361 - والثانية إيمان المتكلمين، وهو ممزوج بنوع استدلال ودرجته قريبة من درجة إيمان العوام. - والثالثة: إيمان العارفين وهو المشاهد بنور اليقين(1). 2. إن أفضل الأعمال سلامة الصدر من أنو اع الشحناء كلها، وأفضلها السلامة من شحناء أهل الأهواء والبدع التي تقتضي الطعن على سلف الأمة، وبغضهم والحقد عليهم واعتقاد تكفيرهم أو تبديعهم وتضليلهم. ثم يلي ذلك سلامة القلب من الشحناء لعموم المسلمين، وا رادة الخير لهم ونصيحتهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، وقد وصف الله المؤمنين عمومًا بأن هم يقولون : [رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِْيماَنِ وَلا تََْعَلْ فِِ قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوف رَحِيم ](2) ، وقد قال بعض السلف: "أفضل الأعمال سلامة الصدور وسخاوة النفوس"(3). 3. إن القلب النقي أحب القلوب إلى الله وأكثرها خيرًا، تنبع منه عيون الخير، وتتفجر منه ينابيع البر، وبركة الله ونعمه تغشاه على الدوام (4). 9- المُسْتَرَاحُ مِّنْهُ - أولاا: التعريف اللغوي: المستراح: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "رَوَحَ"(5)، وكل مستراح منه نَفَس(6). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي المُسْتَرَاحُ مِّنْهُ : "هو من تستريح منه البلاد، وهو الفاجر الذي تحبس بشؤمه الأمطار ، ولا يأمن فساده الأبرار "(7). - ثالثاا: التعريف النبوي المُسْتَرَاحُ مِّنْهُ: العَبْدُ الفَاجِرُ يَ سْتَرِيحُ مِنْهُ العِبَادُ وَالبِلاَ دُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ. (1( ينظر: إحياء علوم الدين3/15.) (2( ينظر: لطائف المعارف (ص 139.) (3( ينظرالسابق (ص139.) (4( إصلاح القلوب (ص23.) (5( تقدم. ينظر حديث100.) (6( العين7/271.) (7( الطراز الأول والكناز لما عليه من لغة العرب المعول ( 4/337.)
عدد الصفحات ٣٧١362 حديث137:) أخرجه الإمام البخاري(1)، بسنده(2)، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِي الأَنْصَارِي ِ ، أَنَّهُ كَانَ يُحَد ِثُ (أَنَّ رَسُولَ اللََِّّّ ﷺ مُرَّ عَلَيْهِّ بِّجِّنَازَةٍ، فَقَالَ : مُسْتَرِّيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِّنْهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللََِّّّ ﷺ، مَا المُسْتَرِّيحُ وَالمُسْتَرَاحُ مِّنْهُ؟ قَالَ ﷺ: العَبْدُ المُؤْمِّنُ يَسْتَرِّيحُ مِّنْ نَصَبِّ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِّلَى رَحْمَةِّ اللََِّّّ، وَالعَبْدُ الفَاجِّرُ يَسْتَرِّيحُ مِّنْهُ العِّبَ ادُ وَالبِّلاَدُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ )(3). رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. أشار النبي إلى أن الميت لا يعدو أحد القسمين: إما مُسْتَرِيح أو مُسْتَرَاح منه، وكل منهما يجوز أن يشدد عليه عند الموت وأن يخفف(4)، والثاني هو الذي يستريح الناس من أذاه بموته، ويدل على هذا القسم قول الحق :[الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلاَئِكَةُ ظَالمِِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوء بَلََ إِنَّ اللهَ عَلِيم بِماَ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ](5). 2. بي ن النبي أحوال الناس في الميت، وذلك من خلال تناوله في أحاديثهم، ووقوع الرثاء السيء بحق الميت السيء، وقد عُلمت سيرته وسريرته بين الناس، فاستراحوا من أذاه بموته، والعياذ بالله. 3 .العَبْدُ الفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ العِبَادُ وَالبِلاَدُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوَاب ؛ فأم ا راحة العباد منه؛ فهي لِمَا كان لهم من ظلمه، وأم ا راحة البلاد فلما كان من غصبها ومنعها من حقها وصرف ما يحصل منها إلى غير أهله في غير وجهه، وأم ا راحة الشجر فلما كان من قلعة إياها بالغصب، أو من أخذ ثمره كذلك، لكن الراحة هنا لصاحب الشجر، وا سناد الراحة إليه مجاز، وأم ا راحة الدواب فلما كان من استعمالها فوق طاقتها والتقصير في أكلها وشربها (6). (1( صحيح البخاري، كتاب الرقاق- باب سكرات الموت ( 8/107،ح6512.) (2( سند الحديث قال الإمام البخاري: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ مَعْ بَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِك ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِي الأَنْصَارِي ِ ، أَنَّهُ كَانَ يُحَد ِثُ: أَنَّ رَسُولَ ﷺ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَة ، فَقَالَ...(الحديث). (3( تخريج الحديث أخرجه الإمام البخاري، كتاب الرق ـــاق- باب سك ـــــــرات الم ــــــــــوت ( 8/107،ح6513)، م ــــن طري ـــــق عبد ربه بن سعيد، مختصرًا. وأخرجه الإمام مسلم، كتاب الجنائز - باب ما جاء في مستريح ومستراح منه ( 2/656،ح950)، من طريق مالك بن أنس. وكلاهما(عبد ربه، ومالك) عن محمد بن عمرو، من حديث أبي قتادة ، مرفوعًا (4( ينظر: فتح الباري (11/365.) (5( (سورة النحل 28.) )6( ينظر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري23/96.)
