425 2. اهتم كثير من الدارسين للسنة، والمهتمين بالطب النبوي؛ يركزون على الأدوية والأغذية والأعشاب والحبوب وغيرها مما وصفه النبي للتداوي به في علاج بعض العلل والأمراض البدنية (2). 3. دلالة الحديث على بديع الطب عند أهله؛ لأن الأمراض الامتلائية دموية أو صفراوية أو سوداو ية أو بلغمية، فإن كانت دموية؛ فشفاؤها إخراج الدم. وا ن كانت من الثلاثة الباقية؛ فشفاؤها بالإسهال بالمسهل اللائق لكل خلط منها، فكأنه نبه بالعسل على المسهلات وبالحجامة على الأمراض الأخرى(3). 4. قوله: (وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ) الإشارة إلى تأ خير العلاج بالكي؛ حتى يضطر إليه، لما فيه من استعجال الألم الشديد(4). 36- خير الأصحاب - أولاا: التعريف اللغوي: الأصحاب: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "صَحَبَ" الصاد والحاء والباء أصل واحد يدل على مقارنة شيء ومقاربته، من ذلك الصاحب، وكل شيء لاءم شيئًا فقد استصحب(5)،يقال: صَحِبَهُ يَصْحَبُهُ صُحْبَةً، وصَحابة، وجمع الصاحب صَحْب ، وصُحْبة، وصِحَاب، وصُحْبَان، والأصحاب: جمع صَحْب، والصحابة: الأصحاب، وهي في الأصل مصدر، وجمع الأصحابِ أصاحيب، وقولهم في النداء يا صاحِ، معناه يا صاحبي، وأصحبته الشيء: جعلته له صاحبًا(6). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي الأصحاب: "هي وا ن كانت تعم القليل والكثير، لكن العرف خصصها لمن كثرت ملازمته وطالت صحبته"(7). وخير الأصحاب"هو الصاحب يقع على الأدنى والأعلى، والمساوي في صحبة دين أو دنيا سفرًا، أو حضرًا، فخيرهم عند الله منزلة وثوابًا فيما اصطحبًا؛ أكثرهما نفعًا لصاحبه، وأكثرهم إحسانًا ولو بالنصيحة، وا ن كان الآخر قد يفضله في خصائص أخر"(1). )1( ينظر: شرح النووي على مسلم14/192.) )2( ينظر: كيف نتعامل مع السنة النبوية معالم وضوابط (ص139.) )3( ينظر: شرح النووي على مسلم14/192.) )4( ينظر: الكواكب الدراري20/207.) )5( ينظر: مقاييس اللغة3/335.) )6( ينظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية ( 1/161.) )7( الكليات (ص558.)
عدد الصفحات ٤٣٥426 - ثالثاا: التعريف النبوي خَيْرُ الأَصْحَابِّ عِّنْدَ اللََِّّّ: خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ. حديث (163:) أخرجه الإمام الترمذي (2)، بسنده(3)، عَنْ عَبْ دِ اللَِّّ بْنِ عَمْر و قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَِّّ ﷺ: (خَيْرُ الأَصْحَابِّ عِّنْدَ اللََِّّّ خَيْرُهُمْ لِّصَاحِّبِّهِّ، وَخَيْرُ الجِّيرَانِّ عِّنْدَ اللََِّّّ خَيْرُهُمْ لِّجَارِّهِّ) (4). )1( ينظر: فيض القدير3/469)، مرقاة المفاتيح 8/3124.) )2( سنن الترمذي، أبواب البر والصلة - باب ما جاء في حق الجوار(4/333،ح1944.) )3( سند الحديث قال الإمام الترمذي: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّد قَالَ: حَدَّ ثَنَا عَبْدُ اللَِّّ بْنُ المُبَارَكِ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْح ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ شَرِيك ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلِي ِ، عَنْ عَبْدِ اللَِّّ بْنِ عَ مْر و قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَِّّ ﷺ...(الحديث). )4( دراسة ال حديث: - أولاا: دراسة رجال الإسناد: في إسناده: شرحبيل بن شريك المعافري، أبو محمد المصري، ويقال شرحبيل بن عمرو بن شريك ، وقد أسماه الحاكم: "شرحبيل بن مسلم" بدل شرحبيل بن شريك، وعلق على ذلك الإمام الألباني، فقال: " وابن مسلم لم يخرج له الشيخان، وأما ابن شريك فاحتج به مسلم وحده". ذكره ابن حبان في الثقات، وهو من رجال الإمام مسلم كما ذكره المزي، وبين أن له رواية عن عبد الله بن يزيد في الصحيح كذلك، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النسائي: "لا بأس به"، وقال الذهبي، وابن حجر: "صدوق"، وقال الأزدي: "ضعيف". قالت الباحثة: صدوق. ينظر: المستدرك على الصحيحين للحاكم (4/181)،سلسلة الأحاديث الصحيحة (1/212)،الثقات (6/448)، تهذيب الكمال (12/422)، الجرح والتعديل 4/341)، تهذيب التهذيب4/324)، الكاشف1/483)، تقريب التهذيب (ص265.) وباقي رجال إسناد من الثقات - ثانياا: تخريج الحديث: تفرد به الإمام الترمذي في سننه من أصحاب الكتب الستة ، وتوبع من غيرها، فقد أخرجه الإمام أحمد في مسنده (11/126،ح6566)، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (12/91،ح9094.) كلاهما (أحمد والبيهقي)، بلفظه، من طريق حيوة، وابن لهيعة، عن شرحبيل بن شريك، عن أب ي عبد الرحمن الحبلي، عن عمرو بن العاص ، مرفوعًا للنبي . - ثالثاا: الحكم على سند الحديث إسناده حسن؛ لأجل شرحبيل بن شريك المصري "صدوق"، وهو من رجال الإمام مسلم، وقد احتج به في صحيحه، كما ذكره المزي ، وقد قال الإمام الترمذي: "حديث حسن غريب"، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح
