457 المبحث الرابع: التعريفات من بداية حرف الكاف إلى نهاية حرف الياء 1- الكامل من النساء - أولاا: التعريف اللغوي: الكامل: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "كَمَلَ"، الكاف والميم واللام أصل صحيح، يدل على تمام الشيء، يقال: كمَل الشيء وكمُل فهو كامل، أي تام(1)، ومنه قول :[اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَ كُمْ وَأَتَْْمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ](2)، وكَمَلَ الشيء يكمُل كمالاً، ولغة أخرى: كَمُلَ يَكْمُل، فهو كامل في اللغتين، وأكملت الشيء أي أجملته وأتممته، والكمال: التمام الذي يجزأ منه أجزاؤه، يقال: لك نصفه، وبعضه، وكماله(3). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي الكامل: "هو حصول ما فيه الغرض منه" (4). الكامل من النساء"القليل منهن، ويعد ذلك محصورًا فيهما باعتبار الأمم السابقة، وأن كل واحدة منهما خير نساء الأرض في عصرها" (5)،والكامل من النساء: "هما الصِ دِ يقتان ووليتان من أولياء الله تعالى، المتناهية أوصافهن في جميع الفضائل وخصال البر والتقوى (6). - ثالثاا: التعريف النبوي الكامل من النساء: آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَا ِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى الن ِسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ . )1( ينظر: مقاييس اللغة5/139.) )2( (سورة المائدة 3.) )3( ينظر: تهذيب اللغة10/148.) )4( ينظر: المفردات في غريب القرآن (ص 726.) )5( ينظر: تحفة الأحوذي5/459()10/265.)
عدد الصفحات ٤٦٧458 حديث173 :)أخرجه الإمام البخاري(1)، بسنده(2)، عَنْ أَبِي مُوسَى الأشعري ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَِّّ ﷺ: (كَمَلَ مِّنَ الر ِّجَالِّ كَثِّيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِّنَ الن ِّسَاءِّ: إِّلاَّ آسِّيَةُ امْرَأَةُ فِّرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِّنْتُ عِّمْرَانَ، وَا ِّنَّ فَضْلَ عَائِّشَةَ عَلَى الن ِّسَاءِّ كَفَضْلِّ الثَّرِّيدِّ (3) عَلَى سَائِّرِّ الطَّعَام (4). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. إن الكمال الحقيقي هو التباهي والتمام في الدين، ويقال: كمال المرء في سنة العلم والحق والعدل والصواب والصدق والأدب، والكمال في هذه الخلال موجود في كثير من الرجال بفضل العقول وتفاوتها، ولم يكمل من النساء إِلاَّ آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، كما أخبر الصادق المصدوق ،وليس في الاقتصار عليهما حصر للكمال فيهما، والله أعلم(5). 2. استدل بعضالعلماء بكمال النساء على القول بنبوة النساء ونبوة آسية ومريم، ولكن رأي الجمهور على أنهما ليستا نبيتين؛ بل هما صِدِ يقتان ووليتان من أولياء الله ، ولفظة الكمال تطلق على تمام الشيء، وتناهيه في بابه، والمراد هنا التناهي في جميع الفضائل وخصال البر والتقوى، والله أعلم(6). 3. قول النبي: (وَا ِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى الن ِسَاءِ) لا يلزم منه ثبوت الأفضلية المطلقة؛ بل يخص بنحو نساء هذه الأمة، وقد أشير إلى أن أفضليتها التي يدل عليها هذا الحديث، مقيدة بنساء النبي ، والله أعلم(7). )1( صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء- بَابُ قَوْلِ اللَِّّ تَعَالَى [11]12( ]4/158،ح3411.) )2( سند الحديث قال الإمام البخاري: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَر ، حَدَّثَنَا وَكِيع ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ مُرَّةَ الهَمْدَانِي ِ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأشعري ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَِّّﷺ...(الحديث). )3( الثريد: "أي المتخذ من الخبز واللحم". ينظر إرشاد الساري (6/142.) )4( تخريج الحديث أخرجه الإمام البخاري أيضًا، كتاب أحاديث الأنبياء - باب قوله تعالى يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم 45( ]4/164،ح3433)، وينظر: ح3469، وح5418. وأخرجه الإمام مسلم، كتاب الفضائل - باب فضائل خديجة أم المؤمنين (4/1886،ح2431.) وكلا الشيخان؛ البخاري ومسلم، من طرق متعددة، عن شعبة، بسنده، وبألفاظ متماثلة، من حديث أبي موسى الأشعري ، مرفوعًا إلى النبيﷺ. (5( ينظر: التنوير شرح الجامع الصغير 8/239.) (6( ينظر: شرح النووي على مسلم15/198.) (7( ينظر: إرشاد الساري6/142.)
