المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التعريفات النبوية الواردة في أحاديث الكتب الستة جمع ودراسة

فاطمة حلمي التلباني

صفحة ٢٩ من ٣٩

441 - ثالثاا: التعريف النبوي خير النساء: الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ، وَلاَ تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهَا بِمَا يَكْرَهُ. حديث ( 169:) أخرجه الإمام النسائي (1)، بسنده (2)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَِّّ ﷺ: (أَيُّ الن ِّسَاءِّ خَيْرٌ؟، قَالَ : الَّتِّي تَسُرُّهُ إِّذَا نَظَرَ، وَتُطِّيعُهُ إِّذَا أَمَرَ، وَلاَ تُخَالِّفُهُ فِّي نَفْسِّهَا وَمَالِّهَا بِّمَا يَكْرَهُ) (3). )1( سنن النسائي، كتاب النكاح- باب أي النساء خير (6/68،ح3231.) )2( سند الحديث قال الإمام النسائي: أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ عَجْلاَنَ، عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِي ِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَِّّ ﷺ...(الحديث). )3( دراسة الحديث - أولاا: دراسة رجال الإسناد: في إسناده: محمد بن عجلان المدني، مات سنة مائة وثمان وأربعين. قال ابن عيينة، وأحمد، وابن معين، والعجلي، والرازيان؛ أبو حاتم، وأبو زرعة: "ثقة"، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وزاد ابن معين في التوثيق فقال: "سبحان الله ما يشك في هذا أحد، وهو أوثق من محمد بن عمرو"، وقال ابن المبارك: "لم يكن بالمدينة أحد أشبه بأهل العلم من ابن عجلان كنت اشبهه بالياقوتة بين العلماء"، وقال الذهبي: "صدوق مشهور، حسن الحديث"، وقال ابن حجر: "صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة ." وقال يحيى القطان: "لا أعلم إلا إني سمعت ابن عجلان يقول كان سعيد المقبرييحدث عن أبيه عن أبي هريرة ، وعن رجل عن أبي هريرة ، فاختلطت علي فجعلتها عن أبي هريرة . وعقب ابن حبان على ذلك فقال: "ما قالهابن عجلان عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، فذاك مما حمل عنه قديمًا قبل اختلاط صحيفته عليه، وما قال عن سعيد عن أبي هريرة؛ فبعضها متصل صحيح، وبعضها منقطع؛ لأنه أسقط أباه منها فلا يجب الاحتجاج عند الاحتياط، إلا بما يروي الثقات المتقنون عنه عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة . قالت الباحثة ثقة، اختلاطه في أبي هريرة ﷺ لا يضره إن تبين، كما هذه الرواية التي يرويها الليث "الثقة المشهور" عنه، والتي يتصل إسنادها عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة ، لما أسلفه ابن حبان في بيان حاله. ينظر: العلل ومعرفة الرجال ( 1/198)، تاريخ ابن معين 3/195)، معرفة الثقات (ص 410)، الجرح والتعديل (8/49)، الثقات7/387)، ميزان الاعتدال 3/644)، المغني في الضعفاء2/613)،تقريب التهذيب (ص496.)

عدد الصفحات ٤٥١

442 - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. الإشارة إلى أن الكفاءة في الدين أولى ما اعتبر واعتمد عليه، وبالله التوفيق، فإن مصاحبة أهل الدين في كل شيء هي الأولى لأن مصاحبهم يستفيد من أخلاقهم، وبركتهم، وطرائقهم، ولا سيما الزوجة فهي من يعتبر دينه لأن ها ضجيعته، وأم أولاده، وأمينته على ماله ومنزله وعلى نفسها (1). 2. الدعوة إلى حسن اختيار الزوجة، والتي يرى منها البشاشة وحسن الخلق ولطف المعاشرة، والطاعة في غير معصية الخالق ، المحافظة على مال زوجها الذي بيدها، وا ن اجتمعت الصورة والسيرة فهي سرور على سرور، ونور على نور (2). 3. حرص الإسلام على ديمومة الزواج بالاعتماد على حسن الاختيار، وقوة الأساس الذي يحقق الصفاء والوئام، والسعادة والاطمئنان، وذلك بالدين والخلق، فالدين يقوى مع مضي العمر، والخلق يستقيم بمرور الزمن وتجارب الحياة. أما الغايات الأخرى التي يتأثر بها الناس من مال وجمال وحسب، فهي وقتية الأثر، ولا تحقق دوام الارتباط، وتكون غالبًا مدعاة للتفاخر والتعالي، واجتذاب أو لفت أنظار الآخرين. لذا وباقي رجال إسناده من الثقات، ولا يضر ما قيل في: سعيد المقبري: "ثقة، تغير قبل موته بأربع سنين". تقدم، ينظر: حديث ( 110.) - ثانياا: تخريج الحديث تفرد به الإمام النسائي من أصحاب الكتب الستة ، وأخرجه من غيرها الإمام أحمد في مسنده (12/383،ح7421)، وينظر: ح9587، وح 9658، من طريق يحيى، بمثله، ولفظة "ولا ماله وأخرجه البيهقي في شعبه شعب الإيمان (11/173،ح8363)، من طريق أبي عاصم، بمثله كلاهما (يحيى، وأبو عاصم) عن ابن عجلان، بسنده، من حديث أبي هريرة ، مرفوعًا للنبي، وعلق بقوله: "وَرَوَاهُ اللَّ يْثُ بْنُ سَعْد ، عَنِ ابْنِ عَجْلاَنَ، وَقَالَ : "فِي نَفْسِهَا وَلاَ مَالِهِ ". قالت الباحثة: لربما وهم البيهقي باسم الليث، وأراد يحيى، والله أعلم بالصواب. - ثالثاا: الحكم على سند الحديث: إسناده صحيح؛ لأجل محمد بن عجلان، والذي تحمل روايته هنا على الصحة، دون الاختلاط الذي اتهم به، لما سلف ذكره من بيان لأمره. (يراجع دراسة الراوي سابقًا)، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه "، و و افقه الذهبي على ذلك، وقال الإمام الألباني –رحمه الله -: "حسن صحيح". ينظر: المستدرك على الصحيحين للحاكم ( 2/175)،صحيح و ضعيف سنن النسائي (7/303). )1( ينظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد19/168)، سبل السلام2/163.) )2( ينظر: مرقاة المفاتيح 5/2132)، وبتصرف

