473 حديث178) :أخرجه الإمام البخاري(1)، بسنده(2)، عَنْ أَبِي سَعِيد الخُدْ رِي ِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَِّّ :(إِّنَّ أَكْثَرَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِّجُ اللََُّّ لَكُمْ مِّنْ بَرَكَاتِّ الأَرْضِّ، قِّيلَ: وَمَا بَرَكَاتُ الأَرْضِّ؟، قَالَ : زَهْرَةُ الدُّنْيَا، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: هَلْ يَأْتِّي الخَيْرُ بِّالشَّر ِّ؟، فَ صَمَتَ النَّبِّيُّ ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِّ، ثُمَّ جَعَلَ يَمْسَحُ عَنْ جَبِّينِّهِّ، فَقَالَ : أَيْنَ السَّائِّلُ؟، قَالَ: أَنَا، قَالَ أَبُو سَعِّيدٍ : لَقَدْ حَمِّدْنَاهُ حِّينَ طَلَعَ ذَلِّكَ، قَالَ : لاَ يَأْتِّي الخَيْرُ إِّلاَّ بِّالخَيْر ، إِّنَّ هَذَا المَالَ خَضِّرَةٌ حُلْوَةٌ، وَا ِّنَّ كُلَّ مَا أَنْبَتَ الرَّبِّيعُ يَقْتُلُ حَبَطاا (3) أَوْ يُلِّمُّ، إِّلاَّ آكِّلَةَ الخَضِّرَة (4)، أَكَلَتْ حَتَّى إِّذَا امْتَدَّتْ خَاصِّرَتَاهَا (5)، اسْتَقْبَلَتِّ الشَّمْسَ، فَاجْتَرَّتْ وَثَلَطَتْ وَبَالَتْ (6)، ثُمَّ عَادَتْ فَأَكَلَتْ، وَا ِّنَّ هَذَا المَالَ حُلْوَةٌ (7)، مَنْ أَخَذَهُ بِّحَق ِّهِّ، وَوَضَعَهُ فِّي حَق ِّهِّ، فَنِّعْمَ المَعُونَةُ هُوَ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِّغَيْرِّ حَق ِّهِّ كَانَ كَالَّذ ي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ) (8). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. ال تنبيه من زهرة الدنيا ؛ حيث ينبغي أن يَ خشَ ى سوء عاقبتها ، وشر فتنتها من فتح الله عليه الدنيا، ويحذر التنافس فيها والطمأنينة إلى زخرفها الفاني؛ لأن النبي خشي ذلك على أمته، وحذرهم منه لعلمه أن الفتنة مقرونة بالغنى(9)، كما بي ن في الحديث من قوله : )1( صحيح البخاري، كتاب الرقاق - باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها ( 8/91،ح6427.) )2( سند الحديث قال الإمام البخاري: حَدَّثَنَا إِ سْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار ، عَنْ أَبِي سَعِيد الخُدْرِي ِ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَِّّﷺ...(الحديث). )3( يقتل حبطًا: "أي أن تكثر الدابة أكلاً حتى ينتفخ بطنها". ي نظر: المفردات في غريب القرآن (ص 216.) )4( الخضرة: "هو نوع من البقول، ليس من أحرارها وجيدها". ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر 2/40.) )5( امتدت خاصرتاها: "أي بركت مستقبلة عين الشمس تستمرئ بذلك ما أكلت". النهاية في غريب الحديث والأثر (2/41.) )6( فثلطت وبالت: "أي إذا ألقت الدابة رجيعها سهلاً رقيقًا". النهاية في غريب الحديث والأثر ( 2/40.) )7( حلوة خضرة: "أي غضة ناعمة طرية". ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر 2/41.) )8( تخريج الحديث أخرجه الإمام البخاري أيضًا، كتاب الجمعة - باب يستقبل الإمام القوم، واستقبال الناس الإمام إذا خطب (2/10،ح921)، وينظر: ح1465،2842. وأخرجه الإمام مسلم، كتاب الزكاة - باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا ( 2/727،ح1052.) وكلا الشيخان؛ البخاري، ومسلم، بطرق متعددة، وألفاظ متقاربة، من حديث أبي سعيد الخدري ، مرفوعًا. )9( ينظر: شرح صحيح ال بخار ي لابن بطال (10/155.)
