313 2. بيان شر المنافقين المذبذبين المرائين، الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ولا يذكرون الله إلا قليلاً، أن لهم من الفصاحة والبلاغة وجمال في الأجسام كأن هم خشب مسندة، حتى إن ه قيل فيهم: [وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلََ مَا فِِ قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَد الِْصَامِ وَإِذَا تَوَلىَّ سَعَى فِِ الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُُّْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُُِبُّ الفَسَادَ ](1). وكم نجد في زماننا هذا أمثال هؤلاء، وقد انتشروا بين المسلمين، ويتكلمون بلغتهم ومن بني جلدتهم، وهم أشد على الإسلام من الكفار(2)، والله المستعان 3. إن للمسلم الحق وجهًا واحدًا، لا وجهين، وا نه لوجه أغر أبلج مشرق واضح، لا يلقى به قومًا دون قوم، بل يلقى به الناس جميعًا، لأنه يعلم أن اتخاذ الوجهين هو النفاق بعينه، والإسلام والنفاق لا يجتمعان، وأن ذا الوجهين منافق، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار(3). 4. التحذير من استخدام المكر والخد يعة في المعاملات الاجتماعية، واللحن بالقول والفعل بما يتماشى مع أهوائه وأهدافه الخفية، وا ن ذلك ليس أخلاق المؤمن، بل لا بد من صدق المدخل والمخرج، والوقوف عند حدود الله المتعلقة بأحوال العباد، وا لا كان من أشر الناس وشرارهم يوم القيامة. نسأل الله العافية. 3- الرضاعة المُحرِّمة - أولاا: التعريف اللغوي: الرضاعة: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "رَضَعَ"، الراء والضاد والعين أصل واحد، وهو شرب اللبن من الضرع أو الثدي، تقول رضع المولود يرضع، ويقال: امرأة مرضع، إذا كان لها ولد ترضعه، فإن صفتها بإرضاعها الولد مرضعة، ويقا ل: وهو أخوه من الرَّ ضاعة، بفتح الراء (4)، أي شرب معه من ثدي امرأة واحدة(5)، كما في قوله جل ثناؤه[وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ ](6)، هي بالفتح والكسر الاسم من الإرضاع، وبالفتح يكون الإرضاع المحرم للنكاح في الصغر عند جوع الطفل(7)، ويقال: الرضاعة من المجاعة، أي: إذا جاع أشبعه اللبن لا الطعام(8). (1( (سورة البقرة 104،105.) (2( ينظر: المواعظ الإيمانية من الآيات القرآنية (ص 16.) (3( شخصية المسلم كما يصوغها الإسلام في الكتاب والسنة (ص152.) (4( ينظر: مقاييس اللغة2/400.) (5( معجم اللغة العربية المعاصرة 2/903.) (6( (سورة النسا ء: 23.) (7( ينظر: مجمع بحار الأنوار2/333.) (8( العين1/270.)
عدد الصفحات ٣٢٣314 - ثانياا: التعريف الاصطلاحي الرضاعة: "هي التقام الثدي ومص اللبن منه، وتعتبر في حال الصغر؛ لأنها الحال الذي يمكن طرد الجوع فيها باللبن، بخلاف حال الكبر، وضابط ذلك تمام الحولين"(1). والرضاعة المحرمة: "هي ما يسد مجاعة الطفل من اللبن، بأن أنبت لحمه وقوى عظمه فلا يكفي نحو مصتين، ولا إن كان بحيث لا يشبعه إلا الخبز؛ بأن جاوز حولين، وأدنى ما يحصل ذلك خمس رضعات تامات"(2). - ثالثاا: التعريف النبوي الرضاعة المحرمة: مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ فِي الثَّدْيِ، وَكَانَ قَبْلَ الفِطَامِ. حديث (117:) أخرجه الإمام الترمذي (3)، بسنده(4)، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ، عَنْ أُم ِ سَلَمَةَ ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَِّّ ﷺ: (لاَ يُحَر ِّمُ مِّنَ الر ِّضَاعَةِّ إِّلاَّ مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ (5) فِّي الثَّدْيِّ، وَكَانَ قَبْلَ الفِّطَام )(6) (1( ينظر: فتح الباري9/148.) (2( ينظر: التيسير بشرح الجامع الصغير 1/381.) (3( سنن الترمذي، أبواب الرضاع - باب ما جاء أن الرضاعة لا تحرم إلا في الصغر دون الحولين (3/450،ح1152) (4( سند الحديث قال الإمام الترمذي: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ، عَنْ أُم ِ سَلَمَةَ ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَِّّ ﷺ...(الحديث). (5( ما فتق الأمعاء: "أي شققته، وهو ما وقع موقع ال غذاء بأن يكون في أوان الرضاع". ينظر: مجمع بحار الأنوار (4/93.) (6( دراسة الحديث - أولاا: دراسة رجال الإسناد: جميع رجال إسناده من الثقات، ولا يضر ما قيل في: 1. هشام بن عروة قال ابن حجر في التقريب: "ثقة فقيه ربما دلس"، وذكره في المرتبة الأولى للتدليس، وزاد في الفتح: "مجمع على تثبته، إلا أنه في كبره تغير حفظه فتغير حديث من سمع منه في قدمته الثالثة إلى العراق، قال يعقوب بن شيبة: عنه ثبت ثقة لم ينكر عليه شيء، إلا بعد ما صار إلى العراق فإنه انبسط في الرواية عن أبيه، فأنكر ذلك عليه أهل بلده، والذي نراه أنه كان لا يح دث عن أبيه إلا بما سمع منه، فكان تساهله أنه أرسل عن أبيه ما كان يسمعه من غير أبيه عن أبيه، قال ابن حجر: هذا هو التدليس، وقد احتج به جميع الأئمة". قالت الباحثة: ثقة، لا يضره تدليسه؛ لأجل احتجاج جميع الأئمة به كما سلف، ولأجل رواية الحديث في صحيح البخاري، والذي ينتقي الإمام أحاديثه بعد دراسة وطول نظر ، ويدلل على صحة ذلك ما
