249 أحب أسمائكم إلى الله إذا تسميتم بالعبودية؛ عبد الله وعبد الرحمن؛ لأنهم كانوا يسمون عبد شمس والدار"(1). 3. إن سبب اقتصار النبي على الاسمين: عبد الله وعبد الرحمن؛ أنه لم يقع في القرآن إضافة عبد إلى اسم من أسماء الله تعالى غيرهما (2)، كما قال الله : [ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (3)، وقال في آية أخرى: [وَعِبَادُ الرَّحَْْنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلََ الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَا لُوا سَلاَمًا ](4)، ويؤيده قوله : [ تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْماَءُ الحُسْنَى (5). 4. يقال إن استحباب أسماء العبودية تأتي بعد أسماء الأنبياء بدليل الإضافة، حيث دل على أن الاسمين ليسا بأحب من اسم محمد، فهما في مرتبة التساوي معه، أو يكون اسم محمد أحب من الاسمين إما مطلقًا أو من وجه، والله أعلم. ولا يجوز نحو عبد الحارث ولا عبد النبي، ولا عبرة بما شاع فيما بين الناس (6). 4- أحب الكلام إلى - أولاا: التعريف اللغوي: الكلام: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "كَلَمَ"، الكاف واللام والميم أصلان: أحدهما يدل على نطق مفهم، وهو الكلام، تقول: كلمته أكلمه تكليًم(7)؛ والكلام: اسم جنس يقع على القليل والكثير، وهو جمع كلمة(8)، والكلام: معروف(9). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي الكلام: جمع كلمة: " وهو اللفظ الموضوع لمعنى مفرد" (10). (1) فيض القدير شرح الجامع الصغير 2/522.) (2) ينظر: فتح الباري10/570.) (3) (سورة الجن 19.) (4) (سورة الفرقان 63.) (5) (سورة الإسراء 110.) (6) ينظر: مرقاة المفاتيح 7/2997.) (7) ينظر: مقاييس اللغة5/131.) (8) ينظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية 5/2023.) (9) ينظر: تهذيب اللغة10/147.) (10) ينظر: التعريفات (ص 185.)
عدد الصفحات ٢٥٩250 - ثالثاا: التعريف النبوي أَحَبُّ الْكَلاَمِّ إِّلَى اللهِّ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَِِّّ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ. أَحَبَّ الْكَلاَمِّ إِّلَى اللهِّ : سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ. حديث ( 94:) أخرجه الإمام مسلم (1)، بسند ه(2)، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَب ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (أَحَبُّ الْكَلاَمِّ إِّلَى اللهِّ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللهِّ، وَالْحَمْدُ لِلَِِّّّ، وَلاَ إِّلَهَ إِّلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ ، لاَ يَضُرُّكَ بِّأَي ِّهِّنَّ بَدَأْتَ، وَلاَ تُسَم ِّيَنَّ غُ لاَمَكَ يَسَاراا، وَلاَ رَبَاحاا، وَلاَ نَجِّيحاا، وَلاَ أَفْلَحَ، فَإِّنَّكَ تَقُولُ: أَثَمَّ هُوَ؟ فَلاَ يَكُونُ فَيَقُولُ: لاَ إِّنَّمَا هُنَّ أَرْبَعٌ فَلاَ تَزِّيدُنَّ عَلَيَّ )(3). حديث95:) وأخرجه الإمام مسلم (4)، بسنده(5)، عَنْ أَبِي ذَر ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (أَلاَ أُخْبِّرُكَ بِّأَحَب ِّ الْكَلاَمِّ إِّلَى اللهِّ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِّ ﷺ، أَخْبِّرْنِّي بِّأَحَب ِّ الْكَلاَمِّ إِّلَى اللهِّ، فَقَالَ : إِّنَّ أَحَبَّ الْكَلاَمِّ إِّلَى اللهِّ: سُبْحَانَ اللهِّ وَبِّحَمْدِّه )(6). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1 .قول النبي ( :أَحَب ِ الْكَلاَمِ إِلَى اللهِ ) "محمول على كلام الآدمي؛ وا لا فالقرآن أفضل، وكذا قراءة القرآن أفضل من التسبيح والتهليل المطلق، فأما المأثور في وقت أو حال ونحو ذلك فالاشتغال به أفضل، والله أعلم"(7). )1( صحيح مسلم، كتاب الآداب- باب كراهة التسمية بالأسماء القبيحة وينافع ونحوه ( 3/1685،ح2137.) )2( سند الحديث قال الإمام مسلم: حدَّثَنَا أَحْمَ ـــــــدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْر ، حَدَّثَنَا مَنْصُور ، عَنْ هِلاَلِ بْنِ يَسَاف ، عَنْ رَبِيعِ بْنِ عُمَيْلَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَب ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِﷺ...(الحديث). )3( تخريج الحديث أخرجه الإمام مسلم، كتاب الآداب - باب كراهة التسمية بالأسماء القبيحة وبنافع ونحوه (3/1685،ح2136)، من طريق المعتمر بن سليمان، ومن طريق جرير كلاهما (المعتمر وجرير) عن الركين عن أبيه عن أبي هريرة ، مختصرًا ، ومرفوعًا (4( صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار- باب فضل سبحان الله وبحمده (4/2093،ح2731.) (5( سند الحديثقال الإمام مسلم: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْر ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْجُرَيْرِ ي ِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ ، مِنْ عَنَزَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَر ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ...(الحديث). (6( ثانياا: تخريج الحديث وأخرجه الإمام مسلم أيضًا، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار - باب فضل سبحان الله وبحمده (4/2093،ح2731)، من طريقي ش عبة، ووهيب، عن الجريري، بسنده، مختصرًا، ومرفوعًا. (7( شرح النووي على مسلم17/49). وينظر: مرقاة المفاتيح 4/1592.)
