10 كقَوْلِكَ سَمَّيْتُه بزَيْد . والتَّعْرِيفُ : ضِدُّ التَّ نْكِيرِ وبه فُس ِرَ قولُه تعالى : [عَرَّفَ بعْضَهُ وأَعْرَضَ عَنْ بَعْض ](1)، على قِراءَةِ من قَرأَ بالتَّشْدِ يدِ "(2). و"التَّعريف: تحديد الشيء بذكر خواصه المميزة" (3). والتَّعريفات اصطلاحاا: قال الجرجاني (رحمه الله) : "عبارة عن ذكر شيء تستلزم معرفته معرفة شيء آخر . وهي تنقسم إلى نوعين: التعريف الحقيقي: "هو أن يكون حقيقة ما وضع اللفظ بإزائه من حيث هي فيعرف بغيرها ". التعريف اللفظي: "هو أن يكون اللفظ واضح الدلالة على معنى فيفصل بلفظ أوضح؛ دلالة على ذلك المعنى"(4). وقال الميداني(5): "الطريق الكلامي الذي تنقل به التصُّورات إلى الآخرين (6). وقال الميداني -رحمه الله - أيضًا: "قول يُشرح به مفرد من ا لمفردات التصورية الكلية أو الجزئية لإفادة المخاطب تصوُّر هذا المفرد بكهنه وحقيقته، أو لإفادته تمييزه عم ا عداه تمييزًا كاملاً" (7). قالت الباحثة وهذه التَّعريفات الاصطلاحية تتناسب مع التعريف اللغوي، وتتكامل مع بعضها، ويمكن للباحثة الجمع بي نها، والقول بأنَّ مفهوم التَّعريفات اصطلاحًا: قول يشرح المفردات، فيذكر أشياءً تستلزم معرفتها، وخواصًا مميزة لها عن غيرها، حتى يتجسد تصور هذه المفردات وا دراكها في العقل البشري. وأم ا مفهوم التَّعريفات النَّبوية فهي: أقوال النبي ، وعباراته الجزلة، وكلامه الشارح الذي يشرح ويبين فيه تصورات وماهية الألفاظ إلى الصحابة ، وا لى الأمة من بعدهم، وذلك (1( (سورة التحريم: 3.) (2( تاج العروس من جواهر القاموس24/147)، ويُنظر: لسان العرب9/236.) (3( المعجم الوسيط2/595.) (4( التَّعريفات للجرجاني (1/62.) (5( عبد الرحمن بن حسن حبنكة الميداني: "ولد في حي الميدان بدمشق، وتو في فيها، قضى حياته في سورية (فرج الله كربها)، والمملكة العربية السعودية، والهند، ومصر، تلقى علومه الدينية عن والده في معهده؛ جمعية التوجيه الإسلامي، حتى تخرج فيه". معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين (ص 3708). (6( ضوابط المعرفة (ص 25.) (7( السابق (ص62.)
عدد الصفحات ٢٠11 لِتُحْمَل الألفاظ على ما وضعت له من حقيقة معانيها، ومعرفة مقاصدها، دون أن يعتريها شيء من الخطأ أو الخلط؛ في الفهم والإدراك والمعرفة في العقل البشري القاصر. قالت الباحثة: هذا التَّ عريف لم أجده في الكتب ولكن توصلت إليه بعد النظر والاستقراء، بحسب ما تقتضيه مجريات البحث. - ثانياا: أهمية التَّعريفات النَّبوية: إنَّ للتعريفات النَّبوية أهمية كبيرة ترجع إلى أمور عد ة، منها: 1 .إن ها تحمل معنى تأييد الله لنبي الرحمة وقائد الأم ة بوحي الكلمة، فقال : [مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَْوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْي يُوحَى ](1). 2. إنَّ كلام النبي ملزم لأهل العلم والإيمان، وذلك لتصدر السنة النَّبوية ثاني مصادر التشريع الإسلامي، الذي تستقيم به سبل الحق والهداية، حيث قال الله في كتابه العزيز [يَا أَيَُُّّا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهََّ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِِ الأَْمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِِ شَْ ء فَرُدُّوهُ إِلىَ اللهَِّ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهَِّ وَالْيَ وْمِ الْْخِرِ ذَلِكَ خَيْْ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ](2)، ويقرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى - فيقول: "إن نفس اللغة العربية من الدين ، ومعرفتها فرض واجب ، فإن فهم الكتاب والسنة فرض ، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو وا جب"(3). 3. حِرص النبي على استعمال الألفاظ والتَّعريفات في مكانها اللائق بها والمناسب لها، ومن ذلك: قول الحبيب المصطفى مجيبًا على سؤال جبريل عن الإحسان(أَنْ تَعْبُدَ اللَََّّ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِّنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِّنَّهُ يَرَاكَ) (4). 4. مرا عاته للألفاظ والمصطلحات التي يجب أن تستعمل فيما وضعت له، كما جاء في قول الله : [يَا أَيَُُّّا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا ](5)، وكما في قول رَسُولُ اللَِّّ :(وَيَقُولُونَ الكَرْمُ، إِّنَّمَا الكَرْمُ قَلْبُ المُؤْمِّنِّ) (6). (1( (سورة النجم : 3.) (2) (سورة النساء: 59.) (3) اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم (1/527.) (4) صحيح البخاري، كتاب الايمان- باب سؤال جبريل النبي عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، وعلمالساعة (1/19،ح50.) (5) (سورة البقرة 104.) )6( صحيح البخاري، كتاب الأدب- باب قول النبي إنما الكرم قلب المؤمن 8/42،ح6183.)
