345 المبحث الرابع: التعريفات من بداية حرف الكاف إلى نهاية حرف الياء 1- الكبر - أولاا: التعريف اللغوي: الكِّبْر: اسم مشتق من الفعل "كَبَرَ"، الكاف والباء والراء أصل صحيح يدل على خلاف الصغر، يقال: هو كبير، وكُبَار، وكُبَّار، ومنه الكِبْر: معظم الأمر(1)، قوله عز وعلا: [وَالَّذِي تَوَلىَّ كِبََْهُ مِنْهُمْ ](2)، أي معظم أمره، ويقولون : كِبْر سياسة القوم في المال(3)، والكِبْر: العظمة، وكذلك الكبرياء (4)، قيل : والكبر من التكبر أيضًا (5)، ومنه التجبر والزهو، والخيلاء والتيه والنخوة(6). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي الكبر: "هو جهل الإنسان بنفسه وا نزالها فوق منزلتها، فيَ عد الإنسان نفسه أكبر وأعلى من الآخر، بدون حق ولا استحقاق"(7) . - ثالثاا: التعريف النبوي الْكِّبْرُ : بَطَرُ الْحَق ِ، وَغَمْطُ النَّاسِ حديث ( 129:) أخرجه الإمام مسلم (8)، بسنده (9)، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُود ، عَنِ النَّبِي ِ ﷺ قَ الَ: (لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِّي قَلْبِّهِّ مِّثْقَالُ ذَرَّةٍ مِّنْ كِّبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِّنَّ الرَّجُلَ يُحِّبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَناا وَنَعْلُهُ حَسَنَةا، قَالَ : إِّنَّ اللهَ جَمِّيلٌ يُحِّبُّ الْجَمَالَ، الْكِّبْرُ بَطَرُ الْحَق ِّ، وَغَمْ طُ النَّاسِّ )(10). (1( مقاييس اللغة5/153.) (2( (سورة النور 112.) (3( مقاييس اللغة5/153.) (4( الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية 2/801.) (5( تهذيب اللغة10 /119.) (6( ينظر: التلخيص في معرفة أسماء الأشياء (ص 91.) (7( ينظر: كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم2/1358.) (8( صحيح مسلم، كتاب الإيمان- باب تحريم الكبر وبيانه ( 1/93،ح91.) (9( سند الحديث قال الإمام مسلم: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار ، وَا ِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَار ، جَمِيعًا عَنْ يَ حْيَى ابْنِ حَمَّاد ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَمَّاد ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ، عَ نْ فُضَيْل الْفُقَيْمِي ِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِي ِ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُود ، عَنِ الن بِي ِ ﷺ قَالَ...(الحديث). (10( تخريج الحديث
عدد الصفحات ٣٥٥346 - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. الفرق بين الكبر والتيه: - أن الكبر: هو إظهار عظيم الشأن، وهو في صفات الله مدح؛ لأن شأنه عظيم، وفي صفاتنا ذم؛ لأن شأننا صغير، والله أهل للعظمة، ولسنا لها بأهل، والشأن ههنا معنى صفاته التي هي في أعلى مراتب التعظيم، ويستحيل مساواة الأصغر له فيها على وجه من الوجوه، والكبير الشخص والكبير في السن والكبير في الشرف والعلم يمكن مساواة الصغير له، أما في السن؛ فبتضاعف مدة البقاء في الشخص تتضاعف أجزاؤه، وأما بالعلم فباكتساب مثل ذلك العلم. - والتيه: أصله الحيرة والضلال، وا ن ما سمي المُتكبر تائهًا على وجه التشبيه بالضلال والتحير، ولا يوصف الله به، والتيه من الأرض ما يتحير فيه وفي القرآن [يَتِيهُونَ فِِ الأَرْضِ ](1)، أي يتحيرون (2). 2. الفرق بين الكبر والكبرياء والتكبر: - أن الكبر ما سلف ذكره. - والكبرياء: هي العز والملك وليست من الكبر في شيء، والشاهد قوله : [وَتَكُونَ لَكُماَ الكِبَِْيَاءُ فِِ الأَرْضِ ](3)، يعني الملك والسلطان والعزة. - وأما التكبر: فهو إظهار الكبر، مثل: التشجع إظهار الشجاعة، إلا أن ه في صفات الله ، بمعنى أن ه يحق له أن يعتقد أنه الكبير وهو على معنى قولهم تقدس وتعالى، لا على ترفع علينا وتظيَّم، وقيل المتكبر في صفاته بمعنى أن ه المتكبر عن ظلم عبادة، والله أعلم(4). 2. سوء خلق الكِبر، وشدة أثره في نفس صاحبه ومن أحاط به من الناس، بل وعند ، حتى إن ه زجر من اتصفو ا به، فقال: [سَأَصِِْفُ عَنْ آَيَاتيَِ الَّذِينَ يَتَكَبََُّونَ فِِ الأَرْضِ بِغَيِْْ الحَقِ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَة لاَ يُؤْمِنُوا بَِِّا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَ رَوْا سَبِيلَ الغَيِ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَ لِكَ بِأَنََُّّمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ](5). أخرجه الإمام مسلم أيضًا، كتاب الإيمان - باب تحريم الكبر وبيانه ( 1/93،ح91)، من طرق متعددة، وألفاظ متماثلة، من حديث عبد الله بن مسعود ، مرفوعًا (1( (سورة المائدة 26.) (2( ينظر: الفروق اللغوية (ص246.) (3( (سورة ي ونس: 78.) (4( ينظر: الفروق اللغوية (ص246.) (5( (سورة الأعراف 146.)
