المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مدرسة الحج العظمى

رقية بنت محمد المحارب

صفحة ٦ من ١٣

84 مســتجابة وقــد جــاء في الحديــث طعــم وشــفاء ســقم وإن لأدعـــو الله أطلـــب عفـــوه وأعلــم أن الله يعفــو ويغفــر. لئـــن أعظـــم النـــاس الذنـــوب فإنهـــا وإن عظمــت في رحــة الله تصغــر. ثــم توجــه مــرة أخــرى للحجــر واســتلمه وقبلــه قبلــة تعيــد فيهــا روحــك إلى هنــاك حيــث الجنــة والمقــام الأول.. وعــن ابــن عمــر قــال: إني ســمعت رســول الله يقــول وســمعته يقــول .رقبــة 1( (٢) أخرجه النسائي

عدد الصفحات ٨٤

85 وافعــل كــا فعــل حبيبــك (ثــمّ رجــع إلى الرّكــن فاســتلمه، ثــمّ خــرج مــن البــاب إلى الصّفــا، فلــاّ دنــا ﱫ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﱪمــن الصّفــا قــرأ: ، أبــدأ بــا بــدأ اللهّ بــه، فبــدأ بالصّفــا). ][ وإني لأعلــم أن الأمــر جــد شــاق، ومــا إلى الوصــول إليــه ســبيل في هــذا الزحــام الشــديد، فــا يكلــف الله نفســا إلا وســعها، لكــن إن لم تقــو عــى اســتامه بجســدك وشــفتيك فــا أقــل مــن أن تعانقــه بقلبــك، وتتمنــى لــو خــي بينــك وبينــه؛ لتفعــل مــا فعــل قدوتــك وخليلــك.

عدد الصفحات ٨٥

86 وعلى ال والتفــت للصفــا.. لأجيــج المشــاعر.. لخيــال الذكريــات.. وتيــل كــم توجــه لهــا مــن متوجــه! وكــم صعدهــا مــن مكــر! لكنهــم مــا كانــوا يــرون مــا تــرى.. ومــا يحســون بــا تحــس بــه، فقــد خالــط الوجــد قلبــك؛ حتــى صعــد قبــل أن تصعــد، وعــا خفقــه قبــل أن تعلــو قدمــاك ذاك الجبــل الــذي عــاه نبيــك وذكــر فيــه قصــة هاجــر: : ففــي البخــاري مــن حديــث ابــن عبــاس « مــن ذلــك المــاء، حتــى إذا نفــد مــا في الســقاء عطشــت، وعطــش ابنهــا، وجعلــت تنظــر إليــه يتلــوَّى، أو قــال: يتلبَّــط، فانطلقــت كراهيــة أن تنظــر إليــه، فوجــدت

عدد الصفحات ٨٦

87 الصفــا أقــرب جبــلٍ في الأرض يليهــا، فقامــت عليــه، ثــم اســتقبلت الــوادي؛ تنظــر هــل تــرى أحــداً، فلــم تــرَ أحــداً؛ فهبطــت مــن الصفــا، حتــى إذا بلغــت الــوادي رفعــت طــرف درعهــا ثــم ســعت ســعي الإنســان المجهــود، حتــى جــاوزت الــوادي، ثــم أتــت المــروة، فقامــت عليهــا، ونظــرت هــل تــرى أحــداً، فلــم تــرَ أحــداً؛ ففعلــت ذلــك ســبع مــرات. قــال ابــن عبــاس ذلــك ســعي النــاس بينهــا : قــال النبــي والفعــل وإن كان فيــه محــاكاة لأفعــال هاجــر مــن ، فإننــا إنــا نتأســى بالحبيــب الــذي لــدن رســول الله أمرنــا باتباعــه، كــا جــاء في حديــث جابــر: (ثــمّ خــرج مــن البــاب إلى الصّفــا، فلــاّ دنــا مــن الصّفــا قــرأ: ، أبــدأ بــا ][ ﱫﮄﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﱪ بــدأ اللهّ بــه، فبــدأ بالصّفــا). 1(