عدد الصفحات ٤٥٢

443 قال :(تُنْكَحُ المَرْأَةُ لأَِّرْبَعٍ: لِّمَالِّهَا وَلِّحَسَبِّهَا وَجَمَالِّهَا وَلِّدِّينِّهَا، فَاظْفَرْ بِّذَاتِّ الد ِّينِّ، تَرِّبَتْ يَدَاكَ)(1)؛ أي أن الذي يرغب في الزواج ويدعو الرجال إليه عادة أحد هذه الخصال الأربع، وآخرها عندهم ذات الدين، فأمرهم النبي  بأنه إذا وجدوا ذات الدين، فلا يعدلوا عنها، وا أصيب الرجل بالإفلاس والفقر، نسأل الله العافية (2). 4. إن إضافة المال إلى المرأة في الحديث يحتمل فيها الوجهين، وه ما(3): - أن تكون الإضافة حقيقة والرجل معسر، ومع ذلك لا يتجاوز الحد من أخذ مالها ف تضيق عليه ما أنفق من ماله. - أن تكون مجازية، نسب مال الزوج إليها لتصرفها فيه، كما في قوله  :[وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامً ا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لهَُمْ قَوْلاً مَعْرُوفًا ](4). 43- خير نساء ركبن الإبل - أولاا: التعريف اللغوي: ركبن الإبل: تصريف من الفعل الثلاثي "رَكَبَ"، الراء والكاف والباء أصل واحد مطرد منقاس، وهو علو شيء شيئًا، يقال: ركب ر كوبًا يركب، والرِ كَاب: المطي، واحدتها راحلة(5)، ومنه قوله: كنا في رُكبَة، والركبة بالحركة أصحاب الإبل في السفر دون الدواب وهم العشرة فما فوقها، ومنه: ركائب؛ وهو جمع ركوبة، وهي ما يركب عليه من الإبل، كالحمولة ما يحمل عليه منها (6). - ثانياا: التعريف الاصطحي: خير نساء ركبن الإبل: "هن نساء العرب الذين يكثر منهم ركوب الإبل، والعرب خير من غيرهم (7). )1( أخرجه الإمام البخاري، كتاب النكاح– باب الأكفاء في الدين (7/7،ح5090)، وأخرجه الإمام مسلم، كتاب الر ضاع – باب استحباب نكاح ذات الدين (2/1086،ح1466.) )2( الفقه الإسلامي وأدلته9/6.) )3( ينظر: الكاشف عن حقائق السنن7/2339.) )4( (سورة النساء 5.) (5( ينظر: مقاييس اللغة2/432.) (6( ينظر: مجمع بحار الأنوار2/370.) (7( ينظر: إرشاد الساري8/14.)

