393 عذاباا اسم مشتق من الفعل الثلاثي "عَذَبَ"، العين والذال والباء أصل صحيح، لكن كلماته لا تكاد تنقاس، ولا يمكن جمعها إلى شيء واحد، ومنه العذاب، يقال منه: عذب تعذيبًا، وناس يقولون: أصل العذاب الضرب، ثم استعير ذلك في كل شدة (1)، وقيل: العذاب: هو الإيجاع الشديد، وقد عذبه تعذيبًا: أكثر حبسه في العذاب(2)، ومنه قوله تعالى[لأَُعَذِبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأََذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَان مُبِين ](3). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي عذاباا: "هو كل مؤلم للنفس إذا كان جزاء على سوء" (4). وأشد ا لناس عذاباا عند الله يوم القيامة: "هم الذين يشبهون عملهم في التصوير بخلق الله من ذوات الأرواح، كمن صور الحيوان ليعبد أو قصد به المضاهاة لخلق ربه، واعتقد ذلك"(5). - ثالثاا: التعريف النبوي أَشَدَّ النَّاسِّ عَذَاباا عِّنْدَ اللََِّّّ يَوْمَ القِّيَامَةِّ: المُصَو ِ رُونَ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَِّّ. حديث (149:) أخرجه الإمام البخاري(6)، بسنده(7)، فَقَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَِّّ ، قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (إِّنَّ أَشَدَّ النَّاسِّ عَذَاباا عِّنْدَ اللََِّّّ يَوْمَ القِّيَامَةِّ المُصَو ِّرُ ونَ) (8). حديث150:) وأخرجه الإمام البخاري(9)، بسنده(1)، قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ :(قَدِّمَ رَسُولُ اللََِّّّ ﷺ مِّنْ سَفَرٍ، وَقَدْ سَتَرْتُ بِّقِّرَامٍ (2) لِّي عَلَى سَهْوَةٍ (3) لِّي فِّيهَا تَمَاثِّيلُ(4)، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ )1( ينظر: مقاييس اللغة4/259.) )2( المفردات في غريب القرآن (ص 554.) )3( (سورة النمل 21.) )4( ينظر: التوقيف على مهمات التعاريف (ص 239.) )5( ينظر: فيض القدير1/518.) )6( صحيح البخاري، كتاب اللباس- باب عذاب المصورين يوم القيامة ( 7/167،ح5950.) )7( سند الحديث قال الإمام البخاري: حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِم ، قَالَ: كُنَّا مَعَ مَسْرُوق ، فِي دَارِ يَسَارِ بْنِ نُمَيْر ، فَرَأَى فِي صُفَّتِهِ تَمَاثِيلَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَِّّ ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِي ﷺ يَقُولُ...(الحديث). )8( تخريج الحديث أخرجه الإمام مسلم، كتاب ( 3/1670،ح2109)، من طريقي أبي الضحى ومسلم، عن مسروق عن ابن مسعود ، بلفظه، مرفوعًا (9( صحيح البخاري،كتاب اللباس- باب ما وطئ من التصاوير (7/168،ح5954)
عدد الصفحات ٤٠٣394 رَسُولُ ﷺ هَتَكَهُ، وَ قَالَ : أَشَدُّ النَّاسِّ عَذَاباا يَوْمَ القِّيَامَةِّ الَّذِّينَ يُضَاهُونَ بِّخَلْقِّ اللََِّّّ، قَالَتْ فَجَعَلْنَاهُ وِّسَادَةا (5) أَوْ وِّسَادَتَيْن (6). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. تجريم المصورين إن ما يقع في حق المتكلف من ذلك؛ مضاهاة ما صوره ربه في خلقه، وهو أعظم جرمًا من فرعون وآله، كما في قوله :[أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَا ِ ](7)، وذلك لأن فرعون كان كفره بقوله: [فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلََ ](8)،من غير ادعاء منه أن ه يخلق، ولا محالة منه أن ينشئ خلقًا يكون كخلقه شبيهًا ونظيرًا، والمصور المضاهي بتصويره ذلك منطو على تمثيله نفسه بخالقه، فلا خلق أعظم كفرًا منه، فهو بذلك أشدهم عذابًا وأعظم عقابًا. وأم ا من صور صورة غير مضاهي ما خلق ربه ، وا ن كان بفعله مخطئًا، فغير داخل في معنى من ضاهى ربه بتصويره، وذ لك لاتهامه نفسه عند من عاين تصويره أن ه ممن قصد بذلك المضاهاة لربه، إذ كان الفعل الذى هو دليل على المضاهاة منه ظاهرًا، والاعتقاد الذى هو خلاف اعتقاد المضاهي باطن لا يصل إلى علمه راءوه (9). (1( سند الحديث قال الإمام البخاري: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَِّّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابْنَ القَاسِمِ، وَمَا بِالْمَدِينَةِ يَوْمَئِذ أَفْضَلُ مِنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ...(الحديث (2( بقرام: "هو ثوب من صوف فيه ألوان، وهو شفيف يتخذ سترًا، فإذا خيط وصار كالبيت فهو كلة". مشارق الأنوار على صحاح الآثار (2/179.) (3( السهوة: "هي بيت صغير منحدر في الأرض قليلاً، شبيه بالمخدع والخزان،. و قيل: هو كالصفة تكون بين يدى البيت، وقيل: شبيه بالرف أو الطاق يوضع فيه الشيء". ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (2/430.) (4( تماثيل: "أي صور". مشارق الأنوار على صحاح الآثار1/373.) (5( وسادة: "هي ما يتوسد عليها عند النوم، ويجعل عليها الرأس أو يتكأ عليها ". ينظر: مشارق الأنوار على صحاح الآثار (2/294.) (6( تخريج الحديث أخرجه الإمام البخاري أيضًا، كتاب البيوع - باب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء ( 3/63،ح2105)، وينظر: ح2479، وح 3224، وح 5181، وح 5955، وح 5957، وح 5961، وح 6109، ح7557. وأخرجه الإمام مسلم، كتا ب اللباس والزينة - باب لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة (3/1664،ح2104)، وينظر: ح2106، وح 2107. كلاهما بطرق متعددة، وألفاظ متقاربة من حديث عائشة، مرفوعًا (7( (سورة غافر 46.) (8( (سورة النازعات 24.) (9( ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال9/175.)
