المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التعريفات النبوية الواردة في أحاديث الكتب الستة جمع ودراسة

فاطمة حلمي التلباني

صفحة ١٨ من ٣٩

265 2. "يمكن أن يكون قوله: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ ، مختصرًا من الكلمات الأربع وهي: "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر"؛ لأن سبحان الله تنزيه عما لا يليق بجلاله، وتقديس لصفاته عن النقائص فيندرج فيه معنى لا إله إلا الله، وقوله: وبحمده، صريح في معنى الحمد لله، ويستلزم ذلك معنى الله أكبر؛ لأنه إذا كان كل الفضل والإِفضال له تعالى ومنه، لا من شيء غيره، فلا أكبر منه، وبهذا فإنه لا يلزم من هذا أن يكون التسبيح أفضل من التهليل؛ إذ التهليل تصريح في التوحيد، والتسبيح متضمن له "(1). 12- أهل الجنة (تعريف بصفتهم) - أولاا: التعريف اللغوي: لم تعرف الباحثة ألفاظ التعريف لغويًا؛ لشهرتها لدى عوام الناس، فلا حاجة لذلك. - ثانياا: التعريف الاصطلاحي: أهل الجنة: قالت الباحثة: هم عباد الذين آمنوا بالله ورسوله، وأطاعوهم في المأمورات والمنهيات، وتسابقوا في فعل الخيرات، فاستوجب لهم بذلك ما وعدهم الله به، مما أعد لهم من صنوف درجات الجزاء في جنات النعيم. - ثالثاا: التعريف النبوي: أهل الجنة: كُلُّ ضَعِيف مُتَضَع ِف ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَِّّ لأََبَرَّهُ. أَهْلُ الْجَنَّةِّ: ثَلاَثَة ذُو سُلْطَان مُقْسِط مُتَصَد ِق مُوَفَّق ، وَرَجُل رَحِيم رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُل ِ ذِي قُ رْبَى وَمُسْلِم ، وَعَ فِيف مُتَعَف ِف ذُو عِيَال . حديث ( 103:) أخرجه الإمام البخاري (2)، بسنده (3)، قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْب الخُزَاعِيَّ (4)، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِي ﷺ يَقُولُ: (أَلاَ أُخْبِّرُكُمْ بِّأَهْلِّ الجَنَّةِّ؟ ، كُلُّ ضَعِّيفٍ مُتَضَع ِّ فٍ (1)، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللََِّّّ لأََبَرَّهُ، أَلاَ أُخْبِّرُكُمْ بِّأَهْلِّ النَّارِّ؟ كُلُّ عُتُل ٍ (2)، جَوَّاظٍ(3) مُسْتَكْبِّرٍ )(4). (1( ينظر: دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين7/236)، الكاشف عن حقائق السنن6/1822.) (2( صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن- بَابُل بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيم 13( ]6/159،ح4918.) (3( سند الحديثقال الإمام البخاري: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِد ، قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْ نَ وَهْب الخُزَاعِيَّ ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِي ﷺ يَقُو لُ...(الحديث). (4( الصحابي حارثة بن وهب الخزاعي، أمه أم كلثوم بنت جرول بن مالك الخزاعية، فهو أخو عبيد اللَّّ بن عمر لأمه، يعد في الكوفيين. وله رواية عن النبي ﷺ، وعن حفصة بنت عمر ، وغيرها وله في الص حيحين أربعة أحاديث، منها قوله: "صل ى بنا النبي ﷺ آمن ما كان الناس بمنى ركعتين". روى عنه أبو إسحاق السبيعي، ومعبد بن خالد الجهني، والصلت بن بهرام.

عدد الصفحات ٢٧٥

266 حديث104:) وأخرجه الإمام مسلم (5)، بسنده (6)، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَار الْمُجَاشِعِي ِ (7)، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ ذَاتَ يَوْم فِي خُطْبَتِهِ: (أَلاَ إِّنَّ رَب ِّي أَمَرَنِّي أَنْ أُعَل ِّمَكُمْ مَا جَهِّلْتُمْ، مِّمَّا عَلَّمَنِّي يَوْمِّي هَذَا، كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْداا حَلاَلٌ، وَا ِّن ِّي خَلَقْتُ عِّبَادِّي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَا ِّ نَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِّينُ فَ اجْتَالَتْهُمْ (8) عَنْ دِّينِّهِّمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِّمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِّكُوا بِّي مَا لَمْ أُنْزِّلْ بِّهِّ سُلْطَاناا، وَا ِّنَّ اللهَ نَظَرَ إِّلَى أَهْلِّ الأَْرْضِّ، فَمَقَتَهُمْ (9) عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِّلاَّ بَقَايَا مِّنْ أَهْلِّ ينظر: الإصابة في تمييز الصحابة (1/708)، الاستيعاب في معرفة الأصحاب 1/308)، معرفة الصحابة (2/744.) (1( ضعيف متضعف: "أي هو الخاضع المذل نفسه لله تعالى". مشارق الأنوار على صحاح الآثار (2/60.) (2( عتل: "هو الجافي الغليظ، أو الجافي الشديد الخصومة اللئيم، أو الأكول، أو الشديد من كل شيء". ينظر مشارق الأنوار على صحاح الآثار (2/65.) (3( جواظ: "فيه ثلاثة أقوال؛ الجموع المنوع والكثير اللحم المختال في مشيته والقصير البطين". ي نظر: غريب الحديث لابن الجوزي (1/180.) (4( تخريج الحديث أخرجه الإمام البخاري أيضًا، كتاب الأدب - باب الكبر (8/20،ح6071)، وينظر: ح6657. وأخرجه الإمام مسلم 4/2190،ح2853.) وكلا الشيخان؛ البخاري ومسلم، من حديث حارثة بن وهب، بطرق مختلفة، وألفاظ متماثلة، مرفوعًا. (5( صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها- باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار (4/2197،ح2865.) (6( سند الحديثقال الإمام مسلم: حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ بْنِ عُثْمَانَ، وَاللَّفْظُ لأَِبِي غَسَّانَ، وَابْنِ الْمُثَنَّى، قَالاَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَام ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُطَر ِفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الش ِخ ِيرِ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَار الْمُجَاشِعِي ِ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ ذَاتَ يَوْم فِي خُطْبَتِهِ...(الحديث). (7( الصحابي عياض بن حمار بن أبي حمار بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع التميمي، المُجَاشِعِي، وأبوه باسم الحيوان المشهور، وقد صحفه بعض المتنطعين من الفقهاء؛ لظنه أن أحدًا لا يُسَمَّى بذلك، لقـــــي النبي ﷺ بمكـــــة، وكـــــان صديقًا قديمًا لرســــول الله ﷺ، وكــان إذا قـــــدم مـكـــة لا يطـــــــــوف إلا فِي ثياب رسول الله ﷺ، لأنه كان من الجملة الذين لا يطوفون إلا في ثوب أحمسى. حديثه في صحيح مسلم، وعند أبي داود والترمذي عنه حديث آخر، أنه أهدى إلى ال نبي ﷺ قبل أن يسلم، فلم يقبل منه، وسكن البصرة. وروى عن النبي ﷺ، وروى عنه مطرف بن عبد اللَّّ، وأخوه يزيد بن عبد اللَّّ بن الشخير، والعلاء بن زياد، وعقبة بن صهبان، وغيرهم. ينظر: الإصابة في تمييز الصحابة (4/625)، معرفة الصحابة 4/2164)، الاستيعاب في معرفة ا لأصحاب (3/1233.) (8( فاجتالتهم: "أي استخفتهم فذهبت بهم، وساقتهم إلى ما أرادوه منهم، وجالوا معهم". مشارق الأنوار على صحاح الآثار (1/165.) (9( فمقتهم: "أي أبغضهم حيث وجدهم متفقين على الشرك". مجمع بحار الأنوار 1/300.)

