المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

ما قال فيه الشوكاني لا أصل له

غير معروف

صفحة ٣ من ٨

33 قال ابن حزم في المحلى وروينا غسله عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة وأنس وسعيد بن المسيب وقال الشافعي و داود وهو أصح الروايتين عن أحمد بطهارته . ونسبه النووي إلى الكثيرين من أهل الحديث قال : وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وعائشة قال : وقد غلط من أوهم أن الشافعي منفرد بطهارته احتج القائلون بنجاسته بما روي في غسله والغسل لا يكون إلا لشيء نجس . وأجيب بأنه لم يثبت الأمر بغسله من قوله صلى الله عليه و سلم في شيء من أحاديث الباب وإنما كانت تفعله عائشة ولا حجة في فعلها إلا إذا ثبت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم علم بفعلها وأقرها على أن علمه بفعلها وتقريره لها لا يدل على المطلوب لأن غاية ما هناك أنه يجوز غسل المني من الثوب وهذا مما لا خلاف فيه بل يجوز غسل ما كان متفقا على طهارته كالطيب والتراب فكيف بما كان مستقذرا وأما الاحتجاج بحديث عمار مرفوعا بلفظ : ( إنما تغسل الثوب من الغائط والبو ل والمذي والمني والدم والقيء ) أخرجه البزار وأبو يعلى الموصلي في مسنديهما وابن عدي في الكامل والدارقطني والبيهقي والعقيلي في الضعفاء وأبو نعيم في المعرفة فأجيب عنه بأن الجماعة المذكورين كلهم ضعفوه إلا أبا يعلى لأن في إسناده ثابت بن حماد اتهمه بعضهم بالوضع وقال اللالكائي : أجمعوا على ترك حديثه وقال البزار : ولا يعلم لثابت إلا هذا الحديث . وقال الطبراني : انفرد به ثابت بن حماد ولا يروى عن عمار إلا بهذا الإسناد . وقال البيهقي : هذا حديث باطل إنما رواه ثابت بن حماد وهو متهم . قال الحافظ : قلت ورواه البزار وا لطبراني من طريق إبراهيم بن زكريا عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد لكن إبراهيم ضعيف وقد غلط فيه إنما يرويه ثابت بن حماد انتهى . فهذا مما لا يجوز الاحتجاج بمثله واحتج القائلون بالطهارة برواية الفرك ويجاب عنه بمثل ما سلف من أنه من فعل عائشة إلا أنه إذا فرض إط لاع النبي صلى الله عليه و سلم على ذلك أفاد المطلوب وهو الاكتفاء في إزالة المني بالفرك لأن الثوب ثوب النبي صلى الله عليه و سلم وهو يصلي فيه بعد ذلك كما ثبت في الرواية المذكورة في الباب ولو كان الفرك غير مطهر لما اكتفى به ولا صلى فيه ولو فرض عدم إطلاع النبي صلى الله عليه و سلم على67 ] لنبه عليه حال الصلاة بالوحي كما نبه بالقذر الذي في النعل وأيضا ثبت السلت للرطب والحك لليابس من فعله صلى الله عليه و سلم كما في حديث الباب وثبت أمره بالحت وقال : ( إنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو أذخرة ) وأجيب بأن ذلك لا يدل على الطهارة وإنما يدل على كيفية التطهير فغاية الأمر أنه نجس خفف في تطهيره بما هو أخف من الماء والماء لا يتعين لإزالة جميع النجاسات كما حررناه في هذا الشرح سابقا وإلا لزم طهارة العذرة التي في النعل لأن النبي صلى الله عليه و سلم أمر بمسحها في التراب ورتب ع لى ذلك الصلاة فيها قالوا : قال صلى الله عليه و سلم ( إنما هو بمنزلة المخاط والبزاق والبصاق ) كما في الحديث السابق وأجيب بأنه موقوف كما قال البيهقي . قالوا : الأصل الطهارة فلا ننتقل عنها إلا بدليل وأجيب بأن التعبد بالإزالة غسلا أو مسحا أو فركا أو حتا أو سلتا أو حكا ثابت ولا معنى لكون الشيء نجسا إلا أنه مأمور بإزالته بما أحال عليه الشارع . فالصواب أن المني نجس يجوز تطهيره بأحد الأمور الواردة وهذا خلاصة ما في المسألة من الأدلة من جانب الجميع

عدد الصفحات ٣٣

34 وفي المقام مطاولات ومقاولات والمسألة حقيقة بذاك ولكنه أفضى الأمر إلى تلفيق حجج واهية كالاحتجاج بتكرمة بني آدم وبكون الآدمي طاهرا من جانب القائل بالطهارة وكالاحتجاج بأنه فضلة مستحيلة إلى مستقذر وبأن الأحداث الموجبة للطهارة نجسة والمني منها وبكونه جاريا مجرى البول من جانب القائل بالنجاسة وهذا الكلام في مني الآدمي وأما مني غير الآدمي ففيه وجوه وتفصيلات مذكورة في الفروع فلا نطول بذكرها ( فائدة ) صرح الحافظ في الفتح بأنه لا معارضة بين حديث الغسل والفرك لأن الجمع بينهما واضح على القول بطهارة المني بأن يحمل الغسل على الاستحبا ب للتنظيف لا على الوجوب قال : وهذه طريقة الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث . وكذا الجمع ممكن على القول بنجاسته بأن يحمل الغسل على ما كان رطبا والفرك على ما كان يابسا وهذه طريقة الحنفية قال والطريقة الأولى أرجح لأن فيها العمل بالخبر والقياس معا ولأنه لو كان نجسا لكان القياس وج وب غسله دون الاكتفاء بفركه كالدم وغيره فيما لا يعفى عنه من الدم بالفرك ويرد الطريقة الثانية أيضا ما في رواية ابن خزيمة من طريق أخرى عن عائشة : ( كان يسلت المني من ثوبه بعرق الأذخر ثم يصلي فيه ويحته من ثوبه يابسا ثم يصلي فيه ) فإنه تضمن ترك ال غسل68 ](1) 27- "- أخرجه وسكت عنه وقد صح عنه أنه لا يسكت إلا عما هو صالح للاحتجاج وكذلك سكت عنه المنذري ولم يتكلم عليه في تخريج السنن . وذكره الحافظ ابن حجر في التلخيص ولم يتكلم عليه بشيء وذكر في الفتح أنه أخرجه أبو داود والحاكم بإسناد حسن وروى البيهقي من طريق عيسى الخياط قال : قلت للشعبي إني لأعجب لاختلاف أبي هريرة وابن عمر قال نافع عن ابن عمر : دخلت إلى بيت حفصة فحانت مني التفاتة فرأيت كنيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مستقبل القبلة . وقال أبو هريرة : إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها قال الشعبي صدقا جميعا أما قول أبي هريرة فهو في الصحراء فإن لله عبادا ملائكة وجنا يصلون فلا يستقبلهم أحد ببول ولا غائط ولا يستدبرهم وأما كنفكم هذه فإنما هي بيوت بنيت لا قبلة فيها وأخرجه ابن ماجه مختصرا وقول ابن عمر يدل على أن النهي عن الاستقبال والاستدبار إنما هو في الصحراء102 ] وهو يصلح دليلا لمن فرق بين الصحراء والبنيان ولكنه لا يدل على المنع في الفضاء على كل حال كما ذهب إليه البعض بل مع عدم الساتر وإنما قلنا بصلاحيته للاستدلال لأن قوله إنما نهى عن هذا في الفضاء يدل على أنه قد علم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويحتمل أنه قال هذا إسنادا إلى الفعل الذي شاهده ورواه فكأنه لما رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيت حفصة مستدبرا القبلة فهم اختصاص النهي بالبنيان ف لا يكون هذا الفهم حجة ولا يصلح هذا القول للاستدلال به وأقل شيء الاحتمال ( 1 ) فلا ينتهض لإفادة المطلوب . وقد سقنا في شرح أحاديث هذا الباب والذي قبله من الكلام على هذه المسألة المعضلة أبحاثا لا تجدها في غير هذا الكتاب ولعلك لا تحتاج بعد إمعان النظر فيها إلى غيره (1) نيل الأوطار1/65