عدد الصفحات ٤٦٨459 2- لعن الرجل والديه - أو لاا: التعريف اللغوي: لَعْنُ: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "لَعَنَ" (1)،وهو طرد وا بعاد على سبيل السخط، وهو لله تعالى في الدنيا، انقطاع عن قبول فيضه وتوفيقه، في الآخرة عقوبة، ومن الإنسان دعاء على غيره. والتلاعن والملاعنة أن يلعن كل منهما نفس ه وصاحبه(2). والديه هما الأب والأم، معروف. - ثانياا: التعريف الاصطلاحي: اللَعْنُ: "هو إبعاد في المعنى والمكانة والمكان إلى أن يصير الملعون بمنزلة النعل في أسفل القامة يلاقي به ضرر الموطئ(3). ولعن الرجل والديه "هو سب غير مباشر، بأن يسب شخص أبا شخص آخر، فيسب هذا أبويه، انتصارًا لنفسه، وانتقامًا مضاعفًا لعرضه، فذلك سب من الأول لأبويه، لأنه تسبب فيه"(4). - ثالثاا: التعريف النبوي لَعْنُ الرَّجُلُ وَالِّدَيْهِّ: يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ حديث (174:) أخرجه الإمام البخاري(5)، بسنده(6)، عَنْ عَبْدِ اللَِّّ بْنِ عَمْر و ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَِّّ ﷺ: (إِّنَّ مِّنْ أَكْبَرِّ الكَبَائِّرِّ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِّدَيْهِّ، قِّيلَ: يَا رَسُولَ اللََِّّّ ﷺ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِّدَيْهِّ؟ قَالَ : يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِّ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ (7). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. يعتبر هذا الحديث أصل في قطع الذرائع، وأن من آل فعله إلى محرم وا ن لم يقصده فهو كمن قصده وتعمده في الإثم، فإن ا لنبي نهى أن يلعن الرجل والديه، فكان ظاهر هذا أن (1( تقدم. ينظر حديث131.) (2( ينظر: التوقيف على مهمات التعاريف (ص 289.) (3( ينظرالسابق (ص289.) (4( ينظر: الأدب النبوي (ص113.) (5( صحيح البخاري، كتاب الأدب- باب لا يسب الرجل والديه ( 8/3،ح5973) (6( سند الحديث حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَ ا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْد ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِاللَِّّ بْنِ عَمْر و ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَِّّﷺ...(الحديث). (7( تخريج الحديث أخرجه الإمام مسلم، كتاب الإيمان - باب بيان الكبائر وأكبرها ( 1/92،ح90)، من طريق: (ابن الهادِ، وشعبة، وسفيان) عن سعد بن إبراهيم، بسنده، ومثله، مرفوعًا.
عدد الصفحات ٤٦٩460 يتولى الابن لعنهما بنفسه، فلم ا أخبر النبي أن ه إذا سب أبا الرجل وسب الرجل أباه وأمه، كان كمن تولى ذلك بنفسه، وكان ما آل إليه فعل ابنه تعالى: [وَلاَ تَسُبُّوا ا لَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيِْْ عِلْم ](1)، والثانية: [يَا أَيَُُّّا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا ](2)،وهذه من إحدى آيات قطع الذرائع في كتاب الله (3). 2. إن السؤال عن كيف ية لعن الرجل والديه؛ إن ما هو استبعاد من السائل؛ لأن الطبع المستقيم يأبى ذلك، فبي ن في الجواب أن ه وا ن لم يتعاط السب بنفسه في الأغلب الأكثر، لكن قد يقع منه التسبب فيه وهو مما يمكن وقوعه كثيرًا(4). 3. لما كان سب الأب بلا واسطة مستبعدًا في زمن النبي ، احتاج في تصويره إلى تكلف لكي يفهم، فجعله سابًا لأبيه بواسطة سبه أب رجل آخر، فإن ه ينجر إلى سب أبيه بنفسه، ففيه دليل على أن النبي رُب ما لا يريد الاستقصاء بالجزئيات التي هي آتية في الغابر، كما ترى فيما نحن فيه، حيث عدل في تصوير السب إلى التسبيب، مع أن ه لا يحتاج في زماننا إلى تصوير، فإن البعض يسب أباه اليوم كفاحًا، وقاحة بلا واسطة، فمن ادعى أن الجزئيات بأسرها حاضرة عند النبي ، حضورها عند خالقها ، فقد افترى إثمًا عظيمًا، ولو استقصى الأبناء بالجزئيات كلها، لكان حق الجواب أن ه، وا ن لم يكن اليوم هكذا، لكنه كائن، ولم يحتج في تصويره إلى تسبيب، والله أعلم(5). 4. الدعوة إلى بر الوالدين في حضورهما وغيابهما، وتجنب كل أنواع عقوقهما، وذلك من خلال الذود عن أعراضهما، بكف السب والشتم في حق آباء غيرهم، وا لا يلزم رد أثر ذلك عليهما بفعل من تطاول من أبنائهما، و قد أمرنا الله ببرهما فقال [ وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَََ أَحَدُهَُُا أَوْ كِلاَهَُُا فَلاَ تَقُلْ لهَُماَ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهَُُا وَقُلْ لهَُماَ قَوْلاً كَرِيماً (6). (1( (سورة الأنعام 108.) (2( (سورة البقرة 114.) (3( ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال9/192.) (4( ينظر: فتح الباري10/403.) (5( فيض الباري على صحيح البخاري6/119.) (6( (سورة الإسراء 23.)