عدد الصفحات ٣٥٦347 3. التحذير من اتباع الهوي، والاغترار بالنفس، خشية حرمان النفس من جنة عرضها السموات والأرض، كما قال الرحيم بأمته :(لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِّي قَلْبِّهِّ مِّثْقَالُ ذَرَّةٍ مِّنْ كِّبْرٍ) (1). "يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث؛ أصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين 2- الكلالة - أولاا: التعريف اللغوي: الكلالة: اسم مشتق من الفعل "كَلَّ"، الكاف واللام أصول ثلاثة صحاح، فالأول يدل على خلاف الحدة، والثاني يدل على إطافة شيء بشيء، والثالث عضو من الأعضاء. فأم ا الكلالة، فهي مصدر من تكلله النسب، أي تعطف عليه، فسموا بالمصدر، وقد اختلف أهل العربية في مرادها، فذكروا فيها أقوالاً متقاربة؛ فقيل: هم الرجال الورثة، وقيل : بنو العم الأباعد، وقيل: هو من مات وليس له ولد ولا والد فورثته كلالة، فالولد خارج من الكلالة، والعرب تقول: لم يرثه كلالة، أي لم يرثه عن عرض بل عن قرب واستحقاق(2)، وسموا كلالة، لاستدارتهم بنسب الميت الأقرب فالأقرب من تكلله النسب: إذا استدار به، فصار كلاً وكلالة، أي: عيالاً على الأصل(3)، ومنه قول الله :[وَإِنْ كَانَ رَ جُل يُورَثُ كَلاَلَةً أَوِ امْرَأَة وَلَهُ أَخ أَوْ أُخْت ](4). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي الكلالة: "هو اسم لما عدا الوالد والولد من الورثة" (5). - ثالثاا: التعريف النبوي الكلالة: أَلاَ تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ الن ِ سَاءِ، أي توضحها آية سورة النساء وهي قَوْل اللَّّ تَعَالَى: [يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِِ الكَلاَلَةِ ](6). حديث130:) أخرجه الإمام مسلم (7)، بسنده(1)، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، خَطَبَ يَوْمَ جُمُعَة ، فَذَكَرَ نَبِيَّ اللهِ ﷺ، وَذَكَرَ أَبَا بَكْر ، ثُمَّ قَالَ(إِّن ِّي لاَ أَدَعُ بَعْدِّي شَيْئاا أَهَمَّ عِّنْدِّي مِّنَ (1( صحيح مسلم، كتاب الإيمان– باب تحريم الكبر وبيانه ( 1/93،ح91.) (2( ينظر: مقاييس اللغة5/121.) (3( ينظر: تهذيب اللغة9/330.) (4( (سورة النساء 12.) (5( التوقيف على مهمات التعاريف (ص 283). (6( (سورة النساء 176.) (7( صحيح مسلم، كتاب الفرائض - باب ميراث الكلالة ( 3/1236،ح1617)
عدد الصفحات ٣٥٧348 الْكَلاَلَةِّ، مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ ﷺ فِّي شَيْءٍ مَا رَاجَعْتُهُ فِّي الْكَلاَلَةِّ، وَمَا أَغْلَظَ لِّي فِّي شَيْءٍ مَا أَغْلَظَ لِّي فِّيهِّ، حَتَّى طَعَنَ بِّإِّ صْبَعِّهِّ فِّي صَدْرِّي، وَقَالَ : يَا عُمَرُ ؛ أَلاَ تَكْفِّيكَ آيَةُ الصَّيْفِّ الَّتِّي فِّي آخِّرِّ سُورَةِّ الن ِّسَاءِّ ؟، وَا ِّن ِّي إِّنْ أَعِّشْ أَقْضِّ فِّيهَا بِّقَضِّيَّةٍ يَقْضِّي بِّهَا مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَمَنْ لاَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ )(2). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. إن ال نبي يغضب، ولا يغضب إلا بحق وللحق، حيث إن ه أغلظ لعمر في آية الكلالة؛ إن ما لخوفه من اتكاله واتكال غيره على ما نص عليه صريحً ا، وتركهم الاستنباط من النصوص، وقد قال الله :[وَلَوْ رَدُّوهُ إِلىَ الرَّسُولِ وَإِلىَ أُولِِ الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ](3). فالاعتناء بالاستنباط من آكد الواجبات المطلوبة، لأن النصوص الصريحة لا تفي إلا بيسير من المسائل الحادثة، فإذا أهمل الاستنباط فات القضاء في معظم الأحكام النازلة أو في بعضها، والله أعلم(4). 2. قال الشيعة: "الكلالة من ليس له ولد، وا ن كان له أب، أو جد فورثوا الإخوة مع الأب". وهو قول باطل ولا يصح، بل الصحيح عنه ما عليه جماعة العلماء، والإجماع على أن الكلالة: "من لا ولد له ولا والد" (5). 3. بيان أصل الكلالة، وسبب تسميتها؛ فالكلالة من الإكليل المحيط بالرأس؛ لأن الكلالة وراثة تكللت العصبة، أي أحاطت بالميت وا ن عنيت المصدر، كقولهم: ورثوه عن كلالة، وتطلق (1( سند الحديث قال الإمام مسلم: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْر الْمُقَدَّمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَاللَّفْظُ لاِبْنِ الْ مُثَنَّى، قَالاَ: حَدَّثَنَ ا يَحْيَى بْنُ سَعِيد ، حَدَّثَنَا هِشَام ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِ ي طَلْحَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، خَطَبَ يَوْمَ جُمُعَة ، فَذَكَرَ نَبِيَّ اللهِ ﷺ، وَذَكَرَ أَبَا بَكْر ، ثُمَّ قَالَ...(الحديث). (2( تخريج الحديث أخرجه الإمام مسلم أيضًا، كتاب الصلاة - باب نهي من أكل ثومًا أو بصلاً أو كراًثا أو نحوها (1/396،ح567)، بسنده، وزيادة طويلة، من حديث عمر بن الخطاب ﷺ، مرفوعًا. (3( (سورة النساء :83.) (4( ينظر: شرح النووي على مسلم11/57.) (5( ينظر: السابق (11/58.)