عدد الصفحات ٢٧٦

267 الْكِّتَابِّ، وَقَالَ: إِّنَّمَا بَعَثْتُكَ لأَِّبْتَلِّيَكَ وَأَبْتَلِّيَ بِّكَ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِّتَاباا لاَ يَغْسِّلُهُ الْمَ اءُ، تَقْرَؤُهُ نَائِّماا وَيَقْظَانَ، وَا ِّنَّ اللهَ أَمَرَنِّي أَنْ أُحَر ِّقَ قُرَيْشاا، فَقُلْتُ: رَب ِّ إِّذاا يَثْلَغُوا رَ أْسِّي (1) فَيَدَعُوهُ خُبْزَةا، قَالَ اسْتَخْرِّجْهُمْ كَمَا اسْتَخْرَجُوكَ، وَاغْزُهُمْ نُغْزِّكَ، وَأَنْفِّقْ فَسَنُنْفِّقَ عَلَيْكَ، وَابْعَثْ جَيْشاا نَبْعَثْ خَمْ سَةا مِّثْلَهُ، وَقَاتِّلْ بِّمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ، قَالَ: وَأَهْلُ الْجَنَّةِّ ثَلاَثَةٌ : ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِّطٌ مُتَصَد ِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِّيمٌ رَقِّيقُ الْقَلْبِّ لِّكُل ِّ ذِّي قُرْبَى وَمُسْلِّمٍ، وَعَفِّيفٌ مُتَعَف ِّفٌ ذُو عِّيَالٍ، قَالَ: وَأَهْ لُ النَّارِّ خَمْسَةٌ: الضَّعِّيفُ الَّذِّي لاَ زَبْرَ لَهُ (2)، الَّذِّينَ هُمْ فِّيكُمْ تَبَعاا لاَ يَبْتَغُونَ أَهْلاا وَلاَ مَالاا، وَالْخَائِّنُ الَّذِّي لاَ يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ، وَا ِّنْ دَقَّ إِّلاَّ خَانَهُ، وَرَجُلٌ لاَ يُصْبِّحُ وَلاَ يُمْسِّي إِّلاَّ وَهُوَ يُخَادِّعُكَ عَ نْ أَهْلِّكَ وَمَالِّكَ، –وَذَكَرَ - الْبُخْلَ أَوِّ الْكَذِّبَ، وَالش ِّنْظِّيرُ (3) الْفَحَّاشُ )، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو غَسَّانَ فِي حَدِيثِهِ: (وَأَنْفِّقْ فَسَنُنْفِّقَ عَلَيْكَ )(4). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. ذكر النبي في حديث البخاري صنفًا من أهل الجنة(كُلُّ ضَعِّيفٍ مُتَضَع ِّفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللََِّّّ لأََبَرَّهُ ). وقد رد ذكر المُ تَ ضَ عَّ ف بفتح العين، وهو المشهور، ومعناه: أن ه يستضعفه الناس ويحتقروه ويتجبرون عليه؛ لضعف حاله في الدنيا، وأما رواية الكسر فمعناها: متواضع متذلل خامل واضع من نفسه. و"قد يكون الضعف هنا رقة القلوب ولينها، وا خباتها للإيمان، فيكون أغلب أهل الجنة من هؤلاء كما أن معظم أهل النار القسم الآخر وليس المراد الاستيعاب في الطرفين" (5). والضعيف المُتَضَع ِف من أهل الجنة؛ لأن ه هو الخاضع لله  المذل نفسه له، ضد المتبختر المستكبر، حيث يراد بذا اتصافه بالتبرئة من الحول والقوة واللجأ إلى الله  متى تذكر(6)، كما في حديث رسول ، حيث قال (قُمْتُ عَلَى بَابُ الجَنَّةِّ، فَكَانَ عَامَّةَ مَنْ دَخَلَهَا (1( الثلغ: "الشدخ". النهاية في غريب الحد يث والأثر (1/220.) (2( لا زبر له: "أي لا عقل له يزبره وينهاه عن الإقدام على ما لا ينبغي". النهاية في غريب الحديث والأثر (2/293.) (3( الشنظير: "أي السيء الخلق". غريب الحديث لابن قتيبة 1/305.) (4( تخريج الحديث تفرد به الإمام مسلم من أصحاب الكتب الستة. (5( ينظر: شرح النووي على مسلم17/187.) (6( ينظر: طرح التثريب في شرح التقريب 8/179.)