عدد الصفحات ٤٧٠461 3- المؤذنون تقدم ذكره (1) . 4- يوم الجمعة - أولاا: التعريف اللغوي: يوم: اسم مشتق من الفعل الثلاثي، "يَوَمَ" الياء والواو والميم: كلمة واحدة، هي اليوم: الواحد من الأيام، ثم يستعيرونه في الأمر العظيم ويقولون نعم فلان في اليوم إذا نزل ، والأصل في أيام أيوام، لكنه أدغم (2). الجمعة اسم مشتق من الفعل الثلاثي "جَمَعَ"، الجيم والميم والعين أصل واحد، يدل على تضام الشيء. يقال: جمعت الشيء جمعًا، وأجمعت على الأمر إجماعًا وأجمعته(3)، والجُمُعَة، والجُمْعَة، والجُمَعة: يوم الْعرُوبَة، سمي به؛ لاجتماع الناس فيه(4)، ويوم الجُمْعة أحد الأيام(5). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي اليوم: مدة كون الشمس فوق الأرض عرفًا، وهو الوقت المطلق لغة، ليلاً كان أو نهارًا، طويلاً أو قصيرًا (6)، وهو المراد بقوله [مَالِكِ يَوْمِ الدِينِ ](7). ويوم الجمعةهو يوم من أيام الأسبوع، وهو اليوم المعروف والمشهور. - ثالثاا: التعريف النبوي: يوم الجمعة: خَيْرُ يَوْم طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَلاَ تَقُومُ السَّاعَةُ إِلاَّ فِيه. )1( تقدم. ينظر حديث87.) (2( ينظر: مقاييس اللغة6/159.) (3( ينظرالسابق (1/479.) (4( ينظر: المحكم والمحيط الأعظم1/350.) (5( شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم 2/1157.) (6( التوقيف على مهمات التعاريف (ص 348.) (7( (سورة الفاتحة 4.)
عدد الصفحات ٤٧١462 حديث175:) أخرجه الإمام مسلم (1)، بسنده(2)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِي ﷺ قَالَ: (خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِّ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِّ، فِّيهِّ خُلِّقَ آدَمُ، وَ فِّيهِّ أُدْخِّلَ الْجَنَّةَ، وَفِّيهِّ أُخْرِّجَ مِّنْهَا، وَلاَ تَقُومُ السَّاعَةُ إِّلاَّ فِّي يَوْمِّ الْجُمُعَةِّ) (3). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. اختلف العلماء في سبب تسمية يوم الجمعة بهذا الاسم على النحو التالي(4): أ- لأن الله جمع فيه خلق آدم. ب- وقيل: إن ما سميت الجمعة في الإسلام، وذلك لاجتماعهم في المسجد. ت- وقيل: إن ما سمي يوم الجمعة؛ لأن قريشًا كانت تجتمع إلى قصي في دار الندوة. 2. إن يوم الجمعة خير يوم طلعت عليه الشمس، وفيه خلق آدم ، وفيه أهبط، وفيه ورد إخبار عن وقوع الأمور العظام فيه، واختصاصها به في الأغلب دون سائر الأيام، وذلك حض على الاستكثار من الطاعات فيه وزجر عن مواقعة المعاصي (5). 3. بيان عظيم شأن يوم الجمعة، فيجب السعي إلى ذكر فيه وترك الدنيا بملهياتها، وذلك امتثالاً لقول ه :[يَا أَيَُُّّا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىَ ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا البَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْْ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ](6). (1( صحيح مسلم، كتاب الجمعة- باب فضل يوم الجمعة (2/585،ح854.) (2( سند الحديث قال الإمام مسلم: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيد ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ يَعْنِي الْحِزَامِيَّ، عَنْ أَبِي الز ِنَادِ، عَنِ الأَْعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِي ﷺ، قَالَ...(الحديث). (3( تخريج الحديث أخرجه الإمام البخاري، كتاب الجمعة - باب الساعة التي في يوم الجمعة ( 2/13،ح935)، وينظر 5294، وح 6400. وأخرجه الإمام مسلم أيضًا، كتاب الجمعة - باب في الساعة التي في يوم الجمعة (2/583،ح852)، وينظر: ح854. وكلا الشيخان؛ البخاري، ومسلم، بطرق متعددة، وألفاظ متقاربة، من حديث أبي هريرة، مرفوعًا (4( ينظر: المحكم والمحيط الأعظم1/350.) (5( ينظر: المنتقى شرح الموطأ 1/201.) (6( (سورة الجمعة 9.)