عدد الصفحات ٤٥٣

444 - ثالثاا: التعريف النبوي خير نساء ركبن الإبل: صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْش ، أَحْنَاهُ عَلَى وَلَد فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْج فِي ذَاتِ يَدِهِ. حديث (170:) أخرجه الإمام البخاري(1)، بسنده(2)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِي ِ ﷺ قَالَ: (خَيْرُ نِّسَاءٍ رَكِّبْنَ الإِّبِّلَ صَالِّ حُ نِّسَاءِّ قُرَيْشٍ، أَحْنَاهُ (3) عَلَى وَلَدٍ فِّي صِّغَرِّهِّ، وَأَرْعَاهُ (4) عَلَى زَوْجٍ فِّي ذَاتِّ يَدِّهِّ (5))(6). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. الإشارة إلى فضيلة نساء قريش، وفضل خصال الخير فيهن، وهي الحنوة على الأولاد والشفقة عليهم وحسن تربيتهم، والقيام عليهم إذا كانوا يتامى، ونحو ذلك، مراعاة حق الزوج في ماله وحفظه والأمانة فيه وحسن تدب يره في النفقة، وغيرها وصيانته، ونحو ذلك، حيث يُعرَف أن نساء قريش خير نساء العرب، وقد علم أن العرب خير من غيرهم في الجملة (7). 2. الإشارة إلى العرب في ركوب الإبل؛ لأنهم الذين يعهد عندهم ركوب الإبل فعبر بركوب الإبل عن العرب (8). 3. بيان وقوع الخيرية في ال نساء؛ أن كل واحدة منهما خير نساء الأرض في عصرها، وأما التفضيل بينهما فمسكوت عنه (1( صحيحالبخاري، كتاب النكاح- باب إلى من ينكح، وأي النساء خير، وما يستحب أن يتخير لنطفه من غير إيجاب (7 /6،ح5082.) (2( سند الحديث قال الإمام البخاري: حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْب ، حَدَّثَنَا أَبُو الز ِنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْ رَةَ ، عَنِ النَّبِي ِ ﷺ قَالَ...(الحديث). (3( أحناه: "أي الشفقة عليهم، وحسن تربيتهم، والقيام عليهم إذا كانوا أيتامًا). ينظر: طرح التثريب في شرح التقريب ( 7/15.) (4( أرعاه: "أي أحفظ وأصون". ينظر: طرح التثريب في شرح التقريب7/14.) (5( في ذات يده: "أي في ماله". فيض القدير (3/492.) (6( تخريج الحديث أخرجه الإمام البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء- باب قوله تعالى بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم 45]. (4/164،ح3434)، وينظر5365. وأخرجه الإمام مسلم، كتاب فضائل ا لصحابة - باب من فضائل نساء قريش 4/1958،ح2527.) وكلا الشيخان؛ البخاري ومسلم، بطرق متعددة، وألفاظ متماثلة، من حديث أبي هريرة، مرفوعًا (7( ينظر: شرح النووي على مسلم16/80.) (8( ينظر: طرح التثريب في شرح التقريب 7/13.)

عدد الصفحات ٤٥٤

445 وا ن ما المطلق محمول على المقيد، فالمحكوم له بالخيرة إن ما هو صالح نساء قريش غيرهن، ويعني بالصلاح هنا صلاح الدين، وصلاح المخالطة للزوج وغيره، كما دل عليه قوله (أحناه وأرعاه) (1) . 4. بيان فضل المرأة الصالحة، والدعوة إلى ضرورة اقتداء نساء المسلمين، بالرعيل الأول من المؤمنات؛ لما تميزن به عن غيرهن، ما أوجب في حقهن الوصف والمديح، لصلاحهن وفضلهن. 5. الدلالة على رفعة شأن المرء بأخلاقه لا بأمواله وشهرته، فقد أوحى الحديث في نصه إلى حياة الصالحين، من بساطة العيش، وحسن الخلق، وكما قال الحق  :[يَا أَيَُُّّا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَ اكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِ يم خَبِيْ ](2.) 44- خير صفوف الرجال .)3(تقدم ذكره 45- خير صفوف النساء . )4( تقدم ذكره 46- خير متاع الدنيا - أولاا: التعريف اللغوي: مَتَاعِّ الدُّنْيَا: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "مَتَعَ" الميم والتاء والعين أصل صحيح، يدل على منفعة وامتداد مدة في خير، ومنه استمتعت بالشيء، والمتعة والمتاع: المنفعة(5)، كما في قوله تعالى: [لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاح أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيَْْ مَسْكُونَة فِيهَا مَتَاع لَكُمْ ](6)، وقيل: أصل المتاع البقاء، ومنه متاع البيت: وهو ما يصرف ويستعمل، والجمع أمتعة، وأماتع جمع الجمع، ومنه متاع الدنيا، والمتاع أيضًا المال (7). (1( ينظر: السابق7/13.) (2( (سورة الحجرات: 13.) )3( تقدم. ينظر حديث70.) )4( تقدم. ينظر حديث خير صفوف النساء (م). )5( ينظر: مقاييس اللغة5/293.) )6( (سورة النور 29.) )7( ينظر: المخصص2/10.)

عدد الصفحات ٤٥٥

446 - ثانياا: التعريف الاصطلاحي مَتَاعِّ الدُّنْيَا: "هو كل ما حصل التمتع والانتفاع به على وجه ما فهو متاع، وأصله ما ينتفع به انتفاعًا قليلاً غير باق بل ينقضي عن قريب ، ومتعة الطلاق والحج والنكاح كلها من ذلك(1)، ومَتَاعِّ الدُّنْيَا: "هو المنفعة التي يستمتع بها، أو يستنفع بها، وخير متاعها وما ينتفع به منها؛ المرأة الصالحة لما في صلاحها من المعاونة (2). خَيْرُ مَتَاعِّ الدُّنْيَا "هي المرأة الصالحة التقية، المصلحة لحال زوجها في بيته المطيعة لأمره، فهي أطيب حلال في الدنيا" (3). - ثالثاا: التعريف النبوي خَيْرُ مَتَاعِّ الدُّنْيَا: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ. حديث (171 :)أخرجه الإمام مسلم (4)، بسنده(5)، يُحَد ِثُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْر و ، أَن رَسُ ولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: (الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِّ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِّحَةُ) (6). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. الدلالة على أن المرأة الصالحة خير متاع الدنيا، فإن بها يحصل تفريغ القلب عن تدبير المنزل، وال تكلف بشغل الطبخ والكنس والفرش وتنظيف الأواني، وتهيئة أسباب المعيشة، فإن الإنسان لو لم يكن له شهوة الوقاع لتعسر عليه العيش في منزله وحده، إذ لو تكفل بجميع أشغال المنزل لضاعت اكثر أوقاته، ولم يتفرغ للعلم والعمل. فالمرأة الصالحة المصلحة للمنزل معنية على الدين بهذا الطريق، واختلال هذه الأسباب شواغل ومشوشات للقلب ومنغصات للعيش، ولذلك قيل: "الزوجة الصالحة ليست من الدنيا، فانها تفر غك للآخرة"(7). )1( ينظر: الكليات (ص804.) )2( ينظر: تفسير غريب ما في الصحيحين البخاري ومسلم (ص435.) )3( ينظر: التنوير شرح الجامع الصغير 6/141.) )4( صحيح مسلم، كتاب الرضاع - باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة ( 2/1090،ح1467.) )5( سند الحديث قال الإمام مسلم: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْر الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَ زِيدَ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، أَخْبَرَنِي شُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيك ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ، يُحَد ِثُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْر و ، أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ...(الحديث). )6( تخريج الحديث تفرد به الإمام مسلم من أص حاب الصحيحين. )7( ينظر: روح البيان 2/192.) .