عدد الصفحات ٣٥٨349 الكلالة على الورثة مجازًا، ولا يصح قول من قال: الكلالة المال ولا الميت إلا على إرادة تفسيره معنى من غير نظر إلى حقيقة اللفظ(1). 4. الاهتمام بأمر العامة من الناس وما يتعلق من قضاياهم الاجتماعية، ومعاملاتهم اليومية، من قبل المسؤولين، وحملها محمل الجد، دون محاباة أو استهانة، وذاك ما كان من شأن خليفة المؤمنين؛ عمر بن الخطاب ، وتلاميذ المدرسة المحمدية الرائدة. 3- الكيس - أولاا: التعريف اللغوي: الكَيِّ س: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "كَيَسَ"، الكاف والياء والسين أصل يدل على ضم وجمع، من ذلك الكِيْس، سُمي لأن ه يضم الشيء ويجمعه، ومن بابه الكَيْس في الإنسان: خلاف الخُرق، لأنه مجتمع الرأي والعقل، يقال: رجل كَيِ س ورجال أَكْيَاس، وأكْيَ س الرجل وأَكَاس، إذا ولد له أكْيَاس من الولد(2)، وقيل: الكَيِ س خلاف الحُمْق، والرجل كَيِ س مكيس: أي ظريف (3). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي الكُيِّ س: "هو جودة القريحة" (4) . - ثالثاا: التعريف النبوي الكَي ِّسُ: مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْ دَ المَوْتِ. حديث (م(5):) أخرجه الإمام الترمذي، بسنده، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْس ، عَنِ النَّبِي ِ ﷺ، قَالَ: (الكَي ِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ (6)، وَعَمِّلَ لِّمَا بَعْدَ المَوْتِّ ). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. بيان سمة الكَي ِس؛ وهو اللبيب الحازم العاقل الذي ينظر في عواقب الأمور، فهذا يقهر نفسه، ويستعملها فيما يعلم أن ه ينفعها بعد موتها، وا ن كانت كارهة لذلك. (1( ينظر: فتح الباري12/26.) (2( ينظر: مقاييس اللغة5/149.) (3( الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية 3/972.) (4( التوقيف على مهمات التعاريف (ص 286.) (5( تقدم، ينظر حديث121.) (6( دان نفسه: "أي حاسب نفسه، أو أذلها وقهرها". ينظر: تهذيب اللغ ة (10/172)، نفسه14/128.)
عدد الصفحات ٣٥٩350 فهو يخالف نفسه، ولا يتبعها هواها، يتعجل بذلك الجزاء في الدنيا ويجد بركة ذلك من حصول العلم والإيمان والرزق وغير ذلك، وقيل لبعضهم: "بما بلغ الأحنف بن قيس فيكم ما بلغ؟، قال: كان أشد الناس سلطانًا على نفسه"(1). 2. كان السلف يستحبون استحضار ما يقتضي الرجاء "قرب الموت"؛ ليحصل معه ظن المغفرة فيدخل في هذا الحديث، بخلاف زمن الصحة؛ ينبغي فيه استحضار ما يقتضي الخوف؛ ليكون أعون على العمل. وأما حالة الموت؛ فإن ه لا عمل فيها، فإذا لم يرجُ أَيِسَ، وا ذا رجا انبسط، وحمله ذلك على التوبة والتقرب في تلك الحالة بما أمكنه والله أعلم(2). 3. ضرورة محاسبة النفس، فيحاسب المرء أعمالها وأحوالها وأقوالها في الدنيا، فإن كانت خيرًا حمد الله ، وا ن كانت شرًا تاب منها، واستدرك ما فاتها قبل أن يحاسب في العقبى، كما قال :[يَا أَيَُُّّا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْس مَا قَدَّمَتْ لِغَد وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِ بِماَ تَعْمَلُونَ ](3)، والحاصل أن الكيس هو المؤمن القوي (4). 4- اللاعنان/ الملاعن الثلاثة - أولاا: التعريف اللغوي: اللَّعَّانان، الملاعن: أسماء مشتقة من الفعل الثلاثي "لَعَنَ"، اللام والعين والنون أصل صحيح يدل على إبعاد وا طراد، ولعن الله الشيطان: أبعده عن الخير والجنة، ويقال: للرجل الطريد (5)، واللعنة الاسم، والجمع لِعان ولَعنات، والرجل لعين وملعون، والمُلاَعنة واللِ عان: المباهلة(6)، والملاعن جمع ملعنة، وهي جواد الطريق وظلال الشجر ينزلها الناس(7)، وا ن ما سميت ملاعن للعن الناس فاعلها(8)، كأن ها مظنة للعن ومحل له(9)،أي: اتقوا الطرقات والقعود (1( ينظر: شرح حديث لبيك اللهم لبيك (ص 125.) (2( ينظر: طرح التثريب في شرح التقريب 8/234.) (3( (سورة الحشر 18.) (4( ينظر: مرقاة المفاتيح 8/3310.) )5( ينظر: مقاييس اللغة5/252.) )6( ينظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية 6/2196.) )7( تهذيب اللغة2/241.) )8( غريب الحديث للخطابي 1/108.) )9( النهاية في غريب الحديث والأثر 4/255.)
