20 ودعــاك إليــه، فكنــت في وفادتــه في الدنيــا، وهــذا مشــعر بوفادتــك عليــه في الآخــرة. لا حرمنــا الله وإيــاك تلــك الوفــادة!
عدد الصفحات ٢٠21 تعلّق القلوب بالحج حــن تبــدأ الأهلّــة بالقــرب، تدنــو معهــا الأشــواق لربهــا وخالقهــا، فتثــور النفــوس المؤمنــة، وتهفــو للحــج، ولا تذكــر فيــه مشــقة المســر، وحــر الرمضــاء، وشــدة الكظيــظ، بــل تذكــر هفــو القلــوب، وزفــرات الصــدور، ودمعــات العيــون، ودعــوات صادقــات، ونفحــات الإيــان التــي كانــت تعانــق القلــوب في أحيــان متفرقــة، فــا الطيــف إلا طيــف هاتيــك الليــالي المقمــرات، في منــى والجمــرات والحــرم، ومــا المشــاعر إلا بالمشــاعر معلقــة.. تطــر قلــوب المؤمنــن إليهــا، لهــا حنــن وأنــن أشــواق المحبــن المخبتــن. والعجــب أن المكثريــن مــن الحــج لا يشــبعون، بــل ﱫ ﯝ يــزدادون فيــه رغبــة! ولــه حبــاً! فيــا لله إذ قــال:
عدد الصفحات ٢١22 ويــا لتلــك الدعــوة ][ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢﱪ الصادقــة مــن قلــب الأمــة إبراهيــم عليــه الســام: ][ ﱫﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﱪ فهــل تجــد أفضــل دلالــة مــن كلمــة مثابــة؟ ومثابــة تعنــي مرجعــا تذهــب إليــه وتعــود.. ولذلــك فــإن الــذي يذهــب إلى بيــت الله الحــرام مــرة يحــب أن يرجــع مــرات ومــرات.. إذن فهــو مثابــة لــه؛ لأنــه ذاق حــاوة وجــوده في بيــت ربــه، ينظــر إلى الكعبــة فيذهــب كل مــا في صــدره مــن ضيــق وهــم وحــزن. ومــن رحمــة الحــق ســبحانه أن الدنيــا تتفــي مــن عقــل الحــاج وقلبــه؛ لأن الحجيــج في بيــت ربهــم.. وكلــا كربهــم شيء أو أهمهــم شيء توجهــوا إلى ربهــم وهــم في بيتــه فيذهــب عنهــم الهــم والكــرب.. ولذلــك ﱫﮒ ﮓ ﮔ فــإن الحــق ســبحانه وتعــالى يقــول: 1(.][ ﮕ ﮖ ﮗ ﱪ 1(
عدد الصفحات ٢٢23 فمــع كل الصعوبــات، إلا أن قلــوب المحبــن تثــوب إلى البيــت ومواقــف الملبــن! وكأنهــا تتلــذذ بالتلبيــة وتنعــم بيــوم الجمــع وكل محطــات النــداء التــي ناداهــا الحبيــب إليهــا، وهــي تــرى العــرات تســكب حبــاً وخوفــاً وهــي تســمع الأصــوات شــجيةً مبحوحــةً مــن التــضرع والابتهــال. فتبذل لذلك كل غال، وترقى له كل عال! ولــذا هاجــت القلــوب لتلــك البقــاع، فأنشــد الواعــظ الفقيــه مجــد الديــن محمــد بــن أبــى بكــر بــن رشــيد البغــدادى رحمــه الله في قصيدتــه الرائعــة المطولــة في وصــف الشــوق لبيــت الله تعــالى: أيـــا عذبـــات البـــان مـــن أيمـــن الحمـــى رعــى الله عيشــاً في ربــاك قطعنــاه سرقنـــاه مـــن شرخ الشـــباب وروْقـــه فلــا سرَقنــا الصفــو منــه سرُقنــاه
