201 المرقعة المجبورة إذا عرض فيها الشك، أولى من الإعراض عن ترقيعها، أو الشروع في غيرها، والاقتصار عليها أيضًا بعد الترقيع أولى من إعادتها، فإنه مناهجه ، ومنهاج أصحابه، والسلف الصالح بعدهم(1). 4- سيد الاستغفار - أولاا: التعريف اللغوي: - سَيِّ د: مشتق من الفعل "سَيَدَ" السين والياء والدال كلمة واحدة، وهي السَيِ د، قال قوم: السيد الذئب، وقال آخرون: وقد يسمى الأسد سيد(2). - الاستغفار مشتق من الفعل الثلاثي "غَفَرَ" الغين والفاء والراء عظم بابه الستر، والغفران والغفر بمعنى، يقال: غفر الله ذنبه غفرًا ومغفرة وغفرانًا(3). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي - الاستغفار: تعددت التعريفات كما بينه الإمام المناوي، على النحو التالي: أ- "هو استقلال الصالحات والإقبال عليها، واستكثار الفاسدات والإعراض عنها". ب- وقال أهل الكلام: "هو طلب المغفرة بعد رؤية قبح المعصية، والإعراض عنها". ت- وقيل: "هو استصلاح الأمر الفاسد قولاً وفعلاً، يقال: أغفروا هذا الأمر، أي أصلحوه بما ينبغي أن يصلح"(4). - سيد الاستغفار "هو الدعاء الرئيس المقدم الجامع لمعاني التوبة كلها، الذي يعمد إليه في الحوائج، ويرجع إليه في الأمور" (5). - ثالثاا: التعريف النبوي سَي ِّدُ الاِّسْتِّغْفَارِّ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَب ِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَ نَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَر ِ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ. (1( الذخيرة للقرافي 2/296.) (2( مقاييس اللغة3/120.) (3( ينظر: مقاييس اللغة4/385.) (4( ينظر: التعريفات (ص 18.) (5( ينظر: الكاشف عن حقائق السنن6/1844.)
عدد الصفحات ٢١١202 حديث75:) أخرجه الإمام البخاري (1)، بسنده (2)، حَدَّثَنِي شَدَّادُ بْنُ أَوْس ، عَنِ النَّبِي ِ :(سَي ِّدُ الاِّسْتِّغْفَارِّ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَب ِّي لاَ إِّلَهَ إِّلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَ ا عَلَى عَهْدِّكَ وَوَعْدِّكَ مَ ا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِّكَ مِّنْ شَر ِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ (3) بِّنِّعْمَتِّكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِّذَنْبِّي فَاغْفِّرْ لِّي، فَإِّنَّهُ لاَ يَغْفِّرُ الذُّنُوبَ إِّلاَّ أَنْت، قَالَ : وَمَنْ قَالَهَا مِّنَ النَّهَارِّ مُوقِّناا بِّهَا (4)، فَمَاتَ مِّنْ يَوْ مِّهِّ قَبْلَ أَنْ يُمْسِّيَ، فَهُوَ مِّنْ أَهْلِّ الجَنَّةِّ، وَمَنْ قَالَهَا مِّنَ اللَّيْلِّ وَهُوَ مُوقِّنٌ بِّهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِّحَ، فَهُوَ مِّنْ أَهْلِّ الجَنَّةِّ) (5). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1 .جمع النبي من بديع الم عاني وحسن الألفاظ، ما يحق له أن ه يسمى سيد الاستغفار؛ فقد جمع النبي بين الشريعة والحقيقة، فإن تكاليف الشريعة لا تحصل إلا إذا كان في ذلك عون من الله ، وهذا القدر الذي يكنى عنه بالحقيقة، فلو اتفق أن العبد خالف حتى يجري عليه ما قدر عليه وقامت الحجة عليه ببيان المخالفة لم يبق إلا أحد أمرين؛ إما العقوبة بمقتضى العدل، أو العفو بمقتضى الفضل(6). 2. إن أفضل أنواع الاستغفار: أن يبدأ العبد بالثَّناء على رب ِه، ثم يثني بالاعتراف بذنبه، ثم يسأل اللَّّ المغفرة، فجملة دواء الذنوب الاستغفار(7)، ومنه قوله :[وَسَارِعُو ا إِلىَ مَغْفِرَة مِنْ رَبِكُمْ وَجَنَّة عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ] (8). والحكمة في كون ما ذكره النبي سيد الاستغفار؛ أنه من التعبديات، والله أعلم بذلك، لكن لا شك أن فيه ذكر الله بأكمل (1( صحيح البخاري، كتاب الدعوات- باب أفضل الاستغفار (8 /67،ح6306.) (2( سند الحديث قال الإمام البخا ري: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَر ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَِّّ بْنُ بُرَيْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي بُشَيْرُ بْنُ كَعْب العَدَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي شَدَّادُ بْنُ أَوْس ، عَنِ النَّبِي ِ ﷺ...(الحديث). (3( أبوء لك بنعمتك: "أي أقر بها". المغرب في ترتيب المعرب (ص 52.) (4( موقنًا بها: "أي مخلصًا من قلبه، ومصدقًا بثوابها". شرح صحيح البخاري لابن بطال 10/77.) (5( تخريج الحديث أخرجه الإمام البخاري، كتاب الدعوات - باب ما يقول إذا أصبح (8/71،ح6323)، من طــــــريق يزيد بن زريع، عن الحسين بسنده، بزيادة، مرفوعًا. )6( ينظرفتح الباري (11/100.) (7( ينظر: ففروا إلى الله (ص29.) (8( (سورة آل عمران 133.)