عدد الصفحات ٢٦٠251 2. قول النبي ( :لاَ يَضُرُّكَ بِأَي ِهِنَّ بَدَأْتَ ) بيان جواز الابتداء بأي من الأذكار الأربعة، وهذا يدل على أن كل جملة منها مستقلة لا يجب ذكرها على نظمها المذكور؛ لكن مراعاتها أولى؛ لأن المندرج في المعارف يعرفه أولاً بتنزيه ذاته عما يوجب نقصًا، ثم بصفات كمال، وهي صفاته الثبوتية التي بها يستحق الحمد، ثم يعلم أن من هذا صفته لا مماثل له، ولا يستحق الألوهية غيره، فيكشف له من ذلك أنه أكبر(1)، كما قال سبحانه[وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهًَا آَخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَْء هَالِك إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ](2). 3. الموجب لأفضلية الأذكار الأربعة؛ اشتمالها على جملة أنواع الذكر من التنزيه والتحميد، ودلالتها على جميع المطالب الإلهية إجمالاً، وقد وُصِفَت بالباقيات الصالحات، في قوله تعالى: [المَالُ وَالبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّ نْيَا وَالبَاقِيَاتُ الصَّالحَِاتُ خَيْْ عِنْدَ رَبِكَ ثَوَابًا وَخَيْْ أَمَلاً ](3)، ولعل وجه وصفها بالباقيات، مع أن كل أعمال الآخرة كذلك؛ مقابلتها للفانيات الفاسدات من المال والبنين في المثل المضروب قبلها إشعارًا بأن المال والبنين من أكمل أسباب أرباب الدنيا، وأما الباقيات الصالحات من أفضل عبادات أصحاب العقبى، فإنها زبدة صفات الله، وعمدة كلمات الله(4)، ومما يدلل على ذلك قوله :(لأََنْ أَقُولَ سُبْحَانَ اللهِّ، وَالْحَمْدُ لِلَِِّّّ، وَلاَ إِّلَهَ إِّلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِّلَيَّ مِّمَّا طَلَعَ تْ عَلَيْهِّ الشَّمْسُ) (5). 5- أخنى / أخنع الأسماء - أولاا: التعريف اللغوي: أخنى: مشتق من الفعل الثلاثي "خَنَا" الخاء والنون وما بعدها معتل، يدل على فساد وهلاك(6)، والفحش في القول(7)، و"هو ما كان من الكلام أفحشه"(8). وأخنع مشتق من الفعل الثلاثي "خَنَعَ"، الخاء والنون والعين أصل واحد، يدل على ذل وخضوع وضعة، فيقال: خضع له وخنع، وفي الحديث: (إن أخنع الأسماء) أي أذلها(9)، وقيل الأقبح والأفجر(1). (1( ينظر: مرقاة المفاتيح 4/1592.) (2( (سورة القصص 88.) (3( (سورة الكهف 46.) (4( ينظر: مرقاة المفاتيح 4/1592.) (5( صحيح مسلم، كتاب العلم- باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء (4/2072،ح2659.) (6( ينظر: مقاييس اللغة2/222.) (7( ينظر: لسان العرب 14/244.) (8( ينظر: تهذيب اللغة7/238.) (9( ينظر: مقاييس اللغة2/223.)
عدد الصفحات ٢٦١252 الأسماء تقدم ذكره (2). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي أخنى الأسماء: "هي أفحش الأسماء التي يظهر أثرها من العقاب، والهوان يوم القيامة"(3). وأخنع الأسماء "هي أذل أصحاب الأسماء عند الله، وأشدها صغارًا من تسمى بملك الأملاك"(4). - ثالثاا: التعريف النبوي أَخْنَى الأَسْمَاءِّ ، و أَخْنَعُ الأَسْمَاءِّ : رَجُل تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلاَكِ . حديث ( 96:) أخرجه الإمام ا لبخاري (5)، بسنده (6)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَِّّ ﷺ: (أَخْنَى الأَسْمَاءِّ يَوْمَ القِّيَامَةِّ عِّنْدَ اللََِّّّ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِّكَ الأَمْلاَكِّ )(7). حديث97:) أخرجه الإمام مسلم (8)، بسنده(9)،عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِي ِ ﷺ قَالَ: (إِّنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِّنْدَ اللهِّ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِّكَ الأَْمْلاَكِّ )، زَادَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي رِوَايَتِهِ : (لاَ مَالِّكَ إِّلاَّ اللهُ (1( ينظر: مشارق الأنوار على صحاح الآثار1/242.) (2( ينظر حديث93.) (3( ينظر: مجمع بحار الأنوار (2/119.) (4( مشارق الأنوار على صحاح الآثار1/241.) (5( صحيح البخاري، كتاب الأدب- باب أبغض الأسماء إلى الله (8/45،ح6205.) (6( سند الحديث قال الإمام البخاري: حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْب ، حَدَّثَنَا أَبُو الز ِنَادِ، عَ نِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَِّّﷺ...(الحديث). (7( تخريج الحديث (ملاحظة: التخريج لنص الحديثين عند البخاري ومسلم في لفظ "أخنع"). وأخرجه الإمام البخاري أيضًا، كتاب الأدب - باب أبغض الأسماء إلى الله (8/45،ح6206)،وأخرجه الإمام مسلم، كتاب الآداب - باب تحريم التسمي بملك الأملاك، وبملك الملوك ( 3/1688،ح2143.) وكلا الشيخان؛ البخاري ومسلم،من طريق سفيان، عن أبي الزناد، بسنده، ومثله، مرفوعًا. (8( صحيح مسلم، كتاب الآداب - باب تحريم التسمي بملك الأملاك، وبملك الملوك ( 3/1688،ح2143.) (9( سند الحديث قال الإمام مسلم: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْر و الأَْشْعَثِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَاللَّفْظُ لأَِحْمَدَ قَالَ الأَْشْعَثِيُّ: أَخْبَرَنَا وقَالَ الآْخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الز ِنَادِ، عَنِ الأَْعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِي ِ ﷺ قَالَ...(الحديث).