عدد الصفحات ٤٣٦427 - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. الدلالة على أن للصحبة الصالحة أثرًا عظيمًا في سلوك المؤمن، وذلك أن الله جعلها سببًا من أسباب الهداية؛ فإذا أراد بالعبد خيرًا قيض له صحبةً من الأخيار، وهيأ له من الإخوان من يعينه على صلاح نفسه، فلا يلبث أن يبلغ قدرهم أو يبرز عليهم (1)، كما قال الحق في كتابه[الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذ بَعْضُهُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ إِلاَّ المُتَّقِينَ ](2). 2 .يجب على المسلم الحذر من أنْ يصحب جاهلاً فيجهل بصحبته، أو غافلاً عن مولاه متبعًا لهواه فيصده عن سبيله فيردى، كما قال :[فَاسْتَقِيماَ وَلاَ تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ](3)، فأول الاستقامة صحبة العلماء با، وقال :[وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ](4)، وقال :[فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى ](5)، أي فتكون رديًا، وقيل: فتهلك، وقال :[فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا ](6)، ففي دليله الإقبال بالصحبة على من أقبل إلى ذكره ، والإعراض عمن أعرض عن وجهه، فلا يصحبن المسلم إلا مقبلاً عليه، كما قال اللّ :[وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَا َ إِلَِ ](7)، ويحذر أنْ يصحب من الناس خمسة: المبتدع والفاسق والجاهل والحريص على الدنيا والكثير الغيبة للناس، فإن هؤلاء مفسدة للقلوب مذهبة للأحوال، مضرة في الحال والمآل (8). على شرط الشيخين ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي، وقال: "على شرط البخاري ومسلم"، وقال ابن بشران في أماليه: "هذا حديث صحيح، من حديث أبي عبد الرحمن الحبلي، وهو إسناد كلهم ثقات"، وصححه الإمام الألباني. ينظر: سنن الترمذي (4/333)،المستدرك على الصحيحين للحاكم (4/181)،أمالي ابن بشران (1/309)، مشكاة المصابيح (3/1390). )1( ينظر: غاية المنوة في آداب الصحبة وحقوق الأخوة (ص19.) )2( (سورة الزخرف 67.) )3( (سورة يونس 89.) )4( (سورة الكهف 28.) )5( (سورة طه 16.) )6( (سورة النجم 29.) )7( (سورة لقمان 51.) )8( ينظر: قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد 2/390.)
عدد الصفحات ٤٣٧428 3. إن "على العاقل أن لا يخادن، ولا يصاحب، ولا يجاور من الناس ما استطاع، إلا ذا فضل في العلم والدين والأخلاق، فيأخذ عنه، أو موافقًا له على إصلاح ذلك، فيؤيد ما عنده، وا ن لم يكن له عليه فضل. فإن الخصال الصالحة من البر لا تحيا، ولا تنمى إلا بالموافقين والمؤيدين، وليس لذي الفضل قريب، ولا حميم أقرب إليه ممن وافقه على صالح الخصال، فزاده وثبته. ولذلك زعم بعض الأولين أن صحبة بليد نشأ مع العلماء، أحب إليهم من صحبة لبيب نشأ مع الجهال(1)، وقال بعض السلف: "لا تصحب إلا مريدًا، وكل خليل لا يريد ما تريد فانبذ عنك صحبته"، وقال بعض علماء العرب: الصاحب كالرقعة في الثوب إنْ لم تكن من جنسه شانته"، وقد كان مالك بن دينار– رحمه الله - يقول مثل هذا: وقد لا يتفق اثنان في عشرة ودوام صحبة، إلا وفي أحدهما وصف من الآخر، وا ن أشكال الناس كأجناس الطير، قال ورأى يومًا غرابًا مع حمامة، فعجب من ذلك وقال: كيف اتفقا وليسا من شكل؟! قال: ثم طارا فإذا هما أعرجان فقال: من ههنا اتفقا (2). 4. اهتم الإسلام بالصحبة الصالحة، فقد أباح للشخص أن يأكل من طعام صديقه كما يأكل من طعام والديه وا خوته والأقربين منه، قال :[لَيْسَ عَلََ الأَعْمَى حَرَج وَلاَ عَلََ الأَعْرَجِ حَرَج وَلاَ عَلََ المَرِيضِ حَرَج وَلاَ عَلََ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْماَمِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَماَّتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُ مْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتََِهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ](3) . ولا غرو، فعقد الصداقة كبير القيمة جليل الأثر، حتى إنه ليكون مظنة النجدة في الأزمات الطاحنة (4). )1( الأدب الصغير والأدب الكبير (ص12.) )2( ينظر: قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد 2/390.) )3( (سورة النور 61.) )4( ينظر: خلق المسلم (ص161.)