عدد الصفحات ٤٥٦

447 2. ضرورة الوقوف هنا قليلاً، للحديث عن نموذج نسائي فريد، نقدمه لبناتنا ونسائنا في العصر الحديث وهن يعشن مآسي الأمة وا حاطة الأعداء بها، علهن يأخذن منها القدوة والمثل في كيفية مواجهة أعدائنا، والدفاع عن مقدساتنا، وثرواتنا، واستقلالنا الوطني. 3. دعوة نساء المسلمين إلى اتباع الحق، والحرص على التزام ما يليق بالمرأة المسلمة من حسن الأدب، وجمال الخلق، وما يرفع شأنه ا بين غيرها من صنف النساء، وتلك هي دعوة الحق سبحانه حيث قال: [ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّماَ يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ ا لرِجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِرَكُمْ تَطْهِيًْ (1). 4. الإشارة إلى مشروع إصلاح المجتمع بكل طبقاته، مرتكزًا على صلاح حال الجيل الصاعد وأحواله، متمثلاً ذلك المرأة الصالحة، وحسن وتربيتها لأولادها، كما جاء في قوله تعالى: [ كَأَحَد مِنَ النِسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَُْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِِ قَلْبِهِ مَرَض وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا (2). )1) (سورة الأحزاب 33.) )2( (سورة الأحزاب 32.)

عدد الصفحات ٤٥٧

448 المبحث الثاني: التعريفات من بداية حرف الدال إلى نهاية حرف الضاد 1- شر صفوف الرجال .)1(تقدم ذكره 2- شر صفوف النساء .)2(تقدم ذكره 3- شرار الأئمة/ الأمراء - أولاا: التعريف اللغوي: شرار: تصريف مشتق من "شَرَّ" (3)،ويقال: هو من شِرَار الناس، وقيل أنها مرفوضة؛ لعدم ورود هذا الجمع في المعاجم، وهي جمع شَر بمعنى شِر ِير أو جمع شِر ِير، ولكن ال صواب: قول هو من أَشْرَار الناس؛ فهي فصيحة، وقول هو من شِرَار الناس؛ فهي صحيحة، فقد أوردت المعاجم "أَشرار" جمعًا لكلمة "شَر : بمعنى شِر ِير"، وذكرت بعض المعاجم (4) جمعًا آخر لها؛ وهو "شِرارَ" (5)، ويؤكد ورود هذا اللفظ في نص الحديث المُتَنَاوَل على صحة هذا الجمع، والله أعلم. الأئمة: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "أَمَّ"(6). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي شرار الأئمة، شرار الأمراء: "هم الذين تدعون عليهم ويدعون عليكم، أو تطلبون البعد عنهم؛ لكثرة شرهم، ويطلبون البعد عنكم؛ لقلة خيركم" (7)، أو "هو من كان ب اغضًا لرعيته، مبغوضًا عندهم، يسبهم ويسبونه" (8) . - ثالثاا: التعريف النبوي شِّرَارُ الأئمة، شرار الأمراء: الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ. )1( تقدم. ينظرلفظة (شر صفوف الرجال) في الفصل الثاني: التعريفات النبوية في الطهارة والعبادة. )2( تقدم. ينظرلفظة (شر صفوف النساء) في الفصل القاني: التعريفات ال نبوية في الطهارة والعبادة. )3( تقدم. ينظر حديث151.) )4( ينظر: مجمع بحار الأنوار3/198)، كتاب خاص الخاص (ص199)، المنجد الأبجدي1/521.) )5( ينظر: معجم الصواب اللغوي1/467.) )6( تقدم. ينظر حديث158.) )7( ينظر: مرقاة المفاتيح 6/2395.) )8( ينظر: نيل الأوطار (7/206.)