عدد الصفحات ٢٦٢253 ) قَالَ الأَْشْعَثِيُّ: قَالَ سُفْيَانُ (مِّثْلُ شَاهَانْ شَاهْ )، وقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل ، سَأَلْتُ أَبَا عَمْر و عَنْ أَخْنَعَ؟ فَقَالَ: (أَوْضَعَ )(1). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. بيان أن المسمى بهذا الاسم؛ قد انتهى من الكبر إلى الغاية التي لا تنبغي لمخلوق، وأنه قد تعاطى ما هو خاص بالإله الحق، إذ لا يصدق هذا الاسم بالحقيقة إلا على الله ، فعوقب على ذلك من الإذلال والإخساس والاسترذال، بما لم يعاقب به أحد من المخلوقين(2). 2. استئناف القول في رواية ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ : "لا مالك إلا الله"؛ هو لبيان تعليل تحريم التسمية بهذا الاسم، فنفى جنس الإملاك بالكلية؛ لأن المالك الحقيقي ليس إلا هو ، ومالكية الغير عارية مستردة إلى مالك الملوك، فمن تسمى بهذا الاسم؛ نازع الله في رداء كبريائه، واستنكف أن يكون عبد الله، فيكون له الخزي والنكال(3). 3. "أن السبب في تحريم اسم ملك الأملاك؛ أن أصل أصول الدين هو تعظيم الله، وألا يساوى به غيره، وتعظيم الشيء مساوي لتعظيم اسمه، ولذلك وجب ألا يسمى باسمه لا سيما هذا الاسم الدال على أعظم التعظيم"(4). 4 ."اقتصار الحديث على عقاب يوم القيامة يُحْمَل على المجاز؛ لأن التقييد بيوم القيامة مع أن حكمه في الدنيا كذلك؛ للإشعار بترتب ما هو مسبب عنه من إنزال الهوان وحلول العذاب"(5). 6- إذن البكر - أولاا: التعريف اللغوي: إذن: مشنق من الفعل الثلاثي "أذن"، منه العلم والإعلام(6). البِّكر اسم مشتق من الفعل الثلاثي "بَكَرَ"، الباء والكاف والراء أصل واحد يرجع إليه فرعان منه ما هو مشتق من الأول، ومنه البكر من النساء التي لم تمسس قط(1)، والجارية التي لم تقتض، وجمعها: أبكار(2). (1( تخريج الحديث ينظر تخريج حديث ( 69.) )2( ينظرطرح التثريب في شرح التقريب ( 8/149.) )3( ينظرإرشاد الساري (9/117.) )4( ينظرحجة الله البالغة (2/225). )5( ينظرالكاشف عن حقائق السنن (10/3085.) )6( ينظر حديث50.)
عدد الصفحات ٢٦٣254 - ثانياا: التعريف الاصطلاحي الإذن: "هو الإعلام بإجازة الشيء والرخصة فيه"(3). البكر: "هي كل امرأة لم يبتكرها رجل" (4) . قالت الباحثة وا ذن البكر: هو إعلام المرأة التي لم يمسسها رجل بقب ول النكاح، وا جازته، وذلك بصماتها وسكوتها، كما أصلت الشريعة لذلك ودعت له. - ثالثاا: التعريف النبوي: إذن البكر: أَنْ تَسْكُتَ. حديث ( 98:) أخرجه الإمام البخاري (5)، بسنده (6)، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ، حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (لاَ تُنْكَحُ الأَي ِّمُ (7) حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلاَ تُنْكَحُ البِّكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللََِّّّ ﷺ، وَكَيْفَ إِّذْنُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ )(8). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. إن الاستئذان يكو ن في حق من له إذن، ولا إذن للصغيرة، فلا تكون داخلة تحت الإرادة، ويختص الحديث بالبوالغ فيكون أقرب إلى التناول(9). 2. إنما وقع السؤال عن الإذن، مع أن حقيقته معلومة؛ لأن البكر لما كانت تستحي أن تفصح بإظهار رغبتها في النكاح؛ احتيج إلى كيفية إذنها(10). )1( ينظرمقاييس اللغة (1/287). )2( تهذيب اللغة10/127). )3( ينظرالتوقيف على مهمات التعاريف (ص 44). )4( ينظرالكليات (ص226.) (5( صحيح البخاري، كتاب النكاح- باب لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاها ( 7/17،ح5136.) (6( سند الحديث قال الإمام البخاري: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَام ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ، حَدَّثَهُمْ: أَنَّ النَّبِ يَّ ﷺ قَالَ...(الحديث). (7( الأيم: "من لا زوج لها، بطلاق أو موت". ينظر: التوقيف على مهمات التعاريف (ص 68.) (8( تخريج الحديث أخرجه الإمام البخاري، كتاب الحيل- باب في النكاح (9/25،ح6968)، وينظر: ح6970. وأخرجه الإمام مسلم، كتاب النكاح - باب استئذان الثيب في ال نكاح بالنطق، والبكر بالسكوت (2/1036،ح1419.) وكلا الشيخان؛ البخاري ومسلم، بطرق متعددة، وألفاظ متشابهة، من حديث أبي هريرة، مرفوعًا )9( ينظرإحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ( 2/177). )10( إرشاد الساري10/111).