عدد الصفحات ٤٣٨429 37- خير الجيران - أولاا: التعريف اللغوي: الجيران: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "جَوَرَ"، الجيم والواو والراء أصل واحد (1)، ومنه أن ه قال: الجار الذي يجا ورك بيت بيت (2)، وجيران وجيرة: جمع المفرد جار، وهو من يجاورك السكن(3)، ومنه قول الشاعر أحب أبا مروان من أجل تمره ... وأعلم أن الجار بالجار أرفق (4). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي الجيران: "هم الأقربون مسكنًا منك، وهو من الأسماء المتضايفة فإن الجار لا يكون جارًا لغيره؛ إلا وذلك الغير جار له كالأخ والصديق" (5). وخير الجيران "هو أكثر الناس ثوابًا عند الله من كان لجاره خيرًا من غيره، ولو برفع الأذى عنه"(6). - ثالثاا: التعريف النبوي خَيْرُ الجِّيرَانِّ عِّنْدَ اللََِّّّ: خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ. حديث (م(7):) أخرجه الإمام الترمذي ، بسنده، عَنْ عَبْدِ اللَِّّ بْنِ عَمْر و قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَِّّ ﷺ: ((...)، وَخَيْرُ الجِّيرَانِّ عِّنْدَ اللََِّّّ خَيْرُهُمْ لِّجَارِّهِّ ) الحديث. - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. الحث على الإحسان إلى الجيران، وكف الأذى عنهم والانبساط إليهم (8)، كما جاء في قوله :(مَا زَالَ يُوصِّينِّي جِّبْرِّيلُ بِّالْجَارِّ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَر ِّثُهُ (9). )1( ينظر: مقاييس اللغة1/493.) )2( ينظر: تهذيب اللغة11/120.) )3( ينظر: معجم اللغة العربية المعاصرة 1/419.) )4( لسان العرب 1/289.) )5( ينظر: التوقيف على مهمات التعاريف (ص 119.) )6( ينظر: التنوير شرح الجامع الصغير 5/542)، مرقاة المفاتيح 8/2431.) )7( تقدم، ينظر حديث163.) )8( ينظرتطريز رياض الصالحين (ص 219.) )9( أخرجه الإمام البخاري، كتاب الأدب– باب الوصاة بالجار (8/10،ح6014)، وأخرجه الإمام مسلم، كتاب البر والصلة والآداب – باب الوصية بالجار والإحسان إليه (4/2025،ح2624.)
عدد الصفحات ٤٣٩430 2. إن قد فرض على أمته حق الجوار في الأرض، وذلك بنص كتابه فقال : [وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشرِْ كُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَالجَارِ ذِي القُرْبَى وَالجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْماَنُكُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يُُِبُّ مَنْ كَانَ مَُْتَالاً فَ خُورًا ](1). ومن أنواع حقوق الجار، والإحسان إليه(2): أ- إكرام الجار، والإحسان إليه ومواساته عند حاجته: لقوله :(مَنْ كَانَ يُؤْمِّنُ بِّا وَاليَوْمِّ الآخِّرِّ فَلْيُكْرِّمْ جَارَهُ) (3). ب- كف الأذى عنه، وا لا يعرض نفسه للشر والهلاك، ونفي الإيمان عنه، كما دعا إلى ذلك نبي الرحمة :(وَاللََِّّّ لاَ يُؤْمِّنُ، وَاللََِّّّ لاَ يُؤْمِّنُ، وَاللََِّّّ لاَ يُؤْمِّنُ، قِّيلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ ؟ قَالَ : الَّذِّي لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِّقَهُ (4). ت- تقديم الجار الملاصق على غيره في الإحسان، كما جاء في حديث عَائِشَ ةَ ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَِّّ ،(إِّنَّ لِّي جَارَيْنِّ فَإِّلَى أَي ِّهِّمَا أُهْدِّي؟ قَالَ : إِّلَى أَقْرَبِّهِّمَا مِّنْكِّ بَاباا (5). ث- عدم منع الجار جاره من الانتفاع بجداره، كما أوصى بذلك رسول الله :(لاَ يَمْنَعْ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِّزَ خَشَبَهُ فِّ ي جِّدَارِّهِّ)، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ :(مَا لِّي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِّضِّينَ، وَ لأََرْمِّيَنَّ بِّهَا بَيْنَ أَكْتَافِّكُمْ) (6.) ج- عدم الظن السيء، كما قال الحق :[يَا أَيَُُّّا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيًْا مِنَ الظَّنِ إِن بَ عْضَ الظَّنِ إِثْم وَلاَ تَََسَّسُوا وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُُِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لحَْمَ أَخِيهِ مَ يْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّا رَحِيم ](7). )1( (سورة النساء : 36.) )2( ينظر: موسوعة الفقه الإسلامي2/210)، وبتصرف )3( تقدم. ينظر حديث110.) )4( أخرجه الإمام البخاري، كتاب الأدب– باب إثم من لا يأمن جاره بوائقه ( 8/10،ح6016.) )5( صحيح البخاري، كتاب الشفعة– باب أي الجوار أقرب ( 3/88،ح2259)، وينظر: ح2595، وح 6020. )6( أخرجه الإمام البخاري، كتاب المظالم والغصب - باب لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبه في جداره (3/132،ح2463)، وينظر2527، وح 2528، وأخرجه الإمام مسلم، كتاب المساقاة – باب غرز الخشب في جدار الجار (3/1230،ح1609.) )7( (سورة الحجرات 12.)