عدد الصفحات ٤٠٤395 2. كراهة الصلاة في مكان فيه تصاوير؛ لأن ه ينبغي التزام الخشوعوتفريغ البال لله ، وترك التعرض لكل ما يشغل المصلى عن الخشوع، ومنه فإن ما يعرض للمرء في صلاته من الفكرة في أمور الدنيا، وما يخطر بباله من ذلك، وما ينظر إليه بعينه أنه لا يقطع صلاته، إذ لم يسلم أحد من ذلك(1). 3. ذهب بعض أهل العلم إلى أن ه لا يكره من الصور إلا ما له ظل مما له روح من تمثال النحاس والجواهر كلها، والطين وكل ما إذا صور كان له ظل. وذهب غيرهم من أهل العلم إلى أن المكروه من الصور ما كان له روح من كل حيوان من أي شيء صنع كان له ظل أو لم يكن(2)، والله أعلم 4. أشار النبي صفة تعذيب المصور، وهو أن يكلف نفخ الروح في الصورة التي صورها، وهو لا يقدر على ذلك، فيستمر تعذيبه (3)، كما جاء ذلك في قوله :(إِّنَّ أَصْحَابَ هَذِّه الصُّوَرِّ يَوْمَ القِّيَامَةِّ يُعَذَّبُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ) (4) . نسألالعفو و العافية. 11- أشر الناس- شر الناس - أولاا: التعريف اللغوي: الشر: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "شَرَّ، الشين والراء أصل واحد يدل على الانتشار والتطاير، من ذلك الشر خلاف الخير، ورجل شرير، وهو الأصل، لانتشاره وكثرته (5)، وكذلك الشر السوء، والمصدر الشرارة، والفعل: شر يشر ، وقوم أشرار: ضد الأخيار (6)، وفلان شر الناس، ولا يقال أشر الناس إلا في لغة رديئة (7)، والشر: الذي يرغب عنه الكل (8). (1( ينظرالسابق (9/180.) (2( ينظر: الاستذكار8/488.) (3( ينظر: فتح الباري10/384.) (4( صحيح البخاري، كتاب البيوع- باب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء ( 3/63،ح2105)، وللاستزادة في التخريج يراجع تخريج حديث ( 150 .) )5( ينظر: مقاييس اللغة3/180.) )6( ينظر: تهذيب اللغة (11/186.) )7( الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية 2/695.) )8( ينظر: المفردات في غريب القرآن (ص 448.)
عدد الصفحات ٤٠٥396 المنزلة اسم مشتق من الفعل "نَزَلَ" (1)، ومنه المنزلة: المرتبة لا تجمع، والمنزلة المنزل (2). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي أشر الناس، شر الناس: "هم أسوأ الناس عملاً، وأدناهم درجة، وأحط هم وأحقرهم مرتبة يوم القيامة"(3)، ومنهممن ترك الناس التعرض له، كيلا يؤذيهم بلسانه، ومداراة لدفع الضرر (4)، ومنهم: "المنافق يلاقي كل قوم بما يوافقهم"(5)، ومنهم: من يصل مع زوجته إلى الاستمتاع، ثم يتكلم للناس ما جرى بينه وبينها قولاً وفعلاً، أو يفشي عيبًا من عيوبها، أو يذكر من محاسنها ما يجب شرعًا أو عرفًا سترها(6) . - ثالثاا: التعريف النبوي شَرَّ النَّاسِّ مَنْزِّلَةا عِّنْدَ اللََِّّّ: مَنْ تَرَكَهُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ ات ِقَاءَ فُحْشِهِ. ومن شر الناس: ذَو الوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاَءِ بِوَجْه ، وَهَؤُلاَءِ بِوَجْه . وأَشَر ِّ النَّاسِّ عِّنْدَ اللهِّ مَنْزِّلَةا يَوْمَ الْقِّيَامَةِّ: الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا. حديث (151:) وأخرجه الإمام البخاري(7)، بسنده(8)، أَنَّ عَائِشَةَ ، أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِي ِ ﷺ رَجُل فَقَالَ :(ائْذَنُوا لَهُ، فَبِّئْسَ ابْنُ العَشِّيرَة (9)، أَوْ بِّئْسَ أَخُو العَشِّيرَةِّ، فَلَمَّا دَخَلَ أَلاَنَ لَهُ الكَ لاَمَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللََِّّّ ﷺ، قُلْتَ مَا قُلْتَ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ فِّي القَوْلِّ؟ فَقَالَ : أَيْ عَائِّشَةُ ، إِّنَّ شَرَّ النَّاسِّ مَنْزِّلَةا عِّنْدَ اللََِّّّ مَنْ تَرَكَهُ، أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ ات ِّقَاءَ فُحْشِّه (10). )1( تقدم. ينظر حديث نزل أهل الجنة )2( ينظر: شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم 10/6557.) )3( الأدب النبوي (ص128.) )4( ينظر تحفة الأحوذي (6/112.) )5( ينظر: التحبير لإيضاح معاني التيسير4/456.) )6( ينظر: التيسير بشرح الجامع الصغير 1/348)، مرقاة المفاتيح 5/2093.) )7( صحيح البخاري، كتاب الأدب- باب المداراة مع الناس ( 8/31،ح6131.) )8( سند الحديث قال الإمام البخاري: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيد ، حَدَّثَنَا سُفْ ـــــــــيَانُ، عَنِ ابْنِ المُنْكَدِرِ، حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ ، أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِي ِ ﷺ رَجُل فَقَالَ...(الحديث). )9( بئس ابن العشيرة: "أراد بها القبيلة، أي بئس هذا الرجل منها". مجمع بحار الأنوار ( 3/598.) )10( تخريج الحديث أخرجه الإمام البخاري أيضًا، كتاب الأدب - باب "لم يكن النبي ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا" (8/13،ح6032)، وينظر: ح6054.