عدد الصفحات ٢٧٧

268 المَسَاكِّينُ، وَأَصْحَابُ الجَد ِّ (1) مَحْبُوسُونَ، غَيْرَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِّ قَدْ أُمِّرَ بِّهِّمْ إِّلَى النَّارِّ، وَقُمْتُ عَلَى بَابُ النَّارِّ فَإِّذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا الن ِّسَاءُ) (2). والضعفاء أتباع الرسل، كما أخبر الله  عن نوح  أن قومه عيروه باتباع الضعفاء له فقالوا: [أنؤمن لك واتَّبعك الأرْذ لون ](3)، وكذلك هم أفضل من الأغنياء عند كثير من العلماء أو أكثرهم (4)، كما ورد في حد يث التعريف: (أَلاَ أُخْبِّرُكُمْ بِّأَهْلِّ الجَنَّةِّ؟ كُلُّ ضَعِّيفٍ مُتَضَع ِّفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللََِّّّ لأََبَرَّهُ، ...)، وهذا فيه تأكيد على أن أصل التقوى في القلوب، فلا يطلع أحد على حقيقتها إلا الله ، كما قال  :(إِّن اللهَ لاَ يَنْظُرُ إِّلَى صُوَرِّكُ مْ وَأَمْوَالِّكُمْ، وَلَكِّنْ يَنْظُرُ إِّلَى قُلُوبِّكُمْ وَأَعْمَالِّكُمْ)(5)، وحينئذ فقد يكون كثير ممن له صورة حسنة، أو مال، أو جاه، أو رياسة في الدنيا قلبه خرابًا من التقوى، ويكون من ليس له شيء من ذلك قلبه مملوءًا من التقوى، فيكون أكرم عند الله تعالى، بل ذلك هو الأكثر وقوعًا(6). 2. ذكر النبي ثلاثة أصناف أخرى من أهل الجنة، هي - الأول: (ذُو سُلْطَان مُقْسِط مُتَصَد ِق مُوَفَّق )، و(ذو سلطان): أي حكم، لأنه ذو قهر وغلبة من السلاطة، وهي التمكن من القهر، قال  :[ (7)، ومنه سمي السلطان، وقيل: ذو حُجة؛ لأنه يقام الحجج به، و(مُقسط ) أي عادل، يقال: اقسط فهو مقسط إذا عدل، و(متصدق): أي محسن إلى الناس، و(موفَّق): أي الذي هيئ له أسباب الخير وفتح له أبواب البر(8). (1( أصحاب الجَد: "أي البخت والحظ في المال وسعة الدنيا ويحتمل أن المراد به أصحاب السلطنة والأمر مشارق الأنوار على صحاح الآثار (1/141.) (2( أخرجه الإمام البخاري، كتاب النكاح - باب لا تأذن المرأة في بيت زوجها لأحد إلا بإذنه ( 7/30،ح5196)، وينظر: ح6547، وأخرجه الإمام مسلم، كتاب الرقاق - باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء وبيان الفتنة بالنساء (4/2096،ح2736.) (3( (سورة الشعراء 111.) (4( ينظر: اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى (ص100.) (5( صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب- باب تحريم ظلم المسلم، وخذله، واحتقاره ودمه، وعرضه، وماله (4/1987،ح2564.) (6( ينظر: جامع العلوم والحكم2/276.) (7( (سورة النساء 90.) (8( ينظر: مرقاة المفاتيح 14/243- 244.)

عدد الصفحات ٢٧٨

269 - والثانيوَرَجُل رَحِيم رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُل ِ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِم )، أي رجل على الصغير والكبير، رقيق القلب لكل ذي قربى خصوصًا، ولكل مسلم عمومًا. وقيل: رحيم أي يرق قلبه ويرحم لكل من بينه وبينه لحمة القرابة أو صلة الإسلام، والظاهر أن يراد بالرحيم صفة فعلية يظهر وجودها في الخارج وبالرقيق صفة قلبية سواء ظهر أثرها أم لا(1). - والثالث (وَعَفِيف مُتَعَف ِف ذُو عِيَال )، وعفيف أي مجتنب عما لا يحل، متعفف أي عن السؤال متوكل على الملك المتعال في أمره وأمر عياله مع فرض وجودهم فإنه أصعب، ولهذا قال: ذو عيال أي لا يحمله حب العيال ولا خوف رزقهم على ترك التوكل بارتكاب سؤال الخلق وتحصيل المال الحرام والاشتغال بهم عن العلم والعمل مما يجب عليه. ويحتمل أنه أشار بالعفيف إلى ما في نفسه من القوة المانعة عن الفواحش، وبالمتعفف إلى إبراز ذلك بالفعل، واستعمال تلك القوة وا ظهار العفة عن نفسه(2). 3. يمكن التعرف على علامات أهل الجنة من خلال الحديثين السابقين، وهي: أ- التواضع والتذلل لله  . ب- العدل والإحسان. ت- الرحمة ورقة القلب. ث- العفة والتعفف. فهذه علامات أهل الجنة، أسأل الله  أن يدخلنا وا ياكمالفردوس الأعلى من الجنة، إنه جواد كريم . 13- أهل - أولاا: التع ريف اللغوي: لم تعرف الباحثة ألفاظ التعريف لغويًا؛ لشهرتها لدى عوام الناس، فلا حاجة لذلك. وأهل الله جملة: هم أولياءه من عباده الصالحين. - ثانياا: التعريف الاصطلاحي: أهل الله: هم فئة من المؤمنين، اصطفاهم الله  على غيرهم من عباده المؤمنين، فأدانهم منه منز لة، وقربهم منه مكرمة، واستعملهم على ثغور دينه، وحدود شريعته، فكانوا أولياء (1( ينظر: مرقاة المفاتيح 14/244- 245.) (2( ينظر: المصدر نفسه14/245.)