عدد الصفحات ٤٧٢463 الفصل الخامس التَّعريفات النَّبوية في موضوعات أخرى
عدد الصفحات ٤٧٣464 المبحث الأول: التعريفات من بداية حرف الألف إلى نهاية حرف الخاء 1- أرض أجَادِّ بُ - أولاا: التعريف اللغوي: أَجَادِّبُ: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "جَ دَ بَ "، الجيم والدال والباء أصل واحد يدل على قلة الشيء، فالجَ دْ ب: خلاف الخصب، ومكان جديب. ومن قياسه الجدب، وهو العيب والتنقص(1)، والأجادب: الأرض الصلبة، وقال في موضع آخر: الأجادب: أراض لا نبات بها، مأخوذ من الجدوبة، وهي القحط(2)، وأجادب قد يكون جمع: أجْدُب أجْدُب الذي هو جمع: جَدْب(3)،ومنه أَرْض جَدْب: مُجدِبة، والجمع: جُدُوب، وقد قالوا: أرضون جَدْب كالواحد، فهو على هذا وصف بالمصدر(4). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي أرض أَجَادِّبُ: "هي الأرض الصلبة التي تمسك الماء"(5). - ثالثاا: التعريف النبوي أرض أَجَادِّبُ: أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللَُّّ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَ أَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى. حديث (176:) أخرجه الإمام البخاري(6)، بسنده(7)، عَنْ أَبِي مُوسَى ، عَنِ النَّبِي ِ قَالَ: (مَثَلُ مَا بَعَثَنِّي اللََُّّ بِّهِّ مِّنَ الهُدَى وَالعِّلْمِّ، كَمَثَلِّ الغَيْثِّ الكَثِّيرِّ أَصَابَ أَرْضاا، فَكَانَ مِّنْ هَا نَقِّيَّةٌ، قَبِّلَتِّ المَاءَ، فَأَنْبَتَتِّ الكَلََ (8) وَالعُشْبَ الكَثِّيرَ، وَكَانَتْ مِّنْهَا أَجَادِّبُ، أَمْسَكَتِّ المَاءَ، فَنَفَعَ اللََُّّ بِّهَا النَّاسَ، فَشَرِّبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِّنْهَا طَائِّفَةا أُخْرَى، إِّنَّمَا هِّيَ قِّيعَانٌ لاَ تُمْسِّكُ مَاءا وَلاَ تُنْبِّتُ كَلَا، فَذَلِّكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِّي دِّينِّ اللََِّّّ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِّي اللََُّّ بِّهِّ فَعَلِّمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ )1( ينظر: مقاييس اللغة1/435.) )2( ينظر: تفسير غريب ما في الصحي حين البخاري ومسلم (ص80.) )3( ينظر: مقاييس اللغة1/435.) )4( ينظر: المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث 1/300.) )5( ينظر: المحكم والمحيط الأعظم7/345.) )6( صحيح البخاري، كتاب العلم- باب فضل من علم وعلم ( 1/27،ح79.) )7( سند الحديث قال الإمام البخاري: حَ دَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاَءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَِّّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، عَنِ النَّبِي ِ ﷺ قَالَ...(الحديث). )8( الكلأ: "أي النبات والعشب، وسواء رطبه ويابسه". ينظر: النهاية ف ي غريب الحديث والأثر ( 4/194.)
عدد الصفحات ٤٧٤465 يَرْفَعْ بِّذَلِّكَ رَأْساا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللََِّّّ الَّذِّي أُرْسِّلْتُ بِّهِّ)، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَِّّ : قَالَ إِسْحَاقُ : (وَكَانَ مِّنْهَا طَائِّفَةٌ قَيَّلَتِّ المَاءَ، قَاعٌ يَعْلُوهُ المَاءُ، وَالصَّفْصَفُ المُسْتَوِّي مِّنَ الأَرْضِّ)(1). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. استخدام النبي لطريقة ضرب الأمثال في الدين، والعلم، والتعليم، لما لذلك أثره في نفوس المتعلمين، وتحقيق الهدف من التفهم والتعلم. 2. بيان اختلاف أحوال الناس؛ فمنهم من تكون قلوبهم متهيئة لقبول العلم، لكنها ليس لها رسوخ، فهي تقبل وتمسك، حتى يأتي متعطش فيُروى منها ويَرِد على منهل يحيا به، وتسقى به أرض نقية فتنبت وتثمر، وهذه حال من ينقل العلم ولا يعرفه ولا يفهمه(2). 3لا . ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه، فإن صاحب الفهم إذا ضيع نفسه فلم يتعلم، أفضى إلى رفع العلم؛ لأن البليد لا يقبل العلم، فهو عنه مرتفع . فلو لم يتعلم الفهم لارتفع العلم عنه أيضًا ، فيرتفع عمومًا، وذلك من الأشراط التي لا تقارن في الوجود إلا شرار الخلق، فعلى الناس أن يتوقوها ما أمكن(3). 4. الإشارة إلى أثر العلم في النفوس واختلافه باختلافها، فتنقسم تلك النفوس إلى أقسام عد ة، وهي(4): أ- فريق طيب النفس، كالأرض الطيبة؛ إذا نزل صيب آية من القرآن الكريم في تلك النفوس الطيبة حييت به القلوب الهامدة، فأوحت للمرء بالأعمال الصالحة، وأخذ يعلم الناس ما علم وينفعهم بما به انتفع، وهذا الفريق هو الذي قال الله فيه: قل [قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاء ](5). ب- فريق خبثت نفسه، وفسدت فطرته، ومات استعداده، فهذا إن قرعت أذنه آي الوحي ولى مستكبرًا كأن لم يسمعها، كأن في أذنيه وقرًا، لا يرفع به رأسًا، ولا يفتح له قلبًا، ولا يقبل منه هدى، كالأرض المستوية؛ فلا هي انتفعت بالماء ولا هي أمسكته على ظهرها، فإن هذه النفوس )1( تخريج الحديث أخرجه الإمام مسلم، كتاب الفضائل - باب بيان مثل ما بعث به النبي ﷺ من الهدى والعلم (4/1787،ح2282)، من طريق (أبي بكر بن أبي شيبة، وأبو عامر الأشعري، ومحمد بن العلاء)، ثلاثتهم؛ عن أبي أسامة "حماد بن أسامة"، بسنده، ومثله، مرفوعًا إلى النبي ﷺ. )2( ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال1/163.) )3( ينظر: المتواري على أبواب البخاري (ص60 .) )4( ينظر: الأدب النبوي (ص22)، وبتصرف )5( (سورة فصلت 44 .)