عدد الصفحات ٨٧

88 وفي هــذه الكلمــة معنــى وهــو تتبــع المســلك القــرآني والســر وفقــه، فلــم يــا تــرى قــدم الصفــا؟ الله أعلــم.. عليــك أن تبــدأ بــا بــدأ الله بــه فحســب! علمــت لم أم لم تعلــم! فــإذا علــوت الجبــل ولاحــت لــك الكعبــة وأنــت تســتقبلها فقــف مســتحضرا موقــف نبيــك وحبيبــك وتذكــر تلــك النظرات التــي كانت ترســلها أم إســاعيل في لهفــة؛ لــترى شــخص إنســان ولــو خيــالا، يقــرب لهــا الحيــاة، ويباعدهــا عــن شــبح المــوت والهلكــة، في واد غــر ذي زرع، بــا أنيــس ولا مرافــق غــر وليــد أخــذ منــه العطــش كل مأخــذ! في جبــال ســوداء، وحــر شــديد، وشــمس محرقــة، ولهيــب الشــمس يصنــع مــن الــراب خيــالات تلــوح لــكل متمســك بالحيــاة يتمنــى أن يجــد لهــا معلــا ولــو في الــراب.

عدد الصفحات ٨٨

89 عـــوى الذئـــب فاستأنســـت بالذئـــب إذ عوى وصَــوّت إنســانٌ فكــدت أطــر (فبــدأ بالصّفــا، فرقــى عليــه، حتّــى رأى البيــت فاســتقبل القبلــة، فوحّــد اللهّ وكــرّه، وقــال إلاّ اللهّ وحــده لا شريــك لــه، لــه الملــك، ولــه الحمــد، وهــو عــى كلّ شيء قديــر، لا إلــه إلاّ اللهّ وحــده، أنجــز وعــده، ونــصر عبــده، وهــزم الأحــزاب وحــده وادع بــا شــئت، وبــا كنــت ترجــوه، وتلــحّ بــه، و تــوصي بــه كل مــن حــج مــن أحبابــك، فهــا أنــت الآن بــن يديــه، ويــداه لــك مبســوطة، ومقبــل عليــك، يقول لــك ســل مــا شــئت. فاغــرف مــن فضلــه مــا شــئت أن تغــرف، وتــزود لشــديد حياتــك مــا اســتطعت أن تتــزود؛ فــإن الرحلــة طويلــة والفتــن كثــرة، والمشــاغل مذهبــة للعقــل، وزماننــا هــذا أولى بــأن تطــوي فيــه قلبــك عــى الاســتعانة بتوفيــق الله وهدايتــه، فهــو زمــان القابــض فيــه عــى دينــه كالقابــض عــى الجمــر!

عدد الصفحات ٨٩

90 تســر عــى رخــام بــارد ولــو تعبــت لركبــت، ولــو عطشــت لشربــت، فكيــف بتلــك الأقــدام الحافيــة! والشــمس الحارقــة! والصخــور الحــادة! كيــف وقــد اســتحالت دمــا مــن حــر الرمضــاء! ووعــورة المســلك! في لهــف عــى قلــب ذاك الوليــد حــن تنــزل للــوادي؛ فيقــترب القلــب مــن القلــب؛ ليتحســس هــل مــا زال النفــس يربــو.. ثــم تحــث الخطــا إلى المــروة؛ لتنظــر مــن زاويــة أخــرى، فلعــل شــخصا يــزاول، ولــو طيفــا.. فــا تجــد أحــداً، فيأخــذ القلــق بالقلــب كل مأخــذ، تعــاود الكــرة المــرة بعــد المــرة..كل ذلــك الطيــف لتلــك المــرأة الشريفــة، والأمــة الضعيفــة؛ حــرم أبيــك خليــل الله، يعــرض لــك في مســعاك، ومــا تــزال تســعى متتبعــا ، فتمــي إذ مشــى، وتهــرول إذ هــدي نبيــك محمــد هــرول، وتقــف إذ وقــف. وتأمــل كــم يقشــبك الحــر! وكــم يؤذيــك الزحــام!