عدد الصفحات ٢١12 5. إنَّ معرفة حدود ومعاني التَّعريفات النَّبوية تبي ن حقيقة الشرعة المحمدية، حيث يقول الحق :]وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِكْرَ لِتُبَينَِ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [(1). وقد بي ن النبي أمورًا كثيرة سئل عنها، فمثلاً: لم ا سئل عن آيَاتُ الإِْسْلاَمِ؟ ، قَالَ: (أَنْ تَقُولَ: أَسْلَمْتُ وَجْهِّي إِّلَى اللََِّّّ ، وَتَخَلَّيْتُ، وَتُقِّيمَ الصَّلاَةَ، وَتُؤْتِّيَ الزَّكَاةَ، كُلُّ مُسْلِّمٍ عَلَى مُسْلِّمٍ مُحَرَّمٌ أَخَوَانِّ نَصِّيرَانِّ، لاَ يَقْبَلُ اللََُّّ مِّنْ مُشْرِّكٍ بَعْدَمَا أَسْلَمَ عَمَلاا، أَوْ يُفَارِّقَ الْمُشْرِّكِّينَ إِّلَى الْمُسْلِّمِّينَ) (2). 6. إن التَّعريفات النَّبوية تراعي المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل، فلا اختلاف بينهما ولا تعارض، وهذا يدلل على قوة العلاقة بين الشرع والعقل في النظر لأمر ما، حيث إن ها تبين ماهية الشِرعة الإسلامية لطالبيها واضحة، وتُعَزِز ما يفهمه العقل السليم، وتصحح هوى العقل السقيم؛ فَتُقَو ِم منه كل مِعْوَج بعد إقامة الحُجَّة عليه بالبرهان، فتعريفات النبي بمثابة الأصل لها، من حيث مدارها على مقاصد الشريعة حيث يقول الله على لسان نبيه استدلالاً على ذلك [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِِ أَدْعُو إِلىَ اللهِ عَلََ بَصِيَْة أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي](3)، ومن أمثلة مراعاة التَّعريفات النَّبوية للمعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل قول سيد الخلق :(الفِّطْرَةُ خَمْسٌ الخِّتَانُ ، وَالاِّسْتِّحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِّبِّ، وَتَقْلِّيمُ الأَظْفَارِّ، وَنَتْفُ الآبَاطِّ )(4). 7. استخدام الألفاظ والتَّعريفات النَّبوية والتعبير بها ما وُجِدَ إلى ذلك سبيلاً، لا يرعَ ذلك التكلف في كلام المرء والتشدق به، فيكون هينًا لينًا على العقول والأذهان، ومنه قول الله : [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِِ رَسُولِ اللهَِّ أُسْوَة حَسَنَة لمَِنْ كَانَ يَرْجُو اللهََّ وَالْيَوْمَ الْْخِرَ وَذَكَرَ اللهََّ كَثِيْاً ](5)، ومن الأثر ما يبين منهج النبي في التعبير دون تكلف قوله(الطُّهُورُ شَطْرُ الإِّْيمَانِّ، وَالْحَمْدُ لِلَِِّّّ تَمْلَُ الْمِّيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِّ وَالْحَمْدُ لِلَِِّّّ تَمْلَََنِّ أَوْ تَمْلَُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِّ وَالأَْرْضِّ، وَالصَّلاَةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِّيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِّ يَغْ دُو فَبَايِّعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِّقُهَا، أَوْ مُوبِّقُهَا)(6). (1( (سورة النحل : 44.) )2) سنن النسائي، كتاب الزكاة - باب من سأل بوجه الله (5/82،ح2568)،والحكم عليه: إسناده حسن؛ فيه راويان صدوقان. ينظر: حديث ( 6) من أحاديث الرسالة (3( (سورة يوسف : 108.) (4( صحيح البخاري، كتاب اللباس- باب تقليم الأظفار (7/160،ح5891.) (5( (سورة الأحزاب : 21.) (6( صحيح مسلم، كتاب الطهارة - باب فضل الوضوء ( 1/203،ح223.)
عدد الصفحات ٢٢13 8. التزام التَّعريفات النَّبوية واستعمالها؛ فيه سلامة الوقوع في الغلط، وسوء الفهم لكلام الله ورسوله، حيث إن من أهم أسباب الغلط ، وسوء الفهم، أن ينشأ الرجل على تعريف حادث، فيفسر كلام الله وكلام النبي بذلك الاصطلاح، ويحمله على تلك اللغة التي اعتادها، ولذا حذر القرآن الكريم من ذلك فقال :[لا تََْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللهَُّ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يخَُ الِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَة أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَا أَلِيم ](1) . وقد كان النبي بتعريفاته يرد الصحابة إلى التعريف الصحيح والفهم السليم لبعض الألفاظ والمصطلحات، ومثال ذلك: لم ا سأل النبي أصحابه: (أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْ لِّسُ؟ )، قَالُوا: الْمُفْلِّسُ فِّينَا مَنْ لاَ دِّرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ، فَقَالَ: (إِّنَّ الْمُفْلِّسَ مِّنْ أُمَّتِّي يَأْتِّي يَوْمَ الْقِّيَامَةِّ بِّصَلاَةٍ، وَصِّيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِّي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَ مَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِّنْ حَسَنَاتِّهِّ، وَهَذَا مِّنْ حَسَنَاتِّهِّ، فَإِّنْ فَنِّيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِّ أُخِّ ذَ مِّنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِّحَتْ عَلَيْهِّ، ثُمَّ طُرِّحَ فِّي النَّارِّ )(2). 9. إن التَّعريفات الن بوية فيهاتسهيل لمهمة المفسر والفقيه لاستنباط الأحكام الشرعية والفقهية، مصداقًا لقوله تعالى: [إ ِنَّماَ كَانَ قَوْلَ المُْؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلىَ اللهَِّ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ المُْفْلِحُونَ ](3)،كما في حديث الدِ ية وقول النبي :(مَنْ قَتَلَ مُؤْمِّناا مُتَعَم ِّداا دُفِّعَ إِّلَى أَوْلِّيَاءِّ المَقْتُولِّ، فَإِّنْ شَاءُوا قَتَلُوا، وَا ِّنْ شَاءُوا أَخَذُوا الد ِّيَةَ، وَهِّيَ ثَلاَثُ ونَ حِّقَّةا، وَثَلاَثُونَ جَذَعَةا، وَأَرْبَعُونَ خَلِّفَةا، وَمَا صَالَحُو ا عَلَيْهِّ فَهُوَ لَهُمْ، وَذَلِّكَ لِّتَشْدِّيدِّ العَقْلِّ (4))(5). 10 .إبراز هذه المصطلحات والتركيز على جعلها قطبًا للحوار الديني الذي يدور حولها، ووقوف المرء عند أقوال النبي ، فيه امتثالُ لأوامر الحق :[وَمَا كَانَ لمُِؤْمِن وَلا مُؤْمِنَة إِذَا قَ ضََ اللهَُّ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لهَُمُ الِْْيََْةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهََّ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا ](6)، (1( (سورة النور : 63.) (2( صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب- باب تحريم الظلم ( 4/1997،ح2581.) (3( (سورة النور : 52.) (4( العقلأي الدية". مجمع بحار الأنوار (3/646). (5( سنن الترمذي، أبواب الديات - باب ما جاء في الدية كم هي من الإبل (4/11،ح1387)، وقال الترمذي "حسن غريب". ينظر حديث (115) من أحاديثهذه الرسالة. (6( (سورة الأحزاب :36.)