عدد الصفحات ٢٦٤255 3. بيان سببية السكات والصمات، وأن تسكت هذا إذن؛ لأنه يناسب حال البكر الحيية إذا عرض عليها أمر الزواج أن تصمت(1). 4. اشتراط رضا المرأة في النكاح، مما يوجب أنه متى عُدِمَ هذا الشرط، لم يحل النكاح، فلا يجب إكراهها على النكاح، وقد نهى الله عن ذلك(2)، حيث قال في محكم تنزيله: [فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الَْخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ](3). 5. استحب الإمام مالك –رحمه الله - "أن تعلم البكر أن إذنها صماتها؛ لئلا تجهل ذلك فتصمت في الكراهية" (4)، وأما مذهب الجمهور: أنه لا يشترط إعلام البكر بأن سكوتها إذن(5). قالت الباحثة لعل رأي الإمام مالك الأصوب في عصرنا هذا؛ وذلك لجرأة فتيا ت هذا الزمان حتى على والديهن، بخلاف ما سبق من الأزمنة، كما أن الأكثرية منهن تجهل ما ناطت به الشريعة الإسلامية من هذا الأمر، فكان الأصل هدايتهن وا رشادهن للصواب، وما أمرت به الشريعة الإسلامية، والله أعلم. 7- الإرفاه - أولاا: التعريف اللغوي: الإرفاه: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "رَفَهَ"، الراء والفاء والهاء أصل واحد، يدل على نعمة وسعة مطلب، ومن ذلك الإرفاه : كثرة التدهن كل يوم، وهو من الرَّفَه"(6) . - ثانياا: التعريف الاصطلاحي الإرفاه: "هو كثرة التدهن والتنعم، التوسع في المشرب والمطعم، والدعة ولين العيش، وهو من زي العجم وأرباب الدنيا"(7). - ثالثاا: التعريف النبوي الإِّْرْفَاهُ: التَّرَجُّلُ كُلَّ يَوْم . )1( شرح عمدة الأحكام من باب الوصايا (ص 16). )2( ينظرشرح صحيح البخاري، لابن بطال (8/323). )3( (سورة البقرة 232.) )4( ينظرالمنتقى شرح الموطأ ( 3/267.) )5( ينظرالسابق (3/267.) )6( ينظر: مقاييس اللغة2/419)، العين4/46.) )7( ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر 2/247).
عدد الصفحات ٢٦٥256 حديث99:) أخرجه الإمام النسائي (1)، بسنده(2)،عن عَبْدِ اللَِّّ بْنِ شَقِيق قَالَ: كَانَ رَجُل مِنْ أَصْحَابِ النَّبِي ِ ﷺ عَامِلاً بِمِصْرَ (3)، فَأَتَاهُ رَجُل مِنْ أَصْحَابِهِ، فَإِذَا هُوَ شَعِثُ الرَّأْسِ مُشْعَان (4)، قَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُشْعَانًّا وَأَنْتَ أَمِير ؟ قَالَ: (كَانَ نَبِّيُّ اللََِّّّ ﷺ يَنْهَانَا عَنِّ الإِّْرْفَاهِّ )، قُلْنَا: وَمَا الإِّْرْفَاهُ؟ قَالَ :(التَّرَجُّلُ كُل يَوْمٍ )(5). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. الدلالة على كراهة الاشتغال بالترجيل، في كل يوم؛ لأنه نوع من الترفه، واستحباب ذلك يومًا بعد يوم؛ لأنه أدعى إلى تنظيف الشعر، من القمل، والدرن ونحوهما؛ وا زالة التفث(6). (1( سنن النسائي، كتاب الزينة - التَّرَجُّلُ غِبًّا (8/132،ح5058.) (2( سند الحديثقال الإمام النسائي: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُود ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ كَهْمَس ، عَنْ عَبْدِ اللَِّّ بْنِ شَقِيق قَالَ...(الحديث). (3( تبين ذلك الرجل المبهم في رواية الإمام أبي داود، وهو الصحابي "فضالة بن عُبيد". ينظر: سنن أبي داود (4/75.) (4( مُشْعَان هُوَ المُنْتَفِشُ الشَّعر، الثَّائرُ الرأسِ. ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ( 2/482.) والترجل: "تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه، كأنه كره كثرة الترفه والتنعم، والمرجل والمسرح: المشط". ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ( 2/203.) (5( دراسة الحديث - أولاا: دراسة رجال الإسناد: رجال إسناده جميعهم من الثقات، ولا يضر ما قيل في: عبد الله بن شقيق: "ثقة فيه نصب". قالت الباحثة: لا يضره ذلك هنا؛ لعدم موافقة الحديث لبدعته وتهمته با لنصب. ينظر: تقريب التهذيب (ص 307.) - ثانياا: تخريج الحديث تفرد به الإمام النسائي من أصحاب الكتب الستة من هذا الطريق، ولكن له شواهد أخرى، فقد أخرجه الإمام النسائي أيضًا، كتاب الزينة - باب الترجل ( 8/185،ح5239.) وأخرجه الإمام أبو داود، كتاب الترجل 4/75،ح4160)،من حديث عبد الله بن بريدة وكلا الإمامين؛ النسائي وأبي داود، من عبد الله بن بريدة، بألفاظ متقاربة، وذكر القصة، مرفوعًا. - ثالثاا: الحكم على رجال الإسناد: إسناده صحيح، لأجل رواته الثقات، وكذلك لشواهده، وقد صححه الإمام الألباني، فقال: "وهذا إسناد صحيح رجاله رجا ل الصحيح غير إسماعيل بن مسعود وهو أبو مسعود الجحدري وهو ثقة". ينظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (2/20.) (6( ينظر: ذخيرة العقبى في شرح المجتبى 38/27.)