عدد الصفحات ٤٧٥466 لم تنتفع بالوحي ولم تنفع به، فكان مثله كمثل الأرض الخبيثة، فكان كالذي قال الله فيه: [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتهَُمْ أَمْ لمَْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللهُ عَلََ قُلُوبِِِّمْ وَعَلََ سَمْعِهِمْ وَعَلََ أَبْ صَارِهِمْ غِشَاوَة وَلهَُمْ عَذَا عَظِيم ](1). ت- فريق ثالث بين الفريقين، كالأرض الصلبة، ومثلهم مثل ذلك الشخص الذي سمع القرآن؛ فعقله وفهمه، ووقف على أحكامه، وحلاله وحرامه، ولكن لم يعمل به في خاصة نفسه، ولكن دعا الناس إليه علمهم ما تعلم، فهو كالذين قال الله فيهم: [أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالبَِِ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتَا َ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ](2)، فهذا قد نفع الله به العباد، وجعله معبر خير لهم، ولم ينتفع هو بما علم وعلم، وكان حريًا به أن يهذب نفسه بما هذب به غيره ، كي لا يكون كمن قال الله فيهم: [يَا أَيَُُّّا الَّذِينَ آَمَنُوا لمَِ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ ](3) . 2- أرض قيعَ ان - أولاا: التعريف اللغوي: قِّيعَانٌ: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "قَ وَ عَ "، القاف والواو والعين أصل يدل على تبسط في مكان، من ذلك القاع: الأرض الملساء. والألف في الأصل واو، يقال في التصغير قويع(4)، والقاعُ : المستوي من الأرض، والجمع أقْوُع وأقْواع وقيعان ، صارت الواو ياء لكسرة ما قبلها. والقيعة مثل القاع، وهو أيضً ا من الواو، وبعضهم يقول هو جمع(5)، كما في قوله [وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْماَلهُُمْ كَسََْا بِقِيعَة ](6)، وكذلك قوله تعالى أيضًا: [وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّ نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا ](7). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي أرض قِّيعَانٌ: "هي أرض مستوية عما يحيط بها من الجبال والآكام، تنصب إليها مياه الأمطار فتمسكها ثم تنبت العشب"(8). )1( (سورة البقرة 6،7.) )2( (سورة البقرة 44.) )3( (سورة الصف 2.) )4( ينظر: مقاييس اللغة (5/42 .) )5( ينظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية 3/1274.) )6( (سورة النور 39.) )7( (سورة طه 105،106.) )8( معجم اللغة العربية المعاصرة 3/1871.)
عدد الصفحات ٤٧٦467 - ثالثاا: التعريف النبوي أرض قِّيعَانٌ: لاَ تُمْسِكُ مَاءً وَلاَ تُنْبِتُ كَلأًَ. حديث (م(1):) عَنْ أَبِي مُوسَى ، عَنِ النَّبِي ِ قَالَ: ((...)، وَأَصَابَتْ مِّنْهَا طَائِّفَةا أُخْرَى، إِّنَّمَا هِّيَ قِّيعَانٌ لاَ تُمْسِّكُ مَاءا وَلاَ تُنْبِّتُ كَلَا) الحديث. - ر ابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. إنه لا يقبل ما أنزل الله من الهدى والدين إلا من كان قبله نقيًا من الإشراك والشك، ولكن هناك بعض القلوب التي تمنعت عن الهدى، ومنعت نفسها عن الخير، فإن ما هي قلوب تسمع الكلام، فلا تحفظه، ولا تفهمه، فهي لا تنتفع به، ولا تنبت شيئًا، كالسباخ المالحة التي لا تمسك الماء ولا تنبت كلأ(2)، نسأل العافية 2. بيان النبي لأحوال الناس واختلافاتهمفي تشرب العلم والان تفاع به في زمانه ، حيث الزمن الذي عشق فيه المؤمنون العلم، ومآربه، وتسابقوا في النهل منه، إن ما يدلل على وقوع ذلك الاختلاف بين أهل العلم، وطالبيه، على اختلاف الزمان والمكان، حيث نجده بيننا في هذا الزمان، وعلى صورته الأوسع. كما أن ه أخبر فيه ببعض غيبيات ما أطلعه الله عليه، وهذه إشارة إلى صدق كَلِمِه، كيف لا؟!، وهو [وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْي يُوحَى ](3). وكذلك دلالة شفقته على الناس من أمته، يدلهم على كل ما ينفعهم، ويحذرهم مما يضرهم (4)، كما بين ذلك رب العزة :[لَقَدْ جَاءَكُمْ رَ سُول مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيز عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيص عَلَيْكُمْ بِالمُْؤْمِنِينَ رَءُوف رَحِيم (5). 3. تنبيه أهل العلم والعلماء من الاغترار بالنفس وقوة العلم، فلا يرى في نفسه حاجة للاستزادة والتزود بزاد الإيمان والتقوى والعلم، وذلك احترازًا من الوقوع في براثن تلك الفئة الضالة المضلة لنفسها التي وصفها النبي في سابق حديثه. فنسأله الثبات على الحق، والإخلاص في القول والعلم والعمل، آمين )1( تقدم، ينظر حديث176.) )2( ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال1/163)، وبتصرف )3( (سورة ا لنجم: 4.) )4( ينظر: موسوعة فقه القلوب2/1599.) )5( (سورة التوبة 128.)