عدد الصفحات ٢١٢203 الأوصاف، وذكر المرء نفسه بأنقص الح الات، وهو أقصى غاية التضرع، ونهاية الاستكانة لمن لا يستحقها إلا هو(1). 3. كثيرًا ما يقرن الاستغفار بذكر التوبة،كما في قوله :[وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يََِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيماً ](2)، فيكون الاستغفار حينئذ؛ عبارة عن طلب المغفرة باللسان، والتوبة عبارة عن الإقلاع عن الذنوب بالقلب والجوارح. وحكم الاستغفار كحكم الدعاء، إن شاء الله أجابه وغفر لصاحبه، ولا سيما إذا خرج من قلب منكر بالذنوب أو صادف ساعة من ساعات الإجابة كما الأسحار وأدبار الصلوات(3). 5- شر صفوف الر ِّجال - أولاا: التعريف اللغوي: صفوف: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "صَفَّ" (4). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي صفوف: تقدم ذكره (5). شر صفوف الرجال "هو أقل صفوف الرجال ثوابًا آخرها؛ لبعدهم عن الإمام؛ ولترك الفضيلة الحاصلة بالتقدم إلى الصف الأول؛ ولقربهم من النساء" (6). - ثالثاا: التعريف النبوي شر صُفُوفِّ الر ِّجَالِّ: آخِرُهَا. حديث (م (7):) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :(خَيْرُ صُفُوفِّ الر ِّجَالِّ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِّرُهَا) الحديث. (1( ينظر: ذخيرة العقبى في شرح المجتبى 40/80.) (2( (سورة النساء : 110.) (3( كيف تكون من الأوائل (ص252.) (4( تقدم. ينظر حديث70.) (5( تقدم. ينظر حديث70.) (6( ينظر: مرقاة المفاتيح 3/851.) (7( تقدم، ينظر حديث70.)
عدد الصفحات ٢١٣204 - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. "إن الخير والشر في صفي الرجال والنساء للتفضيل، أحدهما شركة الآخر فيه، فيناقض، ونسبة الشر إلي الصف الأخير- وصفوف الصلاة كلها خير- إشارة إلي أن تأخير الرجل عن مقام القرب مع تمكنه منه هضم لحقه، وتسفي ه لرأيه، فلا يبعد أن يسمى شرًا"(1) . 2. إن شر صفوف الرجال آخرها؛ لبعده وتأخره عن الإمام، ولقربه من النساء (2). 6- شر صفوف النساء - أولاا: التعريف اللغوي: صفوف: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "صَفَّ" . تقد م ذكره(3). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي شر صفوف النساء: "هو أقل صفوف النساء ثوابًا أولها؛ لقربهن من الرجال"(4). - ثالثاا: التعريف النبوي شر صُفُوفِّ الن ِّسَاءِّ: أَوَّلُهَا. حديث (م(5):) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :((...)، وَخَيْرُ صُفُوفِّ الن ِّسَاء آخِّرُ هَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا) الحديث. - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. إن شر صفوف النساء أولها؛ لأن أول صفوف النساء يلي آخر صفوف الرجال، فتكون النسوة قريبات من الرجال، والمرأة كلما بعدت عن الرجال كان خيرًا لها، ولو كان في الصلاة، ولهذا كانت صلاتها في بيتها خيرًا لها من صلاتها في المسجد(6). 2. إن شر صفوف النساء أولها؛ هذا إذا صلين مع الرجال، وأما إذا صلين متميزات مع الرجال فهن كالرجال، خير صفوفهن أولها، وشرها آخرها، وأقلها ثوابًا وفضلاً وأبعدها من مطلوب الشرع (7). (1( الكاشف عن حقائق السنن4/1144.) (2( شرح سنن أبي داود، عبد المحسن العباد 4 /248.) (3( تقدم. ينظر حديث (70.) (4( ذخيرة العقبى في شرح المجتبى 10/294.) (5( تقدم، ينظر حديث70.) (6( ينظر: شرح بلوغ المرام للشيخ عطية محمد سالم 6/89)، (دروس مفرغة في المكتبة الشاملة (7( ينظر: شرح النووي على مسلم4/159.)