عدد الصفحات ٢٣24 وجـــاءت جيـــوش البـــن يقدمهـــا القضـــا فبــدد شــملاً بالحجــاز نظمنــاه حـــرام بــــذي الدنيــــا دوام اجتاعنــــا فكــم صرمــت للشــمل حبـــلاً وصلنـــاه فيـــا أيـــن أيـــام تولــــت علــــى الحمــــى وليــل مــع العشـــاق فيـــه سهرنـــاه ونحـــن لجيــــران المحصّــــب جيــــرة نــوفيّ لهــم حســـن الـــوداد ونرعـــاه ونخلـــو بمـــن نهـــوى إذا رقــــد الــــورى ويجلــو علينـــا مـــن نحـّــب محيـــاه فقــــرب ولا بعــــد وشمــــل مجمــــع وكأس وصـــال بيننـــا قـــد أدرنـــاه فهاتيــــك أيــــام الحيــــاة وغيـرهــــا ممــات فياليــت النـّــوى مـــا شهدنـــاه فيـــا مـــا أمـــرّ البـــن مـــا أقتــــل الهــــوى أمــا يــا الهــوى إن الهنــا قـــد سُلبنـــاه
عدد الصفحات ٢٤25 فــــو الله لــــم يُبــــق الفــــراق لــــذاذةً فلــو مـــن سبيـــل للفـــراق فرقنـــاه فأحبابنـــا بالشـــوق بالحــــب بالجــــوى لحرمــة عقـــد عندنـــا مـــا حللنـــاه لحــــقُّ هوانــــا فيـكــــم وودادنـــــا لميثــاق عهــد صـــادق مـــا نقضنـــاه وأنشد عبدالرحيم الردعي : يـــا راحلـــن إلى منـــى بقيـــادي هيجتمــوا يــوم الرحيــل فــؤادي سرتـــم وســـار دليلكـــم يـــا وحشـــتي الشــوق أقلقنــي وصــوت الحــادي وحرمتمـــوا جفنـــي المنـــام ببعدكـــم يــا ســاكنن المنحنــى والــوادي ويلـــوح لي مـــا بـــن زمـــزم والصفـــا عنــد المقــام ســمعت صــوت منــادي
عدد الصفحات ٢٥26 ويقـــول لي يـــا نائـــاً جِـــدّ الـــرُى عرفــاتِ تجلــو كل قلــب صــادي مـــن نـــال مـــن عرفـــاتَ نظـــرَة ســـاعة نــال الــرورَ ونــالَ كلَ مــراد تـــالله مـــا أحـــى المبيـــتَ عـــى منـــى في ليــلِ عيــدٍ أبــركِ الأعيــادي ضحَّـــوا ضحاياهـــم فَسَـــال دماؤهـــا وأنــا المتيــم قــد نحــرت فــؤادي لبســـوا ثيـــاب البيـــض شـــاراتِ اللقـــا وأنــا الملــوّع قــد لبســت ســوادي يـــاربّ أنـــت وصلتهـــم صلنـــي بهـــم فبحقهــم يــا رب فُــكّ قيــادي فـــإذا وصلتـــم ســـالمن فبلغـــوا منــي الســلامَ أُهيــل ذاك الــوادي قولـــوا لهـــم عبـــدُ الرحيـــم متيـــم ومفــارقُ الأحبــابِ والأولاد
عدد الصفحات ٢٦27 صـــى عليـــك الله يـــا علـــمَ الهـــدى مــا ســار ركــبٌ أو ترنّــم حــادي وعــى جانــب آخــر وقــف قــوم بــن يــدي الحــق تعــالى، لم يكتــب لهــم المســر إلى هــذا الموقــف العظيــم، ﱫ ﮉ ﮊ ﮋ هزهــم الحــب والشــوق إلى لقــاء الله ، كــا قــال الإمــام الغــزالي رحمــه الله ][ﮌ ﮍﮎﱪ تعــا أســباب اللقــاء لا محالــة، هــذا مــع أن المحبّ مشــتاق إلى كل مــا لــه إلى محبوبــه إضافــة، والبيــت مضــاف لله عــز وجــل، فبالحــري أن يشــتاق إليــه لمجــرد هــذه الإضافــة، فضــاً عــن الطلــب لنيــل مــا وعــد عليــه مــن الثــواب . الجزيــل وهــذا الحب والشــوق المتأجــج في القلوب لا تســكن جَذوتُــه إلا بمُشَــاهَدٍ يوجِّــه المحــب إليــه أشــواقَه، 7 /1(