عدد الصفحات ٤٥٨

449 حديث (م(1)): أخرجه الإمام مسلم، بسنده، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِك ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: ((...)، وَشِّرَارُ أَئِّمَّتِّكُمُ الَّذِّينَ تُبْغِّضُونَهُمْ وَيُبْغِّضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قِّيلَ: يَا رَسُولَ اللهِّ ﷺ، أَفَلاَ نُنَابِّذُهُمْ بِّالسَّيْفِّ؟ فَقَالَ : لاَ، مَا أَقَامُوا فِّيكُمُ الصَّلاَةَ، وَا ِّذَا رَأَيْتُمْ مِّنْ وُلاَتِّكُمْ شَيْئاا تَكْرَهُونَهُ، فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ، وَلاَ تَنْزِّعُوا يَداا مِّنْ طَاعَةٍ) الحديث. حديث (م(2)): وأخرجه الإمام الترمذي، بسنده، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ، عَنِ النَّبِي ِ ﷺ قَالَ: ((...)، وشرار أُمَرَائِّكُمُ الَّذِّينَ تُبْغِّضُونَهُمْ وَيُبْغِّضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ) الحديث. - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. بيان أثر الولاية الفاسدة في نفوس الرعية؛ فيسخطون على الولاة، ويدعون عليهم، أو يطلبون البعد عنهم؛ لكثرة شرهم، وقلة خيره، وما أوتوا به من معاصي، وهنا فإن على الرعية إنكار ذلك بالقلب ما لم يستطيعوا باللسان(3)، كما جاء في قوله :[فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنيِ بَرِيء مََِّا تَعْمَلُونَ ](4). 2. جعل النبي إقامة الصلاة سببًا في عدم الخروج على الوالي؛ وذلك لأن ها علامة اجتماع الكلمة في الأمة، ففيه إشعار بتعظيم أمر الصلاة، وأن تركها موجب لنزع اليد عن الطاعة كالكفر(5). 3. الدعوة المحمدية إلى الصبر على جور الأمراء وترك قتالهم، كما أرشد إلى ذلك في قوله  :(السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى المَرْءِّ المُسْلِّمِّ فِّيمَا أَحَبَّ وَكَرِّهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِّمَعْصِّيَةٍ، فَإِّذَا أُمِّرَ بِّمَعْصِّيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ) (6). 4. يرى العلماء من أهل السنة أن ه إن كان الإمام غير عدل؛ فالواجب ترك الخروج عليه، وأن يقيموا معه الحدود: الصلوات، والحج، والجهاد، وتؤدى إليه الزكوات، فمن قام عليه (1( تقدم. ينظر حديث158.) )2( تقدم. ينظر حديث159.) )3( ينظر: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 6/2395). )4( (سورة الشعراء 216.) )5( ينظر: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 6/2396). )6( أخرجه الإمام البخاري، كتاب الأحكام- باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية (9/63،ح7144)، وينظر: ح2955، وأخرجه الإمام مسلم، كتاب الإمارة - باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية (3/1469،ح1839.)

عدد الصفحات ٤٥٩

450 من الناس متأولاً بمذهب خالف فيه السنة، أو لجور أو لاختيار إمام غيره؛ سمي فاسقًا ظالمًا غاصبًا في خروجه لتفريقه جماعة المسلمين، ولما يكون في ذلك من سفك الدماء. أم ا إن قاتلهم الإمام الجائر لم يقاتلوا معه، ولم يجز أن يسفكوا دماءهم في نصره، وقد رأى كثير من الصحابة  ترك القتال مع على - ومكانه من الدين والعلم ما لا يخفى على أحد له مسكة فهم-، وسموه قتال فتنة، وادعاء كل واحد على صاحبه أنه الفئة الباغية، وهذا شأن العصبية عند أهل العلم. ولم ير على علي  من قعد عن القتال معه ذنبًا يوجب سخطه حاله(1)، ولذلك نجد أن النبي نبه من الوقوع في مثل هذه الفتن، فقال  :(مَنْ أَطَاعَنِّي فَقَدْ أَطَاعَ اللََّّ ، وَمَنْ عَصَانِّي فَقَدْ عَصَى اللَََّّ ، وَمَنْ يُطِّعِّ الأَمِّيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِّي، وَمَنْ يَعْصِّ الأَمِّيرَ فَقَدْ عَصَانِّي، وَا ِّنَّمَا الإِّمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِّنْ وَرَائِّهِّ وَيُتَّقَى بِّهِّ، فَإِّنْ أَمَرَ بِّتَقْوَى اللََِّّّ وَعَدَلَ، فَإِّنَّ لَهُ بِّذَلِّكَ أَجْراا، وَا ِّنْ قَالَ بِّغَيْرِّهِّ فَإِّنَّ عَلَيْهِّ مِّنْهُ) (2). اللهم ولي أمورنا خيارنا، ولا تولي أمورنا شرارنا، إنك ولي ذلك والقادر عليه. )1( ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال5/128.) )2( أخرجه الإمام البخاري، كتاب الجهاد والسير –باب يقاتل من وراء الإمام ويتقى به ( 4/50،ح2957)، وأخرجه الإمام مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب في الإمام إذا أمر بتقوى الله وعدل كان له أجر (3/1471،ح1841.)