عدد الصفحات ٤٨٣474 (إِّن بَعْدَكُمْ قَوْماا يَخُونُونَ وَلاَ يُؤْتَمَنُونَ، وَيَشْهَدُونَ وَلاَ يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَنْذِّرُونَ وَلاَ يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِّيهِّمُ الس ِّمَنُ) (1). وما أن فتئ القرآن الكريم إلا أن حذر من الغرق في مستنقعات الدنيا ب جشع يهلك صاحبه حيث قال الله :[وَلاَ تَُْدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلىَ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِكَ خَيْْ وَأَبْقَى ](2). 2. جمع النبي بين الفصاحة والبلاغة والبيان، حيث الناظر في هذا الحديث يلمح أن ه يحمل الكثير من وجوه التشبيهات البديعة، والتي منها: - تشبيه المال ونمو ه بالنبات وظهوره، وتشبيه المنهمك في الاكتساب والأسباب بالبهائم المنهمكة في الأعشاب، وتشبيه الاستكثار منه والاد خار له بالشره في الأكل والامتلاء منه، وتشبيه المال مع عظمته في النفوس حتى أدى إلى المبالغة في البخل به بما تطرحه البهيمة من السلح. - فيه إشارة بديعة إلى استقذار المال شرعًا، وتشبيه القاعد عن جمعه وضمه بالشاة إذا استراحت وحطت جانبها مستقبلة الشمس، فإن ها من أحسن حالاتها سكونًا وسكينة. - فيه إشارة إلى إدراك الدابة لمصالحها، وتشبيه موت الجامع المانع بموت البهيمة الغافلة عن دفع ما يضرها، وتشبيه المال بالصاحب الذي لا يؤمن أن ينقلب عدوًّا، فإن المال من شأنه أن يحرز ويشد وثاقه حبًّا له، وذلك يقتضي منعه من مستحقيه فيكون سببًا لعقاب مقتنيه، وتشبيه آخذه بغير حق بالذي يأكل ولا يشبع(3). 3. ليس لعاقل أن ينكر أن الحياة الدنيا إنما هي نعمة من الله ، بل إن الله جعل متعتها فيما سخر لعباده من النعم، وقدم على تلك النعم نعمتي المال والولد، كيف لا؟!، وهو القائل في كتابه: [المَالُ وَالبَنُونَ زِينَةُ ا لحَيَاةِ الدُّنْيَا ](4)،وهو الذي سخر لهم ما في الأرض جميعًا، من أجل المتعة والسعادة في هذه الدنيا، بلا إفراط أو تفريط. )1( صحيح البخاري، كتاب الشهادات– باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد (3/171،ح2651)، وينظر تخريجه حديث ( 165.) )2( (سورة طه 131.) )3( ينظر: إرشاد الساري9/246.) )4( (سورة الكهف 46.)
عدد الصفحات ٤٨٤475 وقد قيل في ذلكمثل للمؤمن أن لا يأخذ من الدنيا، إلا قدر حاجته ولا تغره زهرتها فتهلكه"(1). وأما من تشدد وتزهد في هذه الدني ا إلى الحد اللامعقول، ومن أصدر أحكامًا باسم الدين، تتنافى مع الطبيعة البشرية من حب الدنيا والرغبة فيها، فإننا نجد أن الله قد قال فيهم[قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِبَاتِ مِنَ الرِزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَ نُوا فِِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ القِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِلُ الَْيَاتِ لِقَوْم يَعْلَمُونَ ](2). اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا، ولا يرحمنا. 6- تُشَق ِّحُ ال ثمرة - أولاا: التعريف ا للغوي: تُشَق ِّحُ : تصريف مشتق من الفعل الثلاثي " شَ قَ حَ "، الشين والقاف والحاء أصيل يدل على لون غير حسن. يقال: شقح النخل، وذلك حين زهوه، ونهي عن بيعه قبل أن يشقح، والشقيح إتباع القبيح، يقال قبيح شقيح(3)، ومنه يشقح أي يحمر أو يصفر، أشقحت البسرة وشقحت تشقيحًا، والاسم الشقحة(4). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي تُشَق ِّحُ الثمرة : "هو تغير لونها إلى الصفرة والحمرة ، فالشقحة لون غير خالص في الحمرة والصفرة "(5). - ثالثاا: التعريف النبوي تُشَق ِّحُ الثمرة : تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ وَيُؤْكَلُ مِنْهَ ا. )1( عمدة القاري23/41.) )2( (سورة الأعرا ف: 32.) )3( ينظر: مقاييس اللغة3/202.) )4( ينظر: مجمع بحار الأنوار3/239.) )5( معالم السنن3/85.)
عدد الصفحات ٤٨٥476 حديث179) :أخرجه الإمام البخاري(1)، بسنده(2)، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَِّّ ، قَالَ : (نَهَى النَّبِّيُّ أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى تُشَق ِّحَ، فَقِّيلَ: وَمَا تُشَق ِّحُ؟ قَالَ : تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ وَيُؤْكَلُ مِّنْهَا)(3). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. إن المقصود استعمال اللون المتميل للثمرة في الاصفرار والاحمرار؛ أن ه لم يرد به اللون الخالص ، فإن ه ما زال يحمار وجهه ، أي يميل بين هذا وذاك، ولكنه لو أريد ال تَّ م كُ ن والاستقرار في لون الثمر؛ لقالوا تحمر وتصفرَّ. فإرادة التشقيح دليل على أن الاعتبار في بدو الصلاح، و هو ما يكون بحدوث الحمرة في الثمرة دون إتيان الوقت الذي يكون فيه صلاح الثمار غالبً ا، و قد ذهب بعض أهل العلم إلى اعتباره بالزمان (4)، والله أعلم. وهذه دقة نبوية في اختيار الألفاظ 2. اختلف العلماء فيما بينهم على بيع المغيب بين مجيز ومانع، تقية الصلاح وعدمه ولكنه لا خلاف بين العلماء في بيع الثمار والبقول والزرع على القلع، وا ن لم يبد صلاحه إذا نظر إلى المبيع منه وعرف قدره (5). 3. بيانسبب النهي عن بيع الثمر قبل نضجه؛ خوف الغرر لكثرة الجوائح فيها، ففيه دليل أن المراد ببدو الصلاح قدر زائد على ظهور الثمرة (6). )1( صحيح البخاري، كتاب البيوع- باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها (3/77، ح2196.) )2( سند الحديث قال الإمام البخاري: حَدَّثَنَا مُسَدَّد ، حَدَّثَنَا يَ حْيَى بْنُ سَعِيد ، عَنْ سَلِيمِ بْنِ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَا، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَِّّ ، قَالَ...(الحديث )3( تخريج الحديث أخرجه الإمام البخاري، كتاب (2/127،ح1487)، وينظر2189، وح 2381. وأخرجه الإمام مسلم، كتاب البيوع - باب تحريم بيع صبرة التمر المجهولة القدر بتمر (3/1162،ح1530)، وينظر: ح1536،1554. وكالشيخان؛ البخاري، ومسلم، بطرق مختلفة، وألفاظ متقاربة، من حديث جابر بن عبد الله ، مرفوعًا. )4( ينظر: معالم السنن3/85.) )5( ينظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (13/306). )6( ينظر: فتح الباري4/397.)