عدد الصفحات ٢٣14 ولقوله :)مَنْ يُرِّدِّ اللََُّّ بِّهِّ خَيْراا يُفَق ِّهْهُ فِّي الد ِّينِّ، وَا ِّنَّمَا أَنَا قَاسِّمٌ وَاللََُّّ يُ عْطِّي، وَلَنْ تَزَالَ هَذِّهِّ الأُمَّةُ قَائِّمَةا عَلَى أَمْرِّ اللََِّّّ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِّيَ أَمْرُ اللََّّ) (1). - ثالثاا: ضوابط التَّعريفاتالنَّبوية: هناك كثير من المفردات التصويرية التي تتناقلها الألسنة، ولكننا قد نجد البعض جاهلاً بفهم المقصد من هذه ال مفردات وماهيتها، لذا وجد أهل العلم أنفسهم ملزمين بتوضيح هذه المفردات ، وبيان ماهيتها؛ حتى يتصورها الفرد على حقيقته ا، ويعرف خصائصها المميزة لها دون غيرها ، وذلك من خلال وضع تعريفات خاصة بكل مفرد من المفردات تصوره تصورًا صحيحً ا يميزه عما سواه. ولكن لابد من سبر الحدود، وتقعيد الضوابط؛ من أجل الوصول إلى تصور صحيح أو تمييز مُعتبَر، يحمل مكنونات المُعَرَّف به، ولا يتحقق ذلك إلا إذا توفرت في التعريف ثلاثة شروط بينها الميداني(2)، هي - أولاا: أن يكون مساويًا تمامًا للمفرد الذي يشرحه؛ أي: ينطبق على ما يصدق عليه المفرد التصوُّري الذي يشرحه، سواءً أكان هذا المفرد كليًا أو جزئيًا، ولا يصح أن يكون أعم منه، ولا أن يكون أخص منه، ولا أن يكون مباينًا له؛ لأن هذا يوقع في التصور الخاطئ البعيد عن ماهية المُعَرَّف به ومقصده. - ثانياا: أن يكون التَّعريف أجلى وأوضح من المفرد التصويري الذي يتم شرحه، وا لا لن يتحقق الهدف من الشرح والتوضيح، وسيبقى الأمر على جهالته للعامة. - ثالثاا: ألا يتوقف العلم بالتَّ عريف على العلم بالمُ عرَّ ف، وا لا لزم الدور، وهو ممنوع عقلاً، كتعريف العلم بأنه إدراك المعلوم، وذلك أنه لا يُعرف المعلوم حتى يُعرف العلم، فكيف يدخل المعلوم في تعريف العلم فهو إذن تعريف غير صحيح. مع العلم أن الشرط الثالث يفهم ضمنًا من الشرطين الأول والثاني. وقد لاحظت الباحثة أن التَّعريفات النَّبوية منضبطة بهذه الشروط، وعليه يمكن القول بأن ضوابط التعريفات النَّبوية ثلاثة، هي: 1 .مساوية تماماا للفظ أو الألفاظ المشروحة، ومثال ذلك: ما قاله النَّبِي ِ :(سَي ِّدُ الاِّسْتِّغْفَارِّ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَب ِّي لاَ إِّلَهَ إِّلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِّكَ وَوَعْدِّكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِّكَ مِّنْ شَر ِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِّنِّعْمَتِّكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِّذَنْبِّي فَاغْفِّرْ لِّي، (1( صحيح البخاري، كتاب اعتصام بالكتاب والسنة - بَابُ قَوْلِ النَّبِي ِ :"لاَ تَزَالُ طَائِفَة مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَق ِ " يُقَاتِلُونَ وَهُمْ أَهْلُ العِلْمِ( 1/25،ح7312.) (2( ينظر: ضوابط المعرفة (ص 60،61.)
عدد الصفحات ٢٤15 فَإِّنَّهُ لاَ يَغْفِّرُ الذُّنُوبَ إِّلاَّ أَنْتَ ، قَالَ: وَمَنْ قَالَهَا مِّنَ النَّهَارِّ مُوقِّناا بِّهَا، فَمَاتَ مِّنْ يَوْمِّهِّ قَبْلَ أَنْ يُمْسِّيَ، فَهُوَ مِّنْ أَهْلِّ الجَنَّةِّ، وَمَنْ قَالَهَا مِّنَ اللَّيْلِّ وَهُوَ مُوقِّنٌ بِّهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِّحَ، فَ هُوَ مِّنْ أَهْلِّ الجَنَّةِّ )(1). ومنه قوله تعالى[فِطْرَت اللهَِّ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ](2)، وقد بين النبي ذلك فقال (الفِّطْرَةُ خَمْسٌ: الخِّتَانُ، وَالاِّسْتِّحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِّبِّ، وَتَقْلِّيمُ الأَظْفَارِّ، وَنَتْفُ الآبَاطِّ )(3). 2. أوضح وأجلى من اللفظ أو الألفاظ المشروحة، و مثال ذلك: قول النَّبِيُّ :(لاَ طِّيَرَةَ (4)، وَخَيْرُهَا الفَأْلُ )، قَالَ: وَ مَا الفَأْلُ يَا رَسُولَ اللََِّّّ؟ ، قَالَ: (الكَلِّمَةُ الصَّالِّحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ )(5). ومنه أيضًا حديث رسول : حينقَالَ لأصحابه: (اجْتَنِّبُوا السَّبْعَ المُوبِّقَاتِّ )، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللََِّّّ وَمَا هُنَّ؟ ، قَالَ: (الش ِّرْكُ بِّالِلَِّّ، وَا لس ِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِّ الَّتِّي حَرَّمَ اللََُّّ إِّلاَّ بِّالحَق ِّ، وَأَكْلُ الر ِّبَا، وَأَكْلُ مَالِّ اليَتِّيمِّ، وَالتَّوَل ِّي يَوْمَ الزَّحْفِّ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِّ المُؤْمِّنَاتِّ الغَافِّلاَتِّ )(6). 3. لا يتوقف العلم بالتَّعريف على العلم بالمُعرَّف، ومثال ذلك: قول رَسُولُ اللَِّّ : (البَخِّيلُ الَّذِّي مَنْ ذُكِّرْتُ عِّنْدَهُ فَلَمْ يُصَل ِّ عَلَي )(7). ومنه أيضًا: قول رَسُولُ اللَِّّ : (بُنِّيَ الإِّسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ : شَهَادَةِّ أَنْ لاَ إِّلَهَ إِّلاَّ اللََُّّ وَأَنَّ مُحَمَّداا رَسُولُ اللََِّّّ، وَا ِّقَامِّ الصَّلاَةِّ، وَا ِّيتَاءِّ الزَّكَاةِّ، وَالحَج ِّ، وَصَوْمِّ رَمَضَانَ) (8.) ومن الجدير ذكره أن الباحثة اجتهدت في جمع التَّعريفات النَّبوية من الكتب الستة، وراعت في التَّعريفات التي أوردتها في هذه الرسالة توفر الشروط الثلاثة، بالإضافة إلى شروط أخرى راعتها من أجل حصر الموضوع، وضبط حدوده، وهي: (1( صحيح البخاري، كتاب الدعوات- باب أفضل الاستغفار (8/67،ح6306.) (2( (سورة الروم 30.) (3( صحيح البخاري، كتاب اللباس- باب تقليم الأظفار (7/160،ح5891). (4( الطيرة أصله التشاؤ م بالطير ثم اتسع فيها فوضعت موضع الشؤم". (5( صحيح البخاري، كتاب الطب- باب الفأل (7/135،ح5755). (6( صحيح البخاري، كتاب الوصايا- بَابُ قَوْلِ اللَِّّ تَعَ الَى بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا 10( ]4/10،ح2766.) (7( سنن الترمذي، أبواب الدعوات - باب (5/551،ح3546)، وقال أبو عيسى: "هذا حديث حسن صحيح غريب". ين ظر حديث (106) من أحاديث هذه الرسالة. (8( صحيح البخاري، كتاب الإيمان- بَابُ قَوْلِ النَّبِي ِ : "بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْس 1/11،ح8).