عدد الصفحات ٤٤٠431 ح- اختيار الجار قبل الدار: حيث قال نَبِيُّ اللَِّّ بهد هجرته إلى المدينة: (أَيُّ بُيُوتِّ أَهْلِّنَا أَقْرَبُ، فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ : أَنَا يَا نَبِّي، هَذِّهِّ دَارِّي وَهَذَا بَابِّي، قَالَ : فَانْطَلِّقْ فَهَي ِّئْ لَنَا مَقِّيلاا، قَالَ : قُومَا عَلَى بَرَكَة (1). 3. أوصى في كتابه بالجار، على اختلاف تقاربهما؛ فالجار القريب له حقان: حق القرابة وحق الجوار، والجار البعيد له حق الجوار، وكلاهما يُكرم ويُتعاهد ويُحسن إليه، حيث يحصل امتثال الوصية بالجار؛ بإيصال ضروب الإحسان إليه بحسب الطاقة، كالهدية، والسلام، واطلاقة الوجه عند لقائه، و تفقد حاله، ومعاونته فيما يحتاج إليه إلى غير ذلك، وكف أسباب الأذى عنه على اختلاف أنواعه حسية كانت أو معنوية، وفي المثل السائر: "من فاته نفع إخوانه، فلا يفوتنه نفع جيرانه" (2). 38- خير الشهداء - أولاا: التعريف اللغوي: الشهداء: مشتق من الفعل الثلاثي "شَهَدَ" (3)،وأصل الشهادة الإخبار بما شاهده وشهده، ويجمع الشاهد على شهداء وشهود وشهد وشهاد (4). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي قالت الباحثة: الشهداء: "جمع الشاهد؛ وهو الذي يخبر بما شاهد". وخير الشهداء: "هو أكملهم في رتبة الشهادة، وأكثرهم ثوا بًا عند الله؛ من يأتي بشهادته لما هي له قبل أن يسأله، فلا يعلم صاحب الحق أن له معه شهادة"(5). - ثالثاا: التعريف النبوي خَيْرِّ الشُّهَدَاءِّ: الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا. حديث (164:) أخرجه الإمام مسلم (6)، بسنده(1)، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِد الْجُهَنِي ِ (2)، أَن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (أَلاَ أُخْبِّرُكُمْ بِّخَيْرِّ الشُّهَدَاءِّ؟، الَّذِّي يَأْتِّي بِّشَهَادَتِّهِّ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا) (3). )1( صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار - باب هجرة النبي وأصحابه إلى المدينة5/63،ح3911)، والحديث طويل. )2( كتاب الآداب (ص303)، خطب مختارة (ص 233.) )3( تقدم، ينظر حديث29.) )4( ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر 2/514.) )5( ينظر: نيل الأوطار8/341)، سبل السلام2/579)، النهاية في غريب الحديث والأثر ( 2/514.) )6( صحيح مسلم، كتاب الأقضية- باب بيان خير الشهود (3 /1344،ح1719.)
عدد الصفحات ٤٤١432 - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. إن "من دعي لشهادة عنده فعليه أن يجيب إذا علم أنه ينتفع بها الذي يشهد له بها، وعليه أن يؤديها، ومن كانت عنده شهادة لا يَعلم بها صاحبها فليؤدها قبل أن يسأل عنها، فإن ه كان يقال: من أفضل الشهادات شهادة أداها صاحبها قبل أن يًسألها"(4). 2. الدلالة على جواز شهادة السماع، وا ن لم يقل المشهود له أشهدك على هذا، ولا قال المشهود عليه: اشهد علي، فمن سمع شيئًا وعلمه؛ جاز له أن يشهد به، ومثل هذا يأتي بالشهادة قبل أن يسألها؛ لأن صاحبها لا يعلم بها فكل من علم شيئًا يجوز أداؤه؛ جاز له أن يشهد به (5)، لقوله :[وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِ نْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالحَقِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ](6)،وقوله أيضًا :[وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ للهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الَْخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يََْ عَلْ لَهُ مََْرَجًا ](7). 3. حكم "الشهادة في الحق يدعيه الرجل قبل صاحبه، فيخبر بها الشاهد قبل أن يسألها، فإن ه لا قرار لها، ولا يجب تنجيز الحكم بها حتى يستشهده صاحب الحق فيقيمها عند الحاكم، وا ن ما هذا في الشهادة تكون عند الرجل ولا يعلم بها صاحب الحق، فيخبره بها ولا يكتمه إياها. )1( سند الحديثقال الإمام مسلم: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِك ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْر ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَمْرَةَ الأَْنْصَارِي ِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِد الْجُهَنِي ِ ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ...(الحديث). )2( الصحابي زيد بن خالد الجُهَنِي، يكنى أبا عبد الرحمن، وقيل: أبو زرعة، وقيل: أبو طلحة. سكن المدينة، وشهد الحديبية مع رسول الله ﷺ، وكان معه لواء جُهَيْنَة يوم الفتح. روى عنه من الصحابة: السائب بن يزيد الكندي، والسائب بن خلاد الأنصاري، وغيرهما. ومن التابعين: ابناه خالد، وأبو حرب، وعبيد الله بن عتبة، وابن المسيب، وأبو سلمة، وعروة، وغيرهم. توفي بالمدينة، وقيل: بمصر، وقيل: بالكوفة، وكانت وفاته سنة ثمان وسبعين، وهو ابن خمس وثمانين، وقيل: مات سنة خمسين، وهو ابن ثمان وسبعين سنة، وقيل: توفي آخر أيام معاوية، وقيل: سنة اثنتين وسبعين، وهو ابن ثمانين سنة، والله أعلم. ينظر: أسد الغابة (2/133.) )3( تخريج الحديث تفرد به الإمام مسلم من أصحاب الصحيحين. )4( ينظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد17/295.) )5( ينظرالمصدر السابق (17/296.) )6( (سورة الزخرف 86.) )7( (سورة الطلاق 2.)