عدد الصفحات ٤٦٠

451 المبحث الثالث: التعريفات من بداية حرف الطاء إلى نهاية حرف القاف 1- القاضي الذي يدخل الجنة - أولاا: التعريف اللغوي: القَاضي: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "قَضَيَ"، القاف والضاد وال حرف المعتل أصل صحيح، يدل على إحكام أمر وا تقانه وا نفاذه لجهته(1)، كما في قوله :[فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَات فِِ يَوْمَينِْ ](2) أي أحكم خلقهن، ومنه القضاء: أي الحكم، والفصل فيه، كما قال في ذكر من قال: [فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاض ](3)، أي اصنع واحكم، وكذا قوله  :[ رَبِكَ لَقُضَِِ بَيْنَهُمْ (4)، أي: لفصل الحكم بينهم (5)، ولذلك سمي القاضي قاضيًا؛ لأنه يحكم الأحكام وينفذها(6)،ومثل ذلك قولهم: قد قضى القاضي بين الخصوم، أي: قد قطع بينهم في الحكم، ومن ذلك قد قضى فلان دينه، تأويله قد قطع بالعزيمة عليه وأداه إليه، وقطع ما بينه وبينه، إذن فكل ما أحكم فقد قضي(7)، والقاضي مفرد جمعه القضاة - ثانياا: التعريف الاصطلاحي: القَاضٍي: " هو من نصبه الإمام بناحية مخصوصة؛ لينفذ بها الأحكام، ويأخذ على ايدي مرتكبي خلاف الحق" (8). قالت الباحثة: القاضي الذي يدخل الجَنَّة هو من يعمل بعمل أهل الجنة، فيكون منهم، ومعناه ظاهر، والله أعلم، و "هو من وافق في حكمه الحكم الذي عند الله تعالى"(9). - ثالثاا: التعريف النبوي القَاضٍي الذي يدخل الجَنَّةِّ: قَاض قَضَى بِالحَق ِ فَذَلِكَ فِي الجَنَّةِ. )1( ينظر: مقاييس اللغة5/99.) )2( (سورة فصلت 12.) )3( (سورة طه 72.) )4( (سورة يونس 19.) )5( ينظر: تهذيب اللغة9/170.) )6( مقاييس اللغة5/99.) )7( ينظر: تهذيب اللغة9/170.) )8( التوقيف على مهمات التعاريف (ص 266.) )9( ينظر: شرح النووي على مسلم12/14.)

عدد الصفحات ٤٦١

452 حديث172:) أخرجه الإمام الترمذي (1)، بسنده(2)، عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ ، أَن النَّبِيَّ  قَالَ(القُضَاةُ ثَلاَثَةٌ: قَاضِّيَانِّ فِّي النَّارِّ، وَقَاضٍ فِّي الجَنَّةِّ، رَجُلٌ قَضَى بِّغَيْرِّ الحَق ِّ فَعَلِّمَ ذَاكَ فَذَ اكَ فِّي النَّارِّ، وَقَاضٍ لاَ يَعْلَمُ فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِّ فَهُوَ فِّي النَّارِّ، وَقَاضٍ قَضَى بِّالحَق ِّ فَذَلِّكَ فِّي الجَنَّةِّ )(3). )1( سنن الترمذي، أبواب الأحكام - باب ما جاء عن رسول الله  في القاضي3/605،ح1322.) )2( سند الحديث قال الإمام الترمذي: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي الحَسَنُ بْنُ بِشْر ، حَدَّثَنَا شَرِيك ، عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ النَّبِي  قَالَ...(الحديث )3( دراسة الحديث - أولاا: دراسة رجال الإسناد: في إسناده: 2. الحسن بن بشر بن سَلْم الهَمْداني، أبو البجلي، أبو علي الكوفي، مات سنة مائتين وا حدى وعشرين و ثَّقه مسلمة بن القاسم ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أحمد ابن حنبل: "ما أرى به بأسًا في نفسه، روى عن زهير أشياء مناكير"، وقال أبو حاتم: "صدوق"، وقال ابن حجر: "صدوق يخطئ"، وزاد في الفتح: " روى عنه البخاري موضعين لا غير، أحدهما في الصلاة، والآخر في المناقب، فلم يخرج عنه من أفراده شيئًا، ولا من أحاديثه عن زهير التي استنكرها أحمد"، وقال ابن عدي: "أحاديثه ليست بالكثير ، وأحاديثه يقرب بعضها من بعض ويحمل بعضها على بعض وليس هو بمنكر الحديث"، وقال النسائي: "ليس بالقوي"، وقال ابن خراش: "منكر الحديث". قالت الباحثة: صدوق أخطأ في حديثين. ينظر: تهذيب التهذيب ( 2/255)، الثقات 8/169)، الجرح والتعديل 3/3)، تقريب التهذيب (ص158)، فتح الباري1/396)، الكامل في ضعفاء الرجال 3/162)، الضعفاء والمتروكون لابن الجوزي (1/199.) 3. شريك بن عبد الله النخعي: "صدوق يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة". تقدم. ينظر حديث (125.) وباقي رجال إسناده من الثقات، ولا يضر ما قيل في الأعمش: "ثقة حافظ، لكنه يدلس، ولا يضره تدليسه فقد احتمله العلماء، وقد توبع هنا من يحيى بن حمزة "أبو هاشم ". تقدم، ينظر حديث (19.) - ثانياا: تخريج الحديث أخرجه الإمام أبو داود، كتاب الأقضية - باب في القاضي يخطئ (3/299،ح3573.) وأخرجه الإمام ابن ماجه، كتاب الأحكام - باب الحاكم يجتهد فيصيب الحق (2/776،ح2315.) وكلا الإمامان؛ أبو داود، وابن ماجه، من طريق أبي هاشم، عن أبي بريدة، عن أبيه مرفوعًا وله شاهد، منه ما أخرجه الإمام البيهقي في السنن الكبرى (10/200،ح20357) من طريق شعبة، عن قتادة، عن أبي العالية، عن علي ، بمثله، مرفوعًا للنبي . - ثالثاا: الحكم على سند الحديث