عدد الصفحات ٣٤

35 ( فائدة ) قال المنصور بالله والغزالي والصيمري : إنه يكره استقبال القمرين والنيرات قالوا لشرفها بالقسم بها فأشبهت الكعبة كذا في البحر وقد استقوى عدم الكراهة . وقد قيل في الاستدلال على الكراهة بأنه روى الحكيم الترمذي عن الحسن قال حدثني سبعة رهط من أ صحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم أبو هريرة وجابر وعبد الله بن عمرو وعمران بن حصين ومعقل بن يسار وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك يزيد بعضهم على بعض في الحديث ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن يبال في المغتسل ونهى عن البول في الماء الراكد ونه ى عن البول في الشارع ونهى أ ن يبول الرجل وفرجه باد إلى الشمس والقمر ) . فذكر حديثا طويلا في نحو خمسة أوراق على هذا الأسلوب قال الحافظ : وهو حديث باطل لا أصل له بل هو من اختلاق عباد بن كثير وذكر أن مداره عليه . وقال النووي في شرح المهذب : هذا حديث باطل وق ال ابن الصلاح : لا يعرف وهو ضعيف انتهى _________ (1 ) هذا مثل قولهم الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال تنبه (1) 28- "- الحديث قال في التلخيص : هو ضعيف ورواه أبو نعيم من طريقين آخريين عنها وروى النسائي في الك والعقيلي وابن حبان في الضعفاء والبيهقي من طريق عاصم عن أنس ( يستاك الصائم أول النهار وآخره برطب السواك ويابسه ) ورفعه . وفيه إبراهيم بن بيطار الخوارزمي قال البيهقي : انفرد به إبراهيم بن بيطار ويقال إبراهيم بن عبد الرحمن قاضي خوارزمي وهو منكر الحديث . وقال ابن حب ان : لا يصح ولا أصل له من حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا من حديث أنس وذكره ابن الجوزي في الموضوعات قال الحافظ : قلت له شاهد من حديث معاذ رواه الطبراني في الكبير وقال أحمد بن منيع في مسنده : حدثنا الهيثم بن خارجة حدثنا يحيى بن حمزة عن النعمان ابن المنذر عن عطاء وطاوس ومجاهد عن ابن عباس ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تسوك وهو صائم ) الحديث يدل على أن السواك من خير خصال الصائم من غير فرق بين قبل الزوال وبعده وقد تقدم الكلام على ذلك في الحديث الأول ". (2) 29- "- قوله ( خمس من الفطرة ) قد تقدم الكلام فيه في أول أبواب السواك والمراد بقوله خمس من الفطرة في حديث الباب أن هذه الأشياء إذا فعلت اتصف فاعلها بالفطرة التي فطر الله العباد عليها وحثهم عليها واستحبها لهم ليكونوا على أكمل الصفات وأشرفها صورة وقد رد البيضاوي الفطرة في حدي ث الباب إلى مجموع ما ورد في معناه مما تقدم فقال : هي السنة القديمة التي اختارها الأنبياء واتفقت عليها الشرائع فكأنها أمر جبلي ينطوون عليها وسوغ الابتداء بالنكرة في قوله خمس أنه صفة (1) نيل الأوطار1/101 (2) نيل الأوطار1/132

عدد الصفحات ٣٥

36 موصوف محذوف والتقدير خصال خمس ثم فسرها أو على الإضافة أي خمس خصال ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف والتقدير الذي شرع لكم خمس قوله ( الاستحداد ) هو حلق العانة سمي استحدادا لاستعمال الحديدة وهي الموسى وهو سنة بالاتفاق ويكون بالحلق والقص والنتف والنورة . قال النووي : والأفضل الحلق والمراد بالعانة الشعر فوق ذكر الرجل وحواليه وكذلك ال شعر حول فرج المرأة ونقل عن أبي العباس ابن134 ] مجموع هذا استحباب حلق جميع ما على القبل والدبر وحولهما انتهى وأقول : الاستحداد إن كان في اللغة حلق العانة كما ذكره النووي فلا دليل على سن ية حلق الشعر النابت حول الدبر وإن كان الاحتلاق بالحديد كما في القاموس فلا شك أنه أعم من حلق العانة ولكنه وقع في مسلم وغيره بدل الاستحداد في حديث ( عشر من الفطرة حلق العانة ) فيكون مبينا لإطلاق الاستحداد في حديث ( خمس من الفطرة ) فلا يتم دعوى سنية حلق شعر الدبر أو استحبابه إلا بدليل ولم نقف على حلق شعر الدبر من فعله صلى الله عليه وآله وسلم ولا من فعل أحد من أصحابه قوله ( والختان ) اختلف في وجوبه وسيأتي الكلام عليه في الباب الذي بعد هذا . والختان قطع جميع الجلدة التي تغطي الحشفة حتى تنكشف جميع الحشفة وفي المرأة قطع أدنى جزء من الجلدة التي في أعلى الفرج قوله ( وقص الشارب ) هو سنة بالاتفاق والقاص مخير بين أن يتولى ذلك بنفسه أو يوليه غيره لحصول المقصود بخلاف الإبط والعانة وسيأتي مقدار ما يقص منه في باب أخذ الشارب قوله ( ونتف الإبط ) هو سنة بالاتفاق أيضا قال النووي : الأفضل فيه النتف إن قوي عليه ويحصل أيضا بالحلق والنورة وحكى عن يونس بن عبد الأعلى قال : دخلت على الشافعي وعنده المزين يحلق إبطه فقال الشافعي : علمت أن السنة النتف ولكن لا أقوى على الوجع . ويستحب أن يبدأ بالإبط الأيمن لحديث التيمن وفيه ( كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله ) وكذلك يستحب أن يبدأ في قص الشارب بالجانب الأيمن لهذا الحديث قوله ( تقليم الأظفار ) وقع في الرواية الآتية في صحيح مسلم وغيره ( قص الأظفار ) وهو سنة بالاتفاق أيضا والتقليم تفعيل من القلم وهو القطع . قال النووي : ويستحب أن يبدأ باليدين قبل الرجلين فيبدأ بمسبحة يده ال يمنى ثم الوسطى ثم البنصر ثم الخنصر ثم الإبهام ثم يعود إلى اليسرى فيبدأ بخنصرها ثم ببنصرها إلى آخره ثم يعود إلى الرجل اليمنى فيبدأ بخنصرها ويختم بخنصر اليسرى انتهى ( 1 ) _________ (1 ) وفيه نظر لأن الاستحباب حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل وليس عندنا في ذلك شيء يثبت من فعل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولا فعل أصحابه إلا ما ورد من حبه عليه السلام للتيامن فقط وهذا هو الذي تطمئن إليه النفس