عدد الصفحات ٤٠٦397 حديث152:) أخرجه ا مام البخاري (1)، بسنده(2)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ: (تَجِّدُ مِّنْ شَر ِّ النَّاسِّ يَوْمَ القِّيَامَةِّ عِّنْدَ اللََِّّّ ذَا الوَجْهَيْنِّ (3)، الَّذِّي يَأْتِّي هَؤُلاَءِّ بِّوَجْهٍ، وَهَؤُلاَء بِّوَجْهٍ)(4). حديث153:) وأخرجه الإما م مسلم(5)، بسنده(6)، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيد الْخُدْرِي ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (إِّنَّ مِّنْ أَشَر ِّ النَّاسِّ عِّنْدَ اللهِّ مَنْزِّلَةا يَوْمَ الْقِّيَامَةِّ، الرَّجُلَ يُفْضِّي إِّلَى امْرَأَتِّهِّ (7)، وَتُفْضِّي إِّلَيْهِّ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِّرَّهَا (8))(9) - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. الحث على مداراة من يتقي فحشه، وتجنب شرار الخلق، وذلك اتقاء سوء خُلُقه، وقبيح قوله وفعله في حق الناس. وأخرجه الإمام مسلم، كتاب البر والصلة والآداب - باب مداراة من يتقي فحشه ( 4/2002،ح2591.) وكلا الشيخان؛ البخاري ومسلم، من طرق متعددة، وألفاظ متقاربة، من حديث عائشة، مرفوعًا )1( صحيح البخاري، كتاب الأدب- باب ما قيل في ذي الوجهين (8/18،ح6058.) )2( سند الحديث قال الإمام البخاري: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْص ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِح ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: قَالَ النَّبِيﷺ...(الحديث). )3( ذو الوجهين: تقدم تعريفه. ينظر حديث 116.) )4( تخريج الحديث وأخرجه الإمام البخاري أيضًا، كتاب الأحكام - باب ما يكره من ثناء السلطان، وا ذا خرج قال غير ذلك (9/71،ح7179) وأخرجه الإمام مسلم، كتاب الفضائل - باب في فضائل يوسف (4/1846،ح2378)، وينظر ح2526. وكلاهما؛ الإمام البخاري ومسلم، من طرق متعددة، وألفاظ متقاربة، من حديث أبي هريرة، مرفوعًا )5( صحيح مسلم، كتاب النكاح- باب تحريم إفشاء سر المرأة ( 2/0601،ح1437.) )6( سند الحديث قال الإمام مسلم: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ الْعُمَرِي ِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْد ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيد الْخُدْرِيَّ ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِﷺ...(الحديث). )7( يفضي إلى امرأته: "أي يصل إليها استمتاعًا". التيسير بشرح الجامع الصغير1/348.) )8( ينشر سرها: "أي يتكلم للناس ما جرى بينه وبينها قولاً وفعلاً، أو يفشي عيبًا من عيوبها، أو يذكر من محاسنها ما يجب شرعًا أو عرفًا سترها". ينظر: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (5/2093 .) )9( تخريج الحديث وأخرجه الإمام مسلم أيضًا، كتاب النكاح - باب تحريم إفشاء سر المرأة ( 2/1060،ح1437)، من طريقي مروان بن معاوية، وأبو أسامة "حماد بن سلمة"، عن عمر بن حمزة، بسنده، ومثله، مرفوعً ا.