عدد الصفحات ٣٢٤315 - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي. 1. إشارة نص الحديث النبوي أن القليل من اللبن في الرضاعة لا يؤثر، وا نما المؤثر الكثير الذي ينبت اللحم و يفتق الأمعاء(1)، فعليه حرم المصاهرة والتزاوج؛ لأجل ذاك اللبن، و أعلم. 2. الدلالة على أن الرضاع ينشر الحرمة بين الرضيع والمرضعة وزوجها، صاحب اللبن، أو سيدها، فإذا أرضعت المرأة صبيًا حرمت عليه؛ لأنها تصير أمه، وأمها لأن ها جدته، فصاعدًا، وأختها؛ لأن ها خالته، وبنتها؛ لأن ها أخته، وبنت بنتها، فنازلا؛ لأن ها بنت أخته، وكذلك بنت صاحب اللبن؛ لأن ها أخته، وبنت بنته فنازلا؛ لأن ها بنت أخته، وأمه، فصاعدا؛ لأن ها جدته، وأخته؛ لأنها عمته، ولا يتعدى التحريم إلى أحد من قرابة الرضيع، فليست أخته من الرضاعة أختً ا لأخيه، ولا بنتًا لأبيه إذ لا رضاع بينهم(2.) والحكمة في ذلك التحريم؛ ما ينفصل من أجزاء المرأة، وزوجها، وهو اللبن، فإذا اغتذى به الرضيع صار جزءًا من أجزائها، فانتشر التحريم بينهما، واعتبر صاحب اللبن أن وجود اللبن بسبب مائه وغذائه، بخلاف قرابات الرض يع؛ لأن ه ليس بينهم وبين المرضعة، ولا زوجها نسب، ولا سبب. والله تعالى أعلم بالصواب، وا ليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان(3). قاله الإمام الترمذي في حقه الحديث: "وفاطمة بنت المنذر بن الزبير بن العوام، وهي امرأة هشام بن عروة"، أي بيان صحة تحمل الحديث، والله أعلم. ينظر: تقريب التهذيب (ص 573)، طبقات المدلسين (ص26)، فتحالباري (1/448)، سنن الترمذي (3/451.) - ثانياا: تخريج الحديث تفرد به الإمام الترمذي من أصحاب الكتب الستة. - ثالثاا: الحكم على سند الحديث: إسناده صحيح؛ لأجل رواته الثقات، ولا يضر تدليس هشام، لأنه من المرتبة الأولى، وقال الإمام الترمذي: "حسن صحيح"، وزاد بقوله: " والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي وغيرهم : "أن الرضاعة لا تحرم إلا ما كان دون الحولين، وما كان بعد الحولين الكاملين فإنه لا يحرم شيئًا"، وصححه أيضًا الإمام الألباني –رحمه الله -. ينظر: سنن الترمذي ( 3/450)، صحيح وضعيف سنن الترمذي 3/152.) (1( ينظر شرح مسند الشافعي ( 4/55.) (2( ذخيرة العقبى في شرح المجتبى 27/292.) (3( المصدر السابق (27/293.)
عدد الصفحات ٣٢٥316 3 . الاهتمام بالعلاقات الاجتماعية والأسرية، و توطيدها بما تعارف عليه الناس منذ الأزل، فكانت دعوة الإسلام بالحفاظ ع لى تلك العلاقات والمعاملات بما يتوافق مع النفس البشرية وقبولها، دون شذوذ، أو إحجام، بل إنها دعوة الحق حين قال في كتابه[حُرِمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَماَّتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَ أُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتيِ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتيِ فِِ حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاَّتيِ دَخَلْتُمْ بِِِّنَّ فَإِنْ لمَْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِِِّنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَ حَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَنْ تََْمَعُوا بَينَْ الأُخْتَينِْ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيماً ](1)، وهذا للحفاظ على النطف والأنساب، بينة نقية، لئلا يمتزج بعضه بعضًا فلا يُدرى من أي الأنساب هو!!!. والله أعلم. 7- الشديد، الصرعة - أولاا: التعريف اللغوي: الشديد: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "شَدَّ"، الشين والدال أصل واحد يدل على قوة في الشيء، وفروعه ترجع إليه، من ذلك شددت العقد شدًا أشده، والشَّدَّة : المرة الواحدة، وهذا القياس في الحرب أيضًا، يشد شدًا(2)، والشدة: الصلابة والقوة والجلادة، والشدة النجدة، وثبات القلب، والشِ دة : المجاعة، ورجل شديد: قوي شجاع (3)، وشئ شديد: بين الشدة(4). والصرعة اسم مشتق من الفعل الثلاثي "صَرَعَ"، الصاد والراء والعين أصل واحد، يدل على سقوط شيء إلى الأرض عن مراس اثنين، ثم يحمل على ذلك ويشتق منه، من ذلك صرعت الرجل صرعًا، وصارعته مصارعة، ورجل صريع، والجمع: صُرُع (5)، والصرعة: بفتح الراء الذي يصرع الرجال، وبتسكينها الذي يصرعونه (6)، ويقال رجل صرعة وقوم صرعة أيضًا (7). (1( (سورة النساء 23.) (2( ينظر: مقاييس اللغة3/179.) (3( ينظر: تهذيب اللغة11/182.) (4( ينظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية 2/492.) (5( ينظر: مقاييساللغة (3/342.) (6( غريب الحديث لابن الجوزي1/585.) (7( تهذيب اللغة (2/17).