عدد الصفحات ٢١٤205 7- الصبر - أولاا: التعريف اللغوي: الصبر: مشتق من الفعل "صَبَرَ" الصاد والباء والراء أصول ثلاثة، أحدها الحبس، يقال: صبرت نفسي على ذلك الأمر، أي حبستها (1)، ومنه: حبس النفس عن الجزع، وقد صبر فلان عند المصيبة يصبر صبرًا(2) . - ثانياا: التعريف الاصطلاحي الصبر: "هو ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله لا إلى الله "(3). - ثالثاا: التعريف النبوي الصَّبْرُ: ضِيَاء . حديث ( 76:) أخرجه الإمام مسلم (4)، بسنده (5)، عَنْ أَبِي مَالِك الأَْشْعَرِي ِ ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ :(الطُّهُورُ شَطْرُ الإْ يمَانِّ، وَالْحَمْدُ لِلَِِّّّ تَمْلَُ الْمِّيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِّ وَالْحَمْدُ لِلَِِّّّ تَمْلَََنِّ أَوْ تَمْلَُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِّ وَالأَْرْضِّ، وَالصَّلاَةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِّيَاءٌ ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ ، كُلُّ النَّاسِّ يَغْدُو فَبَايِّعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِّقُهَا (6) أَوْ مُوبِّقُهَا (7))(8). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. اعتبر العلماء أن هذا الحديث حديث عظيم، أصل من أصول الإسلام، لأنه اشتمل على مهمات من قواعد الإسلام، وذلك لأ ن الصبر محمود، ولا يزال صاحبه مستضيئًا مهتديًا مستمرًا على الصواب، كما قيل: "الصبر هو الثبات على الكتاب والسنة"(9). (1( ينظر: مقاييس اللغة3/329.) (2( ينظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية ( 2/706.) (3( التعريفات (ص 131.) (4( صحيح مسلم، كتاب الطهارة - باب فضل الوضوء ( 1/203،ح223.) (5( سند الحديث قال الإمام مسلم: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُور ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلاَل ، حَدَّثَنَا أَبَانُ، حَدَّثَنَا يَحْيَ ى، أَنَّ زَيْدًا، حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا سَلاَّم ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي مَالِك الأَْشْعَرِي ِ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِﷺ...(الحديث). (6( فمعتقها: "لا يبيع نفسه بعد أن اشتراها من الله ، أي أعتقها عن العذاب". ينظر: مجمع بحار الأنوار (5/336.) (7( موبقها: "أي مهلكها". ينظر: مجمع بحار الأنوار (5/336.) (8( تخريج الحديث تفرد به الإمام مسلم في صحيحه من دون الشيخين. (9( ينظر: شرح النووي على مسلم3/100.)
عدد الصفحات ٢١٥206 2. إن من حسن التوفيق وا مارات السعادة؛ الصبر على الملمات والرفق عند النوازل، وبه نزل الكتاب وجاءت السنة (1)، كما قال :[يَا أَيَُُّّا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبَُِوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ](2). 3. سبب تعريف الصبر بالضياء: لم ا كان الصبر شاقًا على النفوس، يحتاج إلى مجاهدة النفس وحبسها وكفها عما تهواه، كان ضياء، كما قال الحق :[وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْ لَمَ المُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ](3)، وعلى إثره يعد الصبر المحمود أنواع أ- صبر على طاعة الله . ب- صبر عن معاصي الله . ت- صبر على أقدار الله . والصبر على الطاعات وعن المحرمات أفضل من الصبر على الأقدار المؤلمة، ومن أفضل أنواع الصبر: الصيام، فإنه يجمع الصبر على الأنواع الثلاثة، لأنه صبر على طاعة الله ، وصبر عن معاصي، لأن العبد يترك شهواته ، ونفسه قد تنازعه إليها، وفيه أيضًا صبر على الأقدار المؤلمة؛ بما قد يحصل للصائم من الجوع والعطش، وقد سمي شهر الصيام شهر الصبر(4). ثم إن الصبر ضياء؛ لأن المؤمن إذا صبر على الطاعات والبلايا في سعة الدنيا، وعن المعاصي فيها جازاه الله تعالى بالتفريج والتنوير في ضيق القبر وظلمته (5). 4. إن العبد إذا دعا في كشف الضر عنه لا يقدح في صبره، ودليل ذلك قوله كما ورد من فعل أيوب :[وَأَيُّو َ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنيِ مَسَّنِيَ الضَُُّّّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِِْينَ ](6). ولئلا يكون كالمقاومة مع، ودعوى العمل بمشاقه، قال :[وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالعَذَا ِ فَماَ اسْتَكَانُوا لِرَبِِِّمْ وَمَا يَتَضَََّّعُ ونَ ](7). فإن الرضا بالقضاء لا يقدح فيه الشكوى إلى ولا إلى غيره، وا نما يقدح بالرضا في المقضي به على العبد(8). (1( ينظر: أدب الدنيا والدين (ص286.) (2( (سورة آل عمران 200.) (3( (سورة محمد 31.) (4( ينظر: جامع العلوم والحكم (2/25.) (5( ينظر: مرقاة المفاتيح 1/342.) (6( (سورة الأنبياء 83.) (7( (سورة المؤمنون76.) (8( ينظر: التعريفات (ص 131.)
عدد الصفحات ٢١٦207 8- الصدقة - أولاا: التعريف اللغوي: الصدقة: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "صَدَقَ" . تقد م ذكره(1). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي الصدقة: تقدم ذكره (2). - ثالثاا: التعريف النبوي الصدقة: بُرْهَان . الصَّدَقَةُ: تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ. حديث (م (3):) أخرجه الإمام مسلم، بسنده، عَنْ أَبِي مَالِك الأَْشْعَرِي ِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ :...(()، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ الحديث. حديث (م(4):) وأخرجه الإمام الترمذي ، بسنده، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَل ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِي ِ فِي سَفَر ، فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَِّّ ،(أَخْبِّرْنِّي بِّ عَمَلٍ يُدْخِّلُنِّي الجَنَّةَ، وَيُبَاعِّدُنِّي عَنِّ النَّارِّ، قَالَ :(...)،أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِّ الخَيْرِّ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِّئُ الخَطِّيئَةَ كَمَا يُطْفِّئُ المَاءُ النَّارَ) الحديث. - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1 .تعتبر الصدقة برهان على صحة الإيمان، وطيب النفس بها علامة على وجود حلاوة الإيمان وطعمه(5)، كما في قول عمار :(ثَلاَثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِّيمَانَ: الإِّنْصَافُ مِّنْ نَفْسِّكَ، وَبَذْلُ السَّلاَمِّ لِّلْعَالَمِّ، وَالإِّنْفَاقُ مِّنَ الإِّقْتَارِّ) (6). فالمال تحبه النفوس، وتبخل به، فإذا سمحت بإخراجه دل ذلك على صحة إيمانها بالله ووعده ووعيده، ولهذا منعت العرب الزكاة بعد النبي ، وقاتلهم الصديق على منعها(7). 2. أسباب تعريف الصدقة بالبرهان (1( تقدم. ينظر حديث57.) (2( تقدم. ينظر حديث57.) (3( تقدم، ينظر حديث76.) (4( تقدم، ينظر حديث68.) (5( ينظر: جامع العلوم والحكم2/23.) (6( صحيح البخاري، كتاب الإيمان- باب إفشاء السلام من الإسلام (1/15.) (7( دليل الواعظ إلى أدلة المواعظ1/417.)