عدد الصفحات ٢٦٦257 2. بيان أن التوسع و التنعم وكثرة الاشتغال بتحسين الجسد، وبتحسين الشعر، فيكون الإنسان مشغولاً فيه؛ بحيث يقضي جزءًا من أوقاته في هذه المهمة، وفي هذه الأغراض، فهذا من الترفه، والأصل أن يكون بين بين، بحيث لا يكون تاركًا بالمرة، ولا متوسعًا مبالغًا، وا نما يكون معتدلاً، ويدلل على ذ لك دعوته :[يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِ مَسْجِد وَكُلُوا وَاشََْبُوا وَلاَ تُسِْْفُوا إِنَّهُ لاَ يُُِبُّ المُسِْْفِينَ ](1). 8- الأرواح - أولاا: التعريف اللغوي: الأرواح: جمع الروح، وهو اسم مشتق من الفعل الثلاثي "رَوَحَ"، الراء والواو والحاء أصل كبير مطرد، يدل على سعة وفسحة واطراد، فالروح روح الإنسان(2)، ومنه: برد نسيم الريح، ومنه أيضًا النفس، وكذلك هي الاستراحة من غم القلب (3)، وقيل هي: السر والخفاء والقلب والكلمة والروع والفؤاد والصدر والعقل(4). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي الأروا ح: "هي اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان، الراكبة على الروح الحيواني، نازل من عالم الأمر، تعجز العقول عن إدراك كنهه، وتلك الروح قد تكون مجردة، وقد تكون منطبقة في البدن"(5). - ثالثاا: التعريف النبوي الأَرْوَاحُ: جُنُود مُجَنَّدَة فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ. حديث (100:) أخرجه الإمام البخاري(6)، بسنده(7)، قَالَ: قَالَ اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيد ، عَنْ عَمْ ـــــــــرَةَ، عَنْ عَائِشَ ــــــــةَ ، قَالَـــتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ، يَقُولُ: (الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ (1( (سورة الأعراف 31.) (2( ينظر: مقاييس اللغة2/454.) (3( ينظر: تهذيب اللغة5/139.) (4( ينظر: التعريفات (ص 113.) (5( التعريفات (ص 112.) (6( صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء- باب الأرواح جنود مجندة (4/133،ح3336.) (7( سند الحديث قال الإمام البخاري: قَالَ: قَالَ اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيد ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ، يَقُولُ...(الحديث).
عدد الصفحات ٢٦٧258 مِّنْهَا ائْتَلَفَ(1)، وَمَا تَنَاكَرَ(2) مِّنْهَا اخْتَلَفَ)(3). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. الدلالة على أن الأرواح ليست بأعراض ، وأنها كانت موجودة قبل الأجساد، وأنها تبقى بعد فناء الأجساد(4)، ويؤيد هذا المعنى قوله في حق الشهداء(أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل)(5). 2. لقد أعلم النبي أن الأرواح أول ما خلقت على قسمين من ائتلاف واختلاف، كالجنود المجندة إذا تقابلت وتواجهت. وذلك على ما جعلها الله عليه من السعادة والشقاوة من مبدأ الكون، الأجساد التي فيها الأرواح تلتقي في الدنيا فتأتلف وتختلف على حسب ما جعلت عليه من التشاكل والتنافر في بدء الخلقة، فترى البر الخير يحب شكله وينفر عن ضده، وكذلك الفاجر(6). 3. اختلف العلماء في مكان الروح : أفي القلب، أم أنها بقرب القلب، والراجح ما قيل: إن الروح في سائر البدن لا في القلب فقط . وبهذا أجمع أهل السنة والجماعة على أن الروح محدثة مخلوقة، ولم يخالف في ذلك إلا الزنادقة، ويدل على حدوثها حديث: (الأَرْوَاحُ جُنُود مُجَنَّدَة )، وأن المجندة لا تكون إلا مخلوقة، والله أعلم(7). 4. إن اجتماع القلوب يكون يوم الميثاق؛ فمن تقابل منهم اثنان يومئذ يأتلفان في الدنيا غاية المؤالفة، ومن تدابر منهم شخصان يختلفان في نهاية المخالفة، ومن وقع في الاجتناب له (1( ائتلف: أي تآلفوا تآلفًا، وألف الله بينهم تأليفًا، والتأموا واجتمعوا وتوافقوا واتحدوا بعد اختلاف". ينظر: تهذيب اللغة (15/273)، معجم اللغة العربية المعاصرة 1/110.) (2( تناكر: أي تجاهل، وهو نقيض التعارف". ينظ ر: شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم ( 10/6754.) (3( تخريج الحديث تفرد به الإمام البخاري من هذا الطريق في الكتب الستة، وله شاهد عند الإمام مسلم (4/2031،ح2638)، بطرق متعددة من حديث أبي هريرة، وألفاظ متشابهة، مرفوعًا (4( ينظر: معالم السنن4/116.) (5( صحيح مسلم، كتاب الإمارة - باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة، وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون (3/1502،ح1887.) (6( ينظر: كشف المشكل من حديث الصحيحين3/564.) (7( ينظر: المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية 2/216.)