عدد الصفحات ٢٥16 1 .أن يكون المُعرَّف به "لفظة مفردة" أو "ألفاظ مركبة" على شاكلة مصطلح وردت في الحديث الن بوي . ومثال اللفظة المفردة: أَنَّ رَسُولَ اللَِّّ قَالَ: (إِّيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى الن ِّسَاءِّ)، فَقَالَ رَجُلٌ مِّنَ الأَنْ صَارِّ : يَا رَسُولَ اللََِّّّ، أَفَرَأَيْتَ الحَمْوَ؟، قَالَ : (الحَمْوُ المَوْتُ) (1). ومثال اللفظة المركبة: قوله :(إِّنَّ أَبَرَّ الْبِّر ِّ صِّلَةُ الْوَلَدِّ أَهْلَ وُد ِّ أَبِّيه )(2). 2. أن تكون اللفظ أو الألفاظ تحتاج من القارئ أو السامع لها إلى تعريفوتوضيح، ومثال ذلك: حينما قِيلَ لِرَسُولِ اللَِّّ : "أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟"، قَالَ :(كُلُّ مَخْمُومِّ الْقَلْبِّ، صَدُوق الل ِّسَانِّ)، قَالُوا: صَدُوقُ الل ِّسَانِّ، نَعْرِّفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِّ؟، قَالَ : (هُوَ التَّقِّيُّ النَّقِّيُّ، لاَ إِّثْمَ فِّيهِّ، وَلاَ بَغْيَ، وَلاَ غِّلَّ، وَلاَ حَسَدَ) (3). 3. ألا يكون المراد باللفظ أو الألفاظ معنى ظاهر وواضح غالبًا، ومثال ذلك: أَن رَسُولَ اللهِ قَالَ(أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِّسُ؟)، قَالُوا: الْمُفْلِّسُ فِّينَا مَنْ لاَ دِّرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ، فَقَالَ : (إِّنَّ الْمُفْلِّسَ مِّنْ أُمَّتِّي يَأْتِّي يَوْمَ الْقِّيَامَةِّ بِّصَلاَةٍ، وَصِّيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِّي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِّنْ حَسَنَاتِّهِّ، وَ هَذَا مِّنْ حَسَنَاتِّهِّ، فَإِّنْ فَنِّيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِّ أُخِّذَ مِّنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِّحَتْ عَلَيْهِّ، ثُمَّ طُرِّحَ فِّي النَّارِّ) (4) . 4. أن يكون المُعر ِف باللفظ أو الألفاظ هو النبي ، وبالتالي تم الاقتصار على الحديث المرفوع المنسوب إلى النبي دون غيره 5. أن يُعرف النبي باللفظ أو الألفاظ ابتداءً أو بعد السؤال عنها، سواء سؤاله لأصحابه أو سؤال أصحابه. - رابعاا: أقسام التَّعريفات النبوية تنقسم التَّعريفات بشكل عام ومنها التَّعريفات الن بوية إلى قسمين: (1( صحيح البخاري، كتاب النكاح - باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم، والدخول على المغيبة(7/37،ح5232.) (2( صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب - باب صلة أصدقاء الأب والأم، ونحوهما (4/1979،ح2552.) (3( سنن ابن ماجه، كتاب الزهد - باب في الورع والتقوى ( 2/1409،ح4216)، وقال البوصيري إسناده صحيح". ينظر: مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (4/240). (4( صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب- باب تحريم الظلم( 4/1997،ح2581.)
عدد الصفحات ٢٦17 القسم الأول: الحدود "وسُمي الحدُّ حدًّا، لأنَّ الحد في اللغة المنع (1)، وهذا المعنى موجود في الحد الاصطلاحي، لأن ه مانع من دخول غير المحدود فيه، ومانع من خروج شيء من المحدود عنه"(2) . والحد اصطلاحاا: قال الجرجاني (رحمه الله): "هو قول دال على ماهية الشيء"(3). وقال "هو قول يشتمل على ما به الاشتراك، وعلى ما به الامتياز"(4). وتنقسم الحدود إلى قسمين 1. الحد التام هو ما كان تعريفًا للشيء بذكر تمام ذاتياته، أي: بذكر جنسه وفصله القريبين، أو بما يماثل لهما، ويشترط أن يقدم الجنس على الفصل في الذكر (5). ومثال ذلك: قول المصطفى :(إِّنَّ أَبْغَضَ الر ِّجَالِّ إِّلَى اللََِّّّ الأَلَدُّ الخَصِّمُ (6). ومنه أيضًا: قول رَسُولُ اللَِّّ :(وَيَقُولُونَ الكَرْمُ، إِّنَّمَا الكَرْمُ قَلْبُ المُؤْمِّنِّ) (7). 2 .الحد الناقصهو ما كان تعريفًا للشيء بذكر البعض الذي يفصله عن غيره من ذاتياته، ويكون ذلك بذكر فصله القريب فقط، أو بذكر فصله القريب مع جنسه البعيد، أو بما يماثل ذلك(8). مثال ذلك: قول نبي اللَِّّ :(الكَمْأَةُ(9) مِّنَ المَن ِّ، وَمَاؤُهَا شِّفَاءٌ لِّلْعَيْنِّ) (10). ومنه أيضًا حين سُئِلَ رَسُولُ اللَِّّ عَنِ النُّشْرَةِ فَقَالَ: (هُوَ مِّنْ عَمَلِّ الشَّيْطَانِّ) (11). 3 .الحد المشترك "هو جزء وضع بين المقدارين يكون منتهىً لأحدهما، ومبتدًا للآخر، ولا بد أن يكون مخالفًا لهما"(1). (1( ينظرمقاييس اللغة (2/3). (2( ضوابط المعرفة (ص 63) (3( ينظرالتعريفات (ص83). (4( التعريفات (ص83). (5( ينظر: ضوابط المعرفة (ص 63.) (6( صحيح البخاري، كتاب المظالم والخصم - بَابُ قَوْلِ اللَِّّ تَعَالَى الخِصَامِ :204 ] (3/131،ح2457.) )7( صحيح البخاري، كتاب الأدب- باب قول النبي إنما الكرم قلب المؤمن 8/42،ح6183.) (8( ينظر: ضوابط المعرفة (ص 64.) (9( الكمأةهو فصيلة نباتية، تنبت تحت الأرض ". ينظر: حديث (186.) )10( صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن - بَاب وَقَوْلُهُ تَعَالَى كُلُوا مِنْ طَي ِبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ :57( ]6/18،ح4478.) (11( سنن أبي داود، كتاب الطب- باب في النشرة ( 4/6،ح3868)،صححه الإمام الألباني (رحمه الله) . ينظر حديث (191) من أحاديث هذه الرسالة.