عدد الصفحات ٩٠

91 وكــم تتــوق نفســك للوصــول لعلــم المــروة؛ لتكملــه شــوطا وأنــت في أنــس وأنيــس! فكيف بهــا تلــك إذ ذاك!! وهــذا كان فعــل نبيــك وخليلــك (ثــمّ دعــا بــن ذلــك، قــال مثــل هــذا ثــاث مــرّات، ثــمّ نــزل إلى المــروة، حتّــى إذا انصبّــت قدمــاه في بطــن الــوادي ســعى، حتّــى إذا صعدتــا مشــى، حتّــى أتــى المــروة ففعــل عــى المــروة كــا فعــل عــى الصّفــا). فــإذا فعلــت ذلــك فاحمــد الله أن بلغــك تمــام عمرتك التــي تمتعــت بهــا إلى الحــج، وقــصرّ شــعرك، وتحلــل من كل شيء حــرم عليــك قبــل، وتأمــل كيــف التزمــت لله، محــاّ لــك، ومحرمــا عليــك في زمــن قصــر وشــدة مــن أجلهــا جئــت إلى البلــد الحــرام! وتذكــر أنــك أيضــا في عبــادة بشريعــة تحلــل لــك وتحــرم عليــك طــوال عمــرك ومــن أجلهــا جئــت ﱫﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ إلى هــذه الحيــاة الدنيــا ][ ﭸﭹﱪ

عدد الصفحات ٩١

92 ودنا اللقاء.. يوم التروية يوم ال كــم تاقــت قســات وجهــك لابتســامة تغذوهــا الخطــرة باللقــاء لذلــك اليــوم المشــهود! فظللــت تتهيــأ وتســتعد لتلقــاه.. هنــاك.. في عرفــات.. لكــن ليــس بعــد.. عليــك أن تتخــذ لذلــك اليــوم اســتعدادك وتأهبــك.. فدونــك يــوم بتامــه وكالــه.. أعــدّ نزلــك.. حــضرّ منزلــك بــا تكلــف.. أعــدّ مــا تحتــاج إليــه مــن طعــام وفــراش وخيمــة.. تغسّــل.. تطيّــب.. أعــدّ نفســك مــرة أخــرى للإحــرام، واســتعدّ للقــاء، ولكــن هــذه المــرة لــن تكون وحــدك، ولــن تقــف وحــدك، ولــن تقــدم وحــدك، بــل ســتكون في كل الحجيــج.. فتهيــأ لذلــك.

عدد الصفحات ٩٢

93 (فلــاّ كان يــوم الترّويــة توجّهــوا إلى منــى، فأهلّــوا ، فصــىّ بهــا الظّهــر بالحــجّ، وركــب رســول اللهّ والعــصر والمغــرب والعشــاء والفجــر، ثــمّ مكــث قليــا حتّــى طلعــت الشّــمس).

عدد الصفحات ٩٣

94 اإلى عرفات (وأمــر بقبّــة مــن شــعر، تــضرب لــه بنمــرة ، فســار ، ولا تشــكّ قريــش إلاّ أنّــه واقــف عنــد رســول الله المشــعر الحــرام، كــا كانــت قريــش تصنــع في الجاهليّــة، حتّــى أتــى عرفــة، فوجــد فأجــاز رســول اللهّ القبّــة قــد ضربــت لــه بنمــرة، فنــزل بهــا، حتّــى إذا زاغــت الشّــمس أمــر بالقصــواء، فرحّلــت لــه، فأتــى بطــن الــوادي، فخطــب النّــاس وقــال وأموالكــم حــرام عليكــم، كحرمــة يومكــم هــذا، في شــهركم هــذا، في بلدكــم هــذا، ألا كلّ شيء مــن أمــر الجاهليّــة تحــت قدمــيّ موضــوع، ودمــاء الجاهليّــة موضوعــة، وإنّ أوّل دم أضــع مــن دمائنــا دم ابــن ربيعــة بــن الحــارث، كان مســترضعاً في بنــي ســعد فقتلتــه

عدد الصفحات ٩٤

95 هذيــل، وربــا الجاهليّــة موضــوع، وأوّل ربــا أضــع ربانــا، ربــا عبّــاس بــن عبــد المطّلــب، فإنّــه موضــوع كلّــه، فاتّقــوا اللهّ في النّســاء، فإنّكــم أخذتموهــنّ بأمــان اللهّ، واســتحللتم فروجهــنّ بكلمــة اللهّ، ولكــم عليهــنّ أن لا يوطئــن فرشــكم أحــدا تكرهونــه، فــإن فعلــن ذلــك فاضربوهــنّ ضربــا غــر مــرّح، ولهــنّ عليكــم رزقهــنّ وكســوتهنّ بالمعــروف، وقــد تركــت فيكــم مــا لــن تضلّــوا بعــده، إن اعتصمتــم بــه كتــاب الله، وأنتــم تســألون عنّــي، فــا أنتــم قائلــون؟ قــد بلّغــت وأدّيــت ونصحــت، فقــال بإصبعــه السّــبّابة يرفعهــا إلى السّــاء وينكتهــا إلى النّــاس اللّهــمّ اشــهد، ثــاث مــرّات ثــمّ أذّن، ثــمّ أقــام فصــىّ الظّهــر، ثــمّ أقــام فصــىّ العــصر، ولم يصــلّ بينهــا شــيئا، ثــمّ ركــب رســول اللهّ حتّــى أتــى الموقف، فجعــل بطــن ناقته القصــواء إلى