عدد الصفحات ٣٦

37 وأما الترتيب في الأصابع على الصفة التي ذكرها فلعله من اس تحسانه والله يغفر له . وسبقه إلى ذلك الغزا لي وذكر حديثا لا أصل له وأنكر عليه الإمام المازري المالكي وغيره والله أعلم ". (1) 30- "- رواية أحمد وأبي داود في إسنادها رجل مجهول . والحديث أخرجه أيضا الترمذي بزيادة ( اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ) لكن قال الترمذي : وفي إسناده اضطراب ولا يصح فيه كثير شيء قال الحافظ : لكن رواية مسلم سالمة عن هذا الاعتراض والزيادة التي عند الترمذي رواها البزار والطبراني في الأوسط وأخرج الحديث أيضا ابن حبان وأخرجه ابن ماجه من حديث أنس وزاد الن سائي في عمل اليوم والليلة بعد قوله ( من المتطهرين سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ) والحاكم في المستدرك من حديث أبي سعيد وزاد ( كتبت في رق ثم طبع بطابع فلم يكسر إلى يوم القيامة ) واختلف في رفعه ووقفه وصحح النسائي الموقوف وضعف الحازمي الرواية المرفوعة لأن الطبراني قال في الأوسط : لم يرفعه عن شعبة إلا يحيى بن كثير قال الحافظ : ورواه أبو إسحاق المزكي في الجزء الثاني من تخريج الدارقطني له من طريق روح بن القاسم عن شعبة وقال : تفرد به عيسى بن شعيب عن روح بن القاسم ورجح الدارقطني في العلل الرواية الموقوفة . قال النووي في الأذكار : [217 ] بالاختلاف والشذوذ وأما الموقوف فلا شك ولا ريب في صحته ورجاله من رجال الصحيحين فلا معنى لحكمه عليه بالضعف والحديث يدل على استحباب الدعاء المذكور ولم يصح من أحاديث الدعاء في الوضوء غيره وأما ما ذكره أصحابنا والشافعية في كتبهم من الدعاء عند كل عضو كقولهم يقال عند غسل الوجه اللهم بيض وجهي الخ فقال الرافعي وغيره : ورد بهذه الدعوات الأثر عن الصالحين وقال النووي في الروضة : هذا الدعاء لا أصل له . وقال ابن الصلاح : لا يصح فيه حديث . وقال الحافظ : روي فيه من طرق ثلاث عن علي ضعيفة جدا أوردها المستغفري في الدعوات وابن عساكر في أماليه وهو من رواية أحمد بن مصعب المروزي عن حبيب بن أبي حبيب الشيباني عن أبي إسحاق السبيعي ع ن علي وفي إسناده من لا يعرف ورواه صاحب مسند الفردوس من طريق أبي زرعة الراوي عن أحمد بن عبد الله بن داود وساقه بإسناده إلى علي . ورواه ابن حبان في الضعفاء من حديث أنس نحو هذا وفيه عباد بن صهيب وهو متروك . ورواه المستغفري أيضا من حديث البراء بن عازب وأنس بطوله وإسناده واه ولكنه وثق عبادا يحيى بن معين ونفى عنه الكذب أحمد بن حنبل وصدقه أبو داود وتركه الباقون قال ابن القيم في الهدي : ولم يحفظ عنه أنه كان يقول على وضوئه شيئا غير التسمية وكل حديث في أذكار الوضوء الذي يقال عليه فكذب مختلق لم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئا منه ولا علمه لأمته ولا يثبت ع نه غير (1) نيل الأوطار1/133

عدد الصفحات ٣٧

38 التسمية في أوله وقوله أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلني من التواب واجعلني من المتطهرين في آخره ". (1) 31- "- الحديث الأول أعله المنذري ببقية بن الوليد وقال عن بجير وهو ضعيف إذا عنعن لتدليسه . وفي المستدرك تصريح بقية بالتحديث وقال ابن القطان والبيهقي : هو مرسل . وقال الحافظ : فيه بحث وكأن البحث في ذلك من جهة أن خالد بن معدان لم يرسله بل قال عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوصله وجهالة الصحا بي غير قادحة وتمام كلام الأثرم وبقية الكلام على الحديث أسلفناها في باب غسل الرجلين وحديث عمر قد قدمنا الكلام عليه في ذلك الباب أيضا وفي الباب عن أنس مرفوعا عند أحمد وأبي داود وابن ماجه وابن خزيمة والدارقطني وقد تقدم لفظه هنالك أيضا والحديث الأول يدل على وجوب إعادة الوضوء من أوله على من ترك من غسل أعضائه مثل ذلك المقدار والحديث الثاني لا يدل على وجوب الإعادة لأنه أمره فيه بالإحسان لا بالإعادة والإحسان يحصل بمجرد إسباغ غسل ذلك العضو . وكذلك حديث أنس لم يأمر فيه بسوى الإحسان فالحديث الأول يدل على مذهب من قال بوجوب الموالاة لأن الأمر بالإعادة للوضوء كاملا للإخلال بها بترك اللمعة وهو الأوزاعي ومالك وأحمد بن حنبل والشافعي في قول له والحديث الثاني وحديث أنس السابق يدلان على مذهب من قال بعدم الوجوب وهم العترة وأبو حنيفة والشافعي في قول له والتمسك لوجوب الموالاة بحديث ابن عمر وأبي بن كعب أنه صلى الله عليه وآله وسلم ( توضأ على الولاء وقال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به ) أظهر من التمسك بما ذكره المصنف في الباب لولا أنه غير صالح للاحتجاج كما عرفناك في شرح حديث عثمان لا سيما زياد ة قوله ( لا يقبل الله الصلاة إلا به ) وقد روي بلفظ : ( هذا الذي افترض الله عليكم ) بعد أن توضأ مرة ولكنه قال ابن أبي حاتم : سألت أبا زرعة عن هذا الحديث فقال : حديث واه منكر ضعيف وقال مرة لا أصل له وامتنع من قراءته . ورواه الدارقطني في غرائب مالك قال الحافظ : ولم يروه مالك قط وروي بلفظ : ( هذا وضوء لا يقبل الله غيره ) أخرجه ابن السكن في صحيحه من حديث أنس . وقد أجيب عن الحديث على تسليم صلاحيته للاحتجاج بأن الإشارة هي إلى ذات الفعل مجردة عن الهيئة والزمان وإلا لزم وجوبهما ولم يقل به أحد ". (2) 32- "- الحديث اتفقا عليه بلفظ : ( كنت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سفر فقال لي : يا مغيرة خذ الإدواة فأخذتها ثم خرجت معه وانطلق حتى توارى عني حتى قضى حاجته ثم جاء وعليه جبة شامية ضيقة الكمين فذهب يخرج يده من كمها فضاق فأخرج يده من أسفلها فصببت عليه فتوضأ وضوؤه للصلاة ثم مسح على خفيه ) (1) نيل الأوطار1/216 (2) نيل الأوطار1/821