عدد الصفحات ٣٧٢363 10- المُسْتَرِّيحُ - أولاا: التعريف اللغوي: المُسْتَرِّيحُ : تصريف مشتق من الفعل الثلاثي "رَوَحَ"(1)، ومنه استراح، يستريح، استرح، استراحة، فهو مستريح، والمفعول مستراح إليه، واستراح الشخص: أي طلب الراحة، ومنه استراح المتعب(2). ومنه قول الشاعر مُسْتريحُ الأحْشاءِ مِنْ كُل ِ ضِغْن ... بارِدُ الصَّدْرِ مِنْ غَليلِ الحَسودِ (3). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي المُسْتَرِّيحُ : "هو المؤمن يستريح من تعب الدنيا إلى رحمة الله"(4). - ثالثاا: التعريف النبوي المُسْتَرِّيحُ: العَبْدُ المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلى رَحْمَةِ اللَِّّ. حديث (م(5):) أخرجه الإمام البخاري، بسنده، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِي الأَنْصَارِ ي ِ ، أَنَّهُ كَانَ يُحَد ِثُ: (أَنَّ رَسُولَ اللََِّّّ ﷺ مُرَّ عَلَيْهِّ بِّجِّنَازَةٍ، فَقَالَ : مُسْتَرِّيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِّنْهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللََِّّّ ﷺ، مَا المُسْتَرِّيحُ وَالمُسْتَرَاحُ مِّنْهُ؟ قَالَ ﷺ: العَبْدُ المُؤْمِّنُ يَسْتَرِّيحُ مِّنْ نَصَبِّ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِّلَى رَحْمَةِّ اللََِّّّ، (...)) الحديث - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. أشار النبي إلى أن الميت لا يعدو أحد القسمين: إما مُسْتَرِيح أو مُسْتَرَاح منه، وكل منهما يجوز أن يشدد عليه عند الموت وأن يخفف، والأول هو الذي يحصل له سكرات الموت، ولا يتعلق ذلك بتقواه ولا فجوره، بل إن كان متقيًا ازداد ثوابًا وا لا فيُكَفر عنه بقدر ذلك، ثم يستريح من أذى الدنيا الذي هو خاتمته(6)، ودلالة ذلك ما يقوله الحق :[الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَْلاَئِكَةُ طَيِبِينَ يَ قُولُونَ سَلاَم عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَْنَّةَ بِماَ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ](7). (1( تقدم. ينظر حديث100.) (2( ينظر: معجم اللغة العربية المعاصرة 2/954.) (3( الذخائر والعبقريات 2/177.) (4( ينظر: مجمع البحرين 2/365.) (5( تقدم. ينظر حديث137.) (6( ينظر: فتح الباري11/365.) (7( (سورة النحل 32.)
عدد الصفحات ٣٧٣364 2. بي ن النبي أحوال الناس في الميت، وذلك من خلال تناوله في أحاديثهم، حيث الثناء عليه وعلى سيرته وجميع شأنه إن كان صالحًا، حسن السيرة والخلق. 3. الدعوة إلى امتثال حسن الخلق، والروح الطيبة المحبة للخير، البعيدة عن مناكفة البشر ومشاكستهم، بما يكون مدعاة لحبه، وكثرة الثناء عليه، والدعاء له، وتولي أمور أهله من بعده، وكما يقول الحق :[هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ ](1). 4. إن الموت رحمة للمؤمن حيث يستريح من نصب الدنيا وعنائها، بالانتقال إلى الراحة الأبدية وجنة عرضها السموات والأرض، أعدها الله لمن سلف منه خير عمله. 11- المسلم - أولاا: التعريف اللغوي: المسلم: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "سَلَمَ" (2). - ثانياا: التعريف الاصطحي: المسلم: تقدم تعريفه (3). - ثالثاا: التعريف النبوي المُسْلِّمُ: مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ. المُسْلِّمُ: مَن أَحْسَ نَ جِوَارَ مَنْ جَاوَرَ ه. حديث (138 :)أخرجه الإمام البخاري(4)، بسنده(5)، عَنْ عَبْدِ اللَِّّ بْنِ عَمْر و ، عَنِ النَّبِي ِ ﷺ قَالَ: (المُسْلِّمُ مَنْ سَلِّمَ المُسْلِّمُونَ مِّنْ لِّسَانِّهِّ وَيَدِّهِّ، وَالمُهَاجِّرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللََُّّ عَنْهُ )(6). (1( ينظر: إرشاد الساري9/298.) (2( تقدم. ينظر حديث تعريف الإسلام، وحديث 113.) (3( تقدم. ينظر حديث113.) (4( صحيح البخاري، كتاب الإيمان- باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده (1/11،ح10.) (5( سند الحديث: قال الإمام البخاري: حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاس ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَِّّ بْنِ أَبِي السَّفَرِ ، وَا ِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِد ، عَنِ الشَّعْبِي ِ، عَنْ عَبْدِ اللَِّّ بْنِ عَمْر و ، عَنِ النَّبِي ِ ﷺ قَالَ...(الحديث). (6( تخريج الحديث أخرجه الإمام البخاري أيضًا، كتاب الرقاق - باب الانتهاء عن المعاصي (8/102،ح6484)، من طريق عامر، بمثله. وأخرجه الإمام مسلم ( 1/65،ح40)، من طريق أبي الخير، بنحوه وكلاهما (عامر وأبو الخير) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، مرفوعًا