عدد الصفحات ٢٧٩

270 الله في أرضه وأهل الله: "هم حفظة القرآن، العاملون به هم أولياء الله، والمختصون به اختصاص أهل الإنسان به"(1). - ثالثاا: التعريف النبوي أهل الله: أَهْلُ الْقُرْآنِ، أَهْلُ اللَِّّ وَخَاصَّتُهُ. حديث (105:) أخرجه الإمام ابن ماجه (2)، بسنده(3)، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَِّّ ﷺ: (إِّنَّ لِلَِِّّّ أَهْلِّينَ مِّنَ النَّاسِّ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللََِّّّ ﷺ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِّ، أَهْلُ اللََِّّّ وَخَاصَّتُهُ )(4.) (1( النهاية في غريب الحديث والأثر 1/83.) (2( سنن ابن ماجه، كتاب الإيمان وفضائل الصحابة والعلم- باب فضل من تعلم القرآن وعلمه ( 1/78،ح215.) (3( سند الحديث حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ خَلَف أَبُ و بِشْر قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِي قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بُدَيْل ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَِّّﷺ...(الحديث). (4( دراسة الحديث - أولاا: دراسة س ند الحديث: في إسناده: 1. بكر بن خلف البصري، خَتَنالمقرئ أبو بشر، مات بعد سنة مائتين وأربعين. روى عنه أبو حاتم وأبو زرعة، وقال أبو حاتم، والذهبي: "ثقة"، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن معين: "ما به بأس"، وقال ابن حجر: "صدوق". قالت الباحثة: ثقة. ينظر: الجرح والتعديل ( 2/385)، الكاشف1/274)، الثقات8/150)، تقريب التهذيب (ص 126.) 2. عبد الرحمن بن بديل بن ميسرة العقيلي، البصري ذكره الإمام البخاري بسماعه عن أبيه، وقد روى عنه عبد الرحمن بن مهدي، مع تنقيه للرجال، وقال أبو داود الطيالسي: " كان ثقة صدوقًا عن أبيه"، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الذهبي: "ثقة"، وقال ابن معين، وأبو داود، والنسائي: "ليس به بأس"، وقال ابن شاهين، وابن حجر: لا بأس به"، وقال ابن معين، وابن شاهين، والذهبي مرة: ضعيف، وقال أبو الفتح الأزدي فيه لين، وقال ابن حبان مرة: "منكر الحديث، يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات، وينفرد عن أبيه بأشياء كأنها مقلوبات، يجب التنقب عن أخباره". وقد برر الإمام المزي تضعيف روايته عن أبيه هنا، فقال: "روى له النسائي، وابن ماجه حديثًا واحدًا، وقد وقع لنا بعلو عنه، وهو حديث "إن لله أهلين"، رواه النسائي في السنن ا لكبرى، عن أبي قدامة عبيد الله بن سعيد، ورواه ابن ماجه، عن أبي بشر بكر بن خلف، جميعًا، عن عبد الرحمن بن مهدي، عنه، فوقع لنا عاليًا بدرجتين". قالت الباحثة: ثقة، ربما أخطأ في بعض سماعه من أبيه، ولا يضره هنا ما اتهم فيه من قبل والده لما يلي: أ. لأجل وقوع سماعه منه كما سبق ذكره.

عدد الصفحات ٢٨٠

271 - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. تعريف "أهل الله" يشتمل على معنيين؛ أحدهما عام، والآخر خاص، ونجد أن النبي  استعمل في تعريفه المعنى الخاص، ولعل هذا التخصيص؛ تعظيمًا وتشريفًا لمن أُريد، و أعلم. ب. تحمل ابن مهدي الرواية عنه، فهو ينتقي الرجال للتحديث عنهم. ت. لأجل تصريحه بالسماع من أبيه، في رواية الإمام أحمد. (يراجع التخريج). وقد وقف الإمام الألباني على أقوال الأئمة في حال هذا الراوي معلقًا، فقال: "وقال الحاكم: "قد روي هذا الحديث من ثلاثة أوجه عن أنس، هذا أمثلها". وكذا قال الذهبي، ولم يفصحا عن حال هذا الإسناد. وهو في نقدي جيد، فإن بديل بن ميسرة ثقة من رجال مسلم ، وابنه عبد الرحمن، قال ابن معين وأبو داود والنسائي: "ليس به بأس" ، وقال الطيالسي: "ثقة صدوق"، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ولم يضعفه أحد غير ابن معين في رواية، وهو جرح غير مفسر فلا يقبل، لاسيما مع مخالفته لروايته الأولى؛ الموافقة لقول الأئمة الآخرين. وأما قول الأزدي: "فيه لين"، فهو اللين؛ لأنهم تكلموا فيه هو نفسه، فلا يقبل جرحه، لاسيما عند المخالفة، وكأنه لذلك قال ال بوصيري : "إسناده صحيح". ينظر: التاريخ الكبير ( 5/264)، ميزان الاعتدال 2 /549)، الجرح والتعديل 5/216)، الثقات (8/371)، الكاشف1/622)، تهذيب التهذيب6/143)، تاريخ أسماء الثقات (ص 146)، تقريب التهذيب (ص 337)، المغني في الضعفاء 2/376)، المجروحين 2/52)، تهذي ب الكمال (16/544)،سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (4/85.) وباقي رجال إسناده من الثقات - ثانياا: تخريج الحديث: تفرد به الإمام ابن ماجه، من أصحاب الكتب الستة، وله متابعات في غيرها، فقد أخرجه الإمام النسائي في السنن الكبرى، كتاب فضائل القرآن - أهل القرآن (7/263،ح7977)، عن عبيد الله بن سعيد وأخرجه الإمام أحمد في مسنده، مسند المكثرين من الصحابة - مسند أنس بن مالك  (19/305،ح12292) عن أبي عبيدة الحداد. كلاهما: (عبيد الله، وأبو عبيدة) عن عبد الرحمن بن مهدي، بسنده، ولفظه، من حديث أنس ، مرفوعًا ثالثاا: الحكم على سند الحديث: إسناده صحيح؛ لوقوع الإسناد عاليًا كما سبق ذكره، و قد قال البوصيري: "إسناده صحيح، ورجاله موثوقون"، و صححه الإمام الألباني، وحسنه الشيخ الأرنؤ و ط؛ لأجل عبد الرحمن بن بديل. ينظر: مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (1 /29)،صحيح الترغيب والترهيب ( 2/80)، سنن ابن ماجه، ت الأرنؤوط ( 1/146.)