عدد الصفحات ٤٦٢

453 - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. إن منصب القضاء من أخطر المناصب، وأفظع المتاعب والمثالب، ف أخوف ما يخاف على القاضي هلاك دينه دون هلاك بدنه؛ وذلك لأن القاضي عرض نفسه بقبوله القضاء إلى حصول مشقة لا تطاق في العادة، وهي ما يلحقه من عذاب الله  وغضبه، ومن ثم نفر السلف عن ذلك نفورًا عظيمًا، ولم يفسق الممتنع عن قبوله، وا ن تعين عليه لعذره بخوفه من وقوعه في ورطاته وغوائله الكثيرة القبيحة الغالب حصولها لمن دخل فيه (1) . وعليه؛ فيتعين على كل من ابتلي بالقضاء أن يتمسك من أسباب التقوى بما يكون له جنة، ويحرص على أن يكون الرجل الذي عرف الحق فقضى به، وكان المخصوص من القضاة الثلاثة بالجنة، ويجعل داء الهوى عنه محسو مًا، ولحظه ولفظه بين الخصوم مقسومًا، ولا يأل فيما يجب من الاجتهاد إذا اشتبه عليه الأمران، ويعلم أن ه إن اجتهد وأخطأ فله أجر، وا ن أصاب فله أجران، وصوب الصواب واضح لمن استشف بنور الله برهانه، ويتوكل على الله في قصده، ويتقي فإن الله يهدي قلبه ويثيب لسانه (2). 2. إن العدل لا بد أن يتقدمه علم؛ إذ من لا يعلم لا يدري ما العدل، والإنسان ظالم جاهل إلا من تاب الله عليه فصار عالمًا عادلاً؛ صار الناس من القضاة وغيرهم ثلاثة أصناف: العالم العادل، والجاهل والظالم(3)، والقاضي العالم العادل هو من أهل الجنة 3. إذا وقعت النوازل؛ فكل حاكم حكم فيها باجتهاده، فهو الذى علمه  وشاءه، وما نفذ فيها فهو قضاؤه  بها وحكمه ولا تناقض في هذا كما زعم خلاف ذلك حتى يكون الشيء حلالاً معًا وصحيحًا فاسدًا في حالة واحدة، وواجبًا حرامًا في أخرى، فإن تناقض اختلافهم بتضاد أحكامهم إن ما هو على الجملة وجنس النازلة، وبحسب تقدير اجتماع ذلك في النازلة الواحدة، والنظر في إصابة صواب إسناده حسن؛ فإن فيه الحسن بن بشر، وشريك بن عبد الله وهما صدوقان، وما وقعا فيه من الخطأ، وقد صححه الإمام أبو داود، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وله شاهد بإسناد صحيح على شرط مسلم"، وتعقبه الذهبي، فقال: "ابن بكير الغنوي منكر الحديث، قال وله شاهد صحيح"، وحكم عليه والإمام الألباني، وقال الأول: "وهذا أصح شيء فيه يعني حديث ابن بريدة القضاة ثلاثة"، وأما الثاني؛ فصححه بمجموع طرقه كما قال، والله أعلم (يراجع التخريج) . ينظر: سنن أبي داود (3/299)، المستدرك على الصحيحين للحاكم (4/101)، إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (8/235.) )1( ينظر: الزواجر عن اقتراف الكبائر 2/307.) )2( فيض القدير4/538.) )3( ينظر الفتاوى الكبرى لابن تيمية (1/99.)

عدد الصفحات ٤٦٣

454 الحكم، ومراد الله فيه فإنما هو بعد وقوعه، ولا يصح أن يقع إلا على صفة واحدة فلا ينفذ في الشأن القتل والاحتياط في حالة، ولا يجتمع التحليل والتحريم في حكم وا حد(1). قال ابن المنذر "إنما يؤجر على اجتهاده في طلب الصواب لا على الخطأ"(2). 2- القضاة الذين يدخلون النار - أولاا: التعريف اللغوي: القضاة: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "قَضَيَ" (3). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي قالت الباحثة: القضاة الذين يدخلون النار: هم الذين يعملون بعمل أهل النار، فيكونون منهم، ومعناه ظاهر، والله أعلم، و "هم الحكام شرعًا أو سياسة، الذين يحكمون بغير الكتاب والسنة، فيقتطعون أموال الناس بالباطل بناء على أغراضهم الفاسدة العاطلة، فتجب لهم النار؛ باعتبار مباشرة أسبابها في الحال"(4)، أو"هم القضاة التاركين للعدل والأعمال، والمقصرين في تحصيل رتب الكمال" (5.) - ثالثاا: التعريف النبوي القضاة الذين يدخلون النار: رَجُل قَضَى بِغَيْرِ الحَق ِ فَعَلِمَ ذَاكَ فَذَاكَ فِي النَّارِ، وَقَاض لاَ يَعْلَمُ فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ فَهُوَ فِي النَّارِ. حديث (م(6):) أخرجه الإمام الترمذي ، بسنده، عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ النَّبِي  قَالَ(القُضَاةُ ثَلاَثَةٌ: قَاضِّيَانِّ فِّي النَّارِّ، وَقَاضٍ فِّي الجَنَّةِّ، رَجُلٌ قَضَى بِّغَيْرِّ الحَق ِّ فَعَلِّمَ ذَاكَ فَ ذَاكَ فِّي النَّارِّ، وَقَاضٍ لاَ يَعْلَمُ فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِّ فَهُوَ فِّي النَّارِّ، (...)) . - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. التحذير من السعي لتولية القضاء وتوليه وسؤاله لمن يعلم من نفسه الخيانة أو الجور أو نحوهما والقضاء بجهل أو جور(7)، حيث حذر الله  من ذلك قائلاً[ )1( ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم5/573.) )2( شرح صحيح البخاري لابن بطال (10/381.) )3( تقدم. ينظر حديث172.) )4( ينظر شرح مسند أبي حنيفة ( 1/531)، بتصرف )5( ينظر فيض القدير (4/538 .) )6( تقدم، ينظر حديث172.) )7( ينظر الزواجر عن اقتراف الكبائر ( 2/307.)

