يجيء المطر إلا الله (2/33،ح1039)، وينظر ح1039، ح4627، ح4697، ح4778. (2( فتح الباري8/514.) (3( (سورة لقمان: 34.) (4( (سورة النساء 166.) (5( (سورة فاطر: 11.) (6( (سورة فصلت: 47.) (7( شرح صحيح البخار ي لابن بطال (10/407-408.) (8( ينظر: فيض القدير5/525.)
عدد الصفحات ١٤٦