عدد الصفحات ٢١٧208 أ- لأنها يفزع إليها كما يفزع إلى البرا هين، كأن العبد إذا سئل يوم القيامة عن مصرف ماله، كانت صدقاته براهين في جواب هذا السؤال، فيقول تصدقت به. ب- لأن الصدقة حجة على إيمان فاعلها، فإن المنافق يمتنع منها، لكونه لا يعتقدها، فمن تصدق استدل بصدقته على صدق إيمانه، والله أعلم(1). 3. الصدقة تزيل الذ نوب وتمحوها كما قال الحق :[إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ](2)، لذا يستحب للمرء أن تصدق كل يوم ولو بشيء قليل؛ فإن الله يضاعفه (3)، فقد قال رسول الله :(مَنْ تَصَدَّقَ بِّعَدْلِّ تَمْرَةٍ مِّنْ كَسْبٍ طَي ِّبٍ، وَلاَ يَقْبَلُ اللََُّّ إِّلاَّ الطَّي ِّبَ، وَا ِّنَّ اللَََّّ يَتَقَبَّلُهَا بِّيَمِّينِّهِّ، ثُمَّ يُرَب ِّيهَا لِّصَاحِّبِّهِّ، كَمَا يُرَب ِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِّثْلَ الجَبَلِّ )(4) و"الصدقة تطفئ الخطيئة، لمقام الحكاية عن المباعدة عن النار، فلما وضع الخطيئة موضع النار على الاستعارة المكنية أثبت لها على سبيل الاستعارة التخيلية ما يلازم النار من الإطفاء؛ ليكون قرينة مانعة لها من إرادة الحقيقة من الخطيئة، كما في قوله تعالى: [إِنَّماَ يَأْكُلُونَ فِِ بُطُونَِِّمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيًْا ](5)،حيث أطلق اسم المسبب على السبب"(6). 9- الصلاة - أولاا: التعريف اللغوي: الصلاة: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "صَلًيَ"" (7). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي الصلاة: تقدم ذكره (8). - ثالثاا: التعريف النبوي الصَّلاَةُ: نُور . (1( ينظر: شرح النووي على مسلم3/101.) (2( (سورة هود 114.) (3( ينظر: مرقاة المفاتيح 4/1348)، أسرار المحبين في رمضان (ص 89.) (4( أخرجه الإم ام البخاري، كتاب الزكاة- بَابُ الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْب طَي ِب لِقَوْلِهِ كُلَّ كَفَّار أَثِيم 277( ]2/108،ح1410)، وينظر: ح7430، وأخرجه الإمام مسلم، كتاب الزكاة - باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وترب يتها (2/702،ح1014.) (5( الكاشف عن حقائق السنن2/486.) (6( (سورة النساء 10.) (7( تقدم. ينظر حديث58.) (8( تقدم. ينظر حديث58.)
عدد الصفحات ٢١٨209 حديث (م (1):) أخرجه الإمام مسلم، بسنده، عَنْ أَبِي مَالِك الأَْشْعَرِي ِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ :((...)، وَالصَّلاَةُ نُورٌ الحديث. - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. سبب تعريف ا لصلاة بالنور(2): أ- لأن ها تمنع من المعاصي، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتهدي إلى الصواب، كما أن النور يستضاء به. ب- لأن أجرها يكون نورًا لصاحبها يوم القيامة. ت- لأن ها سبب لإشراق أنوار المعارف، وانشراح القلب، ومكاشفات الحقائق، لفراغ القلب فيها وا قباله إلى الله تعالى بظاهره وباطنه، كما قال الحق تعالى: [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبَِْ وَالصَّلاَةِ وَإِنَََّّا لَكَبِيَْة إِلاَّ عَلََ الَْاشِعِينَ ](3). ث- لأن ها تكون نورًا ظاهرًا على وجه صاحبها يوم القيامة، ويكون في الدنيا أيضًا على وجهه البهاء بخلاف من لم يصل، والله أعلم. 2. اختصت الصلاة بنورها المطلق، لأن ها للمؤمنين في الدنيا نور في قلوبهم وبصائرهم، تشرق بها قلوبهم، وتستنير بصائرهم، وفي الآخرة أيضًا نور للمؤمنين في ظلمات القيامة، وعلى الصراط، فإن الأنوار تُقسم لهم على حسب أعمالهم(4). 3. إن الصلاة من أ جل الشعائر الدينية، وأعظم المظاهر الإسلامية، ومن أشرف العبادات، وهي خير ما يتقرب به العبد إلى الله ، وقد كان يصلي حتى تورمت قدماه، لذلك فإن الصلاة هي الفارقة بين الكفر والإسلام، وهي أيضًا أول ما يحاسب به المرء يوم القيامة، فإن تمت صلاته فقد أفلح وأنجح(5)، وعليه قال النبي :(أُمِّرْتُ أَنْ أُقَاتِّلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِّلَهَ إِّلاَّ اللََُّّ، وَأَنَّ مُحَمَّداا رَسُولُ اللََِّّّ، وَيُقِّيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِّذَا فَعَلُوا ذَ لِّكَ عَصَمُوا مِّن ِّي دِّمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِّلاَّ بِّحَق ِّ الإِّسْلاَمِّ، وَحِّسَابُهُمْ عَلَى اللََِّّّ) (6). (1( تقدم، ينظر حديث57.) (2( ينظر: شرح النووي على مسلم3/101.) (3( ينظر: السابق3/101.) (4( ينظر: جامع العلوم والحكم2/21)، دليل الواعظ إلى أدلة المواعظ1/416.) (5( ينظر: مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار 2/176)، جامع العلوم والحكم2/24.) (6( أخرجه الإمام البخاري، كتاب الإيمان- بَاب5 ] (1/14،ح25)، وأخرجه الإمام مسلم، كتاب الإيمان - باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله ( 1/53،ح22.)