عدد الصفحات ٤٠٧398 2. بيان السبب في نعت ذي الوجهين؛ أنه يأتي إلى كل قوم بما يرضيهم كان خيرًا أو شرًا، وهذه هي المداهنة المحرمة؛ لأنه يظهر لأهل المنكر أنه عنهم راض فيلقاهم بوجه سمح بالترحيب والبشر، وكذلك يظهر لأهل الحق أنه عنهم راض وفى باطنه خلاف ذلك، بغية أن يرضى كل فريق منهم ويريهم أنه منهم، وا ن كان في مصاحبته لأهل الحق مؤيدًا لفعلهم، وفى صحبته لأهل الباطل منكرًا لفعلهم، فبخلطته لكلا الفريقين وا ظهار الرضا بفعلهم؛ استحق اسم المداهنة للأسباب الظاهرة عليه المشبهة بالدهان الذى يظهر على ظواهر الأشياء ويستر بواطنها، فينبغي للمؤمن العاقل أن يرغب بنفسه عما يوبقه ويخزيه عند الله (1). 3 .الدلالة على تحري م إفشاء الرجل ما يجري بينه وبين امرأته من أمور الاستمتاع، ووصف تفاصيل ذلك، وما يجري من المرأة فيه من قول أو فعل ونحوه، فأما مجرد ذكر الجماع فإن لم تكن فيه فائدة ولا إليه حاجة فمكروه؛ لأنه خلاف المروءة؛ فقد قال الحق :[فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِ كُوهُنَّ بِمَعْرُوف أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوف وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْل مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ للهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الَْخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يََْعَلْ لَهُ مََْرَجًا ](2)،وكذلك هي الدعوة المحمدية الراقية حيث قال :(مَنْ كَانَ يُؤْمِّنُ بِّالِلَِّّ وَاليَوْمِّ الآخِّرِّ فَلْيَقُلْ خَيْراا أَوْ لِّيَصْمُتْ (3). وأما إن كان الحديث يفضي إلى حاجة، أو ترتب عليه فائدة؛ بأن ينكر عليه إعراضه عنها أو تدعي عليه العجز عن الجماع أو نحو ذلك؛ فلا كراهة ف ي ذكره (4)، كما في حديث جابر بن عبد الله ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَِّّ فِي غَزْوَة ، فَلَمَّا قَفَلْنَا، تَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِير قَطُوف ، فَلَحِقَنِي رَاكِب مِنْ خَلْفِي، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللَِّّ ، قَالَ :(مَايُعْجِّلُكَ؟ قُلْتُ: إِّن ِّي حَدِّيثُ عَهْدٍ بِّعُرْسٍ، قَالَ : فَبِّكْراا تَزَوَّجْتَ أَمْ ثَي ِّباا؟ قُلْتُ: بَلْ ثَي ِّباا، قَالَ : فَهَلاَّ جَارِّيَةا تُلاَعِّبُهَا وَتُلاَعِّبُكَ، قَالَ : فَلَمَّا قَدِّمْنَا ذَهَبْنَا لِّنَدْخُلَ، فَقَالَ : أَمْهِّلُوا، حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلاا -أَيْ عِّشَاءا - )1( ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال9/251.) )2( (سورة الطلاق 2.) )3( أخرجه الإمام البخاري، كتاب الأدب- باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ( 8/11،ح6018)، وينظر: ح5185، وح 6136، وح 6138، وح 6475، وأخرجه الإمام مسلم، كتاب الإيمان – باب الحث على إكرام الجار والضيف، ولزوم الصمت إلا عن الخير وكون ذلك كله من الإيمان (1/68،ح47.) )4( شرح النووي على مسلم10 /8.)
عدد الصفحات ٤٠٨399 لِّكَيْ تَمْتَشِّطَ الشَّعِّثَةُ، وَتَسْتَحِّدَّ المُغِّيبَةُ (1))، قَالَ: وَحَدَّثَنِي الث ِقَةُ: أَنَّهُ قَالَ فِي هَذَا الحَدِيثِ (الكَيْسَ الكَيْسَ يَا جَابِّرُ ) يَعْنِي الوَلَدَ(2)، والله أعلم 4. وصف النبي للرجل في حديث البخاري بأنه بئس أخو العشيرة؛ إنما هو من أعلام النبوة؛ لأنه ظهر كما وصف، وا نما ألان له القول تألفًا له ولأمثاله على الإسلام، ولم يمدحه النبي ولم يذكر أنه أثنى عليه في وجهه ولا في قفاه، إنما تألفه بشيء من الدنيا مع لين الكلام (3) . 5. بيانجواز غيبة الفاسق المعلن فسقه، ومن يحتاج الناس إلى التحذير منه، لذلك فإن من اط لع من حال شخص على شيء وخشي أن غيره يغتر بجميل ظاهره فيقع في محذور ما فعليه أن يطلعه على ما يحذر من ذلك قاصدًا نصيحته، ولا يقع ذلك في الغيبة المحرمة، وهذا ينبغي تقييده بما إذا لم يكن لغرض شرعي وا لا فلا يكون غيبة بل ينبغي ذكره على ما سبق، والله أعلم(4). 6. المبالغة في الوصف بالشر في حديث مسلم؛ إنما يحمل على عمومه، فهو أبلغ في الذم، وهي لغة فصيحة عند العرب (5). 7 .إضافة إلى ما سبق ذكره من اللطائف، ينظر للاستزادة في حديث 116.) 12- أشكر الناس تقدم ذكره (6) . 13- أصدق الأمة حياءا - أولاا: التعريف اللغوي: أصدق: تصريف مشتق من الفعل الثلاثي "صَدَقَ" (7)، ومنه الصدق: خلاف الكذب، سمي لقوته في نفسه، ولأن الكذب لا قوة له، هو باطل (8)، وأصدق الناس، صيغة مبالغة لكثرة )1( المغيبة: "أي التي غاب عنها زوجها". ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر 3/399.) )2( أخرجه الإمام البخاري، كتاب النكاح- باب طلب الولد (7/39،ح5245)، وينظر: ح2097، وح 2309، وح2406، وح 2967، وح 4052، وح 5080، وح 5247، وح 5367، وح 5387، وأخرجه الإمام مسلم، كتاب الرضاع – باب استحباب نكاح البكر (2/1087،ح715.) )3( ينظر: شرح النووي على مسلم16/144). )4( ينظر: شرح النووي على مسلم16/144)، إرشاد الساري (9/31.) )5( ينظر: عمدة القاري22/131). )6( تقدم. ينظر حديث51.) )7( تقدم، ينظر حديث(52). )8( مقاييس اللغة3/339.)