عدد الصفحات ٣٧٤365 حديث (م(1):) أخرجه الإمام ابن ماجه، بسنده، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : قَالَ: قَالَ رَسُ ولُ اللَِّّ :(يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؛ كُنْ وَرِّعاا، تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِّ، (...)، وَأَحْسِّنْ جِّوَارَ مَنْ جَاوَرَكَ، تَكُنْ مُسْلِّماا، (...)) الحديث. - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. استخدام النبي أسلوب ضرب المثل؛ فقال :(الْمُسْلِّمُ مَنْ سَلِّمَ الْمُسْلِّمُونَ مِّنْ لِّسَانِّهِّ وَيَدِّهِّ، وَالْمُهَاجِّرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللََُّّ عَنْهُ ). "هذه أمثال ضربها النبي لأمته لينبههم بها على استشعار الحذر، خوف التور ط في محارم الله والوقوع في معاصيه، ومثل لهم ذلك بما عاينوه و شاهدوه من أمور الدنيا؛ ليقرب ذلك من أفهامهم، ويكون أبلغ في موعظتهم(2). 2. إن المسلم المستكمل لأمور الإسلام هو الذي يسلم من أذاه المسلمون، وكذا المسلمات وأهل الذمة إلا في حد أو تعزير أو تأديب، وهذا يستلزم الحديث أن من اتصف بهذه خاصة كان مسلمًا كاملاً، مع مراعاة باقي الصفات التي هي أركان الإسلام، كما يعد أفضل المسلمين(3). 3. عبر النبي باللسان دون القول في الأذِيَّة، ليدخل فيه من أخرج لسانه استهزاء بصاحبه، وكذلك كان تقديمه على اليد؛ لأن إيذاءه أكثر وقوعًا وأشد نكاية. وكان تخصيصه لليد، مع أن الفعل قد يحصل بغيرها، لأن سلطنة الأفعال إن ما تظهر بها إذ بها البطش والقطع والوصل والأخذ والمنع، ومن ثم غلبت، فقيل في كل عمل هذا مما عملت أيديهم، وا ن كان متعذرًا الوقوع بها، فالمراد من الحديث ما هو أعم من الجارحة كالاستيلاء على حق الغير من غير حق، فإنه أيضًا إيذاء لكن ليس باليد الحقيقية(4). 4 .الحض على ترك أذى المسلمين باللسان واليد والأذى كله، ولهذا قال الحسن البصرى - رحمه الله -: "الأبرار هم الذين لا يؤذون الذر والنمل"(5). 5. إطلاق الجزء وا رادة الكل في اللسان واليد دلالة على ما أوتي به النبي من جوامع كلمه الذي لم يسبق إليه. (1( تقدم ينظر حديث (51.) (2( شرح صحيح البخاري لابن بطال10/194.) (3( ينظر: إرشاد الساري1/94.) (4( ينظرالسابق (1/94.) (5( ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال1/62.)
عدد الصفحات ٣٧٥366 6. الدلالة على التفرقة بين الإيمان والإِسلام اذا اجتمعا، فقد فرق بينهما النبي في نص الحديث صراحة. 7. بيان عظيم الصحبة أثرها على النفس المسلمة، من طلب للخير ودفع للشر، وا عانة على الثبات على الدين، وا نه لمنهج إلهي إذ أسر به قلب النبي محمد بصاحبه حيث قال [إِلاَّ تَنْصرُُوهُ فَقَدْ نَصرََهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانيَِ اثْنَينِْ إِذْ هَُُا فِِ الغَارِ إِذْ يَقُ ولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تََْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُود لمَْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلََ وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا وَاللهُ عَزِيز حَكِيم ](1). 8. الإحسان إلى الجار من علامات الإيمان، ففي الحديث أَن النَّبِيَّ قَالَ: (مَنْ كَانَ يُؤْمِّنُ بِّاللهِّ وَالْيَوْمِّ الآْخِّرِّ فَ لْيُحْسِّنْ إِّلَى جَارِّهِّ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِّنُ بِّاللهِّ وَالْيَوْمِّ الآْخِّرِّ فَلْيُكْرِّمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِّنُ بِّاللهِّ وَالْيَوْمِّ الآْخِّرِّ فَلْيَقُلْ خَيْراا أَوْ لِّيَسْكُتْ )(2). 12- المسكين - أولاا: التعريف اللغوي: المِّسكين: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "سَكَنَ"، السين والكاف والنون أصل واحد مطرد، يدل على خلاف الاضطراب والحركة، يقال: سكن الشيء يسكن سكونًا فهو ساكن(3)،والمسكين: الفقير، وقد يكون بمعنى الذلة والضعف، يقال: تسكن الرجل وتمسكن (4)، فلم ا كثر لزوم الميم توهمت الميم أصلية، كما قالوا من المسكين تمسكن(5)، و المسكين أشد حالاً من الفقير(6)،وهو القول الصحيح(7)، لأن الله قال[أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لمَِسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِِ البَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا (1( (سورة التوبة 40.) (2( صحيح مسلم، كتاب الإيمان- باب الحث على إكرام الجار والضيف، ولزوم الصمت إلا عن الخير وكون ذلك كله من الإيمان (1/69،ح48)، ويراجع تخريجه في حديث 110.) )3( ينظر: مقاييس اللغة3/88.) )4( ينظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية 5/2137.) )5( ينظر: مقاييس اللغة5/148.) )6( الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية 5/2137.) )7( ينظر: تهذيب اللغة (10/40.)