عدد الصفحات ٢٧28 ويقــي بــه حنينــه ويذَكِّــرُه بالمحبــوب ســبحانه وإذ قــد منعهــم العــذر عــن شــدّ رحــال الأجســاد، توجهــت قلوبهــم وأرواحهــم للقــاء محبوبهــم، وتعلقــت ﱫ ﭨ ﭩ بالبيــت والمشــاعر، فعظموهــا كــا أمــر الله ، ][ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﱪ كلــا ذكــر لهــم البيــت والمشــاعر حنــوا، وكلــا تذكــروا بعدهــم بكــوا وأنــوا، ويحــق لمــن رأى الواصلــن وهــو منقطــع أن يقلــق، ولمــن شــاهد الســائرين إلى دار الأحبــة وهــو قاعــد أن يحــزن، غبطــة لمــن وصلهم الله لا حســدا، لســان حالهــم يقــول: لله در ركائـــب ســـارت بهـــم تطــوي القفــار الشاســعات عــى الدجــى رحلـــوا إلى البيـــت الحـــرام وقـــد شـــجا قلــب المتيّــم منهــم مــا قــد شــجا نزلـــوا ببـــاب لا يخيـــب نزيلـــه وقلوبهــم بــن المخافــة والرجــا
عدد الصفحات ٢٨29 وما أرق وأجمل قول الشاعر ألا قـــل لـــزوار دار الحبيـــب هـــنيئا لكــم في الجنــان الخلــود أفيضـــوا علينـــا مـــن المـــاء فيضـــاً فنحــن عطــاش وأنتــم ورود والمتخلّــف لعــذر لا شــك أنــه شريــك للســائر في الأجــر، ففــي صحيــح البخــاري عــن أنــس رضي الله كان في غــزاة فقــالعنــه أن النبــي بالمدينــة خلفنــا مــا ســلكنا شــعباً ولا واديــاً إلا وهــم معنــا فيــه حبســهم العــذر إذ يقول: شَـــدّوا المطـــىّ، وقـــد نالـــوا المنـــى بمنـــى وكلهــم بأليــم الشــوق قــد باحــا ســـارت رواكبُهـــم تَنْـــدى روائحهـــا طيبــاً بــا طــاب ذاك الوفــد أشــباحا .1(
عدد الصفحات ٢٩30 يـــا واصلـــن إلى المختـــار مـــن مـــرٍ زرتــم جســوما وزرنــا نحــن أرواحــاً إنـــا أقمنـــا عـــى عـــذر وعـــن قـــدر ومــن أقــام عــى عــذر كمــن راحــا وقال آخر: يـــا ســـائرين إلى الحبيـــب ترفقـــوا فالقلــب بــن رحالكــم خلّفتــه مـــالي ســـوى قلبـــي وفيـــك أذبتـــه مــالي ســوى دمعــي وفيــك سَــكَبْته فالحــج فريضــة جمعــت في طياتهــا كل الفرائــض؛ ففيهــا كلمــة التوحيــد والإقــرار، وفيهــا الصــاة، وفيهــا الصيــام لمــن لم يجــد الهــدي، وفيهــا النفقــة، وفيهــا الطــواف والعمــرة. والجهــد المبــذول بــكل كلفــة ضرب مــن الجهــاد؛ لــذا كان الحــج مدرســة الدنيــا، ومــن أجــل ذلــك فمــن تــرج منهــا حــاز كل الفضائــل، ولعلــه لأجــل ذلــك كانــت آخــر مــا فــرض مــن أركان
عدد الصفحات ٣٠31 الإســام وشرائعــه، فقــد فــرض في الســنة العــاشرة للهجــرة. قــال الشــيخ ابــن عثيمــن أركان الإســام الخمســة حيــث لم يفــرض إلا في الســنة التاســعة أو العــاشرة؛ لأن مكــة قبــل ذلــك كانــت تحــت ولايــة الكفــار، وإذا كان الكفــار قــد منعــوا النبــي مــن أداء العمــرة فكيــف يمكــن أن يحــجّ والســلطة فيهــا للكفــار؟ فــكان مــن حكمــة الله عــز وجــل تأخــر .فــرض الحــج إلى الســنة التاســعة أو العــاشرة قــال الشــيخ صالــح الفــوزان فرضيــة الحــج عــن الصــاة والــزكاة والصــوم؛ لأن الصــاة عــاد الديــن، ولتكررهــا في اليــوم والليلــة خمــس مــرات، ثــم الــزكاة لكونهــا قرينــة لهــا في كثــر . مــن المواضــع، ثــم الصــوم لتكــرره كل ســنة 177/1( .(٢) الملخص الفقهي ص