عدد الصفحات ٤٠٩400 صدقهم،وهو مطابقة القول الضمير والمخبر عنه معًا، ومتى انخرم شرط من ذلك لم يكن صدقًا(1). حياءا اسم مشتق من الفعل الثلاثي "حَيَّ"(2). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي أصدق مصدرها الصدق: "وهو قول الحق في مواطن الهلاك، والإبانة عما يخبر به على ما كان، وترك الملاحظة ودوام المحافظة، واستواء السر والجهر" (3). وأصدق الأمة حياءا "هو أكثر الناس حياءً، لأن الأكثر حياء يكون أدق في إظهار آثاره، وهو عثمان بن عفان ، فقد كان يستحي من ومن الخلق، بل حتى من حلائله وفي خلوته، ولشدة حيائه كانت تستحي منه ملائكة الرحمن" (4). - ثالثاا: التعريف النبوي أَصْدَقُ الأمة حَيَاءا: عُثْمَانُ . حديث (م (5):) أخرجه الإمام الترمذي، بسنده، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَِّّ ﷺ: ((...)، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءا عُثْمَانُ، (...)) الحديث. - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. ثناء النبي على أصحابه بالحق، وتعريف أمته بفضائلهم، فدل هذا على أن المدح بالحق جائز، وأن ه يجوز الثناء على الناس بما فيهم على وجه الإعلام بصفاتهم، ليُعرف لهم سابقتهم، وتقدمهم في الفضل، فيُنزلوا منازلهم، ويقدموا على من لا يساويهم، ويقتدي بهم في الخير، وأن الذي لا يجوز من ذلك؛ إن ما هو المدح بالكذب، أو القصد بالمدح إلى جهة الإعجاب والفخر وا ن كان حقًا، والله الموفق(6). 2. خص النبي كل واحد من الكبار بفضيلة، ووصفه بها، وهذا يشعر بوجودها بقدر زائد فيه على غيره؛ كالحياء لعثمان ، فقد كان من شدة حيائه كانت الملائكة تستحي منه(7). )1( ينظر: التوقيف على مهمات التعاريف (ص 214.) )2( تقدم، ينظر حديث101.) )3( ينظر: التعريفات (ص 132)، التوقيف على مهمات التعاريف (ص 214.) )4( ينظر: حاشية السندي على سنن ابن ماجه1/68)، فيض القدير1/459.) )5( تقدم، ينظر حديث148.) )6( ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال9/256)، عمدة القاري22/134.) )7( ينظر: فتح الباري7/93)، التيسير بشرح الجامع الصغير 1/136.)
عدد الصفحات ٤١٠401 3. إن الحياء من الإيمان، كما جاء في حديث رسول ؛ حيث إنَّ رَسُولَ اللَِّّ مَر عَلَى رَجُل مِنَ الأَنْصَارِ، وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَِّّ :(دَعْهُ فَإِّنَّ الحَيَاءَ مِّنَ الإِّيمَانِّ) (1)، وقياسًا فكأنه أراد بذلك التنويه بأن عثمان بن عفان أصدق الناس إيمانًا، و أعلم(2). ومنه أيضًا الحياء لا يأتي إلا بخير، كما بين ذلك الحبيب المصطفى محمد :(الحَيَاءُ لاَ يَ أْتِّي إِّلاَّ بِّخَيْرٍ) (3)، فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْب : "مَكْتُوب فِي الحِكْمَةِ: إِنَّ مِنَ الحَيَاءِ وَقَارًا، وَا ِنَّ مِنَ الحَيَاءِ سَكِينَةً" (4)، فكأنه قال أيضًا أن عثمان لا يأتي منه إلا الخير، أو لا يأتي إلا بالخير، و أعلم(5). 4. الدعوة ا لمحمدية إلى التحلي بخير الأخلاق وأحسنها، وعلى رأسها خلق الحياء، امتثالاً بصحب رسول الله ، وخير قرون الزمان من أهل قرنه. 14- أعبد الناس تقدم ذكره (6) . 15- أعظم الصدقة أجراا تقدم ذكره (7) . 16- أعلم الأمة بالحلال والحرام - أولاا: التعريف اللغوي: أعلم: تصريف مشتق من الفعل الثلاثي "عَلَمَ"، العين واللام والميم أصل صحيح واحد، يدل على أثر بالشيء يتميز به عن غيره. ومن ذلك العلامة، وهي معروفة. يقال: علمت على الشيء علامة. ويقال: أعلم الفارس، إذا كانت له علامة في الحرب، والرجل أعلم. والقياس واح د، )1( أخرجه الإمام البخاري، كتاب الإيمان –باب الحياء من الإيمان (1/14،ح24)، وينظر: ح6118، وأخرجه الإمام مسلم، كتاب الإيمان – باب شعب الإيمان (1/63،ح36.) )2( ينظر: مصابيح التنوير على صحيح الجامع الصغير1/407). )3( أخرجه الإمام البخاري، كتاب الأدب– باب الحياء (8/29،ح6117)، وأخرجه الإمام مسلم (1/64،ح37.) )4( ينظر السابق )5( ينظر: مصابيح التنوير على صحيح الجامع الصغير1/407). )6( تقدم. ينظر حديث51.) )7( تقدم. ينظر حديث52.)