عدد الصفحات ٤٨٦477 4. اهتمام النبي بالأمور العامة لأمته، وما يصلح حالهم وأحوالهم الاجتماعية والاقتصادية، وذا فيه إشارة إلى ضرورة اهتمام الخليفة بأمر رعيته، حتى يسلم قومه من الهلاك والتناحر والتباغض على أمر الدنيا الفانية، وضرورة وحدة الصف المسلم. 5. اهتمام الإسلام بشتى مناحي الحياة البشرية، وأن أحكامه لا تقتصر على العقيدة والتشريع، وا ن ما يتطرق لكل ما فيه صلاح الأمة وابقاءها في أوج قوتها الدينية والدنيوية بين الأمم. 7- الحُمَّى - أولاا: التعريف اللغوي : الحُ مَّ ى: اسم مشتق من الفعل الثلاثي " حَ مَّ "، الحاء والميم فيه تفاوت؛ لأن ه متشعب الأبواب جدً ا. فأحد أصوله الحرارة ، ومنه الحميم الماء الحار، ومنه الحَ م ، وهي الألية تذاب، فالذي يبقى منها بعد الذوب حَ م ، واحدته حَ م ة. ومنه الحميم، وهو العَ رَ ق ، ومنه الْحُمَ امُ، وهو حُمَّى الإيل، ويقال أَحَمَّتِ الأرض؛ إذا صارت ذات حُمَّى(1). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي الحمى: "هي حرارة غريبة ضارة بالأفعال، تنبعث من القلب إلى الأعضاء، سميت به لما فيها من الحرارة ، أو لما يعرض من الحميم أي العرق ، أو لكونهما من أمارات الحُ مَ ام"(2). - ثالثاا: التعريف النبوي الحُمَّى: مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ. حديث (180 :)أخرجه الإمام البخاري(3)، بسنده(4)، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِي ِ ، قَالَ : (الحُمَّى مِّنْ فَيْحِّ جَهَنَّمَ (5)، فَأَبْرِّدُوهَا بِّالْمَاءِّ) (6) . )1( ينظر: مقاييس اللغة2/23.) )2( التوقيف على مهمات التعاريف (ص 147.) )3( صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق- باب صفة النار وأنها مخلوقة (4/121،ح3264.) )4( سند الحديث قال الإمام البخاري: حَدَّثَنَا مُسَ دَّد ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَِّّ، قَالَ: حَدَّثَ نِي نَافِع ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِي ِ ﷺ، قَالَ...(الحديث). )5( فيح جهنم: "أي سطوع الحر وفورانه". النهاية في غريب الحديث والأثر 3/484.) )6( تخريج الحديث أخرجه الإم ام البخاري أيضًا، كتاب الطب - باب الحُمْ ى من فَيْح جهنم (7/129،ح5723)، من طريق مالك عن نافع.
عدد الصفحات ٤٨٧478 - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. حمل بعض العلماء الحديث: أن بعض الحميات التي يجب إبرادها بالماء هي الحميات الحادة، والتي يكون أصلها من الحر، حيث إن الحديث يراد به الخصوص، وذلك لأن الفيح عند العرب سطوع الحر، ودلَّ ذلك على أن ه لم يأمر بإبراد الحميات الباردة التي يكون أصلها البرد، وا نَّ ما أمر بإبراد الحميات الحارة التي يكون أصلها الحر، والله أعلم(1). 2. بيان طريقة التبريد بالماء والله أعلم، هو الصب بين المحموم وبين جيبه، وذلك أن يصب الماء بين طوقه وعنقه، حتى يصل إلى جسده، فمن فعل كذلك وكان معه يقين صحيح يُرْجى له الشفاء من الحمى إن شاء الله (2). وقد تختلف أحوال المحمومين فريقين: - فمنهم من يصلح أن يبرد بصب الماء عليه. - وآخر يصلح بأن يشرب الماء(3). 3. استحباب استخدام الطب النبوي في علاج كثير من الأمراض الجسدية والنفسية، والتي لا تؤثر على الجسد البشري سلبًا البتة كما الطب البشري المعاصر، وذلك تيمنًا ببركة طريقة النبي في العلاج من المرض، كما أنه إحياءً لسنة الحبيب المصطفى محمد . 4. استخدام النبي أدوات البيئة المحيطة في التخلص من المرض، دون تعجيز أو مبالغة، حيث استخدم الماء، والذي يتوفر لدى طبقات المجتمع باختلافها، فلا يثقل امتلاكها على أحد. 5. الإشارة إلى عظيم شأن الماء، ودخوله في تركيب كل شيء فيه حياة وراحة للبشر، كما قال الحق :[وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَْء حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ ](4). وأخرجه الإمام مسلم، كتاب السلام - باب لكل داء دواء واستحباب التداوي (4/1731،ح2209)، بطرق متعددة، عن عبيد الله. وكلاهما (مالك وعبيد الله) عن نافع. وأخرجه أيضًا الإ مام مسلم، برقمه، عن عمر بن محمد بن زيد، عن أبيه. وكلاهما (نافع، ومحمد بن زيد) عن ابن عمر ، بألفاظ متماثلة، مرفوعًا إلى النبيﷺ. )1( ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال9/421.) )2( ينظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد22/227.) )3( ينظر: شرح ص حيح البخاري لابن بطال (9/421.) )4( (سورة الأنبياء 30.)