عدد الصفحات ٣٦٠351 عليها للتحدث(1)،وليس ذا في كل ظل، وا ن ما هو الظل الذي يستظل به الناس ويتخذونه مقيلاً ومناخًا، واللاعن: اسم فاعل، من لعن، فسميت هذه الأماكن لاعنة؛ لأنها سبب اللعن(2) - ثانياا: التعريف الاصطلاحي اللَّعَّانان: أي الأمرين الجالبين للعن، الباعثين للناس عليه، فإنه سبب للعن من فعل الحدث في مواضع قعود الناس(3). والملاعن "هي المواضع التي يرتفق بها الناس فيلعنون من يحدث بها ويمنع من الرفق بها كمواضع الظل وضفة الماء وقارعة الطريق وشبه ذلك"(4). - ثالثاا: التعريف النبوي اللَّ عَّانَان: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِل ِهِمْ. و الْمَلاَعِّنَ الثَّلاَثَةَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظ ِل ِ. حديث (131:) أخرجه الإمام مسلم (5)، بسنده(6)،عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَ سُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِّ، قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِّ يَا رَسُولَ اللهِّ ﷺ؟ قَالَ ﷺ: الَّذِّي يَتَخَلَّى فِّي طَرِّيقِّ النَّاسِّ، أَوْ فِّي ظِّل ِّهِّمْ )(7). حديث132:) أخرجه أبو داود (8)، بسنده(9)، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَل ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَِّّ ﷺ: (اتَّقُوا الْمَلاَعِّنَ الثَّلاَثَةَ: الْبَرَازَ فِّي الْمَوَارِّدِّ (10)، وَقَارِّعَةِّ الطَّرِّيقِّ، وَالظ ِّل)(11). )1( ينظر الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي (ص 220.) )2( النهاية في غريب الحديث والأثر 4/255.) )3( ينظرالنهاية في غريب الحديث والأثر ( 4/255.) )4( مشارق الأنوار على صحاح الآثار (1/360.) )5( صحيح مسلم، كتاب الطهارة - باب النهي عن التخلي في الطريق والظلال ( 1/226،ح269.) )6( سند الحديث قال الإمام مسلم: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْر ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَر ، قَالَ: ابْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنِي الْعَلاَءُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ...(الحديث). )7( تخريج الحديث تفرد به الإمام مسلم من أصحاب الصحيحين (8( سنن أبي داود، كتاب الطهارة - باب المواضع التي نهى النبي ﷺ عن البول فيها (1/7،ح26.) (9( سند الحديثقال الإمام أبو داود: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْد الرَّمْلِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَبُو حَفْص ، وَحَدِيثُهُ أَتَمُّ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْحَكَمِ، حَدَّثَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِي دَ، حَدَّثَنِي حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْح ، أَنَّ أَبَا سَعِيد الْحِمْيَرِيَّ، حَدَّثَهُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَل ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَِّّﷺ...(الحديث). (10( الموارد: "أي الطرق إلى الماء واحدها موردة بالهاء". غريب الحديث للخطابي1/107.) (11( دراسة الحديث :
عدد الصفحات ٣٦١352 - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. إن الإسلام دين النظافة والطهارة، وا ن ه دين الحض ارة والجمال، بل إن ه مبعث الجلالة الإلهية، كما دلل على ذلك قوله :(إِّن اللهَ جَمِّيلٌ يُحِّبُّ الْجَمَالَ)(1). - أولاا: دراسة رجال الإسناد في إسناده: 1. عمر بن الخطاب، السِ جِسْتاني، نزيل الأهواز، القُشَيْرِي، مات في شوال سنة مائة وأربع وستين وقد قارب التسعين. ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: "مستقيم الحديث"، وقال الذهبي: "الحافظ"، وقال ابن حجر: "صدوق". قالت الباحثة: صدوق، لم يبين حاله جميع الأئمة. ينظر: الثقات (8/447)، الكاشف2/60)، تقريب التهذيب (ص 412.) 2. أبو سعيد الحميري، ويقال أبو سعد الحميري، الحمصي قال أبو زرعة: "لا أعرفه"، وقال ابن حجر: "مجهول"، وقال الذهبي: "ما روى عنه سوى فرج بن فضالة". قالت الباحثة: أتوقف في الحكم عنه، مختلف في اسمه. رُ ب ما هناك تشابه بين الأسماء عند الأئمة فاختلطوا فيه، فقد قال المزي: "أبو سعيد الحبراني الحميري الشامي الحمصي، ويقال: أبو سعد الخير الأنماري، ويقال: انهما اثنان، يقال: اسمه زياد، ويقال: عامر بن سعد، ويقال: عمر بن سعد". ينظر: الجرح والتعديل ( 9/378)، تقريب التهذيب (ص 643)، ميزان الاعتدال 4/529)، تهذيب الكمال (33/353.) - ثانياا: تخريج الحديث أخرجه الإمام ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها - باب النهي عن الخلاء على قارعة الطريق (1/119،ح328)، من طريق عبد الله بن وهب، ن نافع بن يزيد، بسنده، وذكر قصته مطولاً، من حديث معاذ بن جبل ، مرفوعًا وله شواهد في صحيح مسلم، يراجع رواية الإمام مسلم، من التعريف نفسه (اللعانان). - ثالثاا: الحكم على سند الحديث: إسناده ضعيف؛ لجهالة أبي سعيد الحميدي، وقد يرتقي الحديث بالمتابعة إلى الحسن لغيره ، وحسنه الإمام الألباني، وقال الإمام الأرنؤوط: "حسن لغيره ". ينظر: سنن أبي داود ت الأرناؤوط ( 1/21)، إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (1/100.) (1( صحيح مسلم، كتاب الإيمان– باب تحريم الكبر وبيانه ( 1/93،ح91.)