عدد الصفحات ٣٢٦317 - ثانياا: التعريف الاصطلاحي الصرعة: "هو الرجل الذي يصرع من حاول صر اعه لشدته"(1). الشديد "هو الحليم الذي يملك نفسه عند الغضب أقوى من هذا وأشد، إذا منع نفسه عن الغضب، وصرفها عن استعماله عند ما يوجب عليه غضبه"(2). قالت الباحثة: اصطلح العلماء معنى الشديد بما يتوافق مع المعنى النبوي، فلم يُرَد المعنى العام للشديد، حيث أطلق اللفظ وأراد الضد. - ثالثاا: التعريف النبوي: الشَّدِّيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ. وكذا الصرعة: الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ. حديث (118:) أخرجه الإمام البخاري(3)، بسنده(4)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَ سُولَ اللَِّّ ﷺ قَالَ: (لَيْسَ الشَّدِّيدُ بِّالصُّرَعَةِّ، إِّنَّمَا الشَّدِّيدُ الَّذِّي يَمْلِّكُ نَفْسَهُ عِّنْدَ الغَضَبِّ )(5). حديث119:) وأخرجه الإمام مسلم (6)، بسنده(7)، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُود ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِّيكُمْ؟ قَالَ، قُلْنَا: الَّذِّي لاَ يُولَدُ لَهُ، قَالَ : لَيْسَ ذَاكَ بِّالرَّقُوب (1( ينظر: تفسير غريب ما في الصحيحين البخاري ومسلم (ص275.) (2( ينظرالسابق (ص275.) (3( صحيح البخاري، كتاب الأدب- باب الحذر من الغضب (8/28،ح6114.) (4( سند الحديث قال الإمام البخاري : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَِّّ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِك ، عَنِ ابْنِ شِهَاب ، عَنْ سَعِيدِ ابْنِ المُسَي ِبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَِّّ ﷺ قَالَ...(الحديث). (5( دراسة الحديث - أولاا: دراسة رجال الإسناد: رجال إسناده كلهم من الثقات، من رجال الصحيح. - ثانياا: تخريج الحديث: أخرجه الإمام مسلم، كتاب البر والصلة والآداب - باب فضل من يملك نفسه عند الغضب وبأي شيء يذهب الغضب ( 4/2014،ح2609)، بطرق متعددة، وألفاظ متقاربة، من حديث أبي هريرة ، مرفوعًا. (6( صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب- باب فضل من يملك نفسه عند الغضب وبأي شيء يذهب الغضب (4/2014،ح2608.) (7( سند الحديثقال الإمام مسلم: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيد ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ - وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ - قَالاَ: حَدَّثَنَا جَرِير ، عَنِ الأَْعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِ ــيمَ التَّيْمِي ِ، عَنِ الْحَ ــــــارِثِ بْنِ سُوَيْد ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُود ، قَــــــالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ...(الحديث).
عدد الصفحات ٣٢٧318 وَلَكِّنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِّي لَمْ يُقَد ِّمْ مِّنْ وَلَدِّهِّ شَيْئاا، قَالَ : فَمَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِّيكُمْ؟ قَالَ، قُلْنَا: الَّذِّي لاَ يَصْرَعُهُ الر ِّ جَالُ، قَالَ : لَيْسَ بِّذَلِّكَ، وَلَكِّنَّهُ الَّذِّي يَمْلِّكُ نَفْسَهُ عِّنْدَ الْغَضَب )(1). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. الإشارة إلى أن الصرعة ليس ذاك الممدوح القوي الفاضل، الذي لا يصرعه الرجال، بل يصرعهم، وليس هو كذلك شرعًا، بل هو من يملك نفسه عند الغضب، فهذا هو الفاضل الممدوح الذي قَلَّ من يقدر على التخلق بخلقه ومشاركته في فضيلته بخلاف الأول(2)، وا ن ها مطية المؤمنين حيث بين الحق تبارك وتعالى حالهم حين قال: [الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِِ السََّّْاءِ وَالضَََّّّاءِ وَالكَاظِ مِينَ الغَيْظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُُِبُّ المُحْسِنِينَ ](3)،فإن المبالغ في الصراع ليس الذي لا يَغْلِب، إنما الذي يغلب نفسه عند الغضب ويقهرها، فإنه إذا ملكها؛ كان قد قهر أقوى أعدائه وشر خصومه. 2. إن من أسباب زوال غضب عن المرء؛ الاستعاذة ب الله من الشيطان الرجيم، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق : وأن ه فيمن ورد فيه حكاية من حديث سليمان ، أنه(كُنْتُ جَالِّساا مَعَ النَّبِّي ِّ وَرَجُلاَنِّ يَسْتَبَّانِّ، فَأَحَدُهُمَا احْمَرَّ وَجْهُهُ، وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ، فَقَالَ النَّبِّي : (إِّن ِّي لأََ عْلَمُ كَلِّمَةا لَوْ قَالَهَا ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِّدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِّالِلَِّّ مِّنَ الشَّيْطَانِّ، ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِّدُ) فَقَالُوا لَهُ: إِّنَّ النَّبِّيَّ قَالَ: تَعَوَّذْ بِّالِلَِّّ مِّنَ الشَّيْطَانِّ، فَقَالَ: وَهَلْ بِّي جُنُونٌ؟ (4). ولعلنا نلحظ الكثير ممن لم يفقه في دين الله ، ومن لم يتهذب بأنوار الشريعة المكرمة؛ يتوهم أن الاستعاذة مختصة بالمجنون، ولم يعلم أن الغضب من نزغات الشيطان، ولهذا يخرج به (1( تخريج الحديث أخرجه مسلم أيضًا، كتاب البر والصلة والآداب - باب فضل من يملك نفسه عند الغضب وبأي شيء يذهب الغضب (4/2014،ح2608)، من طريق أبي معاوية ومن طريق إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس. وكلاهما؛ (أبو معاوية، وعيسى بن يونس)، متابعة لجرير كما في حديث التعريف. (ثلاثتهم؛ أبو معاوية وعيسى وجرير)، عن الأعمش، بسنده، ومثل معناه، مرفوعًا. (2( ينظر: شرح النووي على مسلم (16/162.) (3( (سورة آل عمران 132.) (4( أخرجه الإمام البخاري، كتاب4/124،ح3282)، وينظر: ح6048، وح 6115، وأخرجه الإمام مسلم، كتاب البر والصلة والآداب - باب فضل من يملك نفسه عند الغضب وبأي شيء يذهب الغضب (4/2015،ح2610.)