عدد الصفحات ٣٨

39 الحديث يدل على جواز الاستعانة بالغير في الوضوء وقد قال بكراهتها العترة والفقهاء قال في البحر : والصب جائز إجماعا إذ صبوا عليه صلى الله عليه وآله وسلم وهو يتوضأ وقال الغزالي وغيره من أصحاب الشافعي : إنه إنما ا ستعان به لأجل ضيق الكمين وأنكره ابن الصلاح وقال : الحديث يدل على الاستعانة مطلقا لأنه غسل وجهه أيضا وهو يصب عليه وذكر بعض الفقهاء أن الاستعانة كانت بالسفر فأراد أن لا يتأخر عن الرفقة قال الحافظ في التلخيص : وفيه نظر . واستدل من قال بكراهة الاستعانة بقول ه صلى الله عليه وآله وسلم لعمر وقد بادر ليصب الماء على يديه : ( أنا لا أستعين في وضوئي بأحد ) قال النووي في شرح المهذب : هذا حديث باطل لا أصل له . وقد أخرجه البزار وأبو يعلى في مسنده من طريق النضر بن منصور عن أبي الجنوب عقبة بن علقمة والنضر ضعيف مجهول لا يح تج به قال عثمان الدارمي : قلت لابن معين : النضر بن منصور عن أبي الجنوب وعنه ابن أبي معشر تعرفه قال : هؤلاء حمالة الحطب واستدلوا أيضا بحديث ابن عباس قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يكل طهوره إلى أحد ) أخرجه ابن ماجه والدارقطني وفيه م طهر بن الهيثم وهو ضعيف وقد ثبت أنه صلى الله عليه وآله وسلم استعان بأسامة بن زيد في صب الماء على يديه في الصحيحين وأنه استعان بالربيع بنت معوذ في صب الماء على يديه أخرجه الدارمي وابن ماجه وأبو مسلم الكجي من حديثها وعزاه ابن الصلاح إلى أبي داود والترمذي قال الحافظ : وليس في رواية أبي داود إلا أنها أحضرت له الماء حسب وأما الترمذي فلم يتعرض فيه للماء بالكلية نعم في المستدرك أنها صبت على220 ] وروى ابن ماجه عن أم عياش أنها قالت كنت أوضئ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا قائمة وهو قاعد ) قال الحافظ : وإسناده ضعيف واستعان في الصب بصفوان بن عسال وسيأتي وغاية ما في هذه الأحاديث الاستعانة بالغير على صب الماء وقد عرفت أنه مجمع على جوازه وأنه لا كراهية فيه إنما النزاع في الاستع انة بالغير على غسل أعضاء الوضوء والأحاديث التي فيها ذكر عدم الاستعانة لا شك في ضعفها ولكنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه وكل غسل أعضاء وضوئه إلى أحد وكذلك لم يأت من أقواله ما يدل على جواز ذلك بل فيها أمر المعلمين بأن يغسلوا وكل أحد منا مأمور بالوضوء فمن قال : إنه يجزئ عن المكلف نيابة غيره في هذا الواجب فعليه الدليل . فالظاهر ما ذهبت إليه الظاهرية من عدم الإجزاء وليس المطلوب مجرد الأثر كما قال بعضهم بل ملاحظة التأثير في الأمور التكليفية أمر لا بد منه لأن تعلق الطلب لشيء بذات قاض بلزوم إيجادها له وقيامه بها لغة وشرعا إلا لدليل يدل على عدم اللزوم فما وجد ذلك مخالفا لهذه الكلية فلذلك ". (1) (1) نيل الأوطار1/219

عدد الصفحات ٣٩

40 33- "- الحديث أخرجه الدارقطني والبيهقي وابن الجارود . وقال الأثرم عن أحمد إنه كان يضعفه ويقول ذكرته لعبد الرحمن ابن مهدي فقال عن ابن المبارك عن ثور حدثت عن رجاء عن كاتب المغيرة ولم يذكر المغيرة قال أحمد : وقد كان نعيم بن حماد حدثني به عن ابن المبارك كما حدثني الوليد بن مسلم به عن ثور فقلت له : إنما يقول هذا الوليد 233 ] حديثي الذي أسأل عنه فأخرج إلي كتابه القديم بخط عتيق فإذا فيه ملحق بين السطرين بخط ليس بالقديم عن المغيرة فأوقفته عليه وأخبرته أن هذه زيادة في الإسناد لا أصل لها فجعل يقول للناس بعد وأنا أسمع اضربوا على هذا الحديث وقال ابن أبي حاتم عن أبيه وأبي زرعة : حديث الوليد ليس بمحفوظ . وقال موسى بن هارون : لم يسمعه ثور من رجاء ورواه أبو داود الطيالسي عن عروة بن المغيرة عن أبيه : وكذا أخرجه البيهقي قال الحافظ بعد أن ذكر قول الترمذي : إنه لم يسنده عن ثور غير الوليد . قلت : رواه الشافعي في الأم عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى عن ثور مثل الوليد . قال أبو داود : لم يسمعه ثور من رجاء وقد وقع في سنن الدارقطني من طريق داود بن رشيد تصريح ثور بأنه حدثه رجاء قال الحافظ : وهذا ظاهره أن ثور سمعه من رجاء فتزول العلة ولكن رواه أحمد بن عبيد الصفار في مسنده من طريقه فقال عن ثور عن ر جاء فهذا اختلاف على داود يمنع من القول بصحة وصله مع ما تقدم من كلام الأئمة والحديث استدل به من قال بمسح أعلى الخف وأسفله وتقدم الكلام على ذلك ". (1) 34- "- الحديث رجاله رجال الصحيح . وقد أخرجه أيضا أحمد من حديث جبير بن مطعم بلفظ : ( أم ا أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات ثم أفيض فإذا أنا قد طهرت ) قال الحافظ : وقوله ( فإذا أنا قد طهرت ) لا أصل له من حديث صحيح ولا ضعيف لكنه وقع من حديث أم سلمة : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لها إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين الماء عليك فإذا أنت قد طهرت ) . وأصله في صحيح مسلم وذكر الحافظ في التلخيص في باب الغسل حديث جبير بن مطعم عند أحمد بلفظ : ( أما أنا فآخذ ملء كفي ثلاثا فأصب على رأسي ثم أفيض على جسدي ) ولم يتكلم عليه وله شواهد في الصحيحين وغيرهما قال المصنف رحمه الله : ف يه مستدل311 ] الكلام في ذلك(2) 35- "- الحديث أخرجه أيضا الحاكم في المستدرك وفي إسناده محمد بن إسحاق ولكنه صرح بالتحديث وفي الباب عن العباس بن عبد المطلب عند ابن ماجه والحاكم وابن خزيمة في صحيحه بلفظ : ( لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤ خروا المغرب حتى تشتبك النجوم ) قال محمد بن يحيى : اضطرب الناس في هذا الحديث ببغداد فذهبت أنا وأبو بكر الأعين إلى العوام بن عباد بن العوام فأخرج إلينا أصل أبيه فإذا الحديث فيه 404 ]أبو بكر البزار من حديث إبراهيم (1) نيل الأوطار1/232 (2) نيل الأوطار1/310