عدد الصفحات ٢١٩210 10- صلاة المنافق - أولاا: التعريف اللغوي: المنافق: اسم مشتق من الفعل "نَفَقَ" النون والفاء والقاف أصلان صحيحان، يدل أحدهما على انقطاع شيء وذهابه، والآخر على إخفاء شيء وا غماضه، ومتى حصل الكلام فيهما تقاربا (1)، ومنه اشتقاق النفاق، لأن صاحبه يكتم خلاف ما يظهر، فكأن الإيمان يخرج منه، أو يخرج هو من الإيمان في خفاء، ويمكن أن الأصل في الباب واحد، وهو الخروج، والنفق: المسلك النافذ الذي يمكن الخروج منه (2). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي المنافق: "هو الذي يضمر الكفر اعتقادًا ويظهر الإيمان قولاً" (3). صلاة المنافق "هي صلاة العصر التي أخرت إلى الاصفرار" (4). - ثالثاا: التعريف النبوي صَلاَةُ الْمُنَافِّقِّ: أن يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، قَامَ فَنَقَرَ هَا أَرْبَعًا، لاَ يَذْكُرُ اللهَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً. حديث (77:) أخرجه الإمام مسلم (5)، بسنده(6)، عَنِ الْعَلاَءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِك فِي دَارِهِ بِالْبَصْرَةِ، حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الظُّهْرِ، وَدَا رُهُ بِجَنْبِ الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا دَخَلْنَا عَلَيْهِ، قَالَ: أَصَلَّيْتُمُ الْعَصْرَ؟ فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّمَا انْصَرَفْنَا السَّاعَةَ مِنَ الظُّهْرِ، قَالَ: فَ صَلُّوا الْعَصْرَ، فَقُمْنَا، فَصَلَّيْنَا، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا، قَالَ: سَمِعْتُ ، يَقُولُ (تِّلْكَ صَلاَةُ الْمُنَافِّقِّ، يَجْلِّسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِّذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِّ الشَّيْطَانِّ، قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعاا، لاَ يَذْكُرُ اللهَ فِّيهَا إِّلاَّ قَ لِّيلاا) (7). (1( مقاييس اللغة5/454) (2( ينظر: السابق (5/455.) (3( التعريفات (ص 235.) (4( ينظر: مرعاة المفاتيح 2/302.) (5( صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة- باب استحباب التبكير بالعصر (1/434،ح622.) (6( سند الحديث قال الإمام مسلم: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْر ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَر ، عَنِ الْعَلاَ ءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِك فِي دَارِهِ بِالْبَصْرَةِ، حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الظُّهْرِ، وَدَارُهُ بِجَنْبِ الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا دَخَلْنَا عَلَيْهِ، قَالَ: أَصَلَّيْتُمُ الْعَصْرَ؟ فَقُلْ نَا لَهُ: إِنَّمَا انْصَرَ فْنَا السَّاعَةَ مِنَ الظُّهْرِ، قَالَ: فَصَلُّوا الْعَصْرَ، فَقُمْنَا، فَصَلَّيْنَا، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا، قَالَ: سَمِعْتُ ﷺ، يَقُولُ...(الحديث). (7( تخريج الحديث تفرد به الإمام مسلم في صحيحه من دون الشيخين.