عدد الصفحات ٤٦٤

455 اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ (1)، ومعلوم أن الحكم بين الناس في عقائدهم وأقوالهم أعظم من الحكم بينهم في مبايعهم وأموالهم (2)،فقد قال الحق  :[فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْ تَقِمْ كَماَ أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِماَ أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتَا وَأُمِرْتُ لأَِعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَ نَا أَعْماَلُنَا وَلَكُمْ أَعْماَلُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يََْمَعُ بَ يْنَنَا وَإِلَيْهِ المَصِيُْ ](3). 2. الإشارة إلى إنذار عظيم للقضاة التاركين للعدل والأعمال ، والمقصرين في تحصيل رتب الكمال، فقد قيل: "والمفتي أقرب إلى السلامة من القاضي؛ لأن ه لا يلزم بفتواه، والقاضي يلزم بقوله، فخطره أش د"(4). 3. الدلالة على تحريم طل ب الولاية لمن لم يكن لها أهلاً لجهله أو لضعفه أو لغلبة الهوى عليه(5)، فقد حذ ر النبي من ذلك في قوله :(إِّنَّكُمْ سَتَحْرِّصُونَ عَلَى الإِّمَارَةِّ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةا يَوْمَ القِّيَامَةِّ، فَنِّعْمَ المُرْضِّعَةُ وَبِّئْسَتِّ الفَاطِّمَةُ) (6)، فإنها ستكون ندامة على من لم يقم بمسؤولياته فيها، ولم يؤد حق الله ، وحق العباد أثناء قيامه بها، لأنها أمانة(7)،وقد قال  :(مَا مِّنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللََُّّ رَعِّيَّةا، فَلَمْ يَحُطْهَا بِّنَصِّيحَةٍ، إِّلاَّ لَمْ يَجِّدْ رَائِّحَةَ الجَنَّةِّ) (8) 4. الإشارة إلى أن العدل لا بد أن يتقدمه علم؛ إذ من لا يعلم لا يدري ما العدل، والإنسان ظالم جاهل إلا من تاب الله عليه فصار عالمًا عادلاً؛ صار الناس من القضاة وغيرهم ثلاثة أصناف: العالم العادل، والجاهل والظالم. فهذان من أهل النار، كما ذكر ذلك النبي  في حديث التعريف، والله أع لم(9). 5. اتفق العلماء في الأملاك المطلقة أنه إذا حكم الحاكم بما ظنه حجة شرعية كالبينة والإقرار، وكان الباطن بخلاف الظاهر لم يجز للمقضي له أن يأخذ ما قضي به له بالاتفاق. وا ن حكم في العقود والفسوخ بمثل ذلك؛ فأكثر العلماء يقول: إن الأمر كذلك. )1( (سورة المائدة 47 .) )2( ينظر درء تعارض العقل والنقل (7/464 .) )3( (سورة الشورى15 .) )4( فيض القدير4/538.) )5( ينظر منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (5/362 .) )6( صحيح البخاري، كتاب الأحكام– باب ما يكره من الحرص على الإمارة ( 9/63،ح7184.) )7( ينظر منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (5/362 .) )8( أخرجه الإمام البخاري، كتاب الأحكام– باب من استرعى رعية فلم ينصح ( 9/64،ح7150)، وينظر ح7151، وأخرجه الإمام مسلم، كتاب الإيمان - باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار ( 1/125،ح142.) )9( ينظر الفتاوى الكبرى لابن تيمية (1/99.)

عدد الصفحات ٤٦٥

456 فالشرع و الشريعة إذا أريد به الكتاب والسنة؛ لم يكن لأحد من أولياء الله ولا لغيرهم أن يخرج عنه، ومن ظن أن لأحد من أولياء الله طريقًا إلى الله غير متابعة محمد  باطنًا وظاهرًا فلم يتابعه باطنًا وظاهرًا فهو كافر(1). )1( ينظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص 263.)

عدد الصفحات ٤٦٦