عدد الصفحات ٤٠

41 بن موسى عن عباد بن العوام بسنده ثم قال : لا يعلمه يروى يعني عن العباس إلا من هذا الوجه ورواه غير واحد عن عمر بن إبراهيم عن قتادة عن الحسن مرسلا قال الترمذي : وحديث العباس وقد روي عنه موقوفا وهو أصح قال ابن سيد الناس : ومرا د البزار بالمرسل هنا الموقوف لأنه متصل الإسناد إلى العباس وذكر الخلال بعد إيراد هذا الحديث قال أبو عبد الله : هذا حديث منكر والحديث يدل على استحباب المبادرة بصلاة المغرب وكراهة تأخيرها إلى اشتباك النجوم وقد عكست الروافض القضية فجعلت تأخير صلاة المغرب إلى اشتباك النجوم مستحبا والحديث يرده قال النووي في شرح مسلم : إن تعجيل المغرب عقيب غروب الشمس مجمع عليه قال : وقد حكي عن الشيعة فيه شيء لا التفات إليه ولا أصل له وأما الأحاديث الواردة في تأخير المغرب إلى قرب سقوط الشفق فكانت لبيان جواز التأخير وقد سبق إيضاح ذلك لأنها كانت جوابا للسائل عن الوقت وأحاديث التعجيل المذكورة في هذا الباب وغيره إخبار عن عادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المتكررة التي واظب عليها إلا لعذر فالاعتماد عليها ". (1) 36- "- حديث جابر بن سمرة رجال إسناده عند ابن ماج ه ثقات وحديث معاوية رجال إسناده كلهم ثقات ( والحديثان ) يدلان على تجنب المصلي للثوب المتنجس وهل طهارة ثوب المصلي شرط لصحة الصلاة أم لا فذهب الأكثر إلى أنها شرط وروي عن ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير وهو مروي عن مالك أنها ليست بواجبة . ونقل صاحب النهاية عن مالك قولين : أحدهما إزالة النجاسة سنة وليست بفرض . وثانيهما أنها فرض مع الذكر ساقطة مع النسيان . وقديم قولي الشافعي أن إزالة النجاسة غير شرط ( احتج الجمهور ) بحجج منها : قوله تعا لا وج وب في غيرها ولا يخفاك أن غاية ما يستفاد من الآية الوجوب عند من جعل الأمر حقيقة فيه والوجوب لا يستلزم الشرطية لأن كون الشيء شرطا حكم شرعي وضعي لا يثبت إلا بتصريح الشارع بأنه شرط أو بتعليق الفعل به بأداة الشرط أو بنفي الفعل بدونه نفيا متوجها إلى الصحة لا إلى الكمال أو بنفي الثمرة ولا يثبت بمجرد الأمر به وقد أجاب صاحب ضوء النهار عن الاستدلال بالآية بأنها مطلقة وقد حملها القائلون بالشرطية على الندب في الجملة فأين دليل الوجوب في المقيد وهو الصلاة . وفيه أنهم لم يحملوها على الندب بل صرحوا بأنها مقتضية للوجوب في الجملة لكنه قام الإجماع على عدم الوجوب في غير الصلاة فكان صارفا عن اقتضاء الوجوب فيما عدا المقيد ومنها خلع النعل الذي سيأتي وغاية ما فيه الأمر بمسح النعل وقد عرفت أنه لا يفيد الشرطية على أنه بني على ما كان قد صلى قبل الخلع ولو كانت طهارة الثياب ونحوها شرطا لوجب عليه الاستئناف لأن الشرط يؤثر عدمه في عدم المشروط كما تقرر في الأصول فهو عليهم لا لهم ومنها الحديثان المذكوران في الباب ويجاب عنهما بأن الثاني فعل وهو لا يدل على الوجوب فضلا عن الشرطية والأول ليس فيه ما يدل على الوجوب سلمنا أن قوله فتغسله خبر في معنى الأمر فهو غير صالح للاستدلال به على المطلوب (1) نيل الأوطار1/403

عدد الصفحات ٤١

42 ومنها حديث عائشة قالت : ( كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) وفيه : ( فلما أصبح رسول صلى الله عليه وآله وسلم أخذ الكساء فلبسه ثم خرج فصلى فيه الغداة ثم جلس فقال رجل : يا رسول 120 ] هذه لمعة من دم في الكساء فقبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليها مع ما يليها وأرسلها إلي مصرورة في يد الغلام فقال : اغسلي هذه وأجفيها ثم أرسلي بها إلي فدعوت بقصعتي فغسلتها ثم أجفيتها ثم أخرجتها فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو عليه ) أخرج ه أبو داود ويجاب عنه أولا بأنه غريب كما قال المنذري . وثانيا بأن غاية ما فيه الأمر وهو لا يدل على الشرطية . وثالثا بأنه عليهم لا لهم لأنه لم ينقل إلينا أنه أعاد الصلاة التي صلاها في ذلك الثوب ومنها حديث عمار بلفظ : ( إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والقيء والدم والمني ) رواه أبو يعلى والبز ار في مسنديهما وابن عدي في الكامل والدارقطني والبيهقي في سننهما والعقيلي في الضعفاء وأبو نعيم في المعرفة والطبراني في الكبير والأوسط ويجاب عنه أولا بأن هؤلاء كلهم ضعفوه وضعفه غيرهم من أهل الحديث لأن في إسناده ثابت بن حم اد وهو متروك ومتهم بالوضع وعلي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف حتى قال البيهقي في سننه : حديث باطل لا أصل له . وثانيا بأنه لا يدل على المطلوب وليس فيه إلا أنه يغسل الثوب من هذه الأشياء لا من غيرها ومنها حديث غسل المني وفركه في الصحيحين وغيرهما كما تقدم وهو لا يدل على الوجوب فكيف يدل ع لى الشرطية ومنها حديث ( حتيه ثم اقرصيه ) عند البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أسماء وفي لفظ : ( فلتقرصه ثم لتنضحه بماء ) من حديث عائشة وفي لفظ : ( حكيه بضلع ) من حديث أم قيس بنت محصن ويجاب عن ذلك أولا بأن الدليل أخص من الدعوى وثانيا بأن غاية ما فيه الدلالة على الوجوب ومنها أحاديث الأمر بغسل النجاسة كحديث تعذيب من لم يستنزه من البول وحديث الأمر بغسل المذي وغيرهما وقد تقدمت في أول هذا الكتاب ويجاب عنها بأنها أوامر وهي لا تدل على الشرطية التي هي محل النزاع كما تقدم . نعم يمكن الاستدلال بالأوامر المذكورة في هذا الباب على الشرطية إن قلنا إن الأمر بالشيء نهي عن ضده وأن النهي يدل على الفساد وفي كلا المسألتين خلاف مشهور في الأصول لولا أن ههنا مانعا من الاستدلال بها على الشرطية وهو عدم إعادته صلى الله عليه وآله وسلم للصلاة التي خلع فيها نعليه لأن بناءه على ما فعله من الصلاة قبل الخلع مشعر بأن الطهارة غير شرط وكذلك عدم نقل إعادته للصلاة التي صلاها في الكساء الذي فيه لمعة من دم كما تقدم ومن أدلتهم على الشرطية حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ : ( تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم 121 ]ه الدارقطني والعقيلي في الضعفاء وابن عدي في الكامل وهذا الحديث لو صح لكان صالحا للاستدلال به على الشرطية المدعاة لكنه غير صحيح بل باطل لأن في إسناده روح بن غطيف . وقال ابن عدي وغيره : إنه تفرد به وهو ضعيف قال الذهلي : أخاف أن يكون هذا موضوعا . وقال البخاري : حديث باطل . وقال ابن حبان : موضوع . وقال البزار : أجمع أهل العلم على نكرة هذا الحديث . قال الحافظ : وقد أخرجه ابن عدي في الكامل من طريق أخرى عن الزهري لكن فيها أبو عصمة وقد اتهم بالكذب انتهى