عدد الصفحات ٤١١402 لأنه كالعلامة بالإنسان، والعلم: نقيض الجهل، وقياسه قياس العلم والعلامة، والعرب تقول: تعلم أنه كان كذا، بمعنى أعلم(1)، ومنه: علم يعلم علمًا فهو أعلم(2). الحلال اسم مشتق من الفعل الثلاثي "حَلَّ"(3). الحرام اسم مشتق من الفعل الثلاثي "حَرَ مَ"(4). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي العلم: "هو إدراك الشيء بحقيقته، وذلك ضربان: أحدهما: إدراك ذات الشيء. والثاني: الحكم على الشيء بوجود شيء هو موجود له، أو نفي شيء هو منفي عنه(5). وأعلم الأمة بالحلال والحرام : "هو أكثر الناس بمعرفة ما يحل ويحرم من الأحكام" (6). - ثالثاا: التعريف النبوي أَعْلَمُ الأمة بِّالحَلاَلِّ وَالحَرَامِّ: مُعَاذُ بْنُ جَبَل . حديث (م (7):) أخرجه الإمام الترمذي، بسنده، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَِّّ ﷺ: ((...)، وَأَعْلَمُهُمْ بِّالحَلاَلِّ وَالحَرَامِّ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ، الحديث. - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. بيان فضل معاذ بن جبل، فقد كان أفقه قومه، وكان يؤمهم، بل كان أعلم الأمة، حيث كان لديه معرفة ما يحل ويحرم من الأحك ام، وهذا فيه إشارة إلى أن أحق الجماعة بالإمامة أفقههم(8)، كما قال فيه ابن مسعود: (إِّنَّ مُعَاذاا كَانَ أُمَّةا قَانِّتاا، قال، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِّنْ أَشْجَعَ يُقَالُ لَهُ فَرْوَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: إِّنَّمَا ذَاكَ إِّبْرَاهِّيمُ ، فَقَالَ عَبْدُ :نَسِّيَ مَنْ نَسِّيَ، إِّنَّا كُنَّا نُشَب ِّهُهُ بِّإِّبْرَاهِّيمَ، وَسُئِّلَ عَبْدُ اللََِّّّ عَنِّ الأُْمَّةِّ، فَقَالَ: مُعَل ِّمُ الْخَيْرِّ، وَالْقَانِّتُ الْمُطِّيعُ لِلَِِّّّ وَلِّرَسُولِّه )(9). )1( ينظر: مقاييس اللغة4/109.) )2( ينظر: تهذيب اللغة2/255.) )3( تقدم، ينظر حديث الحلال )4( تقدم، ينظرحديث (114.) )5( المفردات في غريب القرآن (ص 580.) )6( ينظر: التيسير بشرح الجامع الصغير 1/136.) )7( تقدم، ينظر حديث148.) )8( ينظر: طرح التثريب في شرح التقريب 2/272)، التيسير بشرح الجامع الصغير 1/136.) )9( المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب معرفة الصح ابة - ذكر مناقب أحد الفقهاء الستة من الصحابة معاذ بن جبل (3/305،ح5189.)
عدد الصفحات ٤١٢403 2. تصريح الحديث في تعدد جهات الخير في الصحابة ، واختصاص بعضها ببعض، لكن الفضيلة بمعنى كثرة الثواب عند الله على الترتيب، وذلك شيء آخر، فليس في هذا الحديث ما يوجب كونهم فوق الخلفاء الراشدين، وفوق إجلاء الصحابة فيما ذكروا به، وا ن ما المعنى إن من جلت رتبته في معنى من المعاني؛ جاز أن يقال أنه أفضل الناس في ذلك المعنى، وا ن كان فيهم مثله أو من هو فوقه، والله أعلم(1). 3. الدعوة إلى التفقه في الدين، والنهل من مناهل العارفين، والسقيا من مشارب السابقين في العلم والفتيا وجميع أمور الدين، وذلك عملاً بوصية صاحب الفتيا في الأولين والآخرين، سيدنا محمد :(مَنْ يُرِّدِّ اللََُّّ بِّهِّ خَيْ راا يُفَق ِّهْهُ فِّي الد ِّينِّ، وَا ِّنَّمَا أَنَا قَاسِّمٌ وَاللََُّّ يُعْطِّي، وَلَنْ تَزَالَ هَذِّهِّ الأُمَّةُ قَائِّمَةا عَلَى أَمْرِّ اللََِّّّ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِّيَ أَمْرُ اللََِّّّ) (2). 4. بيان أن العلم بالحلال والحرام ينتظم الق ضاء أعظم مما ينتظم للحلال والحرام، والقضاء يكون في فصل الخصومات في الظاهر، مع جواز أن يكون في الباطن بخلافه، كما قال النبي :(إِّنَّكُمْ تَخْتَصِّمُونَ إِّلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِّحُجَّتِّهِّ مِّنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِّحَق ِّ أَخِّيهِّ شَيْ ئاا، بِّقَوْلِّهِّ: فَإِّنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِّطْعَةا مِّنَ النَّارِّ فَلاَ يَأْخُذْهَا) (3). فقد أخبر سيد القضاة أن قضاءه لا يحل الحرام، وعلم الحلال والحرام يتناول الظاهر والباطن، فكان الأعلم به أعلم بالدين(4). 5. إن القضاء ينقسم إلى نوعين (5) : - أحدهما: الحكم عند تجاحد الخصمين، مثل أن يدعي أحدهما أمرًا ينكره الآخر فيحكم فيه بالبينة ونحوها. - والثاني: ما لا يتجاحدان فيه، بل يتصادقان لكن لا يعلمان ما يستحق كل منهما، كتنازعهما في قسمة فريضة، أو فيما يجب لكل من الزوجين على الآخر، أو فيما يستحقه كل من المتشاركين، ونحو ذلك. )1( ينظر: حاشية السندي على سنن ابن ماجه1/68)، المعتصر من المختصر من مشكل الآثار2/132.) )2( أخرجه الإمام البخاري، كتاب العلم- باب: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ( 1/25،ح71)، وينظر ح7312، وأخرجه الإمام مسلم، كتاب الزكاة – باب النهي عن المسألة (2/718،ح1037.) )3( صحيح البخاري، كتاب الشهادات- باب من أقام البينة بعد اليمين (3/180،ح2680)، وينظر: ح2458، وح6967، وح 7168، وح 7181، وح 7184، وأخرجه الإمام مسلم، كتاب الأقضية – باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة (3/1337،ح1713.) )4( ينظر: منهاج السنة النبوية7/513.) )5( ينظرالسابق (7/513.)