عدد الصفحات ٣٧٦367 وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِك يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَة غَصْبًا ](1)، فأخبر أن هم مساكين ، وأن لهم سفينة تساوي جملة(2). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي المِّسْكين : الذي لا شيء له يسكن إِليه، كما قال الله : [وَلاَ تَََاضُّونَ عَلََ طَعَامِ المِسْكِينِ ](3)، وهو أسوأ حالاً من الفقير؛ لأن الفقير يملك شيئًا(4)،أو "المسكين هو من يقع ماله، أَو كسبه موقعها ولا يكفيه"(5). - ثالثاا: التعريف النبوي المسكين: لَيْسَ الَّذِي تَرُدُّهُ الأُكْلَةَ وَالأُكْلَتَانِ، وَلَكِنِه الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى، وَيَسْتَحْيِي أَوْ لاَ يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا . و المسكين: لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنِ المِسْكِينُ الَّذِي لاَ يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلاَ يُفْطَنُ بِهِ، فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ وَلاَ يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ. حديث (139:) قال الإمام البخاري(6)، بسنده(7)، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِي ِ ﷺ قَالَ: (لَيْسَ المِّسْكِّينُ الَّذِّي تَرُدُّهُ الأُكْلَةَ وَالأُكْلَتَانِّ، وَلَكِّنِّ المِّسْكِّينُ الَّذِّي لَيْسَ لَهُ غِّناى، وَيَسْتَحْيِّ ي أَوْ لاَ يَسْأَلُ النَّاسَ إِّلْحَافاا)(8). )1( (سورة الكهف 79.) )2( تهذيب اللغة10/40.) )3( (سورة الفجر 18.) )4( شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم 5/3137.) )5( ينظر: معجم مقاليد العلوم في الحدود والرسوم (ص 51.) )6( صحيح البخاري، كتاب الزكاة- بابُ قَوْلِ اللَِّّ تَعَالَ ى273] (2/124،ح1476.) )7( سند الحديثقال الإمام البخاري: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَال ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَاد ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِي ِ ﷺ قَالَ...(الحديث). )8( تخريج الحديث وأخرجه الإمام البخاري أيضًا، كتاب الزكاة - بَابُ قَوْلِ اللَِّّ تَعَالَى 273] الغِنَى2/125،ح1479)، وينظر: ح4539. وأخرجه الإمام مسلم، كتاب الزكاة - باب الم سكين الذي لا يجد غنى، ولا يفطن له فيتصدق عليه (2/719،ح1039.)
عدد الصفحات ٣٧٧368 حديث140:) وأخرجه الإمام مسلم (1)، بسنده(2)، أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: (لَيْسَ الْمِّسْكِّينُ بِّهَذَا الطَّوَّافِّ الَّذِّي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِّ، فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِّ، وَالتَّمْرَ ةُ وَالتَّ مْرَتَانِّ، قَالُوا، فَمَا الْمِّسْكِّينُ؟ يَا رَسُولَ اللهِّ ﷺ، قَالَ : الَّذِّي لاَ يَجِّدُ غِّناى يُغْنِّيهِّ، وَلاَ يُفْطَنُ لَهُ، فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِّ، وَلاَ يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئاا )(3). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. الفرق بين الفقير والمسكين: أن الفقير الذي لا يسأل، والمسكين الذي يسأل، وهذا يدل على أن المسكين أضعف حالاً وأبلغ في جهة الفقر، ويدل عليه قوله : [لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصرُِوا فِِ سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَْْبًا فِِ الأَرْضِ يَُْسَبُهُمُ الجَاهِلُ أَغْ نِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماَهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلحَْافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْْ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيم ](4)، فوصفهم بالفقر وأخبر مع ذلك عنهم بالتعفف حتى يحسبهم الجاهل بحالهم أغنياء من التعفف، ولا يحسبهم أغنياء إلا و لهم ظاهر جميل، وعليهم هيئة حسنة. وهناك من جعلهما صنفًا واحدًا، وقيل: يجوز أن يقال المسكين هو الذي يرق له الإنسان إذا تأمل حاله، وكل من يرق له الإنسان يسميه مسكينًا(5). 2. الدلالة أن من لم يكن له أوقية فهو غير ملحف ولا ملوم ف ي المسألة، ومن لم يكن ملومً ا في مسألته، فهو ممن يليق به اسم التعفف، وليس قول من قال: لو كانوا أهل مسألة لما كان التعفف من صفتهم بصحيح، لأن السؤال المذموم إن ما هو لمن كان غنيًا عنه لوجود أوقية أو عدلها(6). 3. اختلف العلماء في تفسير قول :[ل ي سْأ ل ون النَّاس إِلْ افًا](7) على وجهين وكلا الشيخان؛ البخاري ومسلم، بطرق متعددة، وألفاظ متقاربة، من حديث أبي هريرة ، مرفوعًا (1( أخرجه الإمام مسلم ، كتاب الزكاة - باب المسكين الذي لا يجد غنى، ولا يفطن له فيتصدق عليه (2/719،ح1039.) (2( سند الحديث قال الإمام مسلم: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيد ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ يَعْنِي الْحِزَامِيَّ، عَنْ أَبِي الز ِنَادِ، عَنِ الأَْعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ...(الحديث). (3( تخريج الحديث يراجع تخريج الحد يث السابق. (4( (سورة البقرة 273.) (5( ينظر: الفروق اللغوية (ص177.) (6( ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال3/515.) (7( (سورة البقرة 273.)