عدد الصفحات ٤٢

43 إذا تقرر لك ما سقناه من الأدلة وما فيها فاعلم أنها لا تقصر عن إفادة وجوب تطهير الثياب فمن صلى وعلى ثوبه نجاسة كان تاركا لواجب وأما أن صلاته باطلة كما هو شأن فقدان شرط الصحة فلا لما عرفت ومن فوائد حديثي الباب أنه لا يجب العمل بمقتضى المظنة لأن الثوب الذي يجامع فيه مظنة لوقوع النجاسة فيه فأرشد الشارع صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن الواجب العمل بالمئنة دون المظنة ومن فوائدهما كما قال ابن رسلان في شرح السنن طهارة رطوبة فرج المرأة لأنه لم يذكر هنا أنه كان يغسل ثوبه من الجماع قبل أن يصلي ولو غسله لنقل . ومن المعلوم أن الذكر يخرج وعليه رطوبة من فرج المرأة انتهى " . (1) 37- "- الحديث أخرجه البيهقي بزيادة : ( فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله تعالى ) قال ابن المديني : هذا الحديث عندي حجة على الخلق كل من سمعه فعليه أن يعمل به لأنه ليس في إسناده شيء . وقد صنف البخاري في هذه المسألة جزءا مفردا وحكى فيه ع ن الحسن وحميد ابن هلال أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك يعني الرفع في الثلاثة المواطن ولم يستثن الحسن أحدا193 ] ابن مسعود . وقال محمد بن نصر المروزي : أجمع علماء الأمصار على م شروعية ذلك إلا بأهل الكوفة وقال ابن عبد الحكم : لم يرو أحد عن مالك ترك الرفع فيهما إلا ابن القاسم والذي نأخذ به الرفع على حديث ابن عمر وهو الذي رواه ابن وهب وغيره عن مالك ولم يحك الترمذي عن مالك غيره ونقل الخطابي وتبعه القرطبي في المفهم أنه آخر قول م الك . وإلى الرفع في الثلاثة المواطن ذهب الشاف عي وأحمد وجمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم وروي عن مالك والشافعي قول : إنه يستحب رفعهما في موضع رابع وهو إذا قام من التشهد الأوسط . قال النووي : وهذا القول هو الصواب فقد صح في حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يفعله رواه البخاري . وصح أيضا من حديث أبي حميد الساعدي رواه أبو داود والترمذي بأسانيد صحيحة وسيأتي ذلك . وقال أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من أهل الكوفة : لا يستحب في غير تكبيرة الإحرام قال النووي : وهو أشهر الروايات عن مالك ( واحتجوا ) على ذلك بحديث البراء بن عازب عند أبي داود والدارقطني بلفظ : ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ثم لم يعد ) وهو من رواية يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه وقد اتفق الحفاظ أن قوله ثم لم يعد مدرج في الخبر من قول يزيد بن أبي زياد . وقد رواه بدون ذلك شعبة والثور ي وخالد الطحان وزهير وغيرهم من الحفاظ . وقال الحميدي : إنما روى هذه الزيادة يزيد ويزيد يزيد . وقال أحمد بن حنبل : لا يصح وكذا ضعفه البخاري وأحمد ويحيى والدارمي والحميدي وغير واحد . قال يحيى بن محمد بن يحيى : سمعت أحمد بن حنبل يقول هذا الحديث حديث واه . وكان يزيد يحدث به برهة من دهره لا يقول فيه ثم لا يعود فلما لقنوه يعني أهل الكوفة تلقن وكان يذكرها وهكذا قال علي بن عاصم . قال البيهقي : اختلف فيه على عبد الرحمن بن أبي ليلى . وقال (1) نيل الأوطار2/119

عدد الصفحات ٤٣

44 البزار : قو له في الحديث ( ثم لم يعد ) لا يصح . وقال ابن حزم : إن صح قوله لا يعود دل على أنه صلى الله عليه وآله وسلم فعل ذلك لبيان الجواز فلا تعارض بينه وبين حديث ابن عمر وغيره ( واحتجوا ) أيضا بما روي عن عبد الله بن مسعود من طريق عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأس و د 194 ] فصلى فلم يرفع يديه إلا مرة واحدة ) ورواه ابن عدي والدارقطني والبيهقي من حديث محمد بن جابر عن حماد بن إبراهيم عن علقمة عنه بلفظ : ( صليت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر فلم يرفعوا أيديهم إلا عند الاستف تاح ) وهذا الحديث حسنه الترمذي وصححه ابن حزم ولكنه عارض هذا التحسين والتصحيح قول ابن المبارك لم يثبت عندي وقول ابن أبي حاتم هذا حديث خطأ وتضعيف أحمد وشيخه يحيى بن آدم له وتصريح أبي داود بأنه ليس بصحيح وقول الدارقطني أنه لم يثبت وقول ابن حبان هذا أحسن خبر روى أهل الكوفة في نفي رفع اليدين في الصلاة عند الركوع وعند الرفع منه وهو في الحقيقة أضعف شيء يعول عليه لأن له عللا تبطله قال الحافظ : وهؤلاء الأئمة إنما طعنوا كلهم في طريق عاصم بن كليب أما طريق محمد بن جابر فذكرها ابن الج وزي في الموضوعات وقال عن أحمد : محمد بن جابر لا شيء ولا يحدث عنه إلا من هو شر منه ( واحتجوا ) أيضا بما روي عن ابن عمر عند البيهقي في الخلافيات بلفظ : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرفع يديه إذا افتتح ا لصلاة ثم لا يعود ) قال الحافظ : وهو مقلوب موضوع ( واحتجوا ) أيضا بما روي عن ابن عباس أنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرفع يديه كلما ركع وكلما رفع ثم صار إلى افتتاح الصلاة وترك ما سوى ذلك ) حكاه ابن الجوزي وقال : لا أصل له ولا أعرف من ر واه والصحيح عن ابن عباس خلافه ورووا نحو ذلك عن ابن الزبير قال ابن الجوزي : لا أصل له ولا أعرف م ن رواه والصحيح عن ابن الزبير خلافه . قال ابن الجوزي : وما أبلد من يحتج بهذه الأحاديث لتعارض بها الأحاديث الثابتة انتهى ولا يخفى على المنصف أن هذه الحجج التي أوردوها منها ما هو متفق على ضعفه وهو ما عدا حديث ابن مسعود منها كما بينا ومنها ما هو مختلف فيه وهو حديث ابن مسعود لما قدمنا من تحسين الترمذي وتصحيح ابن حزم له ولكن أين يقع هذا التحسين والتصحيح من قدح أولئك الأئمة الأكابر فيه غاية الأمر ونهايته أن يكون ذلك الاختلاف موجبا لسقوط الاستدلال به ثم لو سلمنا صحة حديث ابن مسعود ولم نعتبر بقدح أولئك الأئمة فيه فليس بينه وبين الأحاديث المثبتة للرفع في الركوع والاعتدال منه تعارض 195 ] بالإجماع لا سي ما وقد نقلها جماعة من الصحابة واتفق على إخراجها الجماعة فمن جملة من رواها ابن عمر كما في حديث الباب . وعمر كما أخرجه البيهقي وابن أبي حاتم وعلي وسيأتي . ووائل بن حجر عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجه ومالك بن الحويرث عند البخاري ومسلم وسيأتي . وأنس بن مالك عند ابن ماجه . وأبو هريرة عند ابن ماجه أيضا وأبي داود . وأبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة عند ابن ماجه . وأبو موسى الأشعري عند الدارقطني . وجابر عند ابن ماجه . وعمير الليثي عند ابن ماجه أيضا . وابن عباس عند ابن ماجه أيضا . وله طريق أخرى عند أبي داو د فهؤلاء أربعة عشر من الصحابة ومعهم أبو حميد الساعدي في عشرة من الصحابة كما سيأتي فيكون الجميع خمسة وعشرين أو