عدد الصفحات ٢٢٠211 - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. الدلالة على التبكير بصلاة العصر في أول وقتها، وأن وقتها يدخل بمصير ظل الشيء مثله، ولهذا كان الآخرون يؤخرون الظهر إلى ذلك الوقت، والتصريح بذم تأخير صلاة العصر بلا عذر، ووصف ذلك بصلاة المنافق، لأنه أردع لذوي الإيمان وأفزع لقلوب أهل العرفان من هذا(1). 2. خص النبي صلاة العصر بالذكر في بيان حال المنافقين؛ لأن ها الصلاة الوسطى، وقيل: لأن ها تأتي في وقت تعب الناس من مقاساة أعمالهم. لذا يعتبر من أخر صلاة العصر إلى آخرها فقد شبه نفسه بالمنافق؛ لأن المنافق لا يعتقد صحة الصلاة، بل يصلي لدفع السيف، ويبالي بالتأخير إذ لا يطلب فضيلة ولا ثوابًا، والواجب على المسلم أن يخالف المنافق(2). 3. بين العلماء أن للعصر خمسة أوقات، وهي(3): أ- وقت الفضيلة: وهو أول وقتها. ب- وقت الاختيار: وهو يمتد إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه. ت- وقت الجواز بلا كراهة: وهو ممتد إلى اصفرار الشمس. ث- وقت الجواز مع كراهة: وهو يمتد من حالة اصفرار الشمس إلى الغروب. ج- وقت العذر: وهو وقت الظهر في حق من يجمع بين الظهر والعصر؛ لسفر أو مطر. ويكون العصر في هذه الأوقات الخمسة أداء، فإذا فاتت كلها بغروب الشمس صار قضاء، والله أعلم. 11- صيام الدهر - أولاا: التعريف اللغوي: صيام: اسم مشتق من الفعل الثلاثي "صَوَمَ" (4). (1( ينظر: شرح النووي على مسلم5/124)،نيل الأوطار (1/380.) (2( ينظر: مرقاة المفاتيح 2/528.) (3( شرح النووي على مسلم5/110.) (4( تقدم. ينظر حديث61.)
عدد الصفحات ٢٢١212 الدهرمشتق من الفعل "دَهَرَ" الدال والهاء والراء أصل واحد، وهو الغلبة والقهر، وسمي بذلك؛ لأنه يأتي على كل شيء ويغلبه(1)، ومنه الزمان (2)، ومنه الأبد الممدود، وقيل ألف سنة، ويجمع على أدهر ودهور(3). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي: صيام: تقدم تعريفه (4.) الدهر "هو اسم لمدة العالم من مبدأ وجوده إلى انقضائه، ثم عبر به عن كل مدة كثيرة، وهو خلاف الزمان فإنه يقع على المدة القليلة والكثيرة" (5.) وصيام الدهر بمعناه العام: "أن يصوم المرء فلا يفطر كل أيام السنة "(6). - ثالثاا: التعريف النبوي: صِّيَامِّ الدَّهْرِّ: صُوم مِنَ الشَّهْرِ ثَلاَثَةَ أَيَّام ، فَإِنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا. حديث (م (7):) أخرجه الإمام البخاري، بسنده، أَنَّ عَبْدَ اللَِّّ بْنَ عَمْر و قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللَِّّ : أَن ِي أَقُولُ: وَاللَِّّ لأََصُومَنَّ النَّهَارَ، وَلأََقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ، فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ، بِأَبِ ي أَنْتَ وَأُم ِي، قَالَ :(فَإِّنَّكَ لاَ تَسْتَطِّيعُ ذَلِّكَ، فَصُمْ وَأَفْطِّرْ، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِّنْ الشَّهْرِّ ثَلاَثَةَ أَ يَّامٍ، فَإِّنَّ الْحَسَنَةَ بِّعَشْرِّ أَمْثَالِّهَا، وَذَلِّكَ مِّثْلُ صِّيَامِّ الدَّهْرِّ، قُلْتُ: إِّن ِّي أُطِّيقُ أَفْضَلَ مِّنْ ذَلِّكَ، قَ الَ : فَصُمْ يَوْماا وَأَفْطِّرْ يَوْمَيْنِّ، قُلْتُ: إِّن ِّي أُطِّيقُ أَفْضَلَ مِّنْ ذَلِّكَ، قَالَ : فَصُمْ يَوْماا وَأَفْط رْ يَوْماا، فَذَلِّكَ صِّيَامُ دَاوُدَ ، وَهُوَ أَفْضَلُ الص ِّيَامِّ، فَقُلْتُ: إِّن ِّي أُطِّيقُ أَفْضَلَ مِّنْ ذَلِّكَ، فَقَالَ النَّبِّي : لاَ أَفْضَلَ مِّنْ ذَلِّكَ) . - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. أراد النبي الدهر بمعناه العام،وليس الخاص، والذي أَصْله جزء من كل، حيث أريد به حدود الزمان، والله أعلم ، حيث أطلق النبي الجزء، وأراد الكل، وبه يكون تعريف صيام الدهر: "هو صيام ثلاثة أيام من كل شهر، تجزئ عن الوصال في الصيام. 2. نهى النبي عن صيام الأبد؛ لما في ذلك من الإضرار بالنفس، وا لحمل عليها، ومنعها من الغذاء الذى هو قوامها وقوتها على ما هو أفضل من الصوم، كالصلاة النافلة وقراءة (1( ينظر: مقاييس اللغة2/305) (2( ينظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية 2/661.) (3( ينظر: المحكم والمحيط الأعظم4/255.) (4( تقدم. ينظر حديث(61.) (5( التوقيف على مهمات التعاريف (ص 168.) (6( ينظر: معجم لغة الفقهاء (ص211.) (7( تقدم، ينظر حديث61.)