عدد الصفحات ٢٧18 كما جاء في قول النبي :(خَيْرُكُمْ قَرْنِّي(2)، ثُمَّ الَّذِّينَ يَلُونَهُمْ (3)، ثُمَّ الَّذِّينَيَلُونَهُمْ (4)). ويلاحظ أن الحدود لا تحد إلا الماهيات المركبة من عنصرين أو أكثر، أما البسائط فلا تعرف إلا بالرسم (5). - القسم الثاني: الرسوموهي ما ينبئ عن الشيء بأحد لوازمه (6)، فلم يشتمل التَّ عريف فيها على شيء من الذاتيات، أو اشتمل منها على شيء، ولكن لم يكن به فصلُ الشيء المُ عرَّ ف وتمييزه عن غيره، وا ن ما اشتمل على عرضيات بها كان تعريف الشيء وتمييزه عن كل ما سواه، ومرتبة الرسوم دون مرتبة الحدود(7) . "وسُمي رسمًا، لأنَّ الرسم في اللغة الأثر (8)، والخاصة أثر من آثار الحقيقة التي تدل عليها وتُمي زها عن غيرها"(9) . الرسم اصطلاحاا: "هو نعت يجري في الأبد بما جرى في الأزل، أي في سابق علمه تعالى"(10). وتنقسم الرسوم إلى خمسة أقسام، وهي 1 .الرسم التامهو ما يتركب من الجنس القريب والخاصة اللازمة الشاملة، أي: مع ذكر عرضه اللازم والخاص به، أو ما يماثل ذلك في قوته(11). ومثال ذلك: ما قاله النبي :(وَفْدُ ثَلاَثَةٌ: الْغَازِّي، وَالْحَاجُّ، وَالْمُعْتَمِّرُ )(12). وأيضًا قوله :(إِّن لِلَِِّّّ أَهْلِّينَ مِّنَ النَّاسِّ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللََِّّّ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ : (هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِّ، أَهْلُ اللََِّّّ وَخَاصَّتُهُ) (1.) (1( ينظرالتعريفات (ص83). )2( قرني: "أي أصحابي". الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي (ص 73.) )3( الذين يلونهم: "أي التابعين ينظر: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي (ص73.) حديث165) من أحاديث هذه الرسالة. )4( الذين يلونهم: "أي أتباع التابعين ينظر: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي (ص 73.) (5( ينظر: ضوابط المعرفة (ص 56.) (6( ينظر: الشامل في حدود وتعريفات مصطلحات علم أصول الفقه (ص 45.) (7( ينظر: ضوابط المعرفة (ص 62). (8( مقاييس اللغة (2/393). (9( ضوابط المعرفة (ص63.) (10( ينظرالتعريفات (ص110). (11( ينظر التعريفات (ص111)، ضوابط المعرفة (ص65.) (12( سنن النسائي، كتاب الجهاد- باب الغز اة وفد الله تعالى (6 /16،ح3121)،صححه الإمام الألباني (رحمه الله). ينظر: حديث (90) من أحاديث هذه الرسالة .
عدد الصفحات ٢٨19 2 .الرسم الناقص"هو ما يكون تعريفًا للشيء بالخاصة وحدها، أو بها وبالجنس البعيد، أو بالجنس الوحيد، أو مع عرضه العام، أو بعرضيات تختص جملتها بحقيقة واحدة"(2). ومثال ذلك: ما قالهرَسُولِ اللَِّّ :(مَنْ عَادَ مَرِّيضاا لَمْ يَزَلْ فِّي خُرْفَةِّ الْجَنَّةِّ"، قِّيلَ: يَا رَسُولَ اللََِّّّ، وَمَا خُرْفَةُ الْجَنَّة؟ ، قَالَ: جَنَاهَا)(3). 3. التعريف اللفظي هو تعريف اللفظ بلفظ آخر مرادف له معلوم عند المخاطب، ومرادف الشيء هو في الحقيقة خاصية من خواصه (4). ومثال ذلك قوله: (لَيْسَ المِّسْكِّينُ الَّذِّي تَرُدُّهُ الأُكْلَةَ وَالأُكْلَتَانِّ، وَلَكِّنِّ المِّسْكِّينُ الَّذِّي لَيْسَ لَهُ غِّناى، وَيَسْتَحْيِّي أَوْ لاَ يَسْأَلُ النَّاسَ إِّلْحَافاا)(5) . وأيضًا: أَن النَّبِيَّ عَادَ رَجُلاً مِنْ وَعَك كَانَ بِهِ فَ قَالَ : (أَبْشِّرْ، فَإِّنَّ اللَََّّ يَقُولُ : هِّيَ نَارِّي أُسَل ِّطُهَا عَلَى عَبْدِّي المُذْنِّبِّ لِّتَكُونَ حَظَّهُ مِّنَ النَّارِّ) (6). 4. التعريف بالمثال هو تعريف الشيء بذكر مثال من أمثلته التي يُعرف بها، ومثال الشيء هو في الحقيقة خاصية من خواصه(7). ومثال ذلك قوله :(وَمَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ؟ قَالُوا: الْقَتْلُ فِّي سَبِّيلِّ اللََِّّّ تَعَالَى، قَالَ رَسُولُ اللََِّّّ : الشَّهَادَةُ سَبْعٌ، سِّوَى الْقَتْلِّ فِّي سَبِّيلِّ اللََِّّّ؛ الْمَطْعُونُ شَهِّيدٌ، وَالْغَرِّقُ شَهِّيد،ٌ وَصَاحِّبُ ذَاتِّ الْجَنْبِّ شَهِّيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِّيدٌ، وَصَاحِّبُ الْحَرِّيقِّ شَهِّيدٌ، وَالَّذِّي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِّ شَهِّيدٌ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِّجُمْعٍ شَهِّيدٌ) (8). 5 .التعريف بالتقسيم وهو تعريف الشيء بذكر الأقسام التي ينقسم إليها، ومعلوم أن أقسام الشيء خاصة من خواصه (9). (1( سنن ابن ماجه، كتاب الإيمان وفضائل الصحابة والعلم- باب فضل من تعلم القرآن وعلمه ( 1/78،ح215)، وصححه الإمام الألباني (رحمه الله). ينظر حديث (105) من أحاديث هذه الرسالة (2( ينظرالتعريفات (ص 111)،ضوابط المعرفة (ص 66.) )3) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب- فضل عيادة المريض - (4/1989،ح2568.) (4( ينظر: ضوابط المعرفة (ص 66.) (5) صحيح البخاري، كتاب الزكاة- بابُ قَوْلِ اللَِّّ تَعَالَى :273] (2/124،ح1476.) (6( سنن الترمذي ، أبواب الطب- باب (4/412،ح2088)، وصححه الإمام الألباني (رحمه ينظر حديث (189) من أحاديث هذه الرسالة (7( ينظر: ضوابط المعرفة (ص 66.) )8) سنن أبي داود، كتاب الجنائز- باب في فضل من مات في الطاعون (3/188،ح3111)، وصححه الإمام الألباني (رحمه الله). ينظر حديث ( 29.) (9( ينظر: ضوابط المعرفة (ص 66.)