عدد الصفحات ٣٦٢353 وعليه فإن الإسلام منع من إحداث الاستقذار الذي هو أمر تعفه النفس بطبعها، ما يحمل المرء على التنحي والتجانب خشية إصابته شيء من القذر، بل شدد الإس لام بالتحذير من ذلك، وا لا وجبت في حق فاعليه لعنة البشر بتفويض من رب البشر ، والعياذ با 2. بيان سبب تسمية الملاعن بهذا الاسم؛ لأسباب منها أ- لأن ها مجالب اللعن. ب- لأن أصحابها يلعنهم المار؛ لفعلهم القبيح. ت- لأن أصحابها أفسدوا على الناس منفعتهم فكان ظلمًا، وكل ظالم ملعون، ث- لأن ها ملعنة، وهو الموضع الذي يكثر فيه اللعن كالمأسدة، أو اجتنبوا الفعلات التي توجب لعن فاعلها عادة كأنه مظنة اللعن، والله أعلم(1). 3. ذكر الموارد : "أي الطرق إلى الماء، واحدها مورده بالهاء، وا ن ما تأوله بعض العلماء على المشارع وطرق الماء، وا ن كانت شوارع الطرق قد تسمى الموارد أيضًا؛ لأن ذكر قارعة الطريق قد جاء مقرونًا به في الخبر فلم يكن في إعادته فائدة(2) . 4 .إن الذي يتخلى في طريق الناس، أي: يتغوط فيما يمر به الناس ، أو يتخلى في الظل الذي يستظل به الناس ويتخذونه مقيلاً ومناخًا؛ فإن ه يؤذيهم بنتنه واستقذاره، ويؤدي إلى لعنه؛ فإن كان لعنه جائزً ا فقد تسبب إلى الدعاء عليه بإبعاده عن الرحمة، وا ن كان غير جائز فقد تسبب إلى تأثيم غيره بلعنه . ونجد أن الأحاديث السابقة الذكر؛ إن ما هي دالة على استحقاق الفاعل اللعنة(3). نسأل الله العافية. 5- اللَّعَّانين - أولاا: التعريف اللغوي: اللَّعَّانين: تصريف مشتق من الفعل الثلاثي "لَعَنَ" (4). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي اللَّعَّانين: "هم كثيرو اللعن والطرد، والدعاء بالبعد عن رحمة الله (5). (1( ينظر: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 1/385.) (2( ينظر: غريب الحديث للخطابي ( 1/107.) (3( ينظر: سبل السلام1/109.) (4( تقدم. ينظر حديث131.) (5( ينظر: مرقاة المفاتيح 7/3028.)
عدد الصفحات ٣٦٣354 - ثالثاا: التعريف النبوي اللَّعَّانِّينَ: لاَ يَكُونُونَ شُهَدَاءَ، وَلاَ شُفَعَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. حديث (133:) أخرجه الإمام مسلم (1)، بسنده(2)، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، يَقُولُ: (إِّنَّ اللَّعَّانِّينَ لاَ يَكُونُونَ شُهَدَاءَ، وَلاَ شُفَعَاءَ يَوْمَ الْقِّيَامَةِّ )(3). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. اللعن يراد به الدعاء بالبعد عن رحمة الله ، وا ن ما أتى بصيغة المبالغة؛ لأن الاحتراز عن قليله نادر الوقوع في المؤمنين، فقد قيل: وفي صيغة المبالغة؛ إيذان بأن هذا الذم لا يكون لمن يصدر منه اللعن مرة أو مرتين (4). 2. نهى الإسلام عن اللعن، والتفحش في الدعاء على الناس، حيث إن من يفعل ذلك، يخسر رحمة الله به في الدنيا والآخرة، ولنا في رسول خير أسوة، إذ ترفع وتمنع عن بذيء الكلام والفحش فيه، كما جاء في حديث ابن مسعود، قَالَ: قِيلَ : يَا رَسُو لَ اللهِ ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، قَالَ :(إِّن ِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّاناا، وَا ِّنَّمَا بُعِّثْتُ رَحْمَةا)(5). 3. إن البعد عن التفحش والبذاءة في القول والعمل من أخلاق المسلم الطيبة، والتي يجب عليها أن تكون من سماته البارزة، بحق الإسلام. نسأل الله الثبات. 6- المتفيهقون - أولاا: التعريف اللغوي: المتفهيقون: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "فَهَقَ"، الفاء والهاء والقاف أصل صحيح يدل على سعة وامتلاء، من ذلك الفهق: الامتلاء، والمتفيهقون واحدهم متفيهق، وفي الذي يفهق كلامه ويملأ به فمه(6)،ورجل متفيهق: متفتح بالبذخ متسع، وتفيهق في كلامه: توسع وتنطع، (1( صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب- باب النهي عن لعن الدواب وغيرها ( 4/2006،ح2598.) (2( سند الحديث قال الإمام مسلم: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَام ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْد ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَأَبِي حَازِم ، عَنْ أُم ِ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، يَقُولُ...(الحديث). (3( تخريج الحديث: وأخرجه الإمام مسلم أيضًا، كتاب البر والصلة والآداب - باب النهي عن لعن الدواب وغيرها (4/2006،ح2598)، من طريقي هشام بن سعد، وحفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، بسنده ومثله، من حديث أبي الدرداء ، مرفوعًا (4( ينظر: مرقاة المفاتيح 7/3028.) (5( صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب – باب النهي عن لعن الدواب وغيرها ( 4/2006،ح2599.) (6( مقاييس اللغة4/456.)