عدد الصفحات ٢٢٢213 القرآن والجهاد وقضاء حق الزور والضعيف (1)، كما جاء في حديث أَبِي قَتَادَةَ الأَْنْصَارِي ِ : (أَنَّ رَسُولَ اللهِ سُئِلَ عَنْ صَوْمِهِ؟ قَالَ : (فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ )، فَقَالَ عُمَرُ : رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِْسْلاَمِ دِينًا، وَبِمُحَمَّد رَسُولاً، وَبِبَيْعَتِنَا بَيْعَةً، قَالَ : فَسُئِلَ عَنْ صِيَامِ الدَّهْرِ؟ فَقَالَ :(لاَ صَامَ وَلاَ أَفْطَرَ -أَوْ مَا صَامَ وَمَا أَفْطَرَ -)، قَالَ : فَسُئِّلَ عَنْ صَوْمِّ يَوْمَيْنِّ وَا ِّفْطَار يَوْمٍ؟ قَالَ : (وَمَنْ يُطِّيقُ ذَلِّكَ؟)، (2). 3. إن صيام الثلاث من كل شهر لكون الحسنة بعشر أمثالها يعدل صيام الدهر في أصل الثواب لا فيه، مع المضاعفة المرتبة على صيامه بالفعل، لئلا يلزم مساواة ثواب ا لأقل من الأعمال للأكثر منها مع التساوي في سائر الأوصاف، وقواعد الشرع تأباه(3). 12- صيام نصف الدهر- صيام داود - أولاا: التعريف اللغوي: صيام، الدهر: تقدم تعريفهما (4). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي صيام نصف الدهر: هو صيام يوم، وا فطار يوم. - ثالثاا: التعريف النبوي: صيام نِّصْفَ الدَّهْرِّ: صِيَامَ نَبِي ِ اللَِّّ دَاوُدَ ، وَلاَ تَزِدْ عَلَيْهِ حديث (78 :)أخرجه الإمام البخاري(5)، بسنده(6)، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَِّّ بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ، قَالَ لِي رَسُولُ اللَِّّ :(يَا عَبْدَ اللََِّّّ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟، فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللََِّّّ ، قَالَ: فَلاَ تَفْعَلْ صُمْ وَأَفْطِّرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِّنَّ لِّجَسَدِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَا ِّنَّ لِّعَيْنِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَا ِّنَّ لِّزَوْجِّكَ عَلَيْ كَ حَقًّا، وَا ِّنَّ لِّزَوْرِّكَ (7) عَلَيْكَ حَقًّا، وَا ِّنَّ بِّحَسْبِّكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَإِّنَّ لَكَ بِّكُل ِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِّهَا، فَإِّنَّ ذَلِّكَ صِّيَامُ الدَّهْرِّ كُل ِّهِّ، فَشَدَّدْتُ، فَشُد ِّدَ عَلَيَّ (1( شرح صحيح البخار ي لابن بطال (4/121). (2( صحيح مسلم، كتاب الصيام- باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عرفة وعاشوراء والاثنين والخميس (2/819،ح1162)، بطرق متعددة وألفاظ متقاربة (3( ينظر: دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين2/397.) (4( تقدم. ينظر حديث61.) (5( صحيح البخاري، كتاب الصوم- باب حق الجسم في الصوم (3/39،ح1975.) (6( سند الحديث قال الإمام البخاري: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِل ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَِّّ، أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِير ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَِّّ بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ، قَالَ لِي رَسُولُ اللَِّّ ﷺ...(الحديث). (7( لزورك الزَّ وْ ر بمعنى الزائر ، وهو الضيف، وحقه يوم وليلة". ينظر: عمدة القاري (22/173).
عدد الصفحات ٢٢٣214 قُلْتُ: يَا رَسُو لَ اللََِّّّ إِّن ِّي أَجِّدُ قُوَّةا قَالَ : فَصُمْ صِّيَامَ نَبِّي ِّ اللََِّّّ دَاوُدَ ، وَلاَ تَزِّدْ عَلَيْهِّ، قُلْتُ وَمَا كَانَ صِّيَامُ نَبِّي ِّ اللََِّّّ دَاوُدَ عَلَيْهِّ السَّلاَمُ؟، قَالَ : نِّصْفَ الدَّهْرِّ، فَكَانَ عَبْدُ اللََِّّّ يَقُولُ بَعْدَ مَا كَبِّرَ : يَا لَيْتَنِّي قَبِّلْتُ رُخْصَةَ النَّبِّي ِّ )(1). - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي 1. قضى النبي بتفضيل صيام داود على غيره؛ لأن صومه لا يضعفه عن أداء الفرائض، والقيام بالأعمال التي هي الأفضل من الصوم، وذلك ثبوته لحرب أعداء الله عند التقاء الزحوف، وتركه الفرار منهم، وذلك من نفل الأعمال، وهو صحيح الجسم، فغير مكروه له صومه ذلك، وأما من أضعفه صومه النفل عن أداء شيء من فرائض الله فغير جائز له صومه، بل هو محظور عليه، فإن لم يضعفه عن الفرائض، وأضعفه عما هو أفضل منه من النوافل فإن صومه مكروه، وا ن كان غير آثم، والله أعلم(2). 2. بيان أفضلية نصف الدهر، ومحبة لهذا الصيام من صيام التطوع، ويكشف ذلك قوله :(أَحَبُّ الصَّلاَةِّ إِّلَى صَلاَةُ دَاوُدَ ، وَأَحَبُّ الص ِّيَامِّ إِّلَى صِّيَامُ دَاوُدَ ، وَكَانَ يَنَامُ نِّصْفَ اللَّيْلِّ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوْماا، وَيُفْطِّرُ يَوْماا )(3). 3. صيام نصف الدهر؛ ذُكِرَ على سبيل التقريب وا لا فيوما العيد، وأيام التشريق زائدة في عدد أيام الفطر على عدد أيام الصوم(4). (1( تخريج الحديث تقدم، ينظر تخريج حديث ( 61). (الحديث خلاف حديث أفضل الصيام، أي غير مكرر (2( ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال4/122.) (3( أخرجه الإمام البخاري، كتاب التهجد - باب من نام عند السحر ( 2/50،ح1131)، للاستزادة التخريج كاملاً، ينظر تخريج حديث ( 61.) (4( ينظر: دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين2/399.)