عدد الصفحات ٢٩20 ومثال ذلك: قول النبي :(القُضَاةُ ثَلاَثَةٌ : قَاضِّيَانِّ فِّي النَّارِّ، وَقَاضٍ فِّي الجَنَّةِّ، رَجُلٌ قَضَى بِّغَيْرِّ الحَق ِّ فَعَلِّمَ ذَاكَ فَذَاكَ فِّي النَّارِّ، وَقَاضٍ لاَ يَعْلَمُ فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِّ فَهُوَ فِّي النَّارِّ، وَ قَاضٍ قَضَى بِّالحَق ِّ فَذَلِّكَ فِّي الجَنَّةِّ)(1). - خامساا أهداف التَّعريفات النَّبوية: للتَّعريفات النَّبوية أهداف عامة، وأهداف خاصة. أم ا الأهداف العامة فتتحدد انطلاقًا من مهام الرسول ، ومن هذه الأهداف: 1 .التبليغ: أي تبليغ شرع الله للناس، امتثالاً لأمر الله :[يَا أَيَُُّّا الرَّسُولُ بَلِغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِكَ وَإِنْ لمَْ تَفْعَلْ فَماَ بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهَُّ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللهََّ لاَ يَُّْ دِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ](2) . ولنا في حديثه خير مثال،قَالَ :(أَفْضَلُ الصَّلاَةِّ، بَعْدَ الصَّلاَةِّ الْمَكْتُوبَةِّ، الصَّلاَةُ فِّي جَوْفِّ اللَّيْلِّ، وَأَفْضَلُ الص ِّيَامِّ بَعْدَ شَهْرِّ رَمَضَانَ، صِّيَامُ شَهْرِّ اللهِّ الْمُحَرَّمِّ)(3). 2 .البيان: أي توضيح وتفسير ما جاء في القرآن الكريم وما جاء به الشرع ككل، فقد قال المولى :هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِِ الأُمِيِينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِيهِمْ وَيُعَلِمُهُمُ الكِتَا َ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَل مُبِين (4). والتَّعريفات جزء من البيان والتوضيح ال ن بوي، ومما يجسد ذلك: حديث عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ،أنَّه خَطَبَ يَوْمَ جُمُعَة ، فَذَكَرَ نَبِيَّ اللهِ ، وَذَكَرَ أَبَا بَكْر ، ثُمَّ قَالَ: إِن ِي لاَ أَدَعُ بَعْدِي شَيْئًا أَهَمَّ عِنْدِي مِنَ الْكَلاَلَةِ، مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللهِ فِي شَيْء مَا رَاجَعْتُهُ فِي الْكَلاَلَةِ، وَمَا أَغْلَظَ لِي فِي شَيْء مَا أَغْلَظَ لِي فِيهِ، حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِي صَدْرِ ي، وَقَالَ: (يَا عُمَرُ، أَلاَ تَكْفِّيكَ آيَةُ الصَّيْفِّ الَّتِّي فِّي آخِّرِّ سُورَةِّ الن ِّسَاءِّ، وَا ِّن ِّي إِّنْ أَعِّشْ أَقْضِّ فِّيهَا بِّقَضِّيَّةٍ يَقْضِّي بِّهَا مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَمَنْ لاَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ )(5.) 3 .التجسيد العملي للقرآن الكريم: فقد كان الرسول قرآنا يمشي بين الناس، وقد وصفه الله :[وَإِنَّكَ لَعَلَ خُلُق عَظِيم ](6) .كما كان النبي يُعَ ل ِ م أمته أمور الدين كلها، قولاً وفعلاً، فعن عَدِي ِ بْنِ حَاتِم ، قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّّ :مَا الخَيْطُ الأَبْيَضُ، مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ أَهُمَا )1( سنن الترمذي، أبواب الأحكام - باب ما جاء عن رسول الله في القاضي 3/605،ح1322)،وقد صححه الإمام أبو داود، والإمام الألباني، وقال الأول: "وهذا أصح شيء فيه يعني حديث ابن بريدة القضاة ثلاثة"، وأما الثاني؛ فصححه بمجموع طرقه كما ق ال، والله أعلم. ينظر حديث (172) من أحاديث هذه الرسالة (2( (سورة المائ دة:67.) (3( صحيح مسلم، كتاب الصيام- باب فضل صوم المُحَرَّم (2/821،ح1163.) (4( (سورة الجمعة : 2.) (5( صحيح مسلم، كتاب الفرائض - باب ميراث الكلالة ( 3/1236،ح9.) (6( (سورة القلم : 4.)
عدد الصفحات ٣٠21 الخَيْطَانِ، قَالَ : (إِنَّكَ لَعَرِيضُ القَفَا، إِنْ أَبْصَرْتَ الخَيْطَيْنِ)، ثُمَّ قَالَ : (لاَ بَلْ هُوَ سَ وَادُ اللَّيْلِ، وَبَيَاضُ النَّهَارِ) (1). 4. التعليم والتربية والتزكية: ويتمثل ذلك في دعوته للعالمين عامة، وللمؤمنين خاصة، ومن أمثلة ذلك من سنة المعلم الأول :عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ الس ِمْطِ، قَالَ لِكَعْبِ بْنِ مُرَّةَ : يَا كَعْبُ حَد ِثْنَا عَنْ رَسُولِ اللَِّّ وَاحْذَرْ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: (مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الإِْسْلاَمِ فِي سَبِيلِ اللَِّّ، كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ )، قَالَ لَهُ: حَد ِثْنَا عَنِ النَّبِي ِ ، وَاحْذَرْ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ : (ارْمُوا، مَنْ بَلَغَ الْعَدُوَّ بِسَهْم رَفَعَهُ اللَُّّ بِهِ دَرَجَةً )، قَالَ ابْنُ النَّحَّامِ : يَا رَسُولَ اللَِّّ وَمَا الدَّرَجَةُ؟، قَالَ: (أَمَا إِنَّهَا لَيْسَتْ بِعَتَبَةِ أُم ِكَ، وَلَكِنْ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ مِائَةُ عَام )(2). وأما الأهداف الخاصة للتعريفات النَّبوية، فمنها: 1 .إجابة النبي عن أسئلة صحابته الكرام فيما أُغْمِضَ عليهم معرفته في ظل القصور البشري الطبيعي، وبالتالي إثراء عقول الصحابة والأمة من بعدهم بمعارف جديدة ومفاهيم بليغة، مثال ذلك: ما رواه الإمام البخاري "أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِي ِ كَانَتْ لاَ تَسْمَعُ شَيْئًا لاَ تَعْرِفُهُ، إِلاَّ رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: "مَنْ حُوسِبَ عُذ ِبَ، قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ أَوَلَيْسَ يَقُولُ اللَُّّ تَعَالَى [فَسَوْفَ يَُُاسَبُ حِسَابًا يَ سِيًْا ](3)، قَالَتْ: فَقَالَ: (إِنَّمَا ذَلِكِ الْعَرْضُ (4)، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ (5) الْحِسَابَ يَهْلِكْ (6). 2. الكشف عن بعض الألفاظ التي لم تكن من لغة العرب، واستخدمها النبي في كلامه، ومثال ذلك: ما قاله عَبْدِ اللَِّّ بْنِ فَضَالَةَ، عَنْ أَبِي هِ ، قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَِّّ ، فَكَانَ فِيمَا عَلَّمَنِي: "وَحَافِظْ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، قَالَ: قُلْتُ: إِنَّ هَذِهِ سَاعَات لِي فِيهَا أَشْغَال فَمُرْنِي (1( صحيحالبخاري، كتاب تفسير القرآن- بَابُ قَوْلِهِ بْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ [ }:187( ]6/26،ح4510.) )2) سنن النسائي، كتاب الجهاد- ثَوَابُ مَنْ رَمَى بِسَهْم فِي سَبِيلِ اللَِّّ (6/27،ح4314)،وقد صححه الإمام الألباني (رحمه الله). ينظر حديث ( 19) من أحاديث هذه الرسالة (3( (سورة الإنشقاق: 8.) (4( العَرْض: هو الإبداء والإبراز، وقيل: هو أن يعرف ذنوبه لم يتجاوز عنه، وحقيقة العرض إدارك الشيء بالحواس ليعلم غايته وحاله. عمدة القاري (19/285). (5( مَن نُوقِشَ: على صيغة المجهول من المناقشة، وهي الاستقصاء في الأمر. عمدة القاري (19/285). )6) صحيح البخاري، كتاب العلم - باب من سمع شيئا فلم يفهمه فراجع فيه حتى يعرفه (الانشقاق :8 ) (1/32،ح103.)