عدد الصفحات ٢٦٨259 مشاركة من مشاكلة كل باب كالمنافقين، وأشباههم مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ثم لا يمنع من هذا التعارف والتناكر وصلة الأجانب وشجنة الأقارب (1). ومن أقوال الحكماء "أقرب القرب مودة القلب وا ن تباعد جسم أحدها من الثاني، وأبعد البعد تنافر التداني"(2). 5. بيان النبي لطبيعة من طبائع النفوس؛ وذلك لننتفع بها، فنجنبها الشر، ونغمرها بالخير، فإذا رأيتك تميل إلى الأخيار؛ وتحب مجالسهم وتنجذب نفسك إليهم؛ مع علمك بسوء سيرتك واعوجاج طريقتك؛ فأدرك أن فيك بقية من الخير؛ ولا يزال فيك أمل، فرَب هذه البقية؛ وقو هذا الأمل؛ حتى يرحل عنك الشر؛ وتدخل بجملتك في حزب الخير. وكذلك إذا كنت طاهرًا برًا نقيًا؛ ورأيت في نفسك بعض الميل للمجرمين، أو الركون إلى الظالمين فاعرف أن الشيطان قد نفث فيك نفثة، وثغر في قلبك ثغرة، فتحضن منه(3)، وقل: [قُلْ أَعُوذُ بِرَ ِ الْفَلَقِ 1) مِنْ شََِ مَا خَلَقَ ( 2) وَمِنْ شََِ غَاسِق إِذَا وَقَبَ ( 3) وَمِنْ شََِ النَّفَّاثَاتِ فِِ الْعُقَدِ 4) وَمِنْ شََِ حَاسِد إِذَا حَسَدَ (5)](4). 9- الاستحياء من - أولاا: التعريف اللغوي: الاستحياء: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "حَيَّ"، الحاء والياء والحرف المعتل أصلان: أحدهما الاستحياء الذي هو ضد الوقاحة، ومنه قولهم: استحييت منه استحياء، ومنه حياء الناقة، وهو فرجها، كأنه محمول على أنه لو كان ممن يستحيي؛ لكان يستحيي من ظهوره وتكشفه"(5)، والحياء: الاسم من الاستحياء(6)، واسْتَحْيا منه واستحى، لغتان(7)، ومنه قوله :[إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضَِّْ َ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَماَ فَوْقَهَا ](8). (1( ينظر: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصاب يح (8/3132.) (2( ينظرالسابق (8/3132.) (3( ينظر: الأدب النبوي (ص110.) (4( (سورة الفلق 1،5.) (5( ينظر: مقاييس اللغة2/122.) (6( معجم ديوان الأدب4/48.) (7( شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم 3/1656.) (8( (سورة البقرة 26.)
عدد الصفحات ٢٦٩260 - ثانياا: التعريف الاصطلاحي الاستحياء: "هو الامتناع والانقباض عن الشيء خوفًا من مواقعة القبيح"(1). أو: "هوانقباض النفس من شيء، وتركه حذرًا عن اللوم فيه، وهو نوعان: نفساني: وهو الذي خلقه الله تعالى في النفوس، كلها كالحياء من كشف العورة، والجماع بين الناس. وا يماني "وهو أن يمنع المؤمن من فعل المعاصي خوفًا من الله تعالى"(2). والاستحياء من: "وهو أن لا يراك الله حيث نهاك، وذاك إنما يكون عن معرفة ومراقبة" (3). - ثالثاا: التعريف النبوي الاستحياء من الله: أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرِ المَوْتَ وَالبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا. حديث (101:) أخرجه الإمام الترمذي (4)، بسنده(5)، عَنْ عَبْدِ اللَِّّ بْنِ مَسْعُود ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَِّّ ﷺ: (اسْتَحْيُوا مِّنَ اللََِّّّ حَقَّ الحَيَاءِّ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللََِّّّ ﷺ، إِّنَّا نَسْتَحْيِّي وَالحَمْدُ لِلَِِّّّ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِّنَّ الاِّسْتِّحْيَاءَ مِّنَ اللََِّّّ حَقَّ الحَيَاءِّ؛ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَ ا وَعَى، وَالبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرِّ المَوْتَ وَالبِّلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِّرَةَ تَرَكَ زِّينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَ لِّكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِّنَ اللََِّّّ حَقَّ الحَيَاءِّ )(6). (1( شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم ( 3/1656.) (2( ينظرالتعريفات (ص94). (3( عمدة القاري1/347.) (4( سنن الترمذي، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع - باب (4/637،ح2458.) (5( سند الحديث قال الإمام الترمذي: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْ د ، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّد ، عَنْ مُرَّةَ الهَمْدَانِي ِ، عَنْ عَبْدِ اللَِّّ بْنِ مَسْعُود ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَِّّﷺ...(الحديث). (6( دراسة الحديث - أولاا: دراسة رجال الإسناد: جميع رجال إسناده من الثقات، عدا: الصباح بن محمد الأحمسي: قال ابن حجر: "ضعيف أفرط فيه ابن حبان". ينظر: تقريب التهذيب (ص274.) - ثانياا: تخريج الحديث تفرد به الإمام الترمذي، من أصحاب الكتب الستة، وله متابعة عند الإمام الطبراني، فقد أخرجه في المعجم الكبير، كتاب العين- باب (10/152،ح10290)، من طريق عقبة بن عبد الغافر، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود ، بمثله، مرفوعًا