عدد الصفحات ٣٦٤355 والفيهق: الواسع من كل شيء، و الفهقة: أول فقرة من العنق تلي الرأس، وقيل: هي مركب الرأس في العنق(1). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي المتفيهقون: هم الذين يتوسعون في الكلام ويفتحون به أفواههم"(2). - ثالثاا: التعريف النبوي المُتَفَيْهِّقُونَ: المُتَكَب ِرُونَ. حديث (134:) أخرجه الإمام الترمذي (3)، بسنده(4)، عَنْ جَابِر ، أَنَّ رَسُولَ اللَِّّ ﷺ قَالَ: (إِّنَّ مِّنْ أَحَب ِّكُمْ إِّلَيَّ وَأَقْرَبِّكُمْ مِّن ِّي مَجْلِّساا يَوْمَ القِّيَامَةِّ أَحَاسِّنَكُمْ أَخْلاَقاا، وَا ِّنَّ أَبْ غَضَكُمْ إِّلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِّن ِّي مَجْلِّساا يَوْمَ القِّيَامَةِّ الثَّرْثَارُونَ (5) وَالمُتَشَد ِّقُونَ (6) وَالمُتَفَيْهِّقُون، قَالُوا: يَا رَسُولَ ﷺ، قَدْ عَلِّمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَد ِّقُونَ ، فَمَا المُتَفَيْهِّقُونَ؟ قَالَ ﷺ: المُتَكَب ِّ رُونَ )(7). (1( ينظر: المحكم والمحيط الأعظم4/127.) (2( ينظر: مجمع بحار الأنوار4/185.) (3( سنن الترمذي، أبواب البر والصلة - باب ما جاء في معالي الأخلاق (4/370،ح2018.) (4( سند الحديث قال الإمام الترمذي: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ خِرَاش البَغْدَادِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلاَل قَالَ: حَدَّثَنَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ رَب ِهِ بْنُ سَعِيد ، عَنْ مُحَمَّ ـــــدِ بْنِ المُنْكَ ـــــــدِرِ، عَنْ جَابِر ، أَنَّ رَسُولَ اللَِّّ ﷺ قَالَ...(الحديث). (5( الثرثارون: "أي كثيرو الكلام". ينظر: جمهرة اللغة1/180.) (6( المتشدقون: "هم المتوسعون في الكلام من غير احتياط واحتراز، وقيل: المتشدق هو المستهزئ بالناس يلوي شدقه بهم وعليهم". ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ( 2/453.) (7( دراسة الحديث - أولاا: دراسة رجال الإسناد: في إسناده: 1. أحمد بن الحسن بن خراش البغدادي، أبو جعفر، مات سنة مائتين واثنتين وأربعين وله ستون ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الخطيب: "كان ثقة"، قال ابن حجر: "صدوق"، وبين المزي أنه من رجال الإمام مسلم والترمذي. قالت الباحثة: ثقة. ينظر: الثقات ( 8/48)، تهذيب التهذيب 1/24)، تقريب التهذيب (ص 78)، تهذيب الكمال (1/293.) 2. مبارك بن فَضَالة، أبو فَضَالة البصري، مات سنة مائة وست وستين على الصحيح قال ابن معين: "ثقة"، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو زرعة: "يدلس كثيرًا فإذا قال حدثنا فهو ثقة"، وقال الذهبي: " من علماء الحديث بالبصرة"، وقال أبو حاتم: "هو أحب إلي من الربيع
عدد الصفحات ٣٦٥356 - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1 .ذم النبي الذين يكثرون الكلام تكلفً ا وتشدقً ا، ويتوسعون في الكلام ويفتحون به أفواههم فيتكلمون بأشداقهم، فلا تخاطب كلماتهم عامة الناس، بل يلحنون بها على النحو الذي يهدفون به إلى التكلف لاستمالة قلوب الناس وعقولهم(1). 2. ضرورة التزام المسلمين بالوسطية والاعتدال في القول والتحدث، دون تنطع أو ترهل، وذلك رجاء إفهام العقول المخاطبة، كما قال الحق :[وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلََ النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُ ولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ](2). 3. كراهة التقعر في الكلام بالتشدق، وتكلف السجع والفصاحة، والتصنع فيه بالتشبيبات والمقدمات وما جرى به عادة المتفاصحين المدعين للخطابة، وكل ذلك من التصنع المذموم ومن بن صبيح"، وقال ابن عدي: "عامة أحاديثه أرجو أن تكون مستقيمة فقد احتمل من قد رمي بالضعف أكثر ما رمي مبارك به"، وقال ابن معين في موضع: "ليس به بأس، لم يكن بالكذوب"، وقال العجلي: "لا بأس به"، قال ابن حجر: "صدوق يدلس ويسوي"، وهو من "الطبقة الثالثة للتدليس" كما ذُكِر، وقال النسائي: "ضعيف"، "وتحمل الإمام البخاري روايته في الصحيح تعليقًا"، كما ذكره المزي. قالت الباحثة: صدوق، ولا يضره تدليسه هنا؛ لتصريحه بالسماع بلفظ "حدثني". ينظر: تاريخ ابن معين ( 4/83)، الثقات7/501)، الجرح والتعديل 8/339)، ميزان الاعتدال (3/431)، الكامل في ضعفاء الرجال 8/26)، معرفة الثقات (ص 419)، الضعفاء والمتروكون للنسائي (ص 98)، تقريب التهذيب (ص 519)، طبق ات المدلسين (ص 43)، تهذيب الكمال (27/180.) - ثانياا: تخريج الحديث تفرد به الإمام الترمذي من أصحاب الكتب الستة، وذكر عقيب الحديث أن في الباب عن أبي هريرة ، وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وروى بعضهم هذا الحديث، عن المبارك بن فضالة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن النبي ﷺ ولم يذكر فيه عن عبد ربه بن سعيد ، وهذا أصح. - ثالثاا: الحكم على سند الحديث: إسناده حسن؛ لأجل أحمد ومبارك "الصدوقين"، ولا يضر تدليس مبارك بن فضالة؛ لأنه صرح بالسماع، وللحديث متابعة تامة، كما صرح به الترمذي في السنن، يرتقي بها إلى الصحيح لغيره، وقال الإمام الترمذي: "حديث حسن غريب"، وقال الإمام الألباني: "حسن الإسناد". ينظر: سنن الترمذي ( 4/370) عقيب الحديث، سلسلة الأحاديث الصحيحة2/419.) (1( ينظر: التيسير بشرح الجامع الصغير 1/524.) (2( (سورة البقرة 143.)