عدد الصفحات ٤٨٨479 6. الاستشفاء من الحمى بإيرادها بالماء الذي أجرى الله العادة أن يشفي برده من آذاه الحر مرة بالتبريد به، ومرة بشربه، وهذا كله بجري العادة، وكذلك سائر الأدوية إن ما هي أدوية؛ بمعنى أن الله أجرى العادة بأن يشفي هو من تناولها على وجه مخصوص، وكذلك الأغذية والله أعلم وأحكم (1). وعليه فإن البشر عادة يستخدمون الماء للتحفيف من حدة الحر في فصل الصيف على وجهيه؛ الشرب والصب، ومنه كذلك استخدام الاستجمام في الأماكن المائية المخصصة، وهذا مما يؤكد على صدق الصادق المصدوق وصدق رسالته وصدق ما أتت به، فصلوا عليه وسلموا تسليمًا كثيرًا . )1( ينظر: المنتقى شرح الموطأ 7/263.)
عدد الصفحات ٤٨٩480 المبحث الثاني: التعريفات منأول حرف الدال إلى نهاية حرف الضاد 1- الدنيا - أولاا: التعريف اللغوي: الدنيا: اسم مشتق من الفعل الثلاثي، "دَنَى" الدال والنون والحرف المعتل أصل واحد، يقاس بعضه على بعض، وهو المقاربة، ومن ذلك: الدني، وهو القريب، من دنا يدنو، وسميت الدنيا لدنوها، والنسبة إليها دنياوي (1)،، وهي مؤنث أدنى"(2). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي الدنيا: "هي اسم لما تحت فلك القمر"(3). - ثالثاا: التعريف النبوي الدُّنْيَا: مَتَاعٌ. حديث (م (4):) أخرجه الإمام مسلم ، بسنده، يُحَد ِ ثُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْر و ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ، قَالَ : (الدُّنْيَا مَتَاعٌ، (...)) الحديث. - رابعاا: المعاني و اللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. إن الله قد ذممن كان يريد الدنيا بعمله وسعيه ونيته، وكان ذلك من ذم الدنيا و حقارتها عند الله (5)، كما ورد في قوله : [اعْلَمُوا أَنَّماَ الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِب وَلهَْو وَزِينَة وَتَفَاخُر بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُر فِِ الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْث أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَُِّيجُ فَتَََاهُ مُ صْفَرًّا ثُ مَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِِ الَْخِرَةِ عَذَا شَدِيد وَمَغْفِرَة مِنَ اللهِ وَرِضْوَان وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ ](6). 2. إن المؤمن لا ينبغي له أن يتخذ الدنيا وطنًا ومسكنًا، فيطمئن فيها، ولكن ينبغي أن يكون فيها كأن ه على جناح سفر: يهيئ جهازه للرحيل، وقد اتفقت على ذلك وصايا الأنبياء )1( ينظر: مقاييس اللغة2/303). )2( ينظر: الكليات (ص449.) )3( ينظرالمصدر السابق (ص449.) )4( تقدم، ينظرحديث (171.) )5( ينظر: جامع العلوم والحكم2/178.) )6( (سورة الحديد 20.)
عدد الصفحات ٤٩٠481 وأتباعهم(1)، فقد قال حاكيًا عن مؤمن آل فرعون أن ه قال: [يَا قَوْمِ إِنَّماَ هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاع وَإِن الَْخِرَةَ هِيَ دَارُ القَرَارِ ](2)، وكذلك قول النبي :(وَ مَا الدُّنْيَ ا فِّي الآْخِّرَةِّ إِّلاَّ مِّثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِّصْبَعَهُ هَذِّهِّ - وَأَشَارَ يَحْيَى بِّالسَّبَّابَةِّ - فِّي الْيَم ِّ، فَلْيَنْظُرْ بِّمَ تَرْجِّعُ؟)(3). 3. تعددت أنواع الملاذ في هذه الدنيا، كما ورد في قوله :[زُيِنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِسَاءِ وَالبَنِينَ وَالقَنَاطِيِْ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالَْيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالحَ رْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآَ ِ ](4)،ولكنه بدأ بالنساء؛ لأن الفتنة بهن أشد، لقوله :(مَا تَرَكْتُ بَعْدِّي فِّتْنَةا أَضَرَّ عَلَى الر ِّجَالِّ مِّنَ الن ِّسَاءِّ) (5). 4. إن الله لم يجعل الدنيا مقصودة لنفسها، بل جعلها طريقًا موصلاً إلى ما هو المقصود لنفسه، ولم يجعلها دار إقامة ولا جزاء، وا ن ما جعلها دار بلاء، وا ن ه ملكها في الغالب للجهلة والكفرة، وحماها الأنبياء والأولياء والأبدال، وحسبك بها هو أن ه صغرها وحقرها وأبغضها أو أبغض أهلها ومحبيها، ولم يرض لعاقل فيها إلا بالتزود منها والتأهب للارتحال عنها(6). لذا قد أحسن ما قال: يا هذا: "الدنيا دار غرور، ولا يدوم لها سرور، ولا يؤمن فيها محذو ر، جديدها يبلي، وحبيبها يقلي، الدنيا قدر يغلي، وكنيف يملأ، لا يغرنكم علو الدور والقصور، فإن مآلها إلى الخراب ومآل إلى القبور، لا يغرنكم الثياب الفاخرة، والوجوه النضرة، فإن منقلبها إلى الحافرة، والعظام النخرة "(7). نسأل الله صلاح الدنيا والآخرة، وخيري هما، آمين. )1( ينظر: جامع العلوم والحكم2/377). )2( (سورة غافر 39.) )3( صحيح مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار - باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة (4/2193،ح2858.) )4( (سورة آل عمران 14.) )5( أخرجه الإمام البخاري، كتاب النكاح- باب ما يتقى من شؤم المرأة ( 7/8،ح5096)، وأخرجه الإمام مسلم، كتاب الرقاق – باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء وبيان الفتنة بالنساء ( 4/2097،ح2740)، وينظر: ح2741. )6( ينظر: المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية 1/132.) )7( المجالس الوعظية في شرح أحاد يث خير البرية ( 1/133.)