عدد الصفحات ٣١22 بِأَمْر جَامِع إِذَا أَنَا فَعَلْتُهُ أَجْزَأَ عَن ِي، فَقَالَ: حَافِظْ عَلَ ى الْعَصْرَيْنِ ، وَمَا كَانَتْ مِنْ لُغَتِنَا، فَقُلْتُ: وَمَا الْعَصْرَانِ؟، فَقَالَ: صَلاَةُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَصَلاَةُ قَبْلَ غُرُوبِهَا "(1). 3 .تصحيح المفاهيم الخاطئة لبعض الألفاظ عند العرب في زمن النبي ، وذلك فيما أُشكِل عليهم، إنقاذً ا لهم من فئة الضلال الذين قال فيهم الحق تبارك وتعالى: [مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يَُُرِفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيَْْ مُسْمَع وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِ نَتِهِمْ وَطَعْنًا فِِ الدِينِ وَلَوْ أَنََُّّمْ قَا لُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيًْْا لهَُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَ لاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ](2). - سادساا : خصائص التَّعريفات النَّبوية الواردة في أحاديث الكتب الستة: إنَّ دراسة المسلم للسُّنَّ ة النَّبوية بشكل عام، ولطائفها الجليلة بشكل خاص، تعينه على شرف الاقتداء برسوله ،وتفتح له باب القبول من الله ،وتكتب له شرف صحبة الرسول في الجنة بإذن الله ، يقول الله :[وَمَن يُطِعِ اللههَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّات تََْرِي مِن تََْتِهَ ا الأَنََّْارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ](3). كما إن دراسة التَّعريفات النَّبوية ضرورية للدعاة إلى الله والمهتمين بالبلاغة وجمال الأسلوب، ليضمنوا تبليغ الإسلام بأسلوب حكمة النبي ورفقه، والذي يجعل الناس يرون فيه الملجأ الذي يلوذون به عند اضطراب السبل، وذلك أنَّ السنة النَّبوية هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، ولما اتسمت به التَّعريفات النَّبوية من وحي البلاغة وجمال الحس النبوي الخضم. هذا، وا نَّ للتَّعريفات النَّبوية خصائص وسمات عديدة، منها: 1 .الصحة والصدقتتسم التَّعريفات النَّبوية بالمصداقية الخالصة بعيدًا عن الأهواء والشبهات، وذلك إيذانًا بأخلاق قائلها ومحدثها، النبي المصطفى ، حيث شُهِد له بذلك من كل عدو وصديق، ومن أدلة ذلك : حديث ابْنِ عَبَّاس حيث قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَ بِينَ (4)، صَعِدَ النَّبِيُّ عَلَى الصَّفَا، فَجَعَلَ يُنَادِي: (يَا بَنِّي فِّهْرٍ، يَا بَنِّي عَدِّي ٍ) - لِّبُطُونِّ قُرَيْشٍ - حَتَّى اجْتَمَعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِّذَا لَمْ يَسْتَطِّعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولاا لِّيَنْظُرَ مَا هُوَ، فَجَاءَ أَبُو لَهَ بٍ وَقُرَيْشٌ، فَقَالَ : (أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاا بِّالوَادِّي تُرِّيدُ أَنْ تُغِّيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ (1( سنن أبي داود، كتاب الصلاة- باب في المحافظة على وقت الصلوات (1/116،ح428)،وا سناده الأصح عند الإمام أبي حاتم، وصححه الإمام الألباني (رحمهم الله). ينظر حديث ( 80) من أحاديث هذه الرسالة (2( (سورة النساء :46.) (3 )(سورة النساء 13.) (4( (سورة الشعراء 214.)
عدد الصفحات ٣٢23 مُصَد ِّقِّيَّ؟)، قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِّلاَّ صِّدْقاا، قَالَ : (فَإِّن ِّي نَذِّيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِّيدٍ) (1). 2 .الشمول والعموم: شملت التَّعريفات النَّبوية كل حاجيات الإنسان الروحية والجسدية، الدينية والدنيوية، كما شملت أيضا الأمور الخاصة بعلاقة الإنسان بربه وعلاقته بالكون المحيط به، فيقول الله على لسان نبيه المصطفى: [قُلْ يَا أَيَُُّّا النَّاسُ إِ نيِ رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جمَِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُُْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِ الأُمِ يِ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماَتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تهَْتَدُونَ ](2). ومنه ما جاء في الخبر،عن أَنَسِ بْنِ مَالِك ، أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِي ِ فَقَالَ(يَا رَسُولَ اللََِّّّ ، أَيُّ الدُّعَاءِّ أَفْضَلُ؟ قَالَ : سَلْ رَبَّكَ العَافِّيَةَ وَالمُعَافَاةَ فِّي الدُّنْيَا وَالآخِّرَةِّ، ثُمَّ أَتَاهُ فِّي اليَوْمِّ ا لثَّانِّي فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللََِّّّ أَيُّ الدُّعَاءِّ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ لَهُ مِّثْلَ ذَلِّكَ، ثُمَّ أَتَاهُ فِّي اليَوْم الثَّالِّثِّ فَقَالَ لَهُ مِّثْلَ ذَلِّكَ، قَالَ : فَإِّذَا أُعْطِّيتَ العَافِّيَةَ فِّي الدُّنْيَا وَأُعْطِّيتَهَا فِّي الآخِّرَةِّ فَقَدْ أَفْلَ حْتَ )(3). 3 .التوازن: إن السنة المشرفة تعمل على خلق توازن بين روح الإنسان وجسده، وبين عقله وقلبه، وبين دنياه وآخرته، وطبعًا كل ذلك من غير إفراط أو تفريط، فيقول الحق تبارك وتعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى الن اسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا (4)، ولذلك كانت التعر يفات الن بوية متوازنة في كل شيء، كما قال عَدِي ِ بْنِ حَاتِم :(قُلْتُ يَا رَسُولَ اللََِّّّ : مَا الخَيْــطُ الأَبْيَضُ، مِّنَ الخَيْـطِّ الأَسْوَدِّ؟ أَهُمَا الخَيْطَانِّ؟. قَالَ: إِّنَّكَ لَعَ رِّيضُ القَفَا (5)، إِّنْ أَبْصَرْتَ الخَيْطَيْنِّ، ثُمَّ قَالَ: لاَ بَلْ هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِّ، وَبَيَاضُ النَّهَارِّ) (6). 4 .الواقعية إن التَّعريفات النَّبوية رَتِبَة جَزِلَة، لا فيها غول ولا تقتير، فإن ما تخاطب العقل والمنطق لا تعارضهما، ولا تهيم في عال م الخيالات الجوفاء. بل إن دعوة النبي كانت (1( صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن- بَابُلأَقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ 215] جَانِبَكَ6/111،ح4770.) (2( (سورة الأعراف :158.) (3( سنن الترمذي، أبواب الدعوات - باب (5 /533،ح3512)، وقد حسنه الإمام الترمذي –رحمه الله -. (4( (سورة البقرة :143.) (5( عريض القفا: "كناية عن السُّمْن، ونعتبذلك؛ لأن الصوم لا يؤثر فيه". ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (3/210.) (6( صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن- بَابُ قَوْلِهِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ 187( ]6/26،ح4510.)