عدد الصفحات ٤٧٧468 3- أرض نقيَّ ةٌ - أولاا: التعريف اللغوي: نَقِّيَّةٌ: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "نَ قَ يَ "، النون والقاف والحرف المعتل أصل يدل على نظافة وخلوص، و منه نقيت الشيء: أي خلصته مما يشوبه تنقية، وكذلك يقال: انتقيت الشيء كأنك أخذت أفضله وأخلصه، والنقاوة: أفضل ما انتقيت من شيء(1)، ونقية مؤنث، جمع مؤ نثها نقيات ونقايا: وهي صفة مشبهة تدل على الثبوت من نقي(2). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي أرض نَقِّيَّةٌ: "هي الأرض الطيبة المعدن، الخالصة من عوائق الإنبات"(3). - ثالثاا: التعريف النبوي أرض نَقِّيَّةٌ: قَبِلَتْ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتْ الْكَلأََ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ. حديث (م(4):) أخرجه الإمام ال بخاري، بسنده، عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِي ِ قَالَ: (مَثَلُ مَا بَعَثَنِّي اللََُّّ بِّهِّ مِّنْ الْهُدَى وَالْعِّلْمِّ كَمَثَلِّ الْغَيْثِّ الْكَثِّيرِّ أَصَابَ أَرْضاا فَكَانَ مِّنْهَا نَقِّيَّةٌ قَبِّ لَتْ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتْ الْكَلََ وَالْعُشْبَ الْكَثِّيرَ ، (....)) الحديث. - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. لا يقبل المرء ما أنزل الله من الهدى والدين؛ إلا من كان قبله نقيًا من الإشراك والشك؛ فالنفس التي قبلت العلم والهدى كالأرض المتعطشة إليه، فهي تنتفع به فتحيا فتنبت. فكذلك هذه القلوب البريئة من الشك والشرك، المتعطشة إلى معالم الهدى والدين، إذا وعت العلم حيت به، فعملت وأنبتت بما تحيا به أرماق الناس المحتاجين إلى مثل ما كانت القلوب الواعية تحتاج إليه(5). 2. بيان فضل العلم والتعلم، فقد شبه صاحب العلم في نفعه للخلق بالغيث، و شبه متحمل العلم في ذكائه بالأرض الطيبة المنبتة، وناهيك بهما فضلاً (6)، وتلك دعوة محمدية صادقة، لعبور مسلك العلم والعلماء، كيف لا؟!، وقد قال الحق فيهم[وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَا ِ وَالأَنْعَامِ )1( ينظر: مقاييس اللغة5/464.) )2( ينظر: معجم اللغة العربية المعاصرة 3/2277.) )3( ينظر: الأدب النبوي (ص22.) )4( تقدم، ينظر حديث176.) )5( ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال1/163). )6( ينظر: المتواري على أبواب البخاري (ص60.)