عدد الصفحات ٣٢٨319 الإنسان عن اعتدال حاله، ويتكلم بالباطل ويفعل المذموم، وينوي الحقد والبغض، وغير ذلك من القبائح المترتبة على الغضب(1). نسأل الله العافية 3 .ضرورة العمل بوصية الحبيب محمد في ترك الغضب، وتفاديه خشية الوقوع في الخطأ، بل وقد يطال الأمر شيئًا من الدين في اللعن والشتم عند الغضب، والعياذ بالله، لذلك كانت وصيته :كما ورد (أَنَّ رَجُلاا قَالَ لِّلنَّ بِّي ِّ :أَوْصِّنِّي، قَالَ :(لاَ تَغْضَبْ، فَرَدَّدَ مِّرَاراا، قَالَ :لاَ تَغْضَبْ) (2). (1( ينظر: شرح النووي على مسلم16/163.) (2( صحيح البخاري، كتاب الأدب– باب الحذر من الغضب (8/28،ح6116.)
عدد الصفحات ٣٢٩320 المبحث الثالث: التعريفات من بداية حرف الطاء إلى نهاية حرف القاف 1- الظن - أولاا: التعريف اللغوي: الظن: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "ظَنَّ"، الظاء والنون أصيل صحيح يدل على معنيين مختلفين: يقين وشك، فأم ا اليقين فقول القائل: ظننت ظنًا، أي أيقنت، ومن هذا الباب مظنة الشيء، وهو معلمه ومكانه. والأصل الآخر: الشك، يقال: ظننت الشيء، إذا لم تتيقنه، ومن ذلك الظِ نة: التهمة. والظنين: المتهم. ويقال: اظنني فلان(1)،والجمع الظِنَ نُ، يقال منه: اطَّنَّهُ واظَّنَّهُ بالطاء والظاء، إذا اتهمه(2)، وما يظن بهم من الخير فهو واجب، وعسى من الله واجب(3). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي الظن: "هو الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض، ويستعمل في اليقين والشك"(4)، وقيل: "هو أحد طرفي الشك بصفة الرجحا ن"(5). - ثالثاا: التعريف النبوي الظَّنَّ: أَكْذَبُ الحَدِيثِ. حديث (120:) أخرجه الإمام البخاري(6)، بسنده(7)، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : يَأْثُرُ عَنِ النَّبِي ِ ﷺ، قَالَ: (إِّيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِّنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِّيثِّ، وَلاَ تَجَ سَّسُوا، وَلاَ تَحَسَّسُوا (8)، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا إِّخْوَاناا)(9). (1( ينظر: مقاييس اللغة3/462.) (2( ينظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية 6/2160.) (3( ينظر: تهذيب اللغة14/260.) (4( التعريفات (ص 144.) (5( المصدر نفسه (ص144.) (6( صحيح البخاري، كتاب النكاح- باب لا يخطب على خطبة أخيه حتى ينكح أو يدع (7/19،ح5143.) (7( سند الحديث قال الإمام البخاري: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْر ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : يَأْثُرُ عَنِ النَّبِي ِ ﷺ، قَالَ...(الحديث). (8( ولا تجسسوا ولا تحسسوا: "قيل هما بمعنى متقارب وهو البحث عن بواطن الأمور، وقيل بالجيم؛ إذا تجسس بالخبر والقول والسؤال عن عورات الناس وأسرارهم، وما يعتقدونه أو يقولونه فيه أو في غيره، وبالحاء؛ إذا تولى ذلك بنفسه وتسمعه بإذنه" ينظر: مشارق الأنوار على صحاح الآثار (1/160.) (9( تخريج الحديث
عدد الصفحات ٣٣٠321 - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. التحذير من سوء الظن وتحقيقه دون مبادئ الظنون التي لا تملك(1)، لما له الأثر السلبي على النفس وعلى تحقيق الغية المرجوة، بل إن ه يدحض كل خير كمنته نفس المرء، وقد بين رب العزة في كتابه خطورة التعاطي مع الظن، وبين حال من وقع فريسة ظنه، فقال : [بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالمُؤْمِنُونَ إِلىَ أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِنَ ذَلِكَ فِِ قُلُوبِكُمْ وَ ظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا ](2). 2. إن الظن المنهي عنه؛ إن ما هو ظن السوء، وهو تحقيق الظن وتصديقه دون ما يهجس في النفس، فإن ذلك لا يُمْلَك، وقد حُرِ م؛ لأن ه مما يستمر صاحبه عليه، ويستقر في قلبه دون ما يعرض في القلب ولا يستقر، فإن هذا لا يكلف به(3)، فعرض مريدي هذا الظن، فقال فيهم :[وَمَا لهَُمْ بِهِ مِنْ عِلْم إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الحَقِ شَيْئًا ](4). 3. بيان مقصد الظن الذي أراده عُقْبَةُ بْنُ عَامِر في قوله: "تَعَلَّمُوا قَبْلَ الظَّان ِينَ" (5)، ليس هو الاجتهاد على الأصول، وا نما هو الظن المنهى عنه في الكتاب والسنة، مثل ما سبق إلى المسئول من غير أن يعلم أصل ما سئل عنه في كتاب الله أو سنة نبيه ، أو أقوال أئمة الدين. وأما إذا قال وهو قد علم الأصل من هذه الثلاثة؛ فليس بظان، وا ن ما هو مجتهد، والاجتهاد سائغ على الأصول(6). أخرجه الإمام البخاري، كتاب الأدب- باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر (8/19،ح6064)، وينظر ح6066، وح 6724. وأخرجه الإمام مسلم، كتاب البر والصلة والآداب - باب تحريم الظن، والتجسس، والتنافس، والتناجش ونحوها (4/1985،ح2563)، وينظر: ح2564. وكلاهما الشيخان؛ البخاري ومسلم، من طرق متعددة، وبألفاظ متقاربة، من حديث أبي هريرة، مرفوعًا. (1( ينظر: معالم السنن4/123.) (2( (سورة الفتح 12.) (3( ينظر: شرح النووي على مسلم16/118.) (4( (سورة النجم 28.) (5( صحيح البخاري، كتاب الفرائض – باب تعليم الفرائض ( 8/148.) (6( ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال8/343).، وبين الإمام البخاري أن الظانين: "هم الذين يتكلمون بالظن".