عدد الصفحات ٤٩١482 2- الرقُ وب - أولاا: التعريف اللغوي: الرَّ قُ وب: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "رَ قَ بَ "، الراء والقاف والباء أصل واحد مطرد، يدل على انتصاب لمراعاة شيء، من ذلك الرقيب، وهو الحافظ، ويقال للمرأة التي ترقب موت زوجها لترثه : الرقوب ، ويقال: أرقبت فلانا هذه الدار، وذلك أن تعطيه إياها يسكنها كالعمرى، ثم يقول له إن مت قبلي رجعت إلي، وا ن مت قبلك فهي لك، وهي من المراقبة، كأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه. ومنه الرقوب : المرأة التي لا يعيش لها ولد كأن ها ترقبه ؛ لعله يبقى لها(1)، ويقال رقبت الشيء أرقبه ر قوبً ا، ورِقْبَةً ورِقْبانًا، إذا رَصَدْتَهُ (2). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي الرَّ قُ وب: "هي المرأة التي ترقب موت ولدها؛ لكثرة من مات لها من الأولاد "(3). - ثالثاا: التعريف النبوي الرَّقُوبِّ: الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُقَد ِمْ مِنْ وَلَدِهِ شَيْئًا. حديث (م (4):) أخرجه الإمام مسلم، بسنده، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُود ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ :(مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِّيكُمْ؟ قَالَ ، قُلْنَا: الَّذِّي لاَ يُولَدُ لَهُ، قَالَ : لَيْسَ ذَاكَ بِّالرَّقُوبِّ ، وَ لَكِّنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِّي لَمْ يُقَد ِّمْ مِّنْ وَلَدِّهِّ شَيْئاا ، (...)) الحديث. - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1 .الرقوب في اللغة: الرجل والمرأة إذا لم يعش لهما ولد، لأن ه يرقب موته ويرصده خوفً ا عليه، فنقله النبي إلى الذي لم يقدم من الولد شيئً ا، أي يموت قبله، تعريفً ا أن الأجر والثواب لمن قدم شيئً ا من الولد، وأن الاعتداد به أكثر، والنفع فيه أعظم، وأن فقدهم وا ن كان في الدنيا عظيمً ا، فإن فقد الأجر والثواب على الصبر والتسليم للقضاء في الآخرة أعظم، وأن المسلم ولده في الحقيقة من قدمه واحتسبه، ومن لم يرزق ذلك فهو كالذي لا ولد له. ولم يقله إبطالاً لتفسيره اللغوي (5). )1( ينظر: مقاييس اللغة2/427.) )2( ينظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية 1/137.) )3( ينظر: التوقيف على مهمات التعاريف (ص 180.) )4( تقدم، ينظر حديث118) )5( النهاية في غريب الحديث والأثر 2/249).
عدد الصفحات ٤٩٢483 2. بيان خُلُق النبي ورحمته بأمته، وشفقته على آلامهم، فلم يقف منهم موقف المتعنت المتشدد الضارب بيد من حديد، لما أصابهم من ألم، إن ما كان الحاني المطمئن والمبشر لهم بجز يل نعم الله على أصحاب البلاء، وعظيم أجره وثوابه وهذه دعوة محمدية صادقة إلى أصحاب الأمارة والقيادة ممن ولي من أمر المسلمين شيئًا، باتباع المنهج النبوي بالتخفيف عن الأمة، ومساندتها في جراحها المتواصلة، ودعمها بكل ما أُتُوا من قوة مادية ومعنوية لأص حاب البلاء، لتبق جذوة الإيمان واليقين برب كريم رحيم مشتعلة في قلوبهم، فتلك رحمة جعلها الله في قلوب عباده من أولياءه 3- الشبه في الولد - أولاا: التعريف اللغوي: الشَّبَهُ : اسم مشتق من الفعل الثلاثي "شَ بَ هَ "، الشين والباء والهاء أصل واحد، يدل على تشابه الشيء وتشاكله لونً ا ووصفً ا، يقال شِبْه وَشَبَه وَشَبِيه . والشَّبَه من الجواهر: الذي يشبه الذهب(1)،و منه أيضًا شِبَه بالتحريك، والجمع مَشابَهُ على غير قياس، وتَشَبَّهَ فلان بكذا. والتَشْبيهُ : التمثيلُ . وأَشْبَهْتُ فلانًا وشابَهْتُهُ (2). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي: الشبه: "هو المثل، و اشتراك الصورة في ظاهر أمرين؛ لشبه كل منهما بالآخر بحيث يخفى خصوص كل منهما"(3). والشَّبَهُ فِّي الوَلَدِّ : هو اشتراك الصورة في الخِلقة بين الولد وأحد والديه، بحيث يُعرَف به إليهم. - ثالثاا: التعريف النبوي: الشَّبَهُ فِّي الوَلَدِّ : إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَشِيَ المَرْأَةَ فَسَبَقَهَا مَاؤُهُ كَانَ الشَّبَهُ لَهُ، وَا ِذَا سَبَقَ مَاؤُهَا كَانَ الشَّبَهُ لَهَا. حديث (م(4):) أخرجه البخاري في صحيحه، بسنده،عَنْ أَنَس ، قَالَ : بَلَغَ عَبْدَ اللَِّّ بْنَ سَلاَم مَقْدَمُ رَسُولِ اللَِّّ الْمَدِينَةَ، فَأَتَاهُ فَقَالَ : (إِّن ِّي سَائِّلُكَ عَنْ ثَلاَثٍ، لاَ يَعْلَمُهُنَّ إِّلاَّ نَبِّي ، قَالَ : (...)، وَمِّنْ أَي ِّ شَيْءٍ يَنْزِّعُ الْوَلَدُ إِّلَى أَبِّيه؟، وَمِّنْ أَي ِّ شَيْءٍ يَنْزِّعُ إِّلَى أَ خْوَالِّهِّ؟، فَقَالَ )1( ينظر: مقاييس اللغة3/243.) )2( ينظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية 6/2236). )3( ينظر: الكليات (ص538)، التوقيف على مهمات التعاريف (ص 97.) )4( تقدم، ينظر حديث2.)