عدد الصفحات ٣٦٦357 التكلف الممقوت، و هو من آفات اللسان، ويدخل فيه كل سجع متكلف، وكذلك التفاصح الخارج عن حد العادة، وكذلك التكلف بالسجع في المحاورات . ولا يدخل في هذ ا تحسين ألفاظ الخطابة والتذكير من غير إفراد وا غراب، فإن المقصود منها تحريك القلوب وتشويقها وقبضها وبسطها، فرشاقة اللفظ تأثير فيه فهو لائق به (1). 7- الْمُخابرة - أولاا: التعريف اللغوي: المُخابرة: اسم مشتق من الفعل "خَبَرَ"، الخاء والباء والراء أصلان: أحدهما يدل على لين ورخاوة وغزر، ومنه الخَبراء، وهي الأرض اللينة، والخبار: الأرض الرخوة ذات الجحرة، والخبير: الأكار(2)، وقيل: النبات، و المخابرة هي المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض ، بالنصف لها أو الثلث أو الأقل من ذلك أو الأكثر، ويقال له: الخَ بر، أيضَ ا، وقيل: المخابرة مشتق من اسم خيبر(3). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي المخابرة : هي مزارعة الأرض على الثلث أو الربع أو أقل أو أكثر (4). - ثالثاا: التعريف النبوي الْمُخَابَرَةُ: أَنْ تَأْخُذَ الأَْرْضَ بِنِصْف أَوْ ثُلُث أَوْ رُبْع . حديث (135:) أخرجه الإمام أبو داود (5)، بسنده(6)، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِت ، قَالَ(نَهَى رَسُولُ اللََِّّّ ﷺ عَنِّ المُخَابَرَةِّ، قُلْتُ: وَمَا الْمُخَابَرَةُ ؟، قَالَ ﷺ: أَنْ تَأْخُذَ الأَْرْضَ بِّنِّصْفٍ أَوْ ثُلُثٍ أَوْ رُبْعٍ )(7). (1( ينظر: الكاشف عن حقائق السنن10/6310.) (2( الأك ار: "هو الذي يزارع". الزاهر في معاني كلمات الناس2/309.) (3( ينظر: مقاييس اللغة2/239)، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية 2/641.) (4( ينظر: التعريفات (ص 207.) (5( سنن أبي داود، كتاب البيوع - باب في المخابرة ( 3/262،ح3407.) (6( سند الحديثقال الإمام أبو داود: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِت ، قَالَ...(الحديث (7( دراسة الحديث - أولاا: دراسة رجال الإسناد: في إسناده: 1. عمر بن أيوب العبدي الموصلي، مات سنة مائة وثمان وثمانين.
عدد الصفحات ٣٦٧358 - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. سميت المخابرة بهذا الاسم؛ لأن النبي دفع خيبر إلى أهلها، بعد أنْ ظَفِرَ بهم، بالنصف. ثم عصوا الله ، ونكثوا، فحظرَ ذلك بنهيه عن المخابرة، ثم جازت قبلُ وبعدُ (1). قال ابن معين: "ثقة مأمون"، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: " يعتبر حديثه من رواية الثقات عنه وروايته عن الثقات"، وقال الذهبي: "حافظ ثبت"، قال أحمد: "ليس به بأس"، وقال أبو حاتم: "صالح"، قال ابن حجر: "صدوق له أوهام"، وذكر المزي: "أن الإمام مسلم قد روى عنه". قالت الباحثة: ثقة، من رجال الإمام مسلم. ينظر: تاريخ ابن معين – رواية الدوري (4/464)، الثقات8/439)، الكاشف2/55)، الجرح والتعديل (6/99)، تقريب التهذيب (ص 410)، تهذيب الكمال21/278.) 2. جعفر بن بُرْقان الكلابي، أبو عبد الله الرقي، مات سنة مائة وخمسين وقيل بعدها. قال العجلي: "ثقة"، وقال ابن نمير: "ثقة أحاديثه عن الزهري مضطربة"، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن عدي: "مشهور معروف من الثقات، وقد روى عنه الناس الثوري فمن دون، وله نسخ يرويها عن ميمون بن مهران والزهري وغيرهما، وهو ضعيف في الزهري خاصة، وكان أميًا، ويقيم روايته عن غير الزهري، وثبتوه في ميمون بن مهران وغيره، وأحاديثه مستقيمة حسنة"، وقال ابن معين: "كان أميًا لا يقرأ ولا يكتب، وكان رجل صدق"، وقال مرة: "وهو ليس في الزهري بشيء"، وقال أبو حاتم: "محله الصدق يكتب حديثه"، وقال ابن حجر: "صدوق يهم في حديث الزهري". قالت الباحثة: ثقة، ضعفوه في الزهري. وقد برر ابن عدي تضعيفه في الزهري، فقال: "إنما قيل ضعيف في الزهري؛ لأن غيره عن الزهري أثبت منه بأصحاب الزهري المعروفين؛ مالك، وابن عيينة، ويونس، وشعيب، وعقيل، ومعمر، فإنما أرادوا أن هؤلاء أخص بالزهري، وهم أثبت من جعفر؛ لأن جعفر ضعيف في الزهري لا غير". معرفة الثقات (ص 96)، الجرح والتعديل 2/475)، الثقات 6/136)، الكامل في ضعفاء الرجال (2/373)، تاريخ ابن معين – رواية الدوري (4/419-446)، تقريب التهذيب (ص 140.) وباقي رجال إسناده من الثقات. - ثانياا: تخريج الحديث: تفرد به الإمام أبو داود في سننه من أصحاب الكتب الستة، وله متابعة من الثقات في مسند أحمد، فقد أخرجه في مسند الأنصار - حديث زيد بن ثابت عن النبي ﷺ (35/496،ح21631) عن كثير ابن هشام "الثقة"، عن جعفر، بسنده، ومثله، من حديث زيد بن ثابت ، مرفوعًا - ثالثاا: الحكم على سند الحديث: إسناده صحيح؛ لأجل عمر وجعفر "الثقات" وينتفي تضعيف جعفر هنا؛ لأن الحديث ليس في الزهري ، (يراجع التخريج)، وصحح إسناده كلا الإمامين؛ الألباني، وشعيب، وزاد الأول: "رجاله كلهم ثقات". ينظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (7/1533، سنن أبي داود ت الأرناؤوط 5/286.) (1( ينظر: الزاهر في معاني كلمات الناس 2/309.)