عدد الصفحات ٣٣١322 4. استنباط أن الظن لا ينضوي على الصورة السيئة، وما ذمه، بل إن هناك ظن حسن، وهو محمود في الإيمان، وقد أرشد إليه الحبيب محمد أمته قبل وفاته، حيث قال :(لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِّلاَّ وَهُوَ يُحْسِّنُ بِّاللهِّ الظَّنَّ) (1). ففيه إحسان ظن با، وبيارق أمل منشود، وغايات تتحقق، كيف لا، وقد كتب رب العزة على نفسه ذلك فقال في الحديث القدسي: (أَنَا عِّنْدَ ظَن ِّ عَبْدِّي بِّي، وَأَنَا مَعَهُ إِّذَا ذَكَرَنِّي، فَإِّنْ ذَكَرَنِّي فِّي نَفْسِّهِّ ذَكَرْتُهُ فِّي نَفْسِّي ، وَا ِّنْ ذَكَرَنِّي فِّي مَلإٍَ ذَكَرْتُهُ فِّي مَلإٍَ خَيْرٍ مِّنْهُمْ، وَا ِّنْ تَقَرَّبَ إِّلَيَّ بِّشِّبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِّلَيْهِّ ذِّرَاعاا، وَا ِّنْ تَقَرَّبَ إِّلَيَّ ذِّرَاعاا تَقَرَّبْتُ إِّلَيْهِّ بَاعاا، وَا ِّنْ أَتَانِّي يَمْشِّي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةا) (2). فلنحسن الظن بالله في كل أحوالنا ومآلنا؛ لننال رضاه وخيري الدنيا والآخرة، فتلك الثقة برب كريم . 2- العاجز - أولاا: التعريف اللغوي: العاجز: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "عَجَزَ" العين والجيم والزاي أصلان صحيحان، يدل أحدهما على الضعف، ومنه: عجز عن الشيء يعجز عجزًا، فهو عاجز، أي ضعيف، وقولهم إن العجز نقيض الحزم؛ لأنه يضعف رأيه، ويقولون : "المرء يعجز لا محالة"(3). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي العاجز: "هو الأحمق الجاهل، الذي لا يفكر في العواقب، بل يتابع نفسه على ما تهواه، وهي لا تهوى إلا ما تظن أن فيه لذتها وشهوتها في العاجل، وا ن عاد ذلك بضر لها فيما بعد الموت، وقد يعود ذلك عليها بالضرر في الدنيا قبل الآخرة" (4). - ثالثاا: التعريف النبوي العَاجِّزُ: مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَِّّ. حديث ( 121:) أخرجه الإمام الترمذي (1)، بسنده (2)، عَ نْ شَدَّادِ بْنِ أَوْس (3)، عَنِ النَّبِي ِ ﷺ، قَالَ: (الكَي ِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِّلَ لِّمَا بَعْدَ المَوْتِّ، وَالعَاجِّزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللََِّّّ )(4). (1( صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها –باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت (4/2205،ح2877.) (2( أخرجه الإمام البخاري، كتاب التوحيد - بَابُ قَوْلِ اللَِّّ تَعَالَى 28 ] (9/121،ح7405)، وينظر: ح7505، وأخرجه الإمام مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار – باب الحث على ذكر الله (4/2061،ح2675.) (3( ينظر مقاييس اللغة (4/232.) (4( شرح حديث لبيك اللهم لبيك (ص 126.)