عدد الصفحات ٤٩٣484 رَسُولُ : (...)، وَأَمَّا الشَّبَهُ فِّي الْوَلَدِّ؛ فَإِّنَّ الرَّجُلَ إِّذَا غَشِّيَ الْمَرْأَةَ، فَسَبَقَهَا مَاؤُهُ كَانَ الشَّبَهُ لَهُ، وَا ِّذَا سَبَقَ مَاؤُهَا كَانَ الشَّبَهُ لَهَا، (...)) الحديث. - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. بيان أثر ماء الرجل والمرأة في تخلق الطفل بين الذكورة والأنوثة، حيث يكون الشبه في السبق لأحدهما، وقد يتفق الماآن في الإنزال والقدر وذلك من أندر الأشياء فيخلق للولد ذكر كذكر الرجل ، وفرج كفرج المرأة ، فإذا شاء الله أن يغلب سلة ماء الرجل على ماء المرأة أو سلالتها، أمر ملك الأرحام بتصويره كذلك ، فإن ذلك لا يخل بحكمته ولا يخرق عادته، ولو خرقها لم يخل بحكمة أحكم الحاكمين (1). كما أنه يؤكد ما وصل إليه الطب الحديث من معرفة نوع الجنين، وجنسه، حيث كان الإسلام الأسبق في براء ة الاختراع تلك، ودليل ذلك ما نص عليه حديث التعريف. 2. إن التشابه الواقع بين الظفر والشعر في الوالد والمولود ولم ينفصل بينهما شيء فما أبردها من شبهة ، فإن الظفر والشعر تابعان للأعضاء والمزاج الذي وقع فيه التشابه، فاستتبع تشابه الأصل تشابه التبيع. وأم ا شبه المولود بالجد البعيد من أجداده فهو من أقوى الأدلة؛ لأن ذلك الشبه البعيد لم يزل ينتقل في الأصلاب حتى استقر في صورة الولد وبها حصل الشبه(2)، كما ورد ذلك في جوابه للمرأة بحضرة السيدة عائشة :(وَهَلْ يَكُونُ الشَّبَهُ إِّلاَّ مِّنْ قِّبَلِّ ذَلِّكِّ، إِّذَا عَلاَ مَاؤُهَا مَاءَ الرَّجُلِّ، أَشْبَهَ الْوَلَدُ أَخْوَالَهُ، وَا ِّذَا عَلاَ مَاءُ الرَّجُلِّ مَاءَهَا أَشْبَهَ أَعْمَامَهُ)(3). 3. يتضمن الحديث أمرين ترتب عليهما الأثران معًا، وأي هما انفرد ترتب عليه أثره، ورغم ذلك فيعد هذا جزء سبب ليس بموجب، والسبب الموجب مشيئة الله فقد يسبب بضد السبب، وقد يرتب عليه ضد مقتضاه، ولا يكون في ذلك مخالفة لحكمته، كما لا يكون تعجيزًا لقدرته (4)، وقد أشار إلى ذلك قوله :(إِّن اللَََّّ وَكَّلَ بِّالرَّحِّمِّ مَلَكاا، يَقُولُ : يَا رَب ِّ نُطْفَةٌ، يَا رَب ِّ عَلَقَةٌ، يَا )1( ينظر: التبيان في أقسام القرآن (ص 333.) )2( ينظرالمصدر نفسه (ص333.) )3( صحيح مسلم، كتاب الحيض- باب وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها ( 1/251،ح314.) )4( التبيان في أقسام القرآن (ص 342.)