عدد الصفحات ٢٧٠261 - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. الدلالة على أن المؤمن المستحيي ينقطع بحيائه عن المعاصي، بل جعله بعض الإيمان ومن شعبه؛ لأن الإيمان ينقسم إلى الائتمار بما أمر الله به، والانتهاء عما نهى الله عنه، فإذا حصل الانتهاء بالحياء كان بعض الإيمان(1)، ويظهر ذلك في قول الصادق المصدوق :(الإِّيمَانُ بِّضْعٌ وَسِّتُّونَ شُعْبَةا، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِّنَ الإِّيمَانِّ) (2). 2. قيل في سبب إفراد الحياء بالذكر من بين سائر الشعب؛ بأنه كالداعي إلى سائر الشعب، فإن الحيي يخاف فضيحة الدنيا، وفظاعة الآخرة ، فينزجر عن المعاصي ويمتثل الطاعات كلها(3). 3. "إن الحياء يتو لد من رؤية الآلاء ورؤية التقصير، فليذق من منح الفضل الإلهي ورزق الطبع السليم معنى إفراد الحياء بالذكر بعد دخوله في الشعب، كأن يقول: هذه شعبة واحدة من شعبه فهل تحصى وتعد شعبها؟!! هيهات. كما أنه لا يقال إن الحياء من الغرائز، فلا يكون من الإيمان، لأنه قد يكون غريزة وقد يكون تخلقًا، إلا أن استعماله على وفق الشرع يحتاج إلى اكتساب وعلم ونية، فمن ثم كان من الإيمان مع كونه باعثًا على الطاعات واجتناب المخالفات"(4). 4. إن الاستحياء من الله حق الحياء؛ ترك الشهوات، وتحمل المكاره والمشاق، حتى تصير نفسه مدموغة، فعندها تظهر محاسن الأخلاق، وتشرق أنوار الأسماء في قلبه، ويغزر علمه بالله فيعيش غنيًا به ما عاش(5). - ثالثاا: الحكم على سند الحديث إسناده ضعيف؛ لأجل الصباح بن محمد "الضعيف"، وقد يرتقي الحديث إلى الحسن لغيره بالمتابعة القاصرة ، وقال الإمام الترمذي: "هذا حديث غريب إن ما نعرفه من هذا الوجه م ن حديث أبان بن إسحاق عن الصباح بن محمد"، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه "، وقال الذهبي: "صحيح"، وقال الشيخ الألباني: "حسن"، قالت الباحثة: ولعل تحسين الإمام الألباني لأجل طريق المتابعة ليس طريق الصباح بن محمد الضعيف، والله أعلم. ينظر: سنن الترمذي ( 4/637)،المستدرك على الصحيحين (4/359)،صحيح وضعيف سنن الترمذي (5/458). (1( ينظر: مجمع البحرين 1/116.) (2( أخرجه الإمام البخاري، كتاب الإيمان –باب أمور الإيمان ( 1/11،ح9)، وأخرجه الإمام مسلم، كتاب الإيمان- باب شعب الإيمان (1/63،ح35)، كلاهما بمثله وزي ادة، من طريق أبي هريرة مرفوعًا. (3( ينظر: عمدة القاري1/129.) (4( ينظر: إرشاد الساري1/93.) (5( ينظر: التيسير بشرح الجامع الصغير 1/146.)
عدد الصفحات ٢٧١262 5. الإشارة إلى أن حفظ الرأس عبارة عن التنزه عن الشرك، فلا يسجد لغيره، ولا يرفعه تكبرًا، وجعل البطن قطبًا تدور عليه سرية الأعضاء من القلب والفرج واليدين والرجلين، وعطف ما حوى على البطن إشارة إلى حفظه عن الحرام، والتحرز من أن يملأه من المباح(1). 6. إن للإنسان آمرين وزاجرين آمر وزاجر من جهة الحياء ؛ فإذا اطاعه امتنع من فعل كل ما يشتهي، وله آمر وزاجر من جهة الهوى والطبيعة، فمن لم يطع آمر الحياء وزاجره أطاع آمر الهوى والشهوة(2)، ويتمثل ذلك في قوله :(إِّن مِّمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِّنْ كَلاَمِّ النُّبُوَّةِّ، إِّذَا لَمْ تَسْتَحْيِّ فَاصْنَعْ مَا شِّئْتَ) (3). 7. قال ابن حبان: تتبعت معنى هذا الحديث –ويقصد حديث التعريف - مدة، وعددت الطاعات، فإذا هي تزيد على البضع والسبعين شيئًا كثيرًا، فرجعت إلى السنة فعددت كل طاعة عدها رسول الله من الإيمان، فإذا هي تنقص، فضممت ما في الكتاب والسنة؛ فإذا هي سبع وسبعون، فعلمت أنه المراد (4). 10- أشكر الناس - أولاا: التعريف اللغوي: أشكر: مشتق من الفعل الثلاثي "شَكَرَ"، الشين و الكاف والراء أصول أربعة متباينة بعيدة القياس، أحدها: الشكر: الثناء على الإنسان بمعروف يوليكه، ويقال: إن حقيقة الشكر الرضا باليسير(5)، ومنه عرفان الإحسان ونشره، وحمد موليه، وهو الشكور أيضًا (6)،يقال: شكرته وشكرت له، وباللام أفصح(7). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي: الشكر: "هو صرف العبد كل ما أنعم به عليه إلى ما خلق لأجله، هذا هو المشهور"(8). أشكر الناسأكثر الناس شكرًا لله (9). (1( ينظرالسابق (1/145.) (2( ينظر: مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة 1/278.) (3( صحيح البخاري، كتاب أح اديث الأنبياء - باب حديث الغار ( 4/177،ح3483)، وينظر: ح 3484، وح6120. (4( ينظر: مرقاة المفاتيح 1/70.) (5( ينظر: مقاييس اللغة3/207.) (6( ينظر: تهذيب اللغة10/10.) (7( ينظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية 2/702.) (8( التوقيف على مهمات التعاريف (ص 206.) (9( التيسير بشرح الجامع الصغير 1/317).