عدد الصفحات ٣٣٢323 (1( سنن الترمذي، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع - باب (4/638،ح2459) (2( سند الحديثقال الإمام الترمذي: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيع قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، ح وحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَِّّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْ ــرُو بْنُ عَوْن قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ المُبَارَكِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيب ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْس ، عَنِالنَّبِي ِ ﷺ، قَالَ...(الحديث). (3( الصحابي شداد بن أوس، بن ثابت بن المنذر بن حــــرام بن عم ــــرو بن زي ــد بن عدي بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج، يكنى أبا يعلى، وهو ابن أخي حسان بن ثابت، توفي بفلسطين سنة ثمان وخمسين، وله خمس وأربعون سنة في أيام معاوية، عقبه ببيت المقدس، ذكره بعض المتأخرين أنه شهد بدرًا، ونسبه إلى موسى بن عقبة، ووهم في ذلك، فإن موسى بن عقبة ذكر أوس بن ثابت بن المنذر أنه من أهل بدر فوهم هذا المتأخر أو غيره، فقدر أنه شداد بن أوس روى عنه: أسامة الهذلي، ومحمود بن لبيد، وأبو الأشعث، وغير هم. ينظر: معرفة الصحابة لأبي نعيم ( 3/1459.) (4( دراسة الحديث - أولاا: دراسة رجال الإسناد: في إسناده: 1. سفيان بن وكيع بن الجراح، أبو محمد الرؤاسي، الكوفي كتب عنه أبو حاتم وأبو زرعة وتركا الرواية عنه، وقال له أبو حاتم: "حقك واجب علينا في شيخك وفى نفسك فلو صنت نفسك، وكنت تقتصر على كتب أبيك، فقد أدخل وراقك في حديثك ما ليس من حديثك، يجب أن ترمى بالمخرجات وتقتصر على الأصول، ولا تقرأ إلا من أصولك، وتنحى هذا الوراق عن نفسك، وتدعو بابن كرامة وتوليه أصولك، فإنه يوثق به، فما فعل، فبطل، وكان يحدث بتلك الأحاديث التي قد أدخلت بين حديثه، وقد سرق من حديث المحدثين". وقال ابن حبان: "كان شيخًا فاضلاً صدوقًا، لكنه ابتلي بوراق سوء، كان يدخل عليه الحديث، وكان يثق به فيجيب فيما يقرأ عليه، وقيل له بعد ذلك في أشياء منها، فلم يرجع، فاستحق الترك"، قال ابن حجر: "كان صدوقًا إلا أنه ابتلي بوراقه فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فنصح فلم يقبل فسقط حديثه"، وقال ابن عدي: "له حديث كثير، وبلاؤه أنه كان يتلقن ما لقن، ويقال: كان له وراق يلقنه من حديث موقوف يرفعه وحديث مرسل فيوصله أو يبدل في الإسناد قومًا بدل قوم"، وقال البخاري: "تكلموا فيه لأشياء لقنوه "، وقال النسائي: "ليس بشيء"، وقال أبو زرعة: "لا يشتغل به"، وقال الذهبي: "ضعيف"، وقال أبو حاتم: "فيه لين، يتهم بالكذب". قالت الباحثة: صدوق في نفسه، إلا أنه ابتلي بوراقه، فتُرِك لأجله. ينظر: الجرح والتعديل ( 4/231)، المجروحين1/359)، تقريب التهذيب (ص 245)، الكامل في ضعفاء الرجال ( 4/482)، التاريخ الأوسط 2/385)، الضعفاء والمتروكون للنسائي (ص 55)، الكاشف (1/449.) 2. أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني، الشامي، وقد ينسب إلى جده، قيل اسمه بكير، وقيل عبد السلام، مات سنة مائة وست وخمسين. قال ابن حبان: "خير أهل الشام، ولكنه كان رديء الحفظ، يحدث بالشيء ويهم فيه، لم يفحش ذلك منه حتى استحق الترك، ولا سلك سنن الثقات حتى صار يحتج به، فهو عندي ساقط
عدد الصفحات ٣٣٣324 - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. الدلالة على أن العجز إن ما يقع من سوء التدبير وقلة العقل، فالعاجز هو الأحمق الجاهل الذي لا يفكر في العواقب بل يتابع نفسه على ما تهواه، وهي لا تهوى إلا ما تظن أن فيه الاحتجاج به إذا انفرد"، وقال ابن عدي: "الغالب على حديثه الغرائب، وقل ما يوافقه عليه الثقات، وأحاديثه صالحة، وهو ممن لا يحتج بح ديثه، ولكن يكتب حديثه"، وقال ابن معين: "ليس حديثه بشيء"، وقال ابن سعد: "كان كثير الحديث، ضعيفًا، وقد روي عنه رواية كثيرة"، وقال النسائي، والدارقطني، وابن حجر: "ضعيف"، وزاد الأخير: " وكان قد سرق بيته فاختلط"، وقال الذهبي: "ضعيف عندهم". قالت الباحثة: ضعيف، يكتب حديثه للاعتبار، فإن وافق الثقات يحتج به، وا لا لا يحتج به إذا انفرد، أما اختلاطه، فإنه لم يتبين حاله إن كان رُوِيَ عنه هذا الحديث قبل أو بعد الاختلاط، والله أعلم. ينظر: المجروحين (3/146)، الكامل في ضعفاء الرجال 2/213)، تاريخ ابن معين - رواية الدوري (4/437)، الطبقات الكبرى7/324)، الضعفاء والمتروكون للنسائي (ص115)، سنن الدارقطني ( 1/184)، تقريب التهذيب (ص 623)، المغني في الضعفاء2/774.) وباقي رجال إسناده من الثقات - ثانياا: تخريج الحديث: أخرجه الإمام ابن ماجه، كتاب الزهد - باب ذكر الموت والاستعداد (2/1423،ح4260)، من طريق بقية بن الوليد عن ابن أبي مريم، بسنده ومثله، من حديث شداد بن أوس ، مرفوعًا وله شاهد بمعناه كما بين الإمام الشنقيطي في دراسته للحديث، وقد أخرجه الإمام ابن ماجه (2/1423،ح4259)، وأخرجه الإمام الطبراني في كتابه المعجم الأوسط (5/61،ح4671)، وأخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين، كتاب الفتن والملاحم – حديث أبي عوانة (4/582،ح8623)، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (13/131،ح10066.) جميعهم من طريق عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر ، مرفوعًا. والحديث طويل - ثالثاا: الحكم على سند الحديث: إسناده ضعيف؛ لأجل سفيان بن وكيع، وابن أبي مريم، قد يرتقي إلى الحسن لغيره؛ لأجل الشاهد، وقد حسنه الإمام الترمذي، وحكم عليه الإمام الألباني بالضعف من طرقه، وعليه فإن الحديث في إسناده نظر، ومعناه صحيح، وله شاهد حسن، حيث إن الشيخ الشنقيطي استحسنه بشاهده الذي يحسن إسناده كما بين ذلك بقوله: "والبديل؛ أي الشاهد: هو ما ثبت من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر (أن رجلاا من الأنصار قال يا رسول الله، أي المؤمنين أفضل؟، قال: أحسنهم خلقاا. قال: فأي المؤمنين أكيس؟، قال: أكثرهم للموت ذكراا، وأحسنهم ما بعده استعداداا، أولئك الأكياس)، والله أعلم. ينظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة (11/499)،سنن الترمذي ( 4/638)،تكميل النفع بما لم يثبت به وقف ولا رفع (ص 94 - 97).