عدد الصفحات ٤٤

45 اثنين وعشرين إن كان أبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة من العشرة المشار إليهم في رواية أبي حميد كما في بعض الروايات فهل رأيت أعجب من معارضة رواية مثل هؤلاء الجماعة بمثل حديث ابن مسعود السابق مع طعن أكثر الأئمة المعتبرين فيه ومع وجود مانع عن القول بالمعارضة وهو تضمن رواية الجمهور للزيادة كما تقدم قوله في حديث الباب ( حتى يكونا بحذو منكبيه ) وهكذا في رواية علي وأبي حميد وسيأتي ذكرهما وإلى هذا ذهب الشافعي والجمهور وفي حديث مالك بن الحويرث الآتي حتى يحاذي بهما أذنيه وعند أبي داود من رواية عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر أنه جمع بينهما فقال حتى يحاذي بظهر كفيه المنكبين بأطراف أنامله الأذنين . ويؤيده رواية أخرى عن وائل عند أبي داود بلفظ : ( حتى كان تا حيال منكبيه وحاذى بإبهاميه أذنيه ) وأخرج الحاكم في المستدرك والدارقطني من طريق عاصم الأحول عن أنس قال : ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كبر فحاذى بإبهاميه أذنيه ) ومن طريق حميد عن أنس : ( كان إذا افتتح الصلاة كبر ثم رفع يديه حتى يحاذي بإبهاميه أذنيه ) وأخر ج أبو داود عن ابن عمر : ( أنه كان يرفع يديه حذو منكبيه في الافتتاح وفي غيره دون ذلك ) وأخرج أبو داود أيضا عن البراء : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ) وفي حديث وائل عند أبي داود أنه رأى الصحابة يرفعون أيديهم إلى صدورهم . والأحاديث الصحيحة وردت بأنه صلى الله عليه وآله وسلم رفع يديه إلى حذو منكبيه وغيرها لا يخلو عن مقال إلا حديث مالك بن الحويرث قوله ( ولا يفعل ذلك حين يسجد ولا حين يرفع رأسه 196 ] يرفعهما بين السجدتين ) وسيأتي في حديث علي بلفظ : ( ولا يرفع يديه في شيء من صلاته ) وقد عارض هذه الروايات ما أخرجه أبو داود عن ميمون المكي ( أنه رأى عبد الله بن الزبير يشير بكفيه حين يقوم وحين يركع وحين يسجد وحين ينهض للقيام قال : فانطلقت إلى ابن عباس فقلت : إني رأيت ابن الزبير صلى صلاة لم أر أحدا يصليها فوصفت ل ه هذه الإشارة فقال : إن أحببت أن تنظر إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاقتد بصلاة عبد الله بن الزبير ) وفي إسناده ابن لهيعة وفيه مقال مشهور وأخرج أبو داود والنسائي عن النضر بن كثير السعدي قا ل : ( صلى إلى جنبي عبد الله بن طاوس في مسجد الخيف فكان إذا سجد السجدة الأولى ورفع رأسه منها رفع يديه تلقاء وجهه فأنكرت ذلك فقلت لوهيب بن خالد فقال له وهيب : تصنع شيئا لم أر أحدا يصنعه فقال ابن طاوس : رأيت أبي يصنعه وقال أبي : رأيت ابن عباس يصنعه ولا أعلم إ لا أنه قال : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصنعه ) وفي إسناده النضر بن كثير وهو ضعيف الحديث . قال الحافظ أبو أحمد النيسابوري : هذا حديث منكر من حديث ابن طاوس وأخرج الدارقطني في العلل من حديث أبي هريرة : ( أنه كان يرفع يديه في كل خفض ورفع ويقول أنا أشبه كم صلاة برسول الله صلى الله ع ليه وآله وسلم ) وهذه الأحاديث لا تنتهض للاحتجاج بها على الرفع في غير تلك المواطن فالواجب البقاء على النفي الثابت في الصحيحين حتى يقوم دليل صحيح يقتضي تخصيصه كما قام في الرفع عند القيام من التشهد الأوسط وقد تقدم الكلام

عدد الصفحات ٤٥

46 عليه وقد ذهب إلى استحبابه في السجود أبو بكر بن المنذر وأبو علي الطبري من أصحاب الشافعي وبعض أهل الحديث ". (1) 38- "- الحديث أخرجه أيضا أحمد والبخاري في جزء القراءة وصححه وابن حبان والحاكم والبيهقي من طريق ابن إسحاق قال : حدثني مكحول عن محمود بن ربيعة عن عبادة وتابعه زيد بن واقد وغيره عن مكحول ومن شواهده ما رواه من طريق خالد الحذاء عن أبي قلابة عن محمد بن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لعلكم تقرؤون والإمام يقرأ قالوا : إنا لنفعل قال : لا إلا بأن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب ) قال الحافظ : إسناده حسن . ورواه ابن حبان من طريق أيوب عن أبي قلابة عن أنس وزعم أن الطريقتين محفوظتان وخالفه البيهقي فقال : إن طريق أبي قلابة عن أنس ليست بمحفوظة ومحمد بن إسحاق قد صرح بالتحديث فذهبت م ظنة تدليسه وتابعه من تقدم قوله ( فثقلت عليه القراءة ) أي شق عليه التلفظ والجهر بالقراءة ويحتمل أن يراد به أنها التبست عليه القراءة بدليل ما عند أبي داود من حديث عبادة في رواية له بلفظ : ( فالتبست عليه القراءة ) قوله ( لا تفعلوا ) هذا النهي محمول على الصلاة الجهرية كما في الرواية الأخرى التي ذكرها المصنف بلفظ : ( إذا جهرت به ) وبلفظ : ( إذا جهرت بالقراءة ) وفي رواية لمالك والنسائي وأبي داود والترمذي وحسنها عن أبي هريرة بلفظ : ( فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما جهر فيه ح ين سمعوا ذلك من رسو ل الله صلى الله عليه وآله وسلم ) كما تقدم في الحديث الذي قبل هذا . وفي لفظ للدارقطني : ( إذا أسررت بقراءتي فاقرؤوا وإذا جهرت بقراءتي فلا يقرأ معي أحد ) قوله ( فإنه لا صلاة ) قد تقدم الكلام على ما يقدر في هذا النفي ( والحديث ) استدل به من قال بوجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام وهو الحق وقد تقدم بيان ذلك وظاهر الحديث الإذن بقراءة الفاتحة جهرا لأنه استثنى من النهي عن الجهر خلفه ولكنه أخرج ابن حبان من حديث أنس قال : ( قال ص 240 ]لإمام والإمام يقرأ فلا تفعلوا وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه ) وأخرجه أيضا الطبراني في الأوسط والبيهقي وأخرجه عبد الرزاق عن أبي قلابة مرسلا وظاهر التقييد بقوله من القرآن يدل على أنه لا بأس بالاستفتاح حال قراءة الإمام بما ليس بقرآن والتعوذ والدعاء وقد ذهب ابن حزم إلى أن المؤتم لا يأتي بالتوجه وراء الإمام قال : لأن فيه شيئا من القرآن وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقرأ خلف الإمام إلا أم القرآن وهو فاسد لأنه إن أراد بقوله لأن فيه شيئا من القرآن كل توجه فقد عرفت مما سلف أن أكثرها مما لا قرآن فيه وإن أراد خصوص توجه علي رضي الله عنه الذي فيه وجهت وجهي إلى آخره (1) نيل الأوطار2/192