عدد الصفحات ٩٥

96 الصّخــرات، وجعــل حبــل المشــاة بــن يديــه، واســتقبل القبلــة فلــم يــزل واقفــا حتّــى غربــت الشّــمس، وذهبــت الصفــرة قليــاً حتّــى غــاب القــرص، وأردف .أســامة خلفــه 1(

عدد الصفحات ٩٦

97 عرفات.. وا أتعلــم... أنــك تلبــس كفنــك مرتــن...الأولى عنــد موتــك، وحــن تجهيــزك لقــرك، ومثلــه يــوم إحرامــك الأول.. هنــاك حيــث حططنــا المطــيّ.. ثــم ارتحلنــا... وهنــا حيــث انتهــت بــك الرحلــة الأولى، وخرجــت منهــا أنــت وأنــا حفــاة عــراة غــرلاً... فــإذا كنــا هكــذا كســينا مــرة أخــرى بالأكفــان التــي كفنــا فيهــا في حياتنــا الدنيــا، فيكــون أول مــن يكســى إبراهيــم الخليــل، ويقــال لأنــه أول مــن لبــس الراويــل، وربــا لأنــه هــو صاحــب الشــعار الأول؛ شــعار بنــاء البيــت الحــرام والحــج لــه! فالله أعلم بالمراد.. ولــذا أمــر بإحســان الكفــن؛ لأنــه ســيبعث فيــه

عدد الصفحات ٩٧

98 « :قــال النبــي كفنــه وتوســطه، وعــن أبي ســعيد الخــدري أنــه لمــا حــضره المــوت دعــا بثيــاب جــدد فلبســها ثــم قــال: ســمعت يقــول رســول الله .يمــوت فيهــا بــردة : (أن امــرأة جــاءت النبــي عــن ســهل منســوجة فيهــا حاشــيتها، أتــدرون مــا الــردة ؟ قالــوا: الشــملة، قــال: نعــم، قالــت: نســجتها بيــدي فجئــت محتاجــاً إليهــا، فخــرج لأكســوكها، فأخذهــا النبــي إلينــا وإنهــا إزاره، فحسَّــنها فــان فقــال: اكسُــنيها مــا أحســنها! فقــال القــوم: مــا أحســنت، لبســها النبــي محتاجــاً إليهــا وعلمــت أنــه لا يــرد، قــال: إني والله مــا ســألته لألبســها، إنــا ســألته لتكــون كفنــي، قــال 1( (٢) أخرجه أبو داود ٦

عدد الصفحات ٩٨

99 ســهل: فكانــت كفنــه الحــاج فيــا مــات فيــه مــن إحــرام أو عــى نســقه في ثوبــن بــا طيــب؛ لأنــه يبعــث يــوم القيامــة ملبيــا. قــال: (بينــا رجــل واقــف مــع عــن ابــن عبــاس بعرفــة إذ وقــع مــن راحلتــه؛ فأقصعتــه، رســول الله : اغســلوه باء أو قــال: فأقعصتــه، فقــال رســول الله وســدر، وكفنــوه في ثوبــن، ولا تحنطــوه، ولا تمــروا .رأســه؛ فــإن الله يبعثــه يــوم القيامــة ملبيــا) (٢) فتأمــل قدومــك عــى الله ذلــك اليــوم ملبيــا محرمــا، تســر وســط الحجيــج والضجيــج، والنــاس لهــم زفة إلى هنــاك، يأخــذون مقاعدهــم، بــل مواقفهــم، ويتراصــون حتــى لا تــكاد تــرى رأس صخــرة إلا وجــدت عليهــا إنســاناً، ولا تفــترّ عينــك إلى موطــئ قــدم إلا رأيــت فيــه 1( (٢) أخرجه البخاري برقم ٥٦٢

عدد الصفحات ٩٩