عدد الصفحات ٢٧٢263 - ثالثاا: التعريف النبوي أَشْكَرَ النَّاسِّ: من كان قنعًا. حديث (م (1):) أخرجه الإمام ابن ماجه، بسنده، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَِّّ ﷺ: (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ كُنْ وَرِّعاا، تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِّ، وَكُنْ قَنِّعاا، تَكُنْ أَشْكَرَ النَّاسِّ، (...)) الحديث. - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. إن العبد إذا قنع بما أعطاه الله ؛ رضي بما قسم له، وا ذا رضي شكر، فزاده الله ،وكلما زاد شكرً ا ازداد فضلاً (2)، حيث يقول الحق :[وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأََزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِّ لَشَدِيد ](3)، فإن من أعظم الشكر الرضا بما تيسر(4). 2. إن الشكر لا يكون إلا عن يد، والحمد يكون عن يد وعن غير يد، فهذا الفرق بينهما. والشكر لا يكون إلا عن يد، أي ليس كل من أوليته نعمة يشكرك عليها، ولذا يقال: شكرت الله وشكرت لله وشكرت بالله، وكذلك شكرت نعمة الله، وتشكر له بلاءه: كشكره، وتشكرت له: مثل شكرت له(5). 3. "قال بعض العارفين : لو علم الشيطان أن طريقًا توصل إلى الله أفضل من الشكر لوقف فيها. ألا تراه قال: [ثُمَّ لَْتِيَنَّهُمْ مِنْ بَينِْ أَيْدِيُِّمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْماَنَِِّمْ وَعَنْ شَماَئِلِهِمْ وَلاَ تََِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ](6)، ولم يقل لا تجد أكثرهم صابرين أو نحوه؟!(7). 11- أفضل الكلام - أولاا: التعريف اللغوي: الكلام: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "كَلَمَ". تقم ذكره (8). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي أفضل الكلام: "هو الأفضل من كلام البشر"(1). (1( تقدم، ينظر حديث51.) (2( ينظر: التيسير بشرح الجامع الصغير 2/223.) (3( (سورة إبراهيم 7.) (4( ينظر: حاشية السندي على سنن ابن ماجه2/553.) (5( ينظر: لسان العرب 4/423.) (6( (سورة الأعراف 17.) (7( فيض القدير1/672). (8( تقدم، ينظر حديث94.)
عدد الصفحات ٢٧٣264 - ثالثاا: التعريف النبوي حديث (102 :)أخرجه الإما م مسلم(2)، بسنده(3)، عَنْ أَبِي ذَر ، "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ أَيُّ الْكَلاَمِ أَفْضَلُ؟ ، قَالَ :(مَا اصْطَفَى اللهُ لِّمَلاَئِّكَتِّهِّ أَوْ لِّعِّبَادِّهِّ: سُبْحَانَ اللهِّ وَبِّحَمْدِّه )(4). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. الحث على المواظبة على التسبيح، وتحريض عل ى ملازمت ه، وتعريض بأن سائر التكاليف صعبة شاقة على النفس ثقيلة، وهذا خفيف سهل عليها، مع أن ه يثقل في الميزان ثقل غيره من التكاليف (5)،بصريح عبارة النبي :(كَلِّمَتَان خَفِّيفَتَانِّ عَلَى الل ِّسَانِّ، ثَقِّيلَتَانِّ فِّي المِّيزَانِّ، حَبِّيبَتَانِّ إِّلَى الرَّحْمَنِّ : سُبْحَانَ اللََِّّّ العَظِّيمِّ، سُبْحَانَ اللََِّّّ وَبِّحَمْدِّهِّ) (6) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "نجد أن كلمتا التسبيح إحداهما مقرونة بالتحميد، والأخرى بالتعظيم، حيث أن التسبيح فيه نفي السوء والنقائص المتضمن إثبات المحاسن والكمال، والحمد إن ما يكون على المحاسن. فقد قرُنِ بين الحمد والتعظيم، كما قرن بين الجلال والإكرام، إذ ليس كل معظم محبوبًا محمودًا، ولا كل محبوب محمودًا معظمًا، حيث أن العبادة تتضمن كمال الحب المتضمن معنى الحمد، وتتضمن كمال الذل المتضمن معنى التعظيم، ففي العبادة حبه وحمده على المحاسن، وفيها الذل الناشئ عن عظمته وكبريائه، كما فيها إجلاله وا كرامه، وهو سبحانه المستحق للجلال والإكرام، فهو مستحق غاية الإجلال وغاية الإكرام" (7). (1( مجمع بحار الأنوار4/152.) (2( صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار- باب فضل سبحان الله وبحمده (4/2093،ح2731) (3( سند الحديثقال الإمام مسلم: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْب ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلاَل ، حَ دَّثَنَا وُهَيْب ، حَدَّثَنَا سَعِيد الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْجِسْرِي ِ، عَنِ ابْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَر ...(الحديث (4( تخريج الحديث وأخرجه الإمام مسلم أيضًا، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والا ستغفار- باب فضل سبحان الله وبحمده (4/2093،ح2731)، من طريق شعبة عن الجريري، بسنده، ومثله وزيادة، مرفوعًا(يراجع حديث (94.) (5( ينظر: الكاشف عن حقائق السنن6/1821.) (6( أخرجه الإمام البخاري، كتاب الدعوات – باب فضل التسبيح ( 8/86،ح6406)، وينظر: ح 6682، وح7563، وأخرجه الإمام مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار – باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء (4/2072،ح2694.) (7( ينظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية5/228.)
عدد الصفحات ٢٧٤