عدد الصفحات ٢٨١

272 2 .إن قراءة القرآن الكريم أفضل أعمال البر كلها؛ كما قال النبي  :(خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ )(1)؛لأنَّ ه لما كان من تعلم القرآن أو علمه أفضل الناس وخيرهم تبيَّن ذلك؛ حيث وجبت له الخيرية والفضل من أجل القرآن، وكان له فضل التعليم جاريً ا ما دام كل من علمه تاليً ا(2)، و شك أن معرفة معنى القرآن أفضل من معرفة لفظه(3). 3. إن حفظة القرآن الكريم؛ هم العاملون به، وهم أولياء الله المختصون به اختصاص أهل الإنسان به، وقد سُمُّوا بذلك تعظيمًا لهم كما يقال: بيت الله، ثم إن هذا الاختصاص وقع على المجاز والتوسع، فإنَّه لما قربهم واختصهم كانوا كأهله(4). ومعلوم أنه لا يكون أهل الله وخاصته إلا العاملين بأوامره المعرضين عما زهد فيه كتابه من الدنيا وزهرتها، المقبلين على ما يرغب إليه من الآخرة ولذتها، فهؤلاء هم الذين صاروا بكتاب الله  أغنى البرية (5)، ومعلوم أيضًا أن الله  يخص بعض عباده، فيلهمهم العمل بأفضل الأعمال، حتى يرفع درجاتهم فوق كثير من الناس(6)، كما كتب على نفسه  :[ذَلِكَ فَضْلُ اللهَِّ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهَُّ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ](7). 4. صراحة الدعوة الإلهية بضرورة تعلم القر آن وتفهمه وتدبره، والتغليظ على من ترك ذلك، قال الله  :[وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ](8)، وضرورة الأدب مع القرآن الكريم، حيث يؤمن المسلم بقدسية كلام الله ، وشرفه وأفضليته على سائر الكلام، وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وعملاً بوصية صفوة الخلق سيدنا  :(اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِّنَّهُ يَأْتِّي يَوْمَ الْقِّيَامَةِّ شَفِّيعاا لأَِّصْحَابِّهِّ) (9)، ولهذا كان المسلم زيادة على أنه يحل حلاله ويحرم حرامه، ويلتزم بآدابه والتخلق بأخلاقه، فإنه يلتزم بآدابه ومنها: (1( صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن– باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه ( 6/192،ح5027)، وينظر ح5028. (2( ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال10/265.) (3( ينظر: مرقاة المفاتيح 4/1453.) (4( مصابيح التنوير على صحيح الجامع الصغير (1/370.) (5( التنوير شرح الجامع الصغير 2/531.) (6( ينظر: مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة4/285.) (7( (سورة الحديد 21.) (8( (سورة طه 124.) (9( صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها - باب فضل قراءة القرآن، وسورة البقرة ( 1/553،ح804.)

عدد الصفحات ٢٨٢

273 أ- أن يقرأه على أكمل الحالات، من طهارة، واستقبال القبلة، وجلوس في أدب ووقار(1). ب- أن يجتهد في أن يتصف بصفات أهله الدين هم أهل الله وخاصته، وأن يتسم بسماتهم(2)، كما قال عبد الله بن مسعود  :(يَنْبَغِّي لِّحَامِّلِّ الْقُرْآنِّ أَنْ يُعْرَفَ بِّلَيْلِّهِّ إِّذَا النَّ اسُ نَائِّمُونَ، وَبِّنَهَارِّهِّ إِّذَا النَّاسُ مُفْطِّرُونَ، وَبِّحُزْنِّهِّ إِّذَا النَّاسُ يَفْرَحُونَ، وَلِّبُكَائِّهِّ إِّذَا النَّاسُ يَضْحَكُونَ، وَبِّصَمْتِّهِّ إِّذَا النَّاسُ يَخْلِّطُونَ، وَبِّخُشُوعِّهِّ إِّذَا النَّاسُ يَخْتَالُونَ، وَيَنْبَغِّي لِّحَامِّلِّ الْقُرْ آنِّ أَنْ يَكُونَ بَاكِّياا مَحْزُوناا حَلِّيماا حَكِّيماا سِّك ِّيتاا، وَلاَ يَنْبَغِّي لِّحَامِّلِّ الْقُرْآنِّ أَنْ يَكُونَ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ ذَكَرَ كَلِّمَةا، لاَ صَخَّاباا وَلاَ صَيَّاحاا وَلاَ حَدِّيداا)(3). 14- أهل النار (تعريف بصفتهم - أولاا: التعريف اللغو ي: لم تعرف الباحثة ألفاظ التعريف لغويًا؛ لشهرتها لدى عوام الناس، فلا حاجة لذلك. - ثانياا: التعريف الاصطلاحي: أهل النار: قالت الباحثة: هم ثلة من خلق الله  أبوا عن دخول الجنة بفعل كفرهم وتكذيبهم بما أنزل الله على محمد ، أو بفعل جرأتهم على حدود الله، من خلال إصرارهم على الذنوب والمعاصي والمجاهرة بها بلا ريبة. - ثالثاا: التعريف النبوي: أهل النار: كُلُّ عُتُل ، جَوَّاظ مُسْتَكْبِر . (1( ينظر: منهاج المسلم (ص63.) (2( منهاج المسلم (ص65.) (3( مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الزهد – باب ما قالوا في البكاء من خشية الله (7/231،ح35584)، - أولاا: دراسة رجال الإسناد: رجال إسناده من الثقات . - ثانياا: تخريج الحديث: أخرجه الإمام أبو داود في الزهد (ص 170)، عن هنَّاد، عن المحاربي، قال: أنا مالك بن مغول، قال: أخبرني أبو يعفور، بمثله. وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (3/287،ح1668) عن أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف، عن أبي بكر عبد الله بن يحيى الطلحي بالكوفة، عن أبي عمر عثمان، عن رجل، عن المسيب بن رافع، مختصرًا. قالت الباحثة: ولعل الرجل هو أبو يغفور، عن المسيب عن عبد الله بن مسعود، موقوفًا. - ثالثاا: الحكم على سند الحديث: إسناده صحيح؛ لأجل رواته الثقات.