عدد الصفحات ٣٧٨369 - نفي السؤال أصلاً، ف يقوم فيسأل الناس على أحد محملي - تأكيد السؤال: فليس فيه نفي أصل السؤال والتأكيد هو الإلحاف(1). 4. الدلالة على تحريم السؤال على الغني تكثرًا؛ لأن الوعيد لا يترتب إلا على معصية، وقد توعد الله المتسول تكثرًا بسلخ وجهه يوم القيامة، كما أراق ماء وجهه في الدنيا، والجزاء من جنس العمل؛ لأن السؤال مذلة، والله لا يرضى للمسلم أن يعر ض نفسه لهذه المهانة إلا لضرورة (2). 13- المُفلس - أولاا: التعريف اللغوي: المفلس: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "فَلَسَ"، الفاء واللام والسين كلمة واحدة، وهي الفَلْس، معروف، والجمع فلوس، ويقولون : أفلس الرجل، أي صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم (3)، وذلك الفلس والإفلاس، ومنه: وأفلس الرجل : إذا لم يبق له مال(4). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي المفلس: "هو الذي لا مال له، ولا ما يدفع حاجته"(5)،أو: "هو من دَيْنه أكثر من ماله، وخَرجه أكثر من دخله، ويجوز أن يكون سُمي بذلك، لما يؤول إليه من عدم ماله، بعد وفاء دينه"(6). - ثالثاا: التعريف النبوي الْمُفْلِّسَ: مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَة ، وَصِيَام ، وَزَكَاة ، وَ يَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ تْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ. حديث (141:) أخرجه الإمام مسلم (7)، بسنده(1)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِّسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِّسُ فِّينَا مَنْ لاَ دِّرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ، فَقَالَ : إِّن الْمُفْلِّسَ (1( ينظر: إرشاد الساري3/67.) (2( ينظر: منار القاري3/49.) (3( ينظر: مقاييس اللغة4/451.) (4( ينظر: تهذيب اللغة12/297.) (5( القاموس الفقهي (ص290.) (6( ينظر: المطلع على ألفاظ المقنع (ص304.) (7( صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب- باب تحريم الظلم ( 4/1997،ح2581.)
عدد الصفحات ٣٧٩370 مِّنْ أُمَّتِّي يَأْتِّي يَوْمَ الْقِّيَامَةِّ بِّصَلاَةٍ، وَصِّيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِّي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَ لَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِّنْ حَسَنَاتِّهِّ، وَهَذَا مِّنْ حَسَنَاتِّهِّ، فَ إِّنْ فَنِّيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِّ أُخِّذَ مِّنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِّحَتْ عَلَيْهِّ، ثُمَّ طُرِّحَ فِّي النَّارِّ )(2). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. إن للفظ "المفلس" معنيان: أحدهما دنيوي، وهو ما بينه أهل اللغة والاصطلاح، والآخر أخروي، هو ما بينه النبي ، وفي كل منهما معنى الهلاك وفراغ اليدين مما كان يقع في ملكية الإنسان، وذلك بسبب من الأسباب، على حالتيه أكان المال أو الحسنات، والله أعلم. 2. جاء السؤال في الحديث على سبيل وصف المفلس لا عن حقيقته، ولهذا كان جوابه بالوصف في قوله: (شَتَمَ، وَقَذَفَ، وَأَكَلَ، وَسَفَكَ، وَضَرَبَ ). ثم إن هذا السؤال وقع على سبيل الإرشاد لا الاستعلام؛ لأن المستفهم تارة يستفهم عن جهل ولا يدري فيسأل غيره، وا نما كان السؤال لغاية أرادها النبي ، أعظمها لفت الانتباه للمؤمنين، وا رادة إخبار الصحابة عما لا يعلمونه، والله أعلم(3). 3. أشار النبي إلى حقيقة الإفلاس، وأن المفلس حقًا هو إفلاس الحسنات، أم ا مفلس الدنيا فإن الدنيا تأتي وتذهب، رُبَّما يكون الإنسان فقيرًا فيمسي غنيًا، أو بالعكس، لكن الإفلاس كل الإفلاس أن يفلس الإنسان من حسناته التي تعب عليها، وكانت أمامه يوم القيامة يشاهدها، ثم تؤخذ منه لفلان وفلان. وفي هذا تحذير من العدوان على الخلق، حيث يجب على الإنسان أن يؤدي ما للناس في حياته قبل مماته، حتى يكون القصاص في الدنيا مما يستطيع، أما في الآخرة فليس هناك درهم ولا دينار حتى يفدي نفسه، ليس فيه إلا الحسنات(4). 4. إن النبي "بيَّن الحكم في الآخرة، فلم ا كان الإنسان إن ما يُعَدُّ غنيًّا في الدنيا بماله؛ لأن ه يجتلب به المسر ة ويدفع المضر ة، وكان هذا الحكم في الآخرة للعمل الصالح ثبتَ، لا محالة أن يكون الخالي- نعوذ بالله من ذلك- هو المفلس، إذ قد عَرِيَ مما لأجله يسم ى الخالي من (1( سند الحديث قال الإمام مسلم: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيد ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْر ، قَالاَ: حَدَّثَ نَا إِسْمَاعِيلُ وَهُوَ ابْنُ جَعْفَر ، عَنِ الْعَلاَءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ...(الحديث). (2( تخريج الحديث تفرد به الإمام مسلم من أصحاب الصحيحين. (3( ينظر: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 8/3201)، شرح ر ياض الصالحين (2/528.) (4( ينظر: شرح رياض الصالحين 2/529.)