عدد الصفحات ٤٧٨469 مَُْتَلِف أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّماَ يخَْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَماَءُ إِنَّ اللهَ عَزِيز غَفُور ](1)، فأي فضل هذا!! نسأل الله أن نكون منهم 3 .تشبيه الهدى والعلم بالغيث المذكور؛ تشبيه مفرد بمركب إذ الهدى مفرد وكذا العلم، والمشبه به؛ وهو غيث كثير أصاب أرضًا منها ما قبلت فأنبتت، ومنها ما أمسكت خاصة، ومنها ما لم تنبت، ولم تمسك مركب من عد ة أمور، وشبه من انتفع بالعلم ونفع به بأرض قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب، وهو تمثيل؛ لأن وجه الشبه فيه هو الهيئة الحاصلة من قبول المحل لما يرد عليه من الخير مع ظهور أماراته وانتشارها على وجه عام الثمرة متعدي النفع، ولا يخفى أن هذه الهيئة منتزعة من أمور متعددة، هي الأفحل والأجزل؛ لأن في الهيئات المركبات من الوقع في النفس ما ليس في المفردات في ذواتها، من غير نظر إلى تضامها ولا التفات إلى هيئتها الاجتماعية(2). 4. إنما اختير الغيث على سائر أسماء المطر ليؤذن باضطرا ر الخلق إليه حينئذ، قال الله : [وَهُوَ الَّذِي يُنَزِلُ الغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشرُُ رَحَْْتَهُ وَهُوَ الوَلُِِّ الحَمِيدُ ](3)، وقد كان الناس في الزمان الأول قبل المبعث وهم على فترة من الرسل، وقد امتحنوا بموت القلب ونضوب العلم، حتى أصابهم الله برحمة من عنده، فأفاض عليهم سجال الوحي السماوي، فأشبهت حالهم حال من توالت عليهم السنون، وأخلفتهم المحامل، حتى تداركهم الله بلطفه، وأرخت عليهم السماء، غير أن ه كان حظ كل فريق من تلك الرحمة على ما ذكره من الأمثلة والنظائر، وا ن ما ضرب المثل بالغيث للمشابهة التي بينه وبين العلم، فإن الغيث يحيي البلد الميت، والعلم يحيي القلب الميت(4). 5. بيان أن حصول العلم في القلب؛ كحصول الطعام في الجسم، فالجسم يحس بالطعام والشراب؛ وكذلك القلوب تحس بما يتنزل إليها من العلوم التي هي طعامها وشرابها (5)، كما قال الله :[أَنْزَلَ مِنَ السَّماَءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَة بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمََِّا يُوقِدُونَ عَ لَيْهِ فِِ النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَة أَوْ مَتَاع زَبَد مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضَِّْ ُ اللهُ الحَقَّ وَالبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِِ الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضَِّْ ُ اللهُ الأَمْثَالَ ](6). )1( (سورة فاطر 28.) )2( ينظر: إرشاد الساري1/179.) )3( (سورة الشورى28.) )4( ينظر: الكاشف عن حقائق السنن2/616.) )5( ينظر: مجموع الفتاوى4/41.) )6( (سورة الرعد 17.)
عدد الصفحات ٤٧٩470 4- البُرَ اقُ - أولاا: التعريف اللغوي: الْبُرَاقُ: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "بَ رَ قَ "، الباء والراء والقاف أصلان تتفرع الفروع منهما: أحدهما لمعان الشيء؛ والآخر اجتماع السواد والبياض في الشيء، وما بعد ذلك فكله مجاز ومحمول على هذين الأصلين(1)، ومنه البُ راق : وهو مركب الأنبياء، فقد سُ مي بذلك لأمرين؛ أم ا اشتقاقً ا من البرق ؛ لسرعة سيره ، وأن ه يضع حافره حيث يجعل طرفه ، أو لكونه أبرق وهو الأبيض(2). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي الْبُرَاقُ: "هي الدَّابة التي ركبها ليلة الإسراء . سُم ِي بذلك لِنُصُوع لَوْنه وشِدة بَرِيقه. وقيل: لسُرعة حركته شَبَّهَهُ فيهما بالبَرق "(3). - ثالثاا: التعريف النبوي الْبُرَاقُ: دَابَّة أَبْيَضَ دُ ونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ. حديث (177:) أخرجه الإمام البخاري(4)، بسنده(5)، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ (6)، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ :(بَيْنَا أَنَا عِّنْدَ الْبَيْتِّ بَيْنَ النَّائِّمِّ وَالْيَقْظَان ، وَذَكَرَ يَعْنِّي رَجُلاا بَيْنَ الرَّجُ لَيْنِّ ، فَأُتِّيتُ بِّطَسْتٍ مِّنْ ذَهَبٍ مُلِّئَ حِّكْمَةا وَا ِّيمَاناا ، فَشُقَّ مِّنْ النَّحْرِّ إِّلَى مَرَاق ِّ الْبَطْنِّ ، ثُمَّ غُسِّلَ الْبَطْنُ بِّمَاءِّ )1( ينظرمقاييس اللغة (1/221.) )2( ينظر: مشارق الأنوار على صحاح الآثار (1/85.) )3( ينظرالنهاية في غريب الأثر ( 1/305.) )4( صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق- باب ذكر الملائكة (4/109،ح3207.) )5( سند الحديث قال الإمام البخاري: حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِد ، حَدَّثَنَا هَمَّام ، عَنْ قَتَادَ ةَ، ح وقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع ، حَدَّثَنَا سَعِيد ، وَهِشَام ، قَالاَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِك ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ...(الحديث). )6( الصحابي مالك بن صَ عْصَعَة بن وهب بن عدي بن مالك بن غنم بن عدي بن عامر بن عدي بن النجار الأنصاري، من بني مازن بن النجار. سكن المدينة، وروى عن النبي ﷺ حديثين، حد ث أنس بن مالك عنه، عن النبيﷺ بقصة الإسراء، وهو في الصحيحين من طريق قتادة عن أنس، عن مالك بن صعصعة، وكان من قوم ه، فساق الحديث بطوله، وقيل: أنه ال ذي قال له النبي ﷺ: أكل تمر خيبر هكذا". ينظر: الإصابة في تمييز الصحابة (5/539.)