عدد الصفحات ٣٣24 تحذر من التشدق والبعد عن الواقع فقَالَ: (إِّنَّ مِّنْ أَحَب ِّكُمْ إِّلَيَّ وَأَقْرَبِّكُمْ مِّن ِّي مَجْلِّساا يَوْمَ القِّيَامَةِّ أَحَاسِّنَكُمْ أَخْلاَقاا، وَا ِّنَّ أَبْغَضَكُمْ إِّلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِّن ِّي مَجْلِّساا يَ وْمَ القِّيَامَةِّ الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَد ِّقُونَ وَالمُتَفَيْهِّقُونَ). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللََِّّّ ، قَدْ عَلِّمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَد ِّقُونَ فَمَا المُتَفَيْهِّقُونَ؟، قَالَ : (المُتَكَب ِّرُونَ) (1). وقد كانالله يدعو إلى الواقعية فكان يَقُولُ في محكم تنزيله : [يَا أَهْلَ الكِتَا ِ لاَ تَغْلُوا فِِ دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلََ اللهَِّ إِلاَّ الحَقَّ ](2). 5. الوضوح : إننا نجد التَّعريفات النَّبوية واضحة المقاصد، جلية المآرب، نقية المشارب، لا لبس فيها ولا غموض، بل إن مقصد النبي في طرحها البيا ن والوضوح، بإضفاء شيء من النظرة التأملية ووحي الحكمة الإلهية التي أجراها الله على لسان نبيه وميز بها أقواله، وكما نرى أنه لو أشكل معنى على صحابته وخير أمته ، فإنه ما يسارع في بيان ذلك وا يضاحه، وحمله على المقصد المراد من ألفاظه ، دون تنطع أو تشدق أو تكلف، كيف لا وهو الذي أوصاه الله بعباده فقال[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحَْْةً لِلْعَالمَِينَ ](3). بل، إن الرحمة الإلهية بينت الغاية من المنهج النبوي، والرسالة المحمدية السمحة فقال الحق تبارك وتعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِ يًْا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ](4). وكما أن التعريفات النبوية ما فتأت جهدًا بوضوحها، وجمال لطائفها، وسبك مرادها، ومن أدلة ذلك ما روي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: قَالَ النَّبِيﷺ: (تَجِّدُ مِّنْ شَر ِّ النَّاسِّ يَوْمَ القِّيَ امَةِّ عِّنْدَ اللََِّّّ ذَا الوَجْهَيْنِّ (5)، الَّذِّي يَأْتِّي هَؤُلاَءِّ بِّوَجْهٍ، وَهَؤُلاَءِّ بِّوَجْهٍ (6). 6 .اليسر والسهولة: فالسنة النبوية إنما وجدت لجلب المصالح ودرء المفاسد، وبنيت على اعتماد التيسير في كل شيء والابتعاد عن التعسير، فقد قال الله :[وَمَا جَ عَلَ عَلَيْكُمْ فِِ الدِينِ مِنْ حَرَج مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَماَّكُمُ المُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِِ هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلََ النَّاسِ ](7)، وقال النبي :(يَس ِّرُوا وَلاَ تُعَس ِّرُوا، وَ بَش ِّرُوا، وَلاَ تُنَف ِّرُوا) (1)، (1( سنن الترمذي، أبواب البر والصلة - باب ما جاء في معالي الأخلاق ( 4/370،ح2018)، وقال الإمام الترمذي: "حديث حسن غريب" . ينظر حديث (134) من أحاديث هذه الرسالة (2( (سورة النساء 171.) (3( (سورة الأنبياء :107.) (4( (سورة سبأ 28.) )5( ذو الوجهين: تقدمتعريفه. ينظر حديث ( 116.) )6( صحيح البخاري، كتاب الأدب- باب ما قيل في ذي الوجهين (8/18،ح6058.) (7( (سورة الحج 78.)
عدد الصفحات ٣٤25 وقوله أيضًا (إِنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَن ِتًا، وَلاَ مُتَعَن ِتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَل ِمًا مُيَس ِرًا )(2)، ولذلك كانت التَّعريفات الن بوية يسيرة وسهلة تستوعبها العقول وتدركها الأفهام. 7. الإيجاز (جوامع الكلم: فقد خص الله النبي بجملة من الخصائص من أهمها أنه أوتي جوامع الكلم وخواتمه وفواتحه، واختصر له الكلام اختصارًا، فجمع الله له المعاني الكثيرة في ألفاظ يسيرة، وجعل ذلك من أدلة نبوته، وأعلام رسالته، ليسهل على السامعين حفظه وتبليغه، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَُّّ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَِّّ قَالَ: (بُعِّثْتُ بِّجَوَامِّعِّ الْكَلِّمِّ وَنُصِّرْتُ بِّالرُّعْبِّ فَبَيْنَا أَنَا نَائِّمٌ أُتِّيتُ بِّمَفَاتِّيحِّ خَزَائِّنِّ الأَْرْضِّ فَوُضِّعَتْ فِّي يَدِّي) (3) . وهذه السمة تميز ت بها جملة أحاديث الحبيب المصطفى وتعريف اته، ومن ذلك تعريف النبي للإحسان(أَنْ تَعْبُدَ اللَََّّ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِّنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِّنَّهُ يَرَاكَ )(4)، ومنهقوله : (يُقْبَضُ الْعِّلْمُ، وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ وَالْفِّتَنُ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ، قِّيلَ : يَا رَسُولَ اللََِّّّ، وَمَا الْ هَرْجُ؟ فَقَالَ : هَكَذَا بِّيَدِّهِّ، فَحَرَّفَهَا كَأَنَّه يُرِّيدُ الْقَتْلَ )(5). (1( صحيح البخاري، كتاب العلم- باب ما كان النبي يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا1/25،ح69.) (2( صحيح مسلم، كتاب الطلاق- باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقا إلا بالنية (2/1104،ح29.) (3 )صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير - بَابُ قَوْلِ النَّبِي ِ « :نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْر » (4/54،ح2977)، وينظر: ح6992، وح 7013، وح 7273، وصحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (1/371،ح523)،بطرق متعددة، وألفاظ متماثلة، من حديث أبي هريرة ، مرفوعًا (4 )صحيح البخاري، كتاب الايمان - باب سؤال جبريل النبي عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، وعلم الساعة (1/19،ح50.) )5) صحيح البخاري، كتاب العلم- باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس ( 1/28،ح85.)
عدد الصفحات ٣٥