عدد الصفحات ٤١٣404 فهذا الباب هو من باب الحلال والحرام، فإذا أفتاهما من يرضيان بقوله كفاهما، ولم يحتاجا إلى من يحكم بينهما، وا نما يحتاجان إلى الحاكم عند التجاحد، وذلك غالبًا إنما يكون مع الفجور، وقد يكون مع النسيان. فما لا يختص بالقضاء لا يحتاج إليه إلا قليل من الأبرار، فأم ا الحلال والحرام؛ فيحتاج إليه البر والفاجر، ولهذا لما أمر أبو بكر عمر رضي الله عنهما أن يقضي بين النا س مكث سنة لم يتحاكم إليه اثنان. 17- أفرض الأمة - أولاا: التعريف اللغوي: أفرض: تصريف مشتق من الفعل الثلاثي " فَرَضَ"، الفاء والراء والضاد أصل صحيح يدل على تأثير في شيء من حز أو غيره، فالفرض: الحز في الشيء ، ومن الباب اشتقاق الفرض الذي أوجبه الله ، وسُمي بذلك لأن له معالمَ وحدودًا، ومن الباب ما يفرضه الحاكم من نفقة لزوجة أو غيرها، وسمي بذلك لأنه شيء معلوم يبين كالأثر في ا لشيء. ويقولون: الفرض ما جدت به على غير ثواب، والقرض: ما كان للمكافأة (1)، وفرض علينا كذا وافترض، أي أوجب، والاسم الفريضة، ويسمى العلم بقسمة المواريث فرائض (2). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي أفرض الأمة: "هو أكثر الناس علمًا بمسائل قسمة المواريث، وهو علم الفرائض" (3). - ثالثاا: التعريف النبوي أَفْرَضُ الأمة: زَيْدُ بْنُ ثَابِت . حديث (م (4):) أخرجه الإمام الترمذي، بسنده، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك ، قَالَ: قَال رَسُولُ اللَِّّ ﷺ: ((...)، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِّتٍ، (...)) الحديث. - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. بيان فضائل زيد بن ثابت ، وأن ه كان أحد فقهاء الصحابة الأجلة القائم بالفرائض، وقد لقبه النبي بهذا اللقب العظيم، وخصه به دون غيره )1( ينظر: مقاييس اللغة4/488.) )2( الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية 3/1098.) )3( ينظر: فيض القدير1/460.) )4( تقدم، ينظر حديث148.)
عدد الصفحات ٤١٤405 ولا يلزم من وجود فضيلة في شخص عدم وجودها في شخص آخر، ولكن النبي خص كل واحد من كبار الصحابة بفضيلة وصفة، كما ذُكِرَ في حديث التعريف (1). 2. إن الخلاف بين العلماء في مسائل الفرائض قليل، وقليله موجود في مسائله التي لم تذكر في القرآن الكريم، وأم ا أصول مسائله، والهام منها، فمجمع عليها بين العلماء، ذلك أنَّ الله تولَّى قسمتها بنفسه في كتابه العزيز؛ لأنَّها أمور ترجع إلى تقسيم الأموال، والنفوس مجبولة على حب المال، والاستئثار به، كما أنَّ التركة غالبًا تكون بين أقوياء وضعفاء، ومن هنا يأتي الخوف أيضًا من عدم العدل في قسمتها (2). 3. لم ا كان كثير من الفقهاءمن يتقن الأحكام ولا يتقن المواريث أي الفرائض، أو يتقن المواريث ولا يتقن الأحكام، اقتضى ذلك التنويه إلى أن زيد بن ثابت كان يتقن الفرائض إتقانًا تامًا إلى جانب إتقانه الحلال والحرام، وقد شهد له رسول الله بالتفوق في الفرائض والمواريث كما قال : (وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِت )، والله أعلم (3) . 18- أفضل الأعمال تقدم ذكره (4) . 19- أفضل الجهاد تقدم ذكره (5) . 20- أفضل الدعاء تقدم ذكره (6). 21- أفضل الرقاب - أولاا: التعريف اللغوي: الرقاب: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "رَقَبَ"، الراء والقاف والباء أصل واحد مطرد، يدل على انتصاب لمراعاة شيء، من ذلك الرقيب، وهو الحافظ، يقال: منه رقبت أرقب رقبة ورقبانًا. )1( ينظر: مرقاة المفاتيح ( 9/3954)، منار القاري4/267)، وبتصرف )2( توضيح الأحكام من بلوغ المرام 5/183.) )3( ينظر: مجلة البحوث الإسلامية31/206.) )4( تقدم. ينظر حديث53.) )5( تقدم. ينظر حديث55.) )6( تقدم. ينظر حديث56.)
عدد الصفحات ٤١٥406 والمرقب: المكان العالي يقف عليه الناظر. ومن ذلك اشتقاق الرقبة؛ لأن ها منتصبة، ولأن الناظر لا بد ينتصب عند نظره (1)،واستعمال الرقبة في معنى المملوك من تسمية الكل باسم البعض، ومنه: (أفضل الرقاب أَعْلاَهَا ثَمَنًا)، وهو من الغلاء، وقوله تعالى: [(2)،يعني المكاتبين(3)، ولا يبتدأ منه مملوك فيعتق (4)،وأعتق الله رقبته، ولا يقال: عنقه (5). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي: الرقاب: "هم ما نالهم الرق من بني آدم، وهم المكاتبين يعطون من الزكاة ويدفعونه إلى مواليهم"(6). وأفضل الرقاب "هي التي تعتق في سبيل الله في النهاية، بما اغتباطهم به أشد؛ لأن عتقه يقع غالبًا خالصًا" (7). - ثالثاا: التعريف النبوي أفضل الرقاب: أَعْلاَهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا . حديث (154:) أخرجه الإمام البخاري(8)، بسنده (9)، عَنْ أَبِي ذَر ، قَالَسَأَلْتُ النَّبِّيَّ ﷺ أَيُّ العَمَلِّ أَفْضَلُ؟ قَالَ : إِّيمَانٌ بِّالِلَِّّ، وَجِّهَادٌ فِّي سَبِّيلِّهِّ، قُلْ تُ: فَأَيُّ الر ِّقَابِّ أَفْضَلُ؟ قَالَ : أَعْلاَهَا ثَمَناا(10)، وَأَنْفَسُهَا عِّنْدَ أَهْلِّهَا (11)، قُلْتُ: فَإِّنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ : تُعِّينُ ضَايِّعاا (12)، )1( ينظر: مقاييس اللغة2/427.) )2( (سورة البقرة 177.) )3( ينظرالمغرب في ترتيب المعرب (ص 195.) )4( تهذيب اللغة9/113.) )5( العين5/155.) )6( ينظر: التوقيف على مهمات التعاريف (ص 180)، مجمع بحار الأنوار2/359.) )7( ينظر: التنوير شرح الجامع الصغير 2/556)، التيسير بشرح الجامع الصغير (1/183.) )8( صحيح البخاري، كتاب العتق- باب أي الرقاب أفضل ( 3/144،ح2518.) )9( سند الحديث قال الإمام البخاري: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَِّّ بْنُ مُوسَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُرَاوِح ، عَنْ أَبِي ذَر ، قَالَ...(الحديث). )10( أعلاها: "بالمهملة، وقيل بالمعجمة أغلاها، وقيل أن معناهما متقارب". عمدة القاري13/80.) )11( أنفسها: "أي أحبها وأكرمها ". ينظر: التيسير بشرح الجامع الصغير ( 1/183.) )12( ضايعًا: "أي الفقير؛ لأنه ذو ضياع من فقر وعيال، وقيل بالصاد المهملة، والضاد المعجمة". ينظر: عمدة القاري (13/80.)