عدد الصفحات ٤٩٤485 رَب مُضْغَةٌ ، فَإِّذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِّيَ خَلْقَهُ قَالَ : أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى، شَقِّي أَمْ سَعِّيدٌ، فَمَا الر ِّزْقُ وَالأَجَلُ، فَيُكْتَبُ فِّي بَطْنِّ أُم ِّهِّ)(1). وقدأخبر الله أن أمر الخلق عائد إلى مشيئته، وأنه قد يهب الذكور فقط، والإناث فقط، وقد يجمع للوالدين بين النوعين معًا، وقد يخليهما عنهما معًا، وأن ذلك كما هو راجع إلى مشيئته فهو متعلق بعلمه وقدرته، وقد وهب الله آدم الذكور والإناث، وا سرائيل الذكور دون الإناث، ومحمدًا الإناث دون الذكور؛ سوى ولده إبراهيم، ويؤكد على ثبوت ذلك قول الحق : [للهِ مُلْكُ ال سَّماَوَاتِ وَالأَرْضِ يخَْلُقُ مَا يَشَاءُ يََُّبُ لمَِنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيََُّبُ لمَِنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيََْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيم قَدِير ](2). 4. قيل: "إن معرفة السبق في الماء والشب ه من الأمور التي ليس عند أهل الطبيعة ما يدل عليها ولا تعلم إلا بالوحي، وليس في صناعتهم أيضًا ما ينافيها"(3). قالت الباحثة لقد توصل العلم الحديث في الطب المعاصر، وبالتقنيات الجديدة إلى ما هو أبعد من ذلك في معرفة الجنين ونوعه وتشخيصه، ليس تأليًا على الله ، حاشا وكلا، وا ن ما هو شيء من العلم الذي فتح الله به على عباده، ورغم كل ما توصل له لعلم الحديث إلا أنه يبقى في دائرة العجز لما أخفاه الله من أمر الجنين وخصائصه، وقو القائل عز من قال : [وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّ وَمَ ا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ](4)،وا ن ما هي حكمة الله باكتشاف البشر لأسرار الخلق وخبايا قدرة التيما فتئت إلا أن يعتنق مكتشفو ها الإسلام العظيم، وا ن ها لنعمة عظيمة، أرادها الله . )1( أخرجه الإمام البخاري، كتاب الحيض - بَابُ قَوْلِ اللَِّّ { :5 ] (1/70،ح318)، وينظر: ح3333، وح 6595، وأخرجه الإمام مسلم، كتاب القدر - باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته ( 4/2038،ح2646.) )2( (سورة الشورى49،50.) )3( ينظر: مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة 1/259.) )4( (سورة الإسراء 85.)
عدد الصفحات ٤٩٥486 4- الض ِّبَاب - أولاا: التعريف اللغوي: الض ِّبَابِّ: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "ضَ بَّ "، الضاد والباء أصل واحد يدل عظمه على الاجتماع. ومنه ضَبِبَ الْبَلَدُ : كَثُرَ ضَبَابُهُ ، والضب من دواب الأرض معروف، وسُ مي لتجمع خلقه ولحمه؛ والجمع ضِ باب(1)،وأضب، والأنثى ضَبَّة ، وهي دويبة، ومنه قولهم: "لا أفعله حت ى يرد الضب "؛ لأن الضب لا يشرب ماء، وضَبِبَ البلد وأضبَّ أيضًا ، أي كثُرت ضِبابه . وأرض ضَبِبَة : كَثيرة الضباب، ووقعنا في مضاب منكرة، وهي قِطع من الأرض كثيرة الضباب، الواحدة مضبة(2). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي الض ِّبَابِّ: "هي من الحشرات من مما صغر من دَوَاب الأَرْض، من دواب بادية الحجاز معروف عندهم"(3)، والضِّبَاب: واحده الضَبَّ: "وهو حيوان من جنس الزواحف من رتبة العظاء "السحالي"، جسمه خشن غليظ له ذنب عريض حرش أعقد، يكثر في صحاري الأقطار العربية" (4). - ثالثاا: التعريف النبوي الض ِّبَابِّ: أُ مَّةً مُسِخَتْ. حديث (181:) أخرجه الإمام ابن ماجه (5)، بسنده(6)، عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِي ِ ، قَالَ : (نَادَى رَسُولَ اللََِّّّ رَجُلٌ مِّنْ أَهْلِّ الصُّفَّة (7)، حِّينَ انْصَرَفَ مِّنَ الصَّلاَةِّ، فَقَالَ )1( مقاييس اللغة3/357.) )2( ينظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية ( 1/167.) )3( ينظر: كفاية المتحفظ ونهاية المتلفظ في اللغة العربية (ص 149)، تفسير غريب ما في الصحيحين البخاري ومسلم (ص160.) )4( معجم اللغة العربية المعاصرة 2/1344.) )5( سنن ابن ماجه، كتاب الصيد- باب الصب (2/1079،ح3240.) )6( سند الحدي ث: قال الإمام ابن ماجه: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْد ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِي ِ ، قَالَ...(الحديث )7( أهل الصفة: "همفقراء المهاجرين، ومن لم يكن له منهم منزل يسكنه فكانوا يأوون إلى موضع مظلل في مسجد المدينة يسكنونه". النهاية في غريب الحديث والأثر ( 3/37.)