عدد الصفحات ٣٦٨359 2. الحديث دليل على المنع من المخابرة بجزء معلوم، وهذا النهي كان في أول الأمر، فقد كان يحث الناس على ترك المخابرة، وأن يصيروا إلى الإحسان والإرفاق، وأن يمنح أحدهم أخاه ولا يأخذ منه شيئًا(1). 3. اهتمام النبي بأحوال الناس، والنظر فيما يتناسب مع ظروفهم على حد سواء الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. 8- مخموم القلب - أولاا: التعريف اللغوي: مخموم: فعل مشتق من الفعل الثلاثي "خَمَّ"، الخاء والميم أصلان: أحدهما تنقية شيء، ومنه قولهم خم البيت إذا كنس، وخمامة البئر: ما يخم من ترابها إذا نقيت، وبيت مخموم: مكنوس، ويقال: هو مخموم القلب، إذا كان نقي القلب من كل غش ودخل(2)، ونقي من الدنس(3). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي مخموم القلب: هو رجل تقي من الغش والدغل(4). - ثالثاا: التعريف النبوي مَخْمُومُ الْقَلْبِّ: هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لاَ إِثْمَ فِيهِ، وَلاَ بَ غْيَ، وَلاَ غِلَّ، وَلاَ حَسَدَ. حديث (136:) أخرجه الإمام ابن ماجه (5)، بسنده(6)، عَنْ عَبْدِ اللَِّّ بْنِ عَمْر و ، قَالَ (قِّيلَ لِّرَسُولِّ اللََِّّّ ﷺ: أَيُّ النَّاسِّ أَفْضَلُ؟ ، قَالَ ﷺ: كُلُّ مَخْمُومِّ الْقَلْبِّ، صَدُوقِّ الل ِّسَانِّ، قَالُوا: صَدُ وقُ الل ِّسَانِّ، نَعْرِّفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِّ؟ ، قَالَ ﷺ: هُوَ التَّقِّيُّ النَّقِّيُّ، لاَ إِّثْمَ فِّيهِّ، وَلاَ بَغْيَ، وَلاَ غِّلَّ، وَلاَ حَسَدَ )(7). (1( ينظر: نيل الأوطار5/331)، شرح سنن أبي داود ـ عبد المحسن العباد 17/490.) (2( ينظر: مقاييس اللغة2/156.) (3( ينظر: المحكم والمحيط الأعظم4/528.) (4( ينظر: المخصص4/61.) (5( سنن ابن ماجه، كتاب الزهد - باب في الورع والتقوى (2/1409،ح4216.) (6( سند الحديث قال الإمام ابن ماجه: هِشَامُ بْنُ عَمَّار قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَاقِد قَالَ : حَدَّثَنَا مُغِيثُ بْنُ سُمَي ، عَنْ عَبْدِ اللَِّّ بْنِ عَمْر و ، قَالَ...(الحديث (7( دراسة الحديث - أولاُ: دراسة رجال الإسناد: في إسناده:
عدد الصفحات ٣٦٩360 - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. التأكيد على أن الطاعات وأعمال الجوارح كلها تقوم على تصفية القلب وتزكيته، قال :[قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ](1)،ومراد تزكيته حصول أنوار الإيمان فيه، وا شراق نور المعرفة وهو المراد بقوله :[أَفَمَنْ شَََحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلِْْسْلاَمِ فَهُوَ عَلََ نُور مِنْ رَبِهِ ](2). فهذا التجلي وهذا الإيمان له ثلاث مراتب: - المرتبة الأولى: إيمان العوام، وهو إيمان التقليد المحض. هشام بن عمار بن نُصَيْر السلمي، الدمشقي، الخطيب، وقد سمع من معروف الخياط، لكن معروف ليس بثقة، مات سنة مائتين وخمس وأربعين على الصحيح، ول ه اثنتان وتسعون سنة. ذكره ابن حبان في "الثقات"، وهو من رجال الإمام البخاري، وله رواية عن يحيى في صحيحه، كما ذكر المزي، وقال الذهبي: "ثقة مكثر له ما ينكر"، وقال يحيى بن معين: "كيس كيس"، وقال العجلي: "صدوق"، وقال أبو حاتم: "لما كبر تغير وكلما دفع إليه قرأ ه، وكلما لقن تلقن، وكان قديمًا أصح، كان يقرأ من كتابه، وهو صدوق"، وقال ابن حجر: "صدوق مقرئ كبر فصار يتلقن فحديثه القديم أصح"، وقال أحمد: "طياش خفيف". قالت الباحثة: صدوق، ولا يضره تغيره هنا؛ لتحمله الرواية عن يحيى بن حمزة، الذي قبل الإمام البخاري الرواية عنه به. ينظر: الثقات ( 9/233)، تهذيب الكمال 30/244)، المغني في الضعفاء 2/711)، الجرح والتعديل ( 9/66)، معرفة الثقات (ص 459)، تقريب التهذيب (ص 573)، العلل ومعرفة الرجال (ص103.) وباقي رجال إسناده من الثقات، ولا يضر ما قيل في يحيى بن حمزة: قال ابن حجر: "ثقة، رمي ب القدر". قالت الباحثة: ينتفي عنه ما اتهم به؛ لعدم موافقة الحديث لبدعته. ينظر: تقريب التهذيب (ص 589.) - ثانياا: تخريج الحديث تفرد به الإمام ابن ماجه في سننه، من أصحاب الكتب الستة. - ثالثاا: الحكم على سند الحديث: إسناده حسن؛ لأجل هشام بن عمار "الصدوق"، وقال الإمام أبو حاتم: "هذا حديث صحيح حسن، وزيد محله الصدق، وكان يرى رأي القدر"، وصحح إسناده الأئمة؛ البوصيري، و الألباني، والأرن ؤوط، وزاد البوصيري بقوله: "رواه البيهقي في سننه من هذا الوجه". ينظر: علل الحديث ( 5/148)، سلسلة الأحاديث الصحيحة 2/632)، حاشية سنن ابن ماجه (2/1409)، السابق، ت الأرن ؤوط (5/299.) (1( (سورة الشمس 9.) (2( (سورة الزمر 22.)
عدد الصفحات ٣٧٠