عدد الصفحات ٣٨٠371 المال في الدنيا مفلسًا، وهو عدم ما يوصله إلى الخير والنعيم، ويقيه الشرَّ والعذاب . نسأل الله التوفيق لما يُؤْمِنُ من عقابه"(1). 14- المُهاجر - أولاا: التعريف اللغوي: المهاجر: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "هَجَرَ"، الهاء والجيم والراء أصلان يدل أحدهما على قطيعة وقطع، والآخر على شد شيء وربطه، ومنه الهجر : ضد الوصل، وكذلك الهجران (2)، وهو ترك ما يلزمك تعاهده (3)، وهاجر القوم من دار إلى دار: تركوا الأولى للثانية، كما فعل المهاجرون حين هاجروا من مكة إلى المدينة، وتهجر الرجل وتمهجر: تشبه بالمهاجرين، وهجروا: ساروا(4)،وهجر الشيء وأهجره ، تركه، وهجر الرجل هجرً ا؛ إذا تباعد ونأى (5)، و المهاجر: يكون مصدرً ا وزمانً ا ومكانً ا(6). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي المهاجر: "هو من هجر ما نهى الله عنه"(7). - ثالثاا: التعريف النبوي المُهَاجِّرُ: مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَُّّ عَنْهُ. حديث (م(8):) أخرجه الإمام البخاري، بسنده، عَنْ عَبْدِ اللَِّّ بْنِ عَمْر و ، عَنِ النَّبِي ِ ﷺ قَالَ: (...)، وَالمُهَاجِّرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللََُّّ عَ نْهُ ) الحديث. - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. سبب ورود الحديث؛ أن ه لما انقطعت الهجرة، وفضلها حزن على فواتها من لم يدركها من أصحاب الرسول ، فأعملهم أن المهاجر على الحقيقة من هجر ما نهى الله عنه، (1( أسرار البلاغة (ص 67.) (2( تقدم. ينظر حديث138.) (3( لسان العرب 5/252.) (4( ينظر: مقاييس اللغة6/34.) (5( الفائق في غريب الحديث 4/92.) (6( ينظر: معجم اللغة العربية المعاصرة 3/2325.) (7( ينظر: مقاييس اللغة (6/34.) (8( تقدم. ينظر حديث138.)
عدد الصفحات ٣٨١372 وقال غيره : أعلم المهاجرين أن ه واجب عليهم أن يلتزموا هجر ما نهى الله عنه، ولا يتكلوا على الهجرة فقط(1). 2. إن "الهجرة عند الإطلاق في كتاب السنة، إن ما تنصرف إلى هجران بلد الشرك إلى دار الإسلام رغبة في تعلم الإسلام والعمل به، وا ذا كان كذلك فأصل الهجرة : أن يهجر ما نهاه الله عنه من المعاصي، فيدخل في ذلك هجران بلد الشرك رغبة في دار الإسلام، وا لا فمجرد هجرة بلد الشرك مع الإصرار على المعاصي ليس بهجرة تامة كاملة، بل الهجرة التامة الكاملة: هجران ما نهى الله عنه، ومن جملة ذلك: هجران بلد الشرك مع القدرة عليه"(2). 3. ضم الحديث أنواعًا مختلفة من البلاغة تتناغم وتتناسق فيما بينها، منها: الجناس وقد كان في اتحاد الألفاظ مع اختلاف المعاني، فكان بين لفظي (المسلم وسَلِم)، ولفظي: (المهاجر وهجر)، التي أشاعت ألوانًا من التناسق بين أنغام الحروف ونسقها الإيقاعي، مما يثير الانتباه، ويحرك العواطف والمشاعر. وكذلك في النظر إلى بلاغة التصوير الفني بالمهاجر، والتي تدل على المشاركة على العكس من كلمة المهاجر وهو المراد في الأصل، للدلالة على أن الإنسان دائمًا في صراع بين الخير والشر، وبين النفس الأمارة بالسوء والنفس الطيبة(3). 15- المُؤمن - أولاا: التعريف اللغوي: المؤمن: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "أَمِن"(4). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي المؤمن: "هو المصدق بالله وبرسوله وبما جاء به"(5). - ثالثاا: التعريف النبوي المؤمن: من أَحَ بَّ للنَّاسِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِه . (1( ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال1/62.) (2( فتح الباري لابن رجب1/39.) (3( ينظر: التصوير النبوي للقيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف (ص24.) (4( تقدم، ينظر حديث الإيمان (5( ينظر: التعريفات (ص 196).