عدد الصفحات ٤٤٢433 وقيل: هذا في الأمانة والوديعة تكون لليتيم لا يعلم بمكانها غيره فيخبره بما يعلمه من ذلك، وقيل: هذا مثل في سرعة إجابة الشاهد إذا استشهد لا يمنعها ولا يؤخرها" (1). 4. الإشارة إلى أن المشهود به على ضربين: ضرب هو حق ، وضرب هو حق للآدميين. فأم ا ما كان حقًا لله ؛ فعلى قسمين: قسم لا يستدام فيه التحريم؛ كالزنا وشرب الخمر، والسرقة فهذا ترك الشهادة به للستر جائز، ولو أن الإمام علم بذلك؛ فقيل: يكتموه الشهادة، ولا يشهدوا بها إلا في تجريحه إن شهد على أحد، والله أعلم (2). 5. بيان أثر أداء الشهادة، أنها من وجود البر والخير والقيام بالحق؛ فمن بدر إلى ذلك فله الفضل على غيره ممن لم يبدر بها، كما قال الحق :[ بِكُمُ اللهُ جمَِيعًا إِنَّ اللهَ عَلََ كُلِ شَْء قَدِير (3). ومعلوم أن ه رُبَّما نسي صاحب الشهادة شهادةفضل، معلومًا لا يدري أين هو، ولا من هو، ويخاف ذهاب حقه فإذا أخبره الشاهد العدل بأن له شهادة عنده فرج كربه وأدخل السرور عليه(4). 39- خير القرون - أولاا: التعريف اللغوي: القرون: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "قَرَنَ" القاف والراء والنون أصلان صحيحان، أحدهما يدل على جمع شيء إلى شيء(5)، ومنه القرن: أهل كل زمان، وهو مقدار التوسط في أعمار أهل كل زمان، وهو أربعون سنة أو ثمانون أو مائة أو مطلق من الزمان، وهو مصدر قرن يقرن قرون (6). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي القرون: "هي الأمة التي تقاربت مواليدهم كأنها اقترنت "(7). )1( معالم السنن4/167.) )2( ينظر: المنتقى شرح ال موطأ (5/188.) )3( (سورة البقرة 148.) )4( ينظر: الاستذكار7/100.) )5( ينظر: مقاييس اللغة5/76.) )6( ينظر: مجمع بحار الأنوار4/259.) )7( التوقيف على مهمات التعاريف (ص 269.)
عدد الصفحات ٤٤٣434 وخير القرون: "هم خير الناس على عمومها، وهم الذين كانوا غرباء في إيمانهم؛ لكثرة الكفار، وصبرهم على أذاهم، وتمسكهم بدينهم" (1)، و خير القرون : "هم أهل قرن النبي ، أصحابه، لأن هم أعلم بالله ، وأقوى يقينًا ممن بعدهم من علماء التابعين، وا ن كان في التابعين من هو أعلم منهم بالفتوى والأحكام"(2). - ثالثاا: التعريف النبوي خير القرون: خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ. حديث (165 :)أخرجه الإمام البخاري(3)، بسنده (4)، سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْ ن ، قَالَ: قَالَ النَّبِّيُّ ﷺ: (خَيْرُكُمْ قَرْنِّي (5)، ثُمَّ الَّذِّينَ يَلُونَهُمْ (6)، ثُمَّ الَّذِّينَ يَلُونَهُمْ (7))، قَالَ عِّمْرَانُ : لاَ أَدْرِّي أَذَكَرَ النَّبِّي ﷺ بَعْدُ قَرْنَيْنِّ أَوْ ثَلاَثَةا، قَالَ النَّبِّيُّ ﷺ: (إِّنَّ بَعْدَ كُمْ قَوْماا يَخُونُونَ وَلاَ يُؤْتَمَنُونَ، وَيَشْهَدُونَ وَلاَ يُسْتَشْهَدُونَ (8)، وَيَنْذِّرُونَ وَلاَ يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِّيهِّمُ الس ِّمَنُ (9))(10). )1( ينظر: شرح النووي على مسلم16/85)، التمهيد لما في الموطأ من المعاني واسانيد (20/251.) )2( ينظر التيسير بشرح الجامع الصغير ( 1/533.) )3( صحيح البخاري، كتاب الشهادات- باب لا يشهد على شهادة جور إذا شهد (3/171،ح2651.) )4( سند الحديث قال الإمام البخاري: حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ، قَالَ: سَ مِعْتُ زَهْدَمَ بْنَ مُضَر ِب ، قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْن ، قَالَ: قَالَ النَّبِيﷺ...(الحديث). )5( قرني: "أي أصحابي". الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي (ص 73.) )6( الذين يلونهم: "أي التابعين ينظر: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي (ص 73.) )7( الذين يلونهم: "أي أتباع التابعين". ينظر: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي (ص 73.) )8( يشهدون ولا يستشهدون: "أي يتحملون الشهادة بدون التحميل، أو يؤد ونها بدون الطلب". إرشاد الساري (9/405.) )9( يظهر فيهم السمنأي يحبون التوسع في المطاعم الموجبة للسمن أو يتعاطون التسمين أو يتكثرون بما ليس فيهم". التيسير بشرح الجامع الصغير ( 1/533.) )10( تخريج الحديث أخرجه الإمام البخاري أيضًا، كتاب أصحاب النبي ﷺ - باب فضائل أصحاب النبي ﷺ (5/2،ح3650)، وينظر: ح6428، وح 6695. وأخرجه الإمام مسلم، كتاب فضائل الصحابة - باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (4/1964،ح2535.) وكلا الشيخان؛ البخاري ومسلم: من طريق شعبة، بسنده، ومثله، من حديث عمران بن حُصَيْن ، مرفوعًا إلى النبي ﷺ.