عدد الصفحات ٢٨٣

274 أهل النار الضَّعِيفُ الَّذِي لاَ زَبْرَ لَهُ، الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعًا لاَ يَبْتَغُونَ أَهْلاً وَلاَ مَالاً، وَالْخَائِنُ الَّذِي لاَ يَخْفَى لَهُ طَمَع ، وَا ِنْ دَقَّ إِلاَّ خَانَهُ، وَرَجُل لاَ يُصْبِحُ وَلاَ يُمْسِي إِلاَّ وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ، و الْبُخْلَ أَوِ الْكَذِبَ، وَالش ِنْظِيرُ الْفَحَّاشُ . حديث (م(1) :)أخرجه الإمام البخاري، بسنده، قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْب الخُزَاعِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((...)، أَلاَ أُخْبِّرُكُمْ بِّأَهْلِّ النَّارِّ؟ كُلُّ عُتُل ٍ، جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِّرٍ ) الحديث. حديث (م (2):) أخرجه الإمام مسلم، بسنده، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَار الْمُجَاشِعِي ِ ، أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ ذَاتَ يَوْم فِي خُطْبَتِهِ: ((...)، قَالَ: وَأَهْلُ النَّارِّ خَمْسَةٌ: الضَّعِّيفُ الَّذِّي لاَ زَبْرَ لَهُ، الَّذِّينَ هُمْ فِّيكُمْ تَبَعاا لاَ يَبْتَغُونَ أَهْلاا وَلاَ مَالاا، وَالْخَائِّنُ الَّذِّي لاَ يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ، وَا ِّنْ دَقَّ إِّلاَّ خَانَهُ، وَرَجُلٌ لاَ يُصْبِّحُ وَلاَ يُمْسِّي إِّلاَّ وَهُوَ يُخَادِّعُكَ عَنْ أَهْلِّكَ وَمَالِّكَ، –وَذَكَرَ - الْبُخْلَ أَوِّ الْكَذِّبَ، وَالش ِّنْظِّيرُ الْفَحَّاشُ ) وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو غَسَّانَ فِي حَدِي ثِهِ: (وَأَنْفِّقْ فَسَنُنْفِّقَ عَلَيْكَ ). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1 .الدلالة على أن أكثر أهل النار؛ هم المتكبرون، وا ن سبب وصف النبي  للعتل الجواظ المستكبر أنه من أهل النار، أنه هو الذى باطنه منطو على الكبر على الله ، فهذا كافر لاشك في كفره (3)، وذلك هو الكبر الذى عناه النبي بقوله(لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِّي قَلْبِّهِّ مِّثْقَالُ ذَرَّةٍ مِّنْ كِّبْرٍ) (4.) وذلك فيه إيماء إلى أن داء الكبر يطلبه لنفسه وليس هو له، بل الذي له العبودية والتذلل، والكبرياء لله سبحانه(5). 2. بيان أن الرجال لا تقاس بالضخامة والمنة، ولا بالشكل والقوة ولا بالزي والصورة، ولكن تقاس بالقلوب التي تحملها، والأعمال التي تصدرها، والأخلاق التي تلبسها، لذا فإن من حمل قلبًا لئيمًا، فكان جافي الطبع، غليظ القلب، متكبرً ا على الخلق، معرضً ا عن الحق، كمن قيل فيهم: [وَإِذَا تُتْلََ عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلىَّ مُسْتَكْبًَِا كَأَنْ لمَْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِِ أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشرِْهُ بِ عَذَا أَلِيم ](6)، فيستنكف أن يكون لله عبدً ا، ويتعالى بما لا يعليه، ويستكبر بما ليس فيه، وا ن كان ضخمً ا بدينً ا، (1( تقدم، ينظر حديث103.) (2( تقدم، ينظر حديث104.) (3( ينظر: تطريز رياض ا لصالحين (ص188)، شرح صحيح البخار ي لابن بطال (9 /266.) (4( صحيح مسلم، كتاب الأدب- باب ما ذكر في الكبر (1/93،ح91)، بطرق متعددة وألفاظ متقاربة، من طريق إبراهيم النخعي، من حديث ابن مسعود ، مرفوعًا (5( دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين5/70.) (6( (سورة لقمان 7.)

عدد الصفحات ٢٨٤

275 وجبارًا عنيدً ا، كمن قيل فيهم: [ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الجَمَلُ فِِ سَمِ الِْيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ  لهَُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَاد وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاش وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالمِِينَ (1)،فمن كان كذلك فهو إلى الله  بغيض، فإنه  لا يحب المستكبرين، لذا وعده أن يكون مأواه الجحيم، وبئس المصير. فلا تغتر أخي بقوتك، وتسخرها في التجبر على الضعفاء الذ ين يحملون نفوسً ا عظيمة، وقلوبً ا رحيمة ، فإنهم عباد الله المقربون ، وجنده المخلصون ، لا يرد عليهم دعاء، ولا يخيب لهم رجاء (2)، فقد كتب على نفسه [إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ محُْسِنُونَ ](3). 3. الإشارة إلى علامات أهل النار، وهي: أ- من كان غليظ جاف، قلبه حجر والعياذ بالله، كالحجارة أو أشد قسوة. ب- من كان جزوع لا يصبر على شيء، ويرى أنه في قمة أعلى من أن يمسه شيء. ت- من تكبر على الناس وتهاون في احتقارهم، فهو في نفسه عال على الحق، وعال على الخلق، لا يلين للحق ولا يرحم الخلق والعياذ بالله. فهذه علامات أهل النار، نسأل الله أن يعيذنا وا ياكم من النار، وأن يدخلنا وا ياكم الجنة، إنه جواد كريم (4). 4. تضمن الحديث أحد أساليب المدرسة المحمدية في العملية التعليمية، وهذا الأسلوب الذي كان النبي  يستعمله،أنه يورد الكلام على صيغة الاستفهام، من أجل أن ينتبه المخاطب ويعي ما يقول، فهو يقول (أَلاَ أُخْبِرُكُمْ )، فالكل سيقول نعم أخبرنا يا رسول الله ، فقال: (كُلُّ عُتُل ٍ، جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِّرٍ )(5). 5. استخدام أسلوب الترهيب في الدعوة المحمدية، وذلك بتحريم الكبر، والتحذير منه، فنجد أن أول معصية لإبليس -عليه اللعنة- عصاها لله ، وأوجبت عليه النار، كانت هي الكبر؛ حيث تكبر عن السجود لأمر الله  عندما أمر بالسجود لآدم ، وتعالى الشيطان (1( (سورة الأعراف 40،41.) (2( ينظر: الأدب النبوي (ص142)، وبتصرف (3( (سورة النحل 125.) (4( ينظر: شرح رياض الصالحين 3/50)، وبتصرف (5( ينظر: شرح رياض الصالحين 3/545.)

عدد الصفحات ٢٨٥

276 بجنسه وافتخر بعنصره الناري، كما بينته آيات الكتاب الحكيم: [قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْْ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَار وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِين ](1) . 6. التصريح بالرقم "خمسة" في أقسام أهل النار، فيه إشارة إلى كثرتهم، حيث يتعين تقسيم الأقسام الخمسة على النحو التالي: أحدها: الضعيف، وثانيها: الخائن، وثالثها: رجل، ورابعها: البخيل، وخامسها: الشنظير(2). 15- البخيل - أولاا: التعريف اللغوي: البخيل: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "بَخَلَ" الباء والخاء واللام كلمة واحدة، وهي: البُخْل والبَخَل، ورجل بخيل وباخل، فإذا كان ذلك شأنه فهو بخال(3)، والبخل: منع الواجب في دين أو مروءة أو عادة(4)، ويجمع البخيل: بخلاء(5). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي البخيل: "هو من يبخل بما في يده، فيأكل ولا يعطي"(6). - ثالثاا: التعريف النبوي البَخِّيلُ: الَّذِي مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَل ِ عَلَيَّ. حديث ( 106:) أخرجه ا مام الترمذي (7)، بسنده (8)، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِي ِ بْنِ أَبِي طَالِب ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَِّّ ﷺ: (البَخِّيلُ الَّذِّي مَنْ ذُكِّرْتُ عِّنْدَهُ فَلَمْ يُصَل ِّ عَلَيَّ )(9). (1( (سورة الأعراف 12.) (2( ينظر: مرقاة المفاتيح 7/3107)، بتصرف (3( ينظر: مقاييس اللغة1/207.) (4( المجموع المغ يث في غريبي القرآن والحديث ( 1/135.) (5( تهذيب اللغة7/180.) (6( ينظر: معجم الفروق اللغوية (ص202)، الكليات (ص242.) (7( سنن الترمذي، أبواب الدعوات - باب (5/551،ح3546.) (8( سند الحديثقال الإمام الترمذي: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، وَزِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ ، قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِر العَقَدِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلاَل ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَِّّ بْنِ عَلِي ِ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِي ِ بْنِ أَبِي طَالِب ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِي ِ بْنِ أَبِي طَالِب ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَِّّ ﷺ...(الحديث). (9( دراسة الحديث - أولاا: دراسة رجال الإسناد: في إسناده: 1 .عمارة بن غَزِيَّة بن الحارث الأنصاري المازني المدني، مات سنة مائة وأربعين