عدد الصفحات ٣٨٢373 حديث (م(1):) أخرج ه الإمام ابن ماجه، بسنده، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَِّّ :(يَا أَبَا هُرَيْرَةَ كُنْ وَرِّعاا، تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِّ، (...)، وَأَحِّبَّ لِّلنَّاسِّ مَا تُحِّبُّ لِّنَفْسِّكَ، تَكُنْ مُؤْمِّناا، (...)) الحديث. - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. بيان أن كمال الإيمان يتمثل في أن يحب الإنسان الخير لغيره كما يحب لنفسه، وهذا وارد مورد المبالغة، وا لا فلا بد من بقية الأركان. ولم ينص على أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه ؛ لأن حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه، ويحتمل أن يكون قوله أخيه شاملاً للذمي أيضًا بأن يحب له الإسلام مثلاً (2). 2. الحث على ضرورة نقل العلم من بوتقة التنظير إلى منهج وسلوك في الحياة؛ فيعمل الإنسان بما علم، حتى يعود عليه وعلى المسلمين بالسعادة(3)، كما قال الحق :[أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالبَِِ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتَا َ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ](4). 16- نُقْصانُ الد ِّين - أولاا: التعريف اللغوي: نقصان: تصريف مشتق من الفعل الثلاثي "نَقَصَ" النون والقاف والصاد كلمة واحدة، هي النقص: خلاف الزيادة (5)، ونقص الشيء نقصًا ونقصانًا، ونقصته أنا، وهو منقوص يتعدى ولا يتعدى، وانتقص الشيء، أي نقص(6)، والنقيصة: العيب، يقال ما به نقيصة، أي شيء ينقص(7)، والنقص: الخسران في الحظ، والنقصان المصدر(8). الديناسم مشتق من الفعل الثلاثي "دَيَنَ" (9). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي نقصان: خلاف الزيادة (1). (1( تقدم، ينظر حديث51.) (2( ينظر: إرشاد الساري1/96.) (3( ينظر: التصوير النبوي للقيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف (ص18.) (4( (سورة البقرة 44.) (5( ينظر: مقاييس اللغة5/470.) (6( ينظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية 3/1059.) (7( ينظر: مقاييساللغة (5/470.) (8( المفردات في غريب القرآن (ص 821.) (9( تقدم. ينظر حديث20.)
عدد الصفحات ٣٨٣374 الدين: تقدم تعريفه (2). ونقصان الدين "هو ترك النساء للصلاة والصوم في زمن الحيض"(3). - ثالثاا: التعريف النبوي نُقْصَانِّ الدِّينِّ: إِذَا حَاضَتْ المرأة لَمْ تُصَل ِ وَلَمْ تَصُمْ. حديث (142:) أخرجه الإمام البخاري(4)، بسنده(5)، عَنْ أَبِي سَعِيد الخُدْرِي ِ ، قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَِّّ ﷺ فِي أَضْحَى أَوْ فِطْر إِلَى المُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى الن ِسَاءِ، فَقَالَ :(يَا مَعْشَرَ الن ِّسَاءِّ تَصَدَّقْنَ فَإِّن ِّي أُرِّيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِّ النَّارِّ، فَقُلْنَ: وَبِّمَ يَا رَسُولَ اللََِّّّ ﷺ؟ قَالَ : تُكْثِّرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِّيرَ، مَا رَأَيْتُ مِّنْ نَاقِّصَاتِّ عَقْلٍ وَدِّينٍ ، أَذْهَبَ لِّلُب ِّ (6) الرَّجُلِّ الحَازِّمِّ مِّنْ إِّحْدَاكُنَّ، قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِّينِّنَا وَعَقْلِّنَا يَا رَسُولَ اللََِّّّ ﷺ؟ قَالَ : أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَ رْأَةِّ مِّثْلَ نِّصْفِّ شَهَادَةِّ الرَّجُلِّ؟ قُلْنَ: بَلَى، قَالَ : فَذَلِّكِّ مِّنْ نُقْصَانِّ عَقْلِّهَا، أَلَيْسَ إِّذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَل وَلَمْ تَصُمْ؟ قُلْنَ: بَلَى، قَالَ : فَذَلِّكِّ مِّنْ نُقْصَانِّ دِّينِّهَا )(7). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. ضرورة الاستفسار وتوجيه السؤال للمعلم إن استشكل على التلاميذ بيانه، ولا بد من استجابة المعلم لذلك وا جابته على قدر عقولهم؛ لتحقيق الهدف من الإجابة وهو الفهم، ومن ذلك قيل أن استفسار النساء من النبي عن وجه نقصان دينهن وعقلهن؛ لأن ه خفى عليهن ذلك حتى استفسرن . (1( ينظر: مقاييس اللغة5/470.) (2( تقدم. ينظر حديث20.) (3( ينظر: عون المعبود وحاشية ابن القيم (12/286.) (4( صحيح البخاري، كتاب الحيض- باب ترك الحائض الصوم ( 1/68،ح304.) (5( سندالحديث: قال الإمام البخاري: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر ، قَالَ: أَخْبَرَنِي زَ يْد هُوَ ابْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَِّّ، عَنْ أَبِي سَعِيد الخُدْرِي ِ ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَِّّ ﷺ فِي أَضْحَى أَوْ فِطْر إِلَى المُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى الن ِسَاءِ، فَقَالَ...(الحديث). (6( اللب: "أي العقل الخالصوذلك لعظم كيدهنَّ، وقوة حيلهنَّ". تطريز رياض الصالحين (ص 1074.) (7( تخريج الحديث أخرجه الإمام البخاري، كتاب الزكاة - باب الزكاة على الأقار ب ( 2/120،ح1462)، وينظر ح1951، وح 2658، من طريق زيد بن أسلم، بألفاظ متقاربة وأخرجه الإمام مسلم، كتاب صلاة العيدين ( 2/605،ح889)، من طريق داود بن قيس، بنحوه وكلاهما (زيد، وداود) عن عياض عن أبي سعيد الخدري ، مرفوعًا