عدد الصفحات ٤٤٤435 - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. إن للصحبة فضيلة ومزية لا يوازيها شيء من الأع مال، فلمن صحب فضيلته وا ن قصر عمله، وأجره باعتبار الاجتهاد في العبادة، وتكون خيريتهم على من سيأتي باعتبار كثرة الأجر، لا بالنظر إلى ثواب الأعمال، وهذا قد يكون في حق بعض الصحابة ، وأم ا مشاهير الصحابة فإن هم حازوا السبق من كل نوع من أنواع الخير وأيضا فإن المفاضلة بين الأعمال؛ بالنظر إلى الأعمال المتساوية في النوع، وفضيلة الصحبة مختصة بالصحابة ، لم يكن لمن عداهم شيء من ذلك النوع، وكذلك فيه دلالة على أن ه لم يكن في القرنين الأولين من بعد الصحابة من يتصف بالصفات المذمومة كمن بعدهم، ولكن الظاهر أن المراد بحسب الأغلب، واستدل به على تعديل القرون الثلاثة ولكنه أيضا باعتبار الأغلب، والله أعلم(1). 2. اختصاص النبي قرنه بالخيرية؛ لأن ه يفتح لهم لفضلهم، ثم يفتح للتابعين لفضلهم، ثم يفتح لتابعيهم لفضلهم، وأوجب الفضل لثلاثة القرون، ولم يذكر الرابع، ولم يذكر فضلاً، فالنصر فيهم أقل، والله أعلم(2). 3. الإشارة إلى أن أصحاب النبي هم أعلم الأمة با، وأقوى يقينًا ممن بعدهم من علماء التابعين، وا ن كان في التابعين من هو أعلم منهم بالفتوى والأحكام، وأن التابعين أفضل من تابعيهم وأن التفضيل بالنظر إلى كل فرد فرد، و ا ليه ذهب الجماهير(3). 4. إخبار النبي بأخبار الأمم التالية لزمانه، وهذا من الإعجاز الغيبي الذي اختص به الله نبيه وصفيه محمد، وما أوتي به من وحي الكلمة 5. الإشارة إلى أسباب ضياع الخيرية في الأمة الإسلامية بعد القرون الثلاثة الأولى؛ إنما هي الذنوب والمعاصي، والركون إلى الدنيا وحب الشهوات، وضياع الأمانة، كما بين ذلك الحبيب المصطفى ( :إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَخُونُونَ وَلاَ يُؤْتَمَنُونَ، وَيَشْهَدُونَ وَلاَ يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلاَ يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ الس ِمَنُ ). 40- خير الناس- خير كم - أولاا: التعريف اللغوي: )1( ينظر سبل السلام (2/581.) )2( ينظر شرح صحيح البخاري لابن بطال (5/91.) )3( ينظر التيسير بشرح ال جامع الصغير (1/533)، سبل السلام2/581.)
عدد الصفحات ٤٤٥436 قالت الباحثةلا حاجة للتعريفات اللغوية لشهرة الألفاظ ومعرفتها لدى عامة الناس. - ثانياا: التعريف الاصطلاحي: قالت الباحثة: خير الناس: هو الفاضل المختص بالخير من الناس. - ثالثاا: التعريف النبوي: خير الناس: مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ. خير الناس: مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ. حديث (166:) أخرجه الإمام البخاري(1)، بسنده(2)، عَنْ عُثْمَانَ ، عَنِ النَّبِي ِ ﷺ قَالَ: (خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ) (3). حديث167:) وأخرجه الإمام الترمذي (4)، بسنده (5)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ،(أَنَّ رَسُولَ اللََِّّّ ﷺ وَقَفَ عَلَى نَاسٍ جُلُوسٍ، فَقَالَ: أَلاَ أُخْبِّرُكُمْ بِّخَيْرِّكُمْ مِّنْ شَر ِّكُمْ؟، قَالَ : فَسَكَتُوا، فَقَالَ ذَلِّكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ رَجُ لٌ: بَلَى يَا رَسُولَ اللََِّّّ ، أَخْبِّرْنَا بِّخَيْرِّنَا مِّنْ شَر ِّنَا، قَالَ : خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ، وَشَرُّكُمْ مَنْ لاَ يُرْجَى خَيْرُهُ وَلاَ يُؤْمَنُ شَرُّهُ) (6). )1( صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن- باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه ( 6/192،ح5027.) )2( سند الحديث قال الإمام البخاري: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَال ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ مَ رْثَد ، سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِي ِ، عَنْ عُثْمَانَ ، عَنِ النَّبِي ِ ﷺ قَالَ...(الحديث). )3( تخريج الحديث أخرجه الإمام البخاري أيضًا، كتاب كتاب فضائل القرآن - باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه (6/192،ح5028)، من طريق سفيان، عن علقمة بن مرثد، بسنده، ومثله، من حديث عثمان ، مرفوعًا. )4( سنن الترمذي، أبواب الفتن - باب (4/528،ح2263.) )5( سند الحديث قال الإمام الترمذي: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّد ، عَنْ العَلاَءِ بْنِ عَ بْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَِّّ ﷺ وَقَفَ عَلَى نَاس جُلُوس ، فَقَالَ...(الحديث). )6( دراسة الحديث - أولاا: دراسة رجال الإسناد: في إسناده: 1. عبد العزيز بن محمد بن عبيد الدراوردي، أبو محمد الجهني، مو هم المدني، مات سنة مائة وست أو سبع وثمانين. قال أبو حاتم: "محدث"، قال ابن معين: "صالح ليس به بأس"، وقال الذهبي: "صدوق من علماء المدينة، غيره أقوى منه"، قال ابن حجر: "صدوق كان يحدث من كتب غيره فيخطئ"، وقال أبو زرعة: "سيئ الحفظ، فربما حدث من حفظه الشيء فيخطئ الجرح".