عدد الصفحات ٤١٦407 أَوْ تَصْنَعُ لأَِّخْرَقَ (1)، قُلتُ: فَإِّنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ : تَدَعُ النَّاسَ مِّنَ الشَّر ، فَإِّنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِّهَا عَلَى نَفْسِّكَ) (2). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. إن من حق المتقرب إلى ربه أن يتفوق في اختيار ما يتقرب به؛ بأن يكون بريئًا من العيب، وأن يتغالى بثمنه(3)، كما قال :[لَنْ تَنَا لُوا البََِّ حَتَّى تُنْفِقُوا مََِّا تَُِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَْء فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيم ](4). 2. بيان أن تحرير الرقبة على نوعين - أحدهما: في كفارة اليمين وهي مطلقة فيها. - والآخر: في كفارة القتل وهي مقيدة بالإيمان. وذلك فيه إشارة إلى بيان أزكى الرقاب، فلا تجوز الرقبة الكافرة، والله أعلم (5). 3. إن أرفع الرقاب وأجودها، جعلته الشريعة في كثير من الكفارات، فيستحب عتق من له كسب؛ لأن الذي ليس له كسب يكون عالة على نفسه وعلى غيره، والله أعلم(6). 4. بيان أن ترك الشر خير موجب للثواب والانكفاف عن الشر هو أقل مراتب المؤمن. فإن إعتاق رقبتين غير نفيستين خير من إعتاق واحدة نفيسة خير أم إعتاق رقبتين غير نفيستين، فهناك فرق بينها وبين الأضحية؛ حيث إن الأضحية تضحية بشاة سمينة خير من التضحية بشاتين دونها؛ لأن المقصود من الأضحية، اللحم ولحم السمين أطيب، أم ا المقصود من العتق تخليص الشخص من الرق والتخليصان أفضل، والله أعلم(7). )1( الأخرقهو الذي ليس في يده صنعة ولا يحسن الصناعة". عمدة القاري (13/80.) )2( تخريج الحديث أخرجه الإمام مسلم، كتاب الإيمان -باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال (1/89،ح84)، من طريق حماد بن زيد ع ن هشام بن عروة، بسنده، ومثله، مرفوعًا. )3( أينظر: فيض القدير2/35.) )4( (سورة البقرة 92.) )5( ينظر: عمدة القاري23/220.) )6( ينظر: إيقاظ الأفهام في شرح عمدة الأحكام 4/83.) )7( ينظر: الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري11/76)، بتصرف
عدد الصفحات ٤١٧408 22- أفضل الصدقة تقدم ذكره (1) . 23- أفضل الصلاة تقدم ذكره (2) . 24- أفضل الصيام تقدم ذكره (3) . 25- أفضل العبادة تقدم ذكره (4) . 26- أفضل الكلام تقدم ذكره (5). 27- أفضل الناس - أولاا: التعريف اللغوي: قالت الباحثة: الألفاظ معروف معناها عند عامة الناس، فلا أجد أن الحاجة تستدعي بيانها. - ثانياا: التعريف الاصطلاحي: أفضل الناس: "أي أفضل أحوال عامة الناس؛ لأن ه قد يكون في خاصتهم من أهل الدين والعلم والفضل والضبط بالسنن من هو أفضل منه"(6) . - ثالثاا: التعريف النبوي أفضل الناس: مُؤْمِن يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَِّّ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، ومُؤْمِن فِي شِعْب مِنَ الش ِعَابِ يَتَّ قِي اللََّّ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَر ِهِ. حديث (155:) أخرجه الإمام البخاري(1)، بسنده(2)، أَنَّ أَبَا سَعِيد الخُدْرِي ، حَدَّثَهُ قَالَ (قِّيلَ: يَا رَسُولَ اللََِّّّ ﷺ، أَيُّ النَّاسِّ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللََِّّّ ﷺ: مُؤْمِّنٌ يُجَاهِّدُ فِّ ي سَبِّيلِّ اللََِّّّ )1( تقدم. ينظر حديث (57.) )2( تقدم. ينظر حديث58.) )3( تقدم. ينظر حديث61.) )4( تقدم. ينظر حديث63.) )5( تقدم. ينظر حديث102.) (6( شرح صحيح البخاري لابن بطال5/8.)
عدد الصفحات ٤١٨