عدد الصفحات ٤٦

47 فليس محل النزاع هذا التوجه الخاص ولكنه ينبغي لمن صلى خلف إمام يتوجه قبل التكبيرة كالهادوية أو دخل في الصلاة حال قراءة الإمام أن يأتي بأخصر التوجهات ليتفرغ لسماع قراءة الإمام . ويمكن أ ن يقال لا يتوجه بشيء من التوج هات من صلى خلف إمام لا يتوجه بعد التكبيرة لأن عمومات القرآن والسنة قد دلت على وجوب الإنصات والاستماع والمتوجه حال قراءة الإمام للقرآن غير منصت ولا مستمع وإن لم يكن تاليا للقرآن إلا عند من يجوز تخصيص مثل هذا العموم بمثل ذلك المفهوم أعني مفهوم قوله من القرآن هذا هو التحقيق في المقام ( فائدة ) قد عرفت مما سلف وجوب الفاتحة على كل إمام ومأموم في كل ركعة وعرفناك أن تلك الأدلة صالحة للاحتجاج بها على أن قراءة الفاتحة من شروط صحة الصلاة فمن زعم أنها تصح صلاة من الصلوات أو ركعة من الرك عات بدون فاتحة الكتاب فهو محتاج إلى إقامة برهان يخصص تلك الأدلة ومن ههنا يتبين لك ضعف ما ذهب إليه الجمهور أن من أدرك الإمام راكعا دخل معه واعتد بتلك الركعة وإن لم يدرك شيئا من القراءة واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة : ( من أدرك الركوع من الركعة الأخيرة في صلاته يوم الجمعة فليضف إليها ركعة أخرى ) رواه الدارقطني من طريق ياسين بن معاذ وهو متروك وأخرجه الدارقطني بلفظ : ( إذا أدرك أحدكم الركعتين يوم الجمعة فقد أدرك وإذا أدرك ركعة فليركع إليها أخرى ) ولكنه رواه من طريق سليمان بن داود الحراني ومن طريق صالح بن أبي الأخضر وسليمان متروك وصالح ضعيف على أن التقييد بالجمعة في كلا الروايتين مشعر بأن غير الجمعة بخلافها وكذا التقييد بالركعة في الرواية الأخرى يدل على خلاف المدعى241 ]نة كما وقع عند مسلم من حديث البراء بلفظ : ( فوجدت قيامه فركعته فاعتداله فسجدته ) فإن وقوع الركعة في مقابلة القيام والاعتدال والسجود قرينة تدل على أن المراد بها الركوع وقد ورد حديث : ( من أدرك ركعة من صلاة الجمعة ) بألفاظ لا تخلو طرقها عن مقال حتى قال اب ن أبي حاتم في العلل عن أبيه : لا أصل لهذا الحديث إنما المتن : ( من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها ) وكذا قال القرطبي والعقيلي . وأخرجه ابن خزيمة عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ : ( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها قبل أن يقيم الإمام صلبه ) وليس في ذلك دليل لمطلو بهم لما عرفت من أن مسمى الركعة جميع أذكارها وأركانها حقيقة شرعية وعرفية وهما مقدمتان على اللغوية كما تقرر في الأصول فلا يصح جعل حديث ابن خزيمة وما قبله قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي ( فإن قلت ) فأي فائدة على هذا في التقليد بقوله ( قبل أن يقيم صلبه ) قلت دفع توهم أن من دخل مع الإمام ثم قرأ الفاتحة وركع الإمام قبل فراغه منها غير مدرك . إذا تقرر لك هذا علمت أن الواجب الحمل على الإدراك الكامل للركعة الحقيقية لعدم وجود ما تحصل به البراءة من عهدة أدلة وجوب القيام القطعية وأدلة وجوب الفاتحة وقد ذهب إلى هذا بعض أهل الظاهر وابن خزيمة وأبو بكر الضبعي روى ذلك ابن سيد الناس في شرح الترمذي وذكر فيه حاكيا عمن روى عن ابن خزيمة أنه احتج لذلك بما روي عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( من أدرك الإمام في الركوع فليركع معه وليعد الركعة ) وقد رواه البخاري في القراءة خلف الإمام من حديث أبي هريرة أن ه قال : ( إن أدركت القوم ركوعا لم تعتد بتلك الركعة ) قال الحافظ : وهذا هو المعروف عن أبي هريرة موقوفا . وأما المرفوع فلا أصل

عدد الصفحات ٤٧

48 له وقال الرافعي تبعا للإمام : إن أبا عاصم العبادي حكى عن ابن خزيمة أنه احتج به وقد حكى هذا المذهب البخاري في القراءة خلف الإمام عن كل من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإمام وحكاه في الفتح عن جماعة من الشافعية وقواه الشيخ تقي الدين السبكي وغيره من محدثي الشافعية ورجحه المقبلي . قال : وقد بحثت هذه المسألة وأحطتها في جميع بحثي فقها وحديثا فلم أحصل منها على غير ما ذكرت يعني من عدم الاعتداد بإدراك الركوع فقط قال العراقي في شرح الترمذي بعد أن حكى عن شيخه السبكي أنه كان يختار أنه لا يعتد بالركعة من لا يدرك الفاتحة ما لفظه : وهو الذي يختاره اه . فالعجب 242 ] وأمااحتجاج الجمهور بحديث أبي بكرة حيث صلى خلف الصف مخافة أن تفوته الركعة فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( زادك الله حرصا ولا تعد ) ولم يؤمر بإعادة الركعة فليس فيها ما يدل على ما ذهبوا إليه لأنه كما لم يأمره بالإعادة لم ينقل إلينا أنه اعتد بها . والدعاء له بالحرص لا يستلزم الاعتداد بها لأن الكون مع الإمام مأمور به سواء كان الشيء الذي يدركه المؤتم معتدا به أم لا كما في حديثه : ( إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئا ) أخرجه أبو داود وغيره على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد نهى أبا بكر عن العو د إلى مثل ذلك والاحتجاج بشيء قد نهي عنه لا يصح وقد أجاب ابن حزم في المحلى عن حديث أبي بكرة فقال : إنه لا حجة لهم فيه لأنه ليس فيه اجتزاء بتلك الركعة ثم استدل على ما ذهب إليه من أنه لا بد في الاعتداد بالركعة من إدراك القيام والقراءة بحديث : ( ما أدركتم ف صلوا وما فاتكم فأتموا ) ثم جزم بأنه لا فرق بين فوت الركعة والركن والذكر المفروض لأن الكل فرض لا تتم الصلاة إلا به قال : فهو مأمور بقضاء ما سبقه الإمام وإتمامه فلا يجوز تخصيص شيء من ذلك بغير نص آخر ولا سبيل إلى وجوده قال : وقد أقدم بعضهم على دعوى الإجماع عل ى ذلك وهو كاذب في ذلك لأنه قد روي عن أبي هريرة أنه لا يعتد بالركعة حتى يقرأ أم القرآن وروي القضاء أيضا عن زيد بن وهب ثم قال : فإن قيل أنه يكبر قائما ثم يركع فقد صار مدركا للوقفة قلنا وهذه معصية أخرى وما أمر الله تعالى قط ولا رسوله أن يدخل في الصلاة من غير الحال التي يجد الإمام عليها وأيضا لا يجزئ قضاء شيء يسبق به من الصلاة إلا بعد سلام الإمام لا قبل ذلك . وقال أيضا في الجواب عن استدلالهم بحديث : ( من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة ) : إنه حجة عليهم لأنه مع ذلك لا يسقط عنه قضاء ما لم يدرك من الصلاة انته ى ( والحاصل ) أن أنهض ما احتج به الجمهور في المقام حديث أبي هريرة باللفظ الذي ذكره ابن خزيمة لقوله فيه ( قبل أن يقيم صلبه ) كما تقدم وقد عرفت أن ذكر الركعة فيه مناف لمطلوبهم وابن خزيمة الذي عولوا عليه في هذه الرواية من القائلين بالمذهب الثاني كما عرف ت ومن البعيد أن يكون هذا الحديث عنده صحيحا ويذهب إلى خلافه ( ومن الأدلة ) على ما ذهبنا إليه في هذه المسألة حديث أبي قتادة وأبي هريرة المتفق عليهما بلفظ : ( ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا ) قال الحافظ في الفتح : قد استدل بهما على أن من أدرك الإمام راكع ا لم يحتسب له تلك الركعة للأمر بإتمام243 ]

عدد الصفحات ٤٨