عدد الصفحات ٤٤٦437 وقد ذبَّ ابن حجر ما وقع به عبد العزيز من الخطأ فقال في الفتح: "روى له البخاري حديثين، قرنه فيهما بعبدالعزيز بن أبي حازم وغيره، وأحاديث يسيرة أفرده، لكنه أوردها بصيغة التعليق في المتابعات، واحتج به الباقون". قالت الباحثة: صدوق، رواية البخاري له، وا حتجاج الباقين به، إنما تدلل على تحمل روايته وقبولها، والله أعلم. ينظر: الجرح والتعديل ( 5/396)، ميزان الاعتدال 2/633)، تقريب التهذيب (ص 358)، فتح الباري (1/420.) 2. العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحُرَقي، أبو شِبْل المدني، مات سنة مائة وبضع وثلاثين قال أحمد: "ثقة، وقال لم أسمع أحدًا يذكر العلاء بسوء"، وقال محمد بن عمر: "صحيفة العلاء بالمدينة مشهورة، وكان ثقة كثير الحديث ثبتًا، وذكره ابن حبان في الثقات"، وقال مرة: "كان متقنًا، ربما وهم"، وقال ابن معين: "ليس به بأس"، وقال ابن عدي: "ما أرى بحديثه بأسًا"، وقال أبو حاتم: "صالح"، وقال الذهبي: "صدوق مشهور"، وقال ابن حجر: "صدوق ربما وهم"، وقال أبو زرعة: "ليس هو بأقوى ما يكون". قالت الباحثة: صدوق، من رجال الإمام مسلم، وله رواية عن أبيه كما ذكر ذلك العلماء، ومنهم الإمام البخاري، وابن حبان. ينظر: العلل ومعرفة الرجال ( 2/19)، الطبقات الكبرى 5/420)، الثقات 5/247)، مشاهير علماء الأمصار (ص131)، تاريخ ابن معين (ص 173)، الكامل في ضعفاء الرجال (6/374)، الجرح والتعديل 6/358)، ميزان الاعتدال 3 /102)، تقريب التهذيب (ص 435)، التاريخ الكبير ( 6/508.) وباقي رجال إسناده م ن الثقات. - ثانياا: تخريج الحديث: تفرد به الإمام الترمذي من أصحاب الكتب الستة. - ثالثاا: الحكم على سند الحديث: إسناده حسن؛ لأجل عبد العزيز والعلاء، فهما في مرتبة الصدوق، وهم ممن احتج بهما الشيخان أي في صحيحيهما كما سلف ذكره في ترجمتهما (يراجع الترجمة في موضعها)، وقد صححه الإمام الترمذي والألباني، وقال الأول: "حسن صحيح". ينظر: سنن الترمذي ( 4/528)، صحيح الجامع الصغير (1/508.)
عدد الصفحات ٤٤٧438 - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. إن خير الناس وأفضلهم من تعلم القرآن الكريم وعلمه، قال ابن بطال: "حديث عثمان يدل أن قراءة القرآن أفضل أعمال البر كلها؛ لأن ه لما كان من تعلم القرآن أو علمه أفضل الناس وخيرهم دل ذلك على ما قلناه؛ لأن ه إن ما وجبت له الخيرية والفضل من أجل القرآن، وكان له فضل التعليم جاريًا ما دام كل من علمه تاليًا"(1). 2. إن خير الناس وأفضلهم مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ. 3. لم يطلب الصحابة الإجابة، وتوقفوا في أن السؤال أولى أو السكوت أحرى، خوفًا من أن يكون من باب: [يَا أَيَُُّّا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تَ سْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْهَا وَاللهُ غَفُور حَلِيم ](2)، وعليه كان التكرار من النبي ثلاث مرات حتى أجاب بعضهم حين علموا أن ه لا بد من الاختيار(3). 4. يشير حديث الترمذي إلى أن عدل الإنسان مع أكفائه واجب، وذلك يكون بثلاثة أشياء، ترك الاستطالة، ومجانبة الإذلال، وكف الأذى؛ لأن ترك الاستطالة آلف، ومجانبة الإذلال أعطف، وكف الأذى أنصف. وهذه أمور إن لم تخلص في الأكفاء أسرع فيهم تقاطع الأعداء ففسدوا وأفسدوا، نسأل الله العافية(4). 5. اختلف العلماء على ثلاثة أقوال في طبائع الناس، على النحو التالي(5): أ- أن من الناس من هو خير بالطبع، ومنهم من هو شر بالطبع، ومنهم من هو متوسط. ب- أن الناس يخلقون أخيارًا بالطبع، ثم يصيرون أشرارًا؛ بمجالسة أهل الشر، والميل إلى الشهوات الردية التي لا تنقمع النفس عنها بالتأديب. ت- الناس خلقوا من الطينة، وهم كدر العالم، فهم بذلك أشرارًا بالطبع لكن فيهم أخيارًا بالتأديب، ومنهم من لا ينتقل عن الشر مطلقًا. قالت الباحثة: والرأي الثاني أقرب إل ى الصواب، والله أعلم. )1( شرح صحيح البخاري لابن بطال10/265.) )2( (سورة المائدة 101.) )3( ينظر: مرقاة المفاتيح 8/3127.) )4( ينظر: فيض القدير (3/102.) )5( ينظر: التنوير شرح الجامع الصغير 4/357).