عدد الصفحات ٣٣٤325 لذتها وشهوتها في العاجل، وا ن عاد ذلك بضر لها فيما بعد الموت وقد يعود ذلك عليها بالضرر في الدنيا قبل الآخرة، فهذا هو الغالب واللازم فيتعجل تابع هوى نفسه العار والفضيحة في الدنيا، وسقوط المنزلة عند الله وعند خلقه، والهوان والخزي، ويحرم بذلك خير الدنيا والآخرة من علم نافع ورزق واسع وغير ذلك(1)، وصدق فيه قول الشاعر إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدًا ... ندمت على التفريط في زمن البذر(2). 2. الإشارة إلى سمة العاجز، واتكاله: طلب المغفرة من غير تحفظ ولا توبة ولا تعاطي سبب، فالمؤمل لعفو الله لا يكون أمله إلا عن سبب من توبة واستغفار، وتقرب بحسنات تمحو سيئاته فيرجو لحوق الرحمة له ومحو سيئاته. وقد كان السلف يستحبون استحضار ما يقتضي الرجاء قرب الموت، ليحصل معه ظن المغفرة ، وأما حالة الموت؛ فإنه لا عمل فيها، فإذا لم يرج أيس وا ذا رجا انبسط، وحمله ذلك على التوبة والتقرب في تلك الحالة بما أمكنه والله أعلم(3). 3. بيان حال العاجز المؤمن الضعيف، حيث جعل نفسه تابعة لهواها من تحصيل المشتهيات واستعمال اللذات والشبهات، بل من ارتكاب المحرمات وترك الواجبات، ثم تمنى الله (4)، حتى غفل عن قوله :[يُنَادُونََُّمْ أَلمَْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلََ وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْ تُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانيُِّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الغَرُورُ ](5). قال الحسن البصري - رحمه الله -: "إن قومًا ألهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا، وما لهم حسنة، ويقول أحدهم إني أحسن الظن بربي، وكذب لو أحسن الظن لأحسن العمل، وصدق فيهم قوله سبحانه: [وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الَْاسِِْينَ ](6)، وبهذا يتبين أن التمني مذموم وأما الرجاء فمحمود لأن التمني يفضي بصاحبه إلى الكسل بخلاف الرجاء فإنه تعليق القلب بمحبوب يحصل حالاً (7). (1( ينظر: كشف المشكل من حديث الصحيحين2/599)، شرح حديث لبيك اللهم لبيك (ص 126.) (2( الأدب النبوي (ص213.) (3( ينظر: طرح التثريب في شرح التقريب (8/234.) (4( ينظر: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 8/3310.) (5( (سورة الحديد 14.) (6( (سورة فصلت 23.) (7( ينظر: فيض القدير5/67.)
عدد الصفحات ٣٣٥326 3- العزل - أولاا: التعريف اللغوي: العزل: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "عَزَلَ" العين والزاي واللام، أصل صحيح يدل على تنحية وا مالة وا بعاد تقول: عزل الإنسان الشيء يعزله، إذا نحاه في جانب، وهو بمعزل وفي معزل من أصحابه، أي في ناحية عنهم، والعزلة : الاعتزال، والرجل يعزل، عن المرأة ويعتزلها، إذا لم يرد ولدها(1)، عزل الماء عن النساء حذر الحمل(2). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي العزل: "هو تعمد ترك الإنزال عند الجماع، بصرف الرجل الماء عن رحم جاريته إذا جامعها حذرًا عن الحمل"(3). - ثالثاا: التعريف النبوي الْعَزْلِّ: الْوَأْدُ الْخَفِيُّ. حديث (122:) أخرجه الإمام مسلم (4)، بسنده(5)، عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْب (6)، أُخْـــتِ عُكَّاشَةَ ، قَالَتْ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فِي أُنَاس وَهُوَ يَقُولُ: (لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِّ الْغِّيلَةِّ (7)، فَنَظَرْتُ فِّي الرُّومِّ وَفَارِّسَ، فَإِّذَا هُمْ يُغِّيلُونَ أَوْلاَدَهُمْ، فَلاَ يَضُرُّ أَوْلاَدَهُمْ ذَلِّكَ شَيْئاا، ثُمَّ سَ أَلُوهُ عَنِّ (1( ينظر: مقاييس اللغة4/307)، المحكم والمحيط الأعظم1/520.) (2( النهاية في غريب الحديث والأثر 3/230.) (3( ينظر: تفسير غريب ما في الصحيحين البخاري ومسلم (ص206)، التعريفات (ص 150.) (4( صحيح مسلم، كتاب النكاح- باب جواز الغيلة، وهي وطء المرضع، وكراهة العزل ( 2/1067،ح1442.) (5( سند الحديث: قال الإمام مسلم: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيد ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالاَ: حَدَّثَنَا الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي أَبُو الأَْسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْب ، أُخْتِ عُكَّاشَةَ ، قَالَتْ حَضَرْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فِي أُنَاس وَهُوَ يَقُولُ...(الحديث ). (6( الصحابية جدامة بنت وهب الأسدية ، وقيل بالخاء، أسلمت بمكة، وبايعت النبي، فهاجرت مع قومها إلى المدينة، وكانت تحت أنيس بن قتادة بن ربيعة، من بني عمرو بن عوف، روت عن النبي في رضاع الحامل، روت عنها عائشة حديث الغيلة. ينظر: الاستيعاب (4/1800)، اصابة (8/62.) (7( الغيلة: "هي الغيل، وفيه قولين: أحدهما: أن يجامع الرجل المرأة وهي مرضع، والثاني: أن ترضع المرأة ولدها وهي حامل". ينظر: تهذيب اللغة (8/171.)