عدد الصفحات ٤٩٦487 يَا رَسُولَ : إِّنَّ أَرْضَنَا أَرْضٌ مَضَبَّةٌ (1)، فَمَا تَرَى فِّي الض ِّبَابِّ قَالَ: بَلَغَنِّي أَنَّهُ، أُمَّةا مُسِّخَتْ، فَلَمْ يَأْمُرْ بِّهِّ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ) (2). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. انصراف نفس النبي عن أكل الضب، وكرهه لذلك؛ إن ما كان من وجه الكراهة لا التحريم، والأصل فيه أن ه حلال، لكنه مستقذر طبعًا، لا يوافق كل ذي طبع شريف، وقد دلل على صحة ذلك حديث ابن عباس ، قَالَ: (أَهْدَتْ أُمُّ حُفَيْدٍ خَالَةُ ابْنِّ عَبَّاسٍ إِّلَى النَّبِّي ِّ أَقِّطاا وَسَمْناا وَأَضُبًّا، فَأَ كَلَ النَّبِّيُّ مِّنَ الأَقِّطِّ وَالسَّمْنِّ، وَتَرَكَ الضَّبَّ تَقَذُّراا)، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : (فَأُكِّلَ عَلَى مَائِّدَةِّ رَسُولِّ اللََِّّّ ، وَلَوْ كَانَ حَرَاماا مَا أُكِّلَ عَلَى مَائِّدَةِّ رَسُولِّ اللََِّّّ )(3)، فلذلك من )1( مُضِبَّة أو مَضَبَّة: بالضم والكسر، أو الفتحتان، وهما لغتان، وبالفتح أصح، يقال أَضَبَّتْ أرض فلان: إِذَا كَثُرَ ضِ بَابُهَا، وهي أرض مَضَبَّة: أَيْ ذَاتُ ضِبَاب كثيرة ، وجمع المَضَبَّةِ: مَضَاب . ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ( 3/70.) )2( دراسة الحديث - أولاا: دراسة رجال الإسناد: جميع رجاله من الثقات، ولا يضر ما قيل في: داود بن أبي هند: "ثقة متقن، كان يهم بأخرة". تقدم، ينظر حديث (80.) - ثانياا: تخريج الحديث أخرجه الإمام مسلم، كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان - باب إباحة الضب (3/1546،ح1951)، من طريق داود بن أبي هند، وأبي عقيل الدورق ي، كلاهما، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد ، وبألفاظ متقار بة، مرفوعًا. قالت الباحثة: لقد وقع الاختيار في الدراسة على رواية ابن ماجه دون مسلم؛ لأنها أنسب وأوضح كتعريف مما دونها، والله أعلم. - ثالثاا: الحكم على سند الحديث: إسناده صحيح، لأجل رجاله الثقات، ولا يضره وهم داود بن أبي هند؛ لأجل المتابعة (يراجع التخريج) ، وقد صححه الإمام الألباني –رحمه الله-. ينظر: صحيح وضعيف سنن ابن ماجة (7/240). )3( أخرجه الإمام البخاري، كتاب قبول الهبة وفضلها والتحريض عليها– باب قبول الهدية (3/155،ح2575)، وينظر: ح2402، وح 7358، وأخرجه الإمام مسلم، كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الضب – باب إباحة الضب (3/1543،ح1945)، وينظر: ح2947، وح 2948 .
عدد الصفحات ٤٩٧488 يقول بحرمته، يقول كان هذا قبل نزول قوله تعالى [وَيُُِلُّ لهَُمُ الط يِبَاتِ وَيَُُرِمُ عَلَيْهِمُ الَْبَائِثَ ](1)، وبعد نزوله حرم الخبائث والضب من جملته؛ لأنه كان يستقذره والله أعلم(2). 2. تقول العرب : "الضب قاضي الطير والبهائم"، ويقولون : "إن ها اجتمعت إليه أول ما خلق الإنسان فصفو ه له، فقال: تصفون خلقًا ينزل الطير من السماء والحوت من الماء؟!، فمن كان ذا جناح فليطر، ومن كان ذا حافر فليحفر"(3). 3. رجح أهل العلم في كراهة الضباب بسبب كونها مما مسخ قد ارتفعت، و ذلك لأن ها ليست مما مسخ، ولا مما مسخ شيء في صورتها؛ فحلَّ ت، وما يُؤمَن من هذا الظن بيقين أن الكراهة أو المنع قد ارتفعت وأزيلت في الضب؛ لأن ليس هناك ما مُسِخ، ويؤكد على ذلك حديث أم حبيبة ( :أن رجلاا قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِّ ، الْقِّرَدَةُ وَالْخَنَازِّيرُ، هِّيَ مِّمَّا مُسِّخَ؟، فَقَالَ النَّبِّيُّ :إِّن اللهَ لَمْ يُهْلِّكْ قَوْماا، أَوْ يُعَذ ِّبْ قَوْماا، فَيَجْعَلَ لَهُمْ نَسْلاا، وَا ِّنَّ الْقِّرَدَةَ وَالْخَنَازِّيرَ كَانُوا قَبْلَ ذَلِّكَ)(4) . فصح يقينا أن تلك المخافة والقول بالمسخ إن ما هي منه ، والله أعلم(5). 4. بيان طبيعة النفس البشرية في القبول وا لرفض للأشياء؛ وقد نجدها تعف شيئًا من الحلال، وهذا لا يتعارض مع ما أحل الله ، بل إن حديث النبي في كراهة أكل الضب خير دليل على اختلاف طبائع النفوس وقبولها، ومع ذلك فإن ما يتعارض أن نجد من يحرم هذا الحلال تماشيًا مع هواه ونفسه، فهنا لا بد من توجيه أصابع الحجة البينة نحوه، ودحض هواه وما أفتى، بما نص به الحق في كتابه[يَا أَيَُُّّا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تََُرِمُوا طَيِبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُُِبُّ المُعْتَدِينَ ](6). )1( (سورة الأعراف 157.) )2( ينظر: حاشية السندي على سنن ابن ماجه2/297)، وبتصرف )3( نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار 13/88.) )4( صحيح مسلم، كتاب القدر- باب بيان أن الآجال والأرزاق وغيرها لا تزيد ولا تن قص عما سبق به القدر (4/2051،ح2663.) )5( ينظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح 26/541)، وبتصرف )6( (سورة المائدة 87.)
عدد الصفحات ٤٩٨