عدد الصفحات ٤٤٨439 41- خير معاش الناس - أولاا: التعريف اللغوي: معاش: مشتقة من عيش، العين والياء والشين أصل صحيح يدلُّ على حياة وبقاء، العيش: الحياة. والمعيشة: الذي يعيش بها الإنسان من مطعم ومشرب وما تكون به الحياة. والمعيشة: اسم لما يعاش به. وهو في عِيشة ومَعيشة صالحة. والعِيشة مثل الجِلْسة والمِشْية. والعَيْش: المصدر الجامع. والمعاش يجري مجرى العَيْش. تقول: عاشَ يَعِيشُ عَيْشًا ومعاشًا. وكلُّ شيء يُعاش به أو فيه فهو مَعاش . قال الله :[وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً ](1)، والأرضُ مَعاش للخلق، فيها يلتمسون معايِشَهم (2). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي خَيْرِّ مَعاش النَّاسِّ: الْمَعَاش: هُوَ الْعَيْش، وَهُوَ الْحَيَاة، وَتَقْدِيره وَاللَُّّ أَعْلم: خَيْر أَحْوَال عَيْشهمْ (3). - ثالثاا: التعريف النبوي خَيْرِّ مَعاش النَّاسِّ: رَجُل مُمْسِك عِنَانَ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ، كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً، أَوْ فَزْعَةً طَارَ عَلَيْهِ، يَبْتَغِي الْقَتْلَ وَالْمَوْتَ مَظَانَّهُ، أَوْ رَجُل فِي غُنَيْمَة فِي رَأْسِ شَعَ فَة مِنْ هَذِهِ الشَّعَفِ، أَوْ بَطْنِ وَاد مِنْ هَ ذِهِ الأَْوْدِيَةِ، يُقِيمُ الصَّلاَةَ، وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْيَقِينُ، لَيْسَ مِنَ النَّاسِ إِلاَّ فِي خَيْر . حديث ( 168:) أخرجه الإمام مسلم (4)، بسنده (5)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: (مِّنْ خَيْرِّ مَعَاشِّ (6) النَّاسِّ لَهُمْ، رَجُلٌ مُمْسِّكٌ عِّنَانَ فَرَسِّهِّ فِّي سَبِّيلِّ اللهِّ، يَطِّيرُ عَلَى مَتْنِّهِّ (7)، كُلَّمَا سَمِّعَ هَيْعَةا (8)، أَوْ فَزْعَةا (9) طَارَ عَلَيْهِّ، يَبْتَغ ـــي الْقَتْ ـــلَ وَالْمَوْتَ )1( (سورة النبأ 11.) )2( معجم مقاييس اللغة4/194.) )3( شرح النووي على مسلم366.) (4( صحيح مسلم، كتاب الإمارة - باب فضل الجهاد والرباط ( 3/1503،ح1889.) (5( سند الحديث قال الإمام مسلم: حَدَّثَنَ ا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِم ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بَعْجَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ...(الحديث). )6( معاش: "أي العيش". ينظر: كشف المشكل من حديث الصحيحين3/589.) )7( يطير على متنه: "أي يسرع بركضه وهو على ظهره". ينظر: كشف المشكل من حديث الصحيحين (3/589.) (8( الهيعة: "الصوت المفزع المخوف من عدو أو غيره". كشف المشكل من حديث الصحيحين 3/589.) (9( الفزعة: "أي الاستغاثة". مرقاة المفاتيح 6/2459.)
عدد الصفحات ٤٤٩440 مَظَانَّهُ(1)، أَوْ رَجُلٌ فِّي غُنَيْمَةٍ فِّي رَأْسِّ شَعَفَةٍ (2) مِّنْ هَذِّهِّ الشَّعَفِّ، أَوْ بَطْنِّ وَادٍ مِّنْ هَذِّهِّ الأَْوْدِّيَةِّ، يُقِّيمُ الصَّلاَةَ، وَيُؤْتِّي الزَّكَاةَ، وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِّيَهُ الْيَقِّينُ، لَيْسَ مِّنَ النَّاسِّ إِّلاَّ فِّي خَ يْرٍ) (3). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. بيان أن خير أحوال الناس في عيشهم، وهو ذاك الرجل الذي يمسك فرسه، ويسارع به في أرض المعركة عند حضور العدو، حيث يطلب القتل في مواطنه التي يرجى فيها؛ لشدة رغبته في الشهادة ، وكذلك بيان فضيلة الجهاد و الرباط والحرص على الشهادة (4). 2. بيان فضيلة القتل أو الموت في سبيل، كما قال :[وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِِ سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لمََغْفِرَة مِنَ اللهِ وَرَحَْْة خَيْْ مََِّا يََْمَعُونَ ](5)، وكذلك بيان فضيلة اعتزال الناس عند وقوع الفتنة(6). 3. الدلالة على أن العزلة، والخلطة من الأمور النسبية التي تختلف خيريتها باختلاف الأشخاص، والأزمان، والأمكنة، كما ورد في حديث التعريف، ودل أيضًا على فضيلة العزلة، لمن لا يتأتى له الجهاد في سبيل الله ، إلا أن يكون قيد بزمان وقوع الفتن، وتعالى أعلم بالصواب، وا ليه المرجع والمآب. 42- خير النساء - أولاا: التعريف اللغوي: قالت الباحثة: لا حاجة للتعريفات اللغوية لشهرة الألفاظ ومعرفتها لدى العامة. - ثانياا: التعريف الاصطلاحي: خير النساء: "هي المتبذلة لزوجها، الخفرة (7) في قومها، اللعوب العَرُوب(8)"(9). (1( مظانه: "أي مكانه الذي يظن وجوده فيه، أو وقته". ينظر: كشف المشكل من حديث الصحيحين (3/590.) (2( شَعَفة: "أي رأس الجبل". ينظر: مرقاة المفاتيح 6/2460.) (3( تخريج الحديث أخرجه الإمام مسلم أيضًا، كتاب الإمارة - باب فضل الجهاد والرباط ( 3/1503،ح1889)، من طريقي قتيبة بن سعيد، ويعقوب بن عبد الرحمن، عن عبد العزيز، بمثله، وسنده، مرفوعًا. )4( ينظر: شرح النووي على مسلم13/35). )5( (سورة آل عمران 157.) )6( ينظر: ذخيرة العقبى في شرح المجتبى 26/133)،37/385.) )7( الخ فْرًة: "أي الحيية". ينظر شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم (3/1867.) )8( العَرُوب: "هي المرأة المتحببة إلى زوجها". ينظر: معجم اللغة العربية المعاصرة2/1477.) )9( ينظر: لسان العرب 1/590)، معجم اللغة العربية المعاصرة 2/1477.)
عدد الصفحات ٤٥٠