عدد الصفحات ٣١32 اأثناء الرحلة يــكاد يشــغلنا ضجيــج المطــارات، وحفيــف طرقات الســيارات، وتفقــد الأولاد وبعــث الرســائل لأحبــاب والأقــراب، فنغفــل عــن الوصيــة التــي أمرنــا بهــا؛ لقول « : النبــي .فيــه، يبيــت ليلتــن؛ إلا ووصيتــه مكتوبــة عنــده فينبغــي لمــن أراد المســر أن يكتــب وصيتــه ويــودع أهلــه ويستشــعر أنــه لــن يعــود! وفي ذلــك مــن الفوائــد تحقيــق العبــادة المأمــور بهــا، واســتحضار قــصر الدنيــا وسرعــة تقلبهــا، ويســتحضر الخــاص مــن حقــوق النــاس وينظــر إلى عيالــه الذيــن ودعهــم، وكيــف ســيكون حالــه بعدهــم، وذلــك لــه خــر واعــظ فقــد 1(
عدد الصفحات ٣٢33 ﱫ ﭴ ﭵ ﭶوعــظ الله به وهــو خــر الواعظــن: ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ، فنظــرك لولــدك تتركــه مــن ][ ﮁ ﮂ ﮃ ﱪ خلفــك وأنــت مســافر يدمــي قلبــك ويبعثــك عــى صــدق القصــد؛ ليحفــظ الله غيبتــك، ويحســن لعيالــك مــن بعــدك، فتســتودعهم ا تضيــع ودائعــه الســجود مســتحضرا مغادرتهــم إلى الأبــد، وحاجتــك وحاجتهــم لأحــد الصمــد، فيطــول دعــاؤك ويصــدق قلبــك، ويعمــق شــعورك، ويمتــد إلحاحــك بيــا رب! لا تكلنــي لنفــي طرفــة عــن وأصلــح لي شــأني كلــه. وتســتخر ربــك في رحلتــك مســتحضراً كل معــاني ألفــاظ الاســتخارة وأســتقدرك بقدرتــك، وأســألك مــن فضلــك العظيــم، فإنــك تقــدر ولا أقــدر، وتعلــم ولا أعلــم، وأنــت
عدد الصفحات ٣٣34 عــام الغيــوب. اللهــم إن كنــت تعلــم أن حجــي هــذا العــام خــر لي في دينــي ومعــاشي وعاقبــة أمــري فاقــدره لي، ويــره لي، ثــم بــارك لي فيــه. وإن كنــت تعلــم أن حجــي هــذا العــام شر لي في دينــي ومعــاشي وعاقبــة أمــري عاجلــه وآجلــه فاصرفــه عنــي واصرفنــي عنــه، ، ولا واقــدر لي الخــر حيــث كان ثــم أرضنــي بــه شــك أن الاســتخارة ليســت في العبــادة، لكنها في الســر إليهــا بــكل مابســاتها صحبــة ووســيلة ومــالاً وزمنــاً ومفارقــة أهــل، وأنــت في كل كلمــة تقولهــا تســتحضر معناهــا وتتخلــق بأخــاق الاســتخارة وشروطهــا، وأيقــن بــأن الله تعــالى ســيوفقك لمــا هــو خــر، واجمــع قلبــك أثنــاء الدعــاء وتدبــره، وافهــم معانيــه العظيمــة! ثــم أدر بــصرك إلى ولــدك وأهلــك الذيــن اجتمعــوا حولــك وودعهــم واحــدًا واحــدًا، اعتنــق كل واحــد 1(
عدد الصفحات ٣٤35 منهــم بقلبــك وصــدرك، تــواسي منهــم المكلــوم، وتســلل ســخيمة الحزيــن، وتجــذب قلــب البعيــد عنــك والصــادّ عــن قربــك؛ ليبقــى بعــدك ذاكــراً دقــات قلبــك منتشــياً بأنفاســك التــي غــادرت جســده، ولم تغــادر روحــه، خاصــة زوجــك ووالــدك وولــدك. فــإذا يمّمــت إلى البــاب وخرجــت فقــل مــن قلبــك: « أَضِــلَّ أو أُضَــلَّ، أَوْ أَزِلَّ أوْ أُزلَّ، أوْ أظلِــمَ أوْ أُظلَــم، أوْ . أَجْهَــلَ أو يجُهَــلَ عَــيَ أو قــل قُــوةَ إلاَّ بــا وَكُفِيــت ووُقِيــتَ، ويتنحَّــى عنــك الشَّــيْطَانُ فيقــوي ذلــك قلبــك، ويرقــأ دمعــة عينــك، ويزيــدك 1( (٢) أخرجه أبو داود برقم
عدد الصفحات ٣٥