عدد الصفحات ٢٨٦

277 وثقه أحمد، وأبو زرعة، وابن سعد، والعجلي، وزاد ابن سعد: "كثير الحديث"، وقال أبو ح اتم: "ما بحديثه بأس كان صدوقاً"، وقال ابن حجر: "لا بأس به وروايته عن أنس مرسلة"، وقال الذهبي: "صدوق". قالت الباحثة: ثقة يرسل عن أنس ، وا رساله هنا لا يضر؛ لروايته عن غير أنس. ينظر: العلل ومعرفة الرجال ( 2/473)، الضعفاء لأبي زرعة 3/914)، الطبقات الكبرى (5/407)، معرفة الثقات (ص 354)، الجرح والتعديل 6/368)، تقريب التهذيب (ص 409)، ميزان الاعتدال ( 3/178) 2 .عبد الله بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: "يروي عن أبيه وأهل المدينة"، وقال الذهبي: ثقة"، وبين الدارقطني: "روايته عن أبيه أشب ه بالصواب"، وقال المزي: "روى له الترمذي والنسائي"، قال ابن حجر: "مقبول"، وقال مرة: "صحح الترمذي ، والحاكم حديثه، وهو من روايته عن أبيه، وأما روايته عن الحسن بن علي فلم تثبت"، وصحح الإمام الألباني حديثه عن أبيه عن جده. قالت الباحثة: ثقة في أبيه، مرسل في جده ، ولا يضره إرساله هنا؛ لروايته عن أبيه ، ولعل الإمام الألباني اطلع على ما لم يطلع عليه المتقدمين من أمر روايته عن أبيه، والله أعلم، وأما قول ابن حجر "مقبول"؛ إنما لقلة روايته. ينظر: الثقات ( 7/2)، الكاشف 1/576)، علل الدارقطني 3/102)، تهذيب الكمال (15/322)،تقريب التهذيب (ص 314)، تهذيب التهذيب 5/325) مشكاة المصابيح (1/295.) وباقي رجال إسناده من الثقات - ثانياا: تخريج الحديث: تفرد به الإمام الترمذي في سننه، من أصحاب الكتب الستة وله متابعات، فقد أخرجه الإمام النسائي في السنن الكبرى، كتاب عمل اليوم والليلة – من البخيل؟ (9/28،ح9802)، من طريق عبد العزيز بن محمد، بمثله. وأخرجه البيهقي في الدعوات الكبير (1/249،ح171)، من طريق سليمان بن بلال، بمثله كلاهما (عبد العزيز، وسليمان) عن عمارة بن غزية، بسنده، من حديث الحسين بن علي بن أبي طالب، مرفوعًا - ثالثاا: الحكم على سند الحديث: إسناده صحيح؛ و رجاله ثقات ، ولا يضر عمارة إرساله عن أنس؛ لعدم روايته عنه هنا، وكذلك لا يضر عبد الله إرساله عن جده؛ لروايته عن أبيه هنا، وقال الإمام الترمذي: "حديث حسن صحيح غريب" ، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وله شاهد عن أبي هريرة" ، وقد صححه الإمام الألباني –رحمه الله -، وقال حسين سليم أسد: "إسناده صحيح"، ينظر: سنن الترمذي (5/551)، المستدرك على الصحيحين (1/734)، مشكاة المصابيح (1/295)، موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان ت حسين أسد (8/20).

عدد الصفحات ٢٨٧

278 - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. البخل له معنى عام بتع ريف أهل اللغة والاصطلاح، وآخر خاص بتعريف أهل الشرع، ونجد أن النبي  استعمل في تعريفه المعنى الخاص دون العام، ولعل هذا التخصيص؛ تصغيرًا وتحقيرًا للمُعَرَّف به، والله أعلم. 2 .إن التعبير بالبخل إن ما يستعمل غالبًا في البخل بالمال، ويحتمل أن يراد بذلك العبادات كلها، ويوصف بالبخل من تكاسل عن الطاعة، كما ورد في حديث التعريف (1). وقد كان السبب في تسميته بذلك؛ لأنه بخل على نفسه حيث حرمها صلاة الله  عليه عشرًا إذا هو صلى واحد، ومنع أن يكتال له الثواب بالمكيال الأوفى، فهو كمن أبغض الجود حتى لا يحب أن يجاد عليه شبه تركه الصلاة عليه ببخله بإنفاق المال في وجوه البر(2). 3. اختلف أهل العلم في خبر الصلاة على النبي، أيعود على وملائكته، أم على الملائكة فقط، وذلك في قوله تعالى: [إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلََ النَّبِيِ ](3). والراجح: أن  يصلي وملائكته يصلون، وخبر الجلالة محذوف؛ لتغاير الصلاتين؛ لأن صلاة الله  غير صلاتهم، حيث نص أهل العلم على أنه إذا اختلف مدلولا الخبرين، فلا يجوز حذف أحدهما؛ لدلالة الآخر عليه، وا ن كانا بلفظ واحد. كما أنه عب ر بصيغة المضارع؛ ليدل على الدوام والاستمرار، أي أنه  وجميع ملائكته الذين لا يحصون بالعد ولا يحصرون بالحد يصلون عليه، وفيه الاعتناء بشرفه وتعظيم شأنه في الملأ الأعلى، ومن هنا كانت الدعوة الإلهية باعتناء الملأ الأدنى بشرف الصلاة عليه  وتعطيمه، وتأكيد السلامعليه(4)، وذلك بنص الكتاب الحكيم: أيها [يَا أَيَُُّّا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِمُوا تَسْلِيماً ](5). 4. التحذير من ترك الصلاة على النبي  إذا ذكر، والإخبار بحصول الشقاء، وأن من ترك الصلاة عليه أبخل الناس، ولا دين له، ولا يرى وجهه الكريم (6). (1( ينظر: طرح التثريب في شرح التقريب 6/37)، فتح الباري (11/579.) (2( ينظر: فيض القدير3/216.) (3( (سورة الأحزاب 56.) (4( ينظر: إرشاد الساري7/305.) (5( (سورة الأحزاب 56.) (6( ينظر: المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية 1/78.)