عدد الصفحات ٣٣٦327 الْعَزْلِّ؟ فَقَالَ رَسُولُ ﷺ: ذَلِّكَ الْوَأْدُ (1) الْخَفِّي)، زَادَ عُبَيْدُ اللهِ فِي حَدِيثِهِ: عَنِ الْمُقْ رِئِ، وَهِيَ: [وَإِذَا المَْوْءُودَةُ سُئِلَتْ (2()3). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. سبب همه بالنهي عن الغيلة"؛ أنه خاف معه ضرر الرضيع، لأن الأطباء يقولون: إن ذلك اللبن داء، والعرب تكرهه وتتقيه، وقيل أيضًا: كان العرب يحترزون عن الغيلة، ويزعمون أن ها تضر الولد، وكان ذلك من المشهورات الذائعة عنده، فأراد النبي أن ينهى عنها لذلك، فرأى أن فارس والروم يفعلون ذلك، ثم إنه لا يعود على أولادهم بضرر، فلم ينه(4). 2. اتفق أئمة الفتوى على جواز العزل عن الحرة إذا أذنت فيه لزوجها، واختلفوا في الأمة الزوجة، وخلاصة القول الراجح من أقوال العلماء فيه: جوازه؛ لأن النبي لم ينكره ولم ينه عنه، بعد علمه بحال أهل فارس والروم (5)، وأن ما ورد في النهي محمول على كراهة التنزيه وما ورد في الإذن في ذلك محمول على أنه ليس بحرام، والله أعلم (6). 3 .قوة الإيمان بالله أن ه إذا قدَّر يكون الولد، لم يمنعه عزل، ووصل الله من الماء إلى الرحم شيئًا وا ن قلَّ يكون منه الولد، وا ن لم يُقدِ ر كونه لم يكن بالإفضاء. فأعلمهم أن الإفضاء لا يكون منه ولد إلا بقدر الله ، وأن العزل لا يمنع الولد إذا سبق في علم الله أنه كائن، وهذا ما أثبته العلم، وأن العباد يجرون في علم الله وقدره، والقدر هو سر الله ، وعلمه لا يدرك بحجة ولا بجدال، وأنه لا يكون في ملكه إلا ما شاء تعالى، ولا يقوم شيء إلا بإذنه، له الخلق والأمر (7). (1( الوأد: "هو دفن الابنة حية، والموءودة هي الابنة المدفونة حية". ينظر: طلبة الطلبة في الاصطلاحات ال فقهية (ص47.) (2( (سورة التكوير 8.) (3( تخريج الحديث وأخرجه الإمام مسلم أيضًا، كتاب النكاح - باب جواز الغيلة، وهي وطء المرضع، وكراهة العزل (2/1067،ح1442)، من طريق محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، من حديث جدامة ، مرفوعًا. (4( ينظر: مرقاة المفاتيح 5/9220.) (5( ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال7/61.) (6( ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال7/61)، وبتصرف (7( ينظر: شرح النووي على مسلم10/9.)
عدد الصفحات ٣٣٧328 4- الغضب - أولاا: التعريف اللغوي: الغَضَب: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "غَضَبَ"، الغين والضاد والباء أصل صحيح، يدل على شدة وقوة، ومنه اشتق الغضب؛ لأنه اشتداد السخط، يقال: غضب يغضب غضبًا، وهو غضبان وغضوب، ويقال: غضبت لفلان، إذا كان حيًا، وغضبت به، إذا كان ميتًا(1) . - ثانياا: التعريف الاصطلاحي الغضب: "هو تغير يحصل عند غليان دم القلب؛ ليحصل عنه التشفي للصدر"(2). - ثالثاا: التعريف النبوي الْغَضَبَ : مِنَ الشَّيْطَانِ حديث ( 123:) أخرجه أبو داود (3)، بسنده (4)، عَنْ جَد ِي عَطِيَّةَ (5)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَِّّ ﷺ: (إِّنَّ الْغَضَ ــــــبَ مِّنَ الشَّيْ ـــــطَانِّ، وَا ِّنَّ الشَّيْ ــطَانَ خُلِّقَ مِّنَ النَّارِّ، وَا ِّنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِّ الْمَاءِّ، فَإِّذَا غَضِّبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ )(6). (1( ينظر: مقاييس اللغة4/428.) (2( التعريفات (ص 162.) (3( سنن أبي داود، كتاب الأدب- باب ما يقال عند الغضب (4 /249،ح4784.) (4( سند الحديث قال الإمام أبو داود: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ خَلَف ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِي الْمَعْنَى، قَالاَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِد ، حَدَّثَنَا أَبُو وَائِل الْقَاصُّ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عُرْوَةَ بْنِ مُحَمَّد السَّعْدِي ِ، فَ كَلَّمَهُ رَجُل فَأَغْضَبَهُ، فَقَامَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ رَجَعَ وَقَدْ تَوَضَّأَ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَد ِي عَطِيَّةَ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَِّّﷺ...(الحديث). (5( الصحابي عطية بن عروة ، وقيل ابن عمرو، وقيل ابن سعد، وقيل ابن قيس السعدي، قيل: هو من بني سعد بن بكر، وقيل: من بني جشم بن سعد. صحابي معروف، له أحاديث، نزل الشام، وذكر ابن المديني، عن هشام بن يوسف، عن النعمان بن المنذر، عن أبيه، عن عروة بن محمد بن عطية السعدي، عن أبيه عن جده أنه كان ممن كل م النبي في سبي هوازن. ينظر: الإصابة في تمييز الصحابة (4/421.) (6( دراسة الحديث - أولاا: دراسة رجال الإسناد: في إسناده: 1. بكر بن خلف: "صدوق تقدم، ينظر حديث (105.) 2. عبد الله بن بَحِير بن رَيْسان، أبو وائل القاص الصنعاني اختلف في اسمه، فقال ابن حبان: "ليس هو عبد الله بن بحير بن ريسان، هو عبد الله بن بحير، أبو وائل القاص، وهذا يروي عن عروة بن محمد بن عطية وعبد الرحمن بن يزيد"، وقال ابن معين: "ثقة"، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال هشام القاضي: "كان يتقن ما سمع"، وقال ابن
عدد الصفحات ٣٣٨