عدد الصفحات ٣٨٤375 وفي جوابه لهن، بيان لهن بلطف وا رشاد من غير تعفيف ولا لوم، بحيث خاطبهن على قدر فهمهن، لأنه أمر أن يخاطب الناس على قدر عقولهم(1). 2. إن وصف النبي النساء بنقصان الدين لتركهن الصلاة والصوم قد يُسْتَشْكل مَعْنَاهُ وليس بمشكل، فإن الدين والإيمان والإسلام مشترك في معنى واحد، فإن من كثرت عبادته زاد إيمانه ودينه، ومن نقصت عبادته نقص دينه(2). 3 .أجمع العلماء على أن الحائض لا يجوز لها الصلاة في حال حيضها، فرضً ا ولا نفلاً ، وقد استحب لها طائفة مِن السلف أن تتوضأ في وقت كل صلاة مفرو ضة، وتستقبل القبلة، وتذكر الله بمقدار تلك الصلاة(3). 4. إن ترك المرأة الحائض للصلاة واضح لافتقارها إلى الطهارة بخلاف الصوم، فتركها له مع الحيض تعبُّ د محض، فاحتيج إلى التنصيص عليه بخلاف الصلاة، لأن ذلك من أصل الخلقة، و ليس نقص الدين منحصرًا فيما يحصل من الإثم بل في أعم من ذلك؛ لأن ه أمر نسبي، فالكامل مثلاً ناقص عن الأكمل، ومن ذلك الحائض لا تأثم بترك الصلاة زمن الحيض لكنها ناقصة عن المصلي، والله أعلم(4). 17- نُقْصانُ الْعَقْل - أولاا: التعريف اللغوي: نقصان: تصريف مشتق من الفعل الثلاثي "نَقَصَ" (5). العقل اسم مشتق من الفعل الثلاثي "عَقِلَ" العين والقاف واللام أصل واحد منقاس مطرد، يدل عظمه على حبسة في الشيء أو ما يقارب الحبسة، من ذلك العقل، وهو الحابس عن ذميم القول والفعل، والعقل: نقيض الجهل(6)، ومنهالحِجْر والنهى(7)،يقال عقل يعقل عقلاً، إذا عرف ما كان ي جهله قبل، أو انزجر عما كان يفعله، وجمعه عقول، ورجل عاقل وقوم عُقَلاَء، (1( ينظر: عمدة القاري3/271)، وبتصرف (2( ينظرالسابق (3/271.) (3( ينظر: فتح الباري لابن رجب2/130.) (4( ينظر: إرشاد الساري1/347.) (5( تقدم. ينظر حديث142.) (6( ينظر: مقاييس اللغة4/69.) (7( الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية 5/1769.)
عدد الصفحات ٣٨٥376 وعاقلون، ورجل عقول، إذا كان حسن الفهم وافر العقل، وما له معقول، أي عقل،ويقولون: فلان عقول للحديث، لا يفلت الحديث سمعه(1)، ومنه قول أمير المؤمنين على بن أبي طالب: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع ... إذا لم يك مطبوع كما لا تنفع الشمس ... وضوء العين ممنوع (2). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي نقصان: تقدم ذكره (3). العقل "هو ما يعقل به حقائق الأشياء، قيل: محله الرأس، وقيل: محله القلب(4). ونقصان العقل"أي أن شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، لأنهن قليلات الضبط(5)، وهو ما نبه الله عليه في كتابه بقوله :[ فَرَجُل وَامْرَأَتَانِ مََِّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهَُُا فَتُذَكِرَ إِ حْدَاهَُُا الأُخْرَى (6). - ثالثاا: التعريف النبوي نُقْصَانِّ العَقْلِّ: شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ. حديث (م(7):) أخرجه الإمام البخاري، بسنده، عَنْ أَبِي سَعِيد الخُدْرِي ِ ، قَالَ(خَرَجَ رَسُولُ اللََِّّّ ﷺ فِّي أَضْحَ ى أَوْ فِّطْرٍ إِّلَى المُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى الن ِّسَاءِّ، فَقَالَ :)...((، مَا رَأَيْتُ مِّنْ نَاقِّصَاتِّ عَقْلٍ وَدِّينٍ أَذْهَبَ لِّلُب ِّ الرَّجُلِّ الحَازِّمِّ مِّنْ إِّحْدَاكُنَّ، قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِّينِّنَا وَعَقْ لِّنَا يَا رَسُولَ اللََِّّّ ﷺ؟ قَالَ :أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِّ مِّثْلَ نِّصْفِّ شَهَادَةِّ الرَّجُلِّ؟ قُلْنَ: بَلَى، قَالَ : فَذَلِّك مِّنْ نُقْصَانِّ عَقْلِّهَا، (...)) الحديث. - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. أجمع أهل العلم عَلَى أن شهادة المرأتين مع الرجل جائزة فِي الديون والأموال، وَلا تجوز شهادتهن فِي الحدود والقصاص فِي النفس فما دونها، والنكاح والطلاق والعتق والوكالة، (1( ينظر: مقاييس اللغة4/69.) (2( ينظرالسابق (4/69.) (3( تقدم. ينظر حديث142.) (4( التعريفات (ص 152.) (5( ينظر: شرح النووي على مسلم2/67.) (6( (سورة البقرة 282.) (7( تقدم، ينظر حديث142.)
عدد الصفحات ٣٨٦