عدد الصفحات ٢٢٤215 المبحث الثالث: التعريفات من بداية حرف الطاء إلى نهاية حرف القاف 1- الطهور - أولاا: التعريف اللغوي: الطَّهُور: مشتق من الفعل "طَهَرَ" الطاء والهاء والراء أصل واحد صحيح يدل على نقاء وزوال دنس، والطَّهور: الماء، ومنه قوله تعالى: [وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّماَءِ مَاءً طَهُورًا ](1)، وقيل الطهور: الطاهر، في نفسه، المطهر لغيره (2)،لأنَّه لا يكون طهورًا إلا وهو يتطهر به، كالوَضوء: الماء الذي يًتَوَضَّأ به (3). - ثانياا: التعريف الاصطلاحي الطهور: "هو الماء الذي يرفع الحدث ويزيل النجس، فكأنه تناهى في الطهارة" (4). - ثالثاا: التعريف النبوي الطُّهُورُ: شَطْرُ الإِْيمَانِ . حديث (م (5)) أخرجه الإمام مسلم، بسنده، عَنْ أَبِي مَالِك الأَْشْعَرِي ِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ :(الطُّهُورُ شَطْرُ الإِّْيمَان الحديث. - رابعاا: المعاني واللطائف المستفادة من التعريف النبوي: 1. عرَّف النبي الطهور بأنه شطر الإيمان؛ وهو كذلك لأسباب عدَّة، منها(6): أ- أنَّ الأجر فيه ينتهي تضعيفه إلى نصف أجر الإيمان. ب- أنَّ الإيمان يجب ما قبله من الخطايا، وكذلك الوضوء؛ لأن الوضوء لا يصح إلا مع الإيمان. ج- أنَّ الإيمان هنا هو الصلاة، كما قال الحق :[وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيماَنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوف رَحِيم ](7)، والطهارة شرط في صحة الصلاة فصارت كالشطر، وليس يلزم في الشطر أن يكون نصفًا حقيقيًا، وهذا القول أقرب الأقوال. (1( (سورة الفرقان 48.) (2( ينظر: مقاييس اللغة3/428.) (3( ينظر: النهاية في غريب الحديث و الأثر (3/147.) (4( تهذيب اللغة6/100.) (5( تقدم، ينظر حديث76.) (6( ينظر: شرح النووي على مسلم3/100.) (7( (سورة البقرة 143.)
عدد الصفحات ٢٢٥216 د- أنَّ الإيمان تصديق بالقلب وانقياد بالظاهر، وهما شطران للإيمان، والطهارة متضمنة الصلاة فهي انقياد في الظاهر، والله أعلم. قالت الباحثة: لو تأملنا أقوال العلماء؛ لوجدنا أن هذه الأقوال متقاربة، وكلها تصب في ذات المعنى، والله أعلم. 2. بيان فضل الطهور وأثره على المؤمن، لذلك لما كانت المحافظة عليه شاقة، لا تت أتى إلا ممن كان على بصيرة من أمر الطهارة، موقنًا بنفعها الجسيم جعلت علامة الإيمان(1)، كما بين ذلك الصادق المصدوق :(مَا مِّنْكُمْ مِّنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِّغُ - أَوْ فَيُسْبِّغُ - الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِّلَهَ إِّلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداا عَبْدُ اللهِّ وَرَسُولُهُ إِّلاَّ فُتِّحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِّ الثَّمَانِّيَةُ يَدْخُلُ مِّنْ أَي ِّهَا شَاءَ) (2). 3. إن الطهارة على أربعة أضرب (3): أ- تطهير البدن عن نجس أو حدث أو فضلة من البدن، ومنه قوله تعالى: [إِنَّ اللهَ يُُِب التَّوَّابِ ينَ وَيُُِبُّ المُتَطَهِرِينَ ](4). ب- تطهير الجوارح عن الآثام، ومنه قول النبي : (مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِّنْ جَسَدِّهِّ، حَتَّى تَخْرُجَ مِّنْ تَحْتِّ أَظْفَارِّهِّ) (5). ج- تطهير القلب عن الأخلاق المذمومة من الحرص والحقد وا لحسد والكبر وغير ذلك، ومنه قول الله :[وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصرََ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً ](6). د- تطهير السر عما سوى الله ، وهذه المرتبة العليا ولم تحصل إلا لمن تجلت له أوصاف الحبيب فدخل في دائرة المحبة. 4. إن الفصاحة والبلاغة من معجزات النبي في قومه، ومن أبرز سمات هذا الإعجاز ما عُرف به من جوامع الكلم؛ فإنه كان يرشد أمته ويوجهها بألفاظ قليلة، تحمل في طي اتها العديد من المعاني، ولم تكن هذه الألفاظ متكلفة أو صعبة، بل كانت سهلة ميسورة على جميع فئات الناس. (1( ينظر: حجة الله البالغة1/296.) (2( صحيح مسلم، كتاب الطهارة – باب الذكر المستحب عقب الوضوء ( 1/209،ح234.) (3( ينظر: التبصرة 2/206.) (4( (سورة البقرة 222.) (5( صحيح مسلم، كتاب الطهارة - باب خروج الخطايا من ماء الوضوء ( 1/216،ح245.) (6( (سورة الإسراء 36.)
عدد الصفحات ٢٢٦