عدد الصفحات ٤٨٠471 زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِّئَ حِّكْمَةا وَا ِّيمَاناا ، وَأُتِّيتُ بِّدَابَّةٍ أَبْيَضَ دُونَ الْبَغْلِّ وَفَوْقَ الْحِّمَ ارِّ : الْبُرَاقُ ، (...)(1)، (والحديث طويل). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. إن الحكمة في الإسراء بالبراق راكبً ا مع القدرة على طي الأرض ؛ له إشارة إلى أن ذلك وقع تأنيسً ا له بالعادة في مقام خرق العادة؛ لأن العادة جرت بأن الملك إذا استدعى من يختص به، يبعث إليه بما يركبه . و كذلك الحكمة بهذه الصفة لكونه فوق الحمار ودون البغل؛ الإشارة إلى أن الركوب كان في سِ لم وأمن، لا في حرب وخوف ، أو لإظهار المعجزة بوقوع الإسراع الشديد بدابة لا توصف بذلك في العادة، والله أعلم(2). 2. بيان أن السبب من ترك تسمية سير البراق طيرانً ا؛ أن الله إذا أكرم عبدً ا بتسهيل الطريق له حتى قطع المسافة الطويلة في الزمن اليسير، فإن ه لا يخرج بذلك عن اسم السفر، وعلى إثره تجري عليه أحكامه(3). 3. تقريب النبي الصورة للعقلية البشرية؛ لئلا يتسلل التأويل إلى ذلك، كاستخ دام الطست، و ا ن ما خص الطست؛ لكونه أشهر آلات الغسل عرفً ا. وكذلك الذهب و قد خصه دون غيره من المعادن؛ لكونه الأعلى أواني الحسية وأصفاها؛ ولأن للذهب خواص ليست لغيره ، وهي أن ه لا تأكله النار، ولا يبليه التراب ولا يلحقه الصدى، وهو أثقل الجواهر، فناسب ثقل الوحي(4) . 4. مسألة: كيف استخدم الذهب في رحلة الإسراء والمعراج، وقد وقع أن ه حرام للرجال؟ )1( تخريج الحديث أخرجه الإمام البخاري أيضًا، كتاب أحاديث الأنبياء - بَابُ قَوْلِ اللَِّّ {: نَارًا... بِالوَادِ المُقَدَّسِ طُوًى10()4/152،ح3393)، وينظر3430، وح 3887. وأخرجه الإمام مسلم، كتاب الإيمان - باب الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات، وفرض الصلوات (1/149،ح164.) وكلا الشيخان؛ البخاري ومسلم، بطرق متعددة، ولألفاظ متقاربة، من حديث مالك بن صَعْصَ عَة ، مرفوعًا. )2( ينظر: فتح الباري7/206.) )3( ينظرالمصدر نفسه (7/206.) )4( ينظر: عمدة القاري17/23.)
عدد الصفحات ٤٨١472 - قيل: لعل ذلك قبل التحريم. - وقيل: إن ه مخصوص بأحوال الدنيا وما وقع في تلك الليلة يلحق بأحكام الآخرة، لأن الغالب أنه من أحوال الغيب، والله أعلم(1). 5. إنما وقع في حادثة الإسراء والمعراج من أمر شق النحر واستخراج القلب وما يجري مجراه ؛ فإن السبيل في ذلك التسليم دون التعرض بصرفه إلى وجه يتقوله متكلف ادعاء للتوفيق بين المنقول والمعقول، لذا لا بد التبرؤ مما يتوهم أن ه محال، فأهل السنة والجماعة لا يرون العدول عن الحقيقة إلى المجاز في خبر الصادق عن الأمر المحال به عن القدرة (2)، إيذانًا بالرأي القويم والمنهج المستقيم؛ بأن الأمر معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، والله أعلم. 5- بركات الأرض - أولاا: التعريف اللغوي: بَرَكَاتُ: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "بَ رَ كَ "، الباء والراء والكاف أصل واحد، وهو ثبات الشيء، ثم يتفرع فروعا يقارب بعضها بعضً ا(3)، والبركة من الزيادة والنماء، والتبريك : أن تدعو بالبركة (4)، ومنه بركات الأرض ؛ وهي خيراتها، وزهراتها، وزينتها (5)، و نماءها وما يخرج من نباتها(6). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي: بَرَكَاتُ الأَرْضِّ: "هي ما تزهر به الأرض من الخيرات والخصب"(7). - ثالثاا: التعريف النبوي بَرَكَاتُ الأَرْضِّ: زَهْرَةُ الدُّنْيَا. )1( ينظرالمصدر نفسه (17/23.) )2( ينظر: الكاشف عن حقائق السنن12/3743.) )3( ينظر: مقاييس اللغة1/227.) )4( ينظرالمصدر نفسه (1/230.) )5( ينظر: مجمع بحار الأنوار1/166.) )6( ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر 2/41). )7( شرح السيوطي على مسلم 3/135).
عدد الصفحات ٤٨٢