عدد الصفحات ٢٨٨

279 وقد قا ل الفاكهاني(1) :"وهذا أقبح بخل وأشنع شح لم يبق بعده إلا الشح بكلمة الشهادة"(2). وقد بين الإمام الشافعي- رحمه الله - والجمهور أن الدعوة في الصلاة على النبي  خرجت مخرج المبالغة في تأكيد ذلك وطلبه، وأن الأمر فيها للندب لا للوجوب، وقالوا: "إن الصلاة عليه لكل تستحب في مواضع منها: كلما ذكر، ومنها: عند كتابة اسمه(3)، وهذا ما تميل إليه النفس والله أعلم. 16- البر - أولاا: التعريف اللغوي: البر: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "بَرَّ" (4). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي البر: تقدم ذكره (5). - ثالثاا: التعريف النبوي البر: حُسْنُ الْخُلُقِ . حديث (م(6):) أخرجه الإمام مسلم، بسنده، عَنْ نَوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ (7)، قَالَ: أَقَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ سنَةً، مَا يَمْنَعُنِي مِنَ الْهِجْرَةِ إِلاَّ الْمَسْأَلَةُ، كَانَ أَحَدُنَا إِذَا هَاجَرَ لَمْ يَ سْأَلْ (1( الفاكهاني: "هو عمر بن علي بن سالم بن صدقة اللخمي الإسكندري، تاج ا لدين الفاكهاني ( 654 - 734هـ): عالم بالنحو، من أهل الإسكندرية، زار دمشق سنة 731هـ، واجتمع به ابن كثير (صاحب البداية والنهاية) وقال: سمعنا عليه ومعه، وحج ورجع إلى الإسكندرية، وصُلي عليه بدمشق لما وصل خبر وفاته. له كتب، منها: "الإشارة في النحو"، و" المنهج الم بين في شرح الأربعين النووية"، و" التحرير والتحبير في شرح رسالة ابن أَبي زَيْد القيرواني، في فقه المالكية". ينظر: الأعلام للزركلي (5/56.) (2( فيض القدير3/216.) (3( ينظر: المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية 1/78.) (4( تقدم، ينظر حديث91.) (5( تقدم، ينظر حديث (91.) (6( تقدم، ينظر حديث92.) (7( الصحابي "نواس بن سمعان بن خالد بن عمرو بن قرط بن عبد الله، بن أبى بكر بن كلاب بن ربيعة، ابن عامر بن صعصعة العامري الكلابي، معدود في الشاميين. يقال: إن أباه "سمعان بن خالد" وفد على النبي ، فدعا له، وأهدى إلى النبي  نعلين، فقبلهما، وزوج أخته من النبي ، فلما دخلت على النبي تعوذت منه، فتركها وهي الكلابية روى النواس  عن النبي، وروى عنه: جبير بن نفير، وبسر بن عبيد الله، وغيرهما ينظر: أسد الغابة (4/591.)

عدد الصفحات ٢٨٩

280 رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ شَيْء ، قَالَ: فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْبِر ِ وَالإِْثْمِ، فَقَالَ ﷺ: (الْبِّرُّ حُسْنُ الْخُلُقِّ، (...)) الحديث. - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. حسن الخلق أعظم خصال البر، حيث إن البر: هو الذي يبر فاعله ويلحقه بالأبرار ، وهم المطيعون لله . وا ن حسن الخلق: هو الإنصاف في المعاملة، والرفق في المحاولة ، والعدل في الأحكام، والبذل في الإحسان ، وغير ذلك من صفات المؤمنين الذين وصفهم الله تعالى ، فقال: [إِنَّماَ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَ تْ قُلُوبُُِّمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتهُْمْ إِيماَنًا وَعَلََ رَبِِِّمْ يَتَوَكَّلُونَ ](1)، إلى قوله: [أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لهَُمْ دَرَجَات عِنْدَ رَبِِِّمْ وَمَغْفِرَة وَرِزْق كَرِيم ](2)، وغيرها من الآيات التي بينت صفات أخلاق المؤمنين، فمن أشكل عليه حاله فليعرض نفسه على هذه الآيات، فوجود جميعها علامة حسن الخلق، وفقد جميعها علامة سوء الخلق، ووجود بعضها دون بعض، يدل على البعض دون البعض، فليشغل بحفظ ما وجده وتحصيل ما فقده(3). 2. الإشارة إلى أن البر؛ اسم جامع لأنواع الطاعات والأعمال المقربات، ومنه بر الوالدين، وهو استرضاؤهما بكل ما أمكن، وقد قيل: إن البر من خواص الأنبياء  أي: كمال البر إذ لا يستبعد أن يوجد في الأمة من يوصف به، وقد أشار إليهما من أوتي جوامع الكلم  بقوله: حسن الخلق؛ والذي يكون على وجهين: - أحدهما: ما يكون مع الخَلق؛ والذي ينضوي على حسن العشرة، والصحبة مع الخلق بأن يعرف أنهم أسراء الأقدار، وا ن كان ما لهم من الخلق والرزق والأجل بمقدار، فيحسن إليهم حسب الاقتدار، فيأمنون منه ويحبونه بالاختيار(4). - والثاني: ما يكون مع الخالق؛ فعليه أن يشتغل بجميع الفرائض والنوافل، ويأتي لأنواع الفضائل عالمً ا بأن كل ما أتى منه ناقص يحتاج إلى العذر، وكل ما صدر من الحق كامل يوجب الشكر، ثم يتخلق بأخلاق الله بدوام الإعراض عما سواه، والإقبال عليه ودوام ذكره، حتى (1( (سورة الأنفال 2.) (2( (سورة الأنفال 4.) (3( ينظر: شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد (ص 94.) (4( ينظر: مرقاة المفاتيح 8/3173.)

عدد الصفحات ٢٩٠