148 لا قتــال فيــه قــال عــن أبي هريــرة أي العمــل أفضــل؟ قــال: إيــان بــالله، قيــل ثــم مــاذا؟ قــال: الجهــاد في ســبيل الله، قيــل ثــم مــاذا ؟قــال: حــج مــرور قالــت وفي حديــث عائشــة الله: نــرى الجهــاد أفضــل الأعــال أفــا نجاهــد؟ قال: لا، لكنَّ أفضل الجهاد حج مرور قالــت: يــا رســول الله ألا نغــزو وعــن عائشــة ونجاهــد معكــم؟ فقــال الحــج حــج مــرور : فــا أدع الحــج بعــد إذ ســمعته قالــت عائشــة »مــن رســول ا 1( (٢) أخرجه البخاري 3(
عدد الصفحات ١٤٨149 الهدي.. لمن له هدي (ثــمّ انــصرف إلى المنحــر فنحــر ثاثــاً وســتّن بيــده، ثــمّ أعطــى عليّــا فنحــر مــا غــر، وأشركــه في هديــه، ثــمّ أمــر مــن كلّ بدنــة ببضعــة فجعلــت في قــدر، فطبخــت فــأكا مــن لحمهــا وشربــا مــن مرقهــا). وفي هــذا اليــوم يــوم النحــر يقــدم الحــاج هديــه إن كان عليــه هــدي، وهــذا للمتمتــع والقــارن، أمــا المفــرد فليــس عليــه هــدي واجــب! لكــن الشــأن في الهــدي أن يتذكــر الحــاج أن الخالــق الجليــل حــن أمــره أن يذبــح هديــا لم يكــن المــراد لحومهــا ولا دماؤهــا؛ ولكــن أراد منــه التقــوى بجميــع صورهــا؛ تقــواه حــن تفكــر في ســبب الفــداء الأول، مــا ســببه؟
عدد الصفحات ١٤٩150 فقــد ضرب إبراهيــم أروع المثــل في الاســتجابة لمــراد الله، والانقيــاد لــه بالطاعــة، فتخــى عــن كل محبــوب مــن محابــه؛ ليكــون إلهــه في قلبــه فحســب! فتوجــه لتنفيــذ أمــر الله بذبــح ابنــه وتجاهــل كل مــا ســواه. تذكــر أنــت هــذا الموقــف، واعلــم أن الله تعــالى يريــد منــك أن تتخــى عــن كل محابــك لمحابــه، ولــن تنــال الرضــا التــام منــه والولايــة إلا بذلــك. ولــك في إبراهيــم أســوة. ولعــل الله تعــالى لأجــل أن يعمــر محمــد قلبــه بحــب ربــه لم يبــق لــه ولــدا، فقــد ماتــوا جميعــاً في حياته، ســوى فاطمــة، ومــع ذلــك نعيــت إليــه في حياتــه؛ ليبقــى قلبــه لله خالصــاً وبــه عامــراً. تفكر في نفسك هل تعرف مقام الألوهية حقا!
عدد الصفحات ١٥٠151 وقبــل أن تنــصرف مــن هــذا المشــهد عليــك أن تقف وقفة! تقــف عــى هــذه الآيــة لتعيشــها شــعوريا وتطبعهــا في قلبــك! ﱫﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷﯸ ﯹ ][ ﯺ ﯻ ﱪ « تقــوى القلــوب؛ إذ إن التقــوى هــي الغايــة مــن مناســك الحــج وشــعائره. وهــذه المناســك والشــعائر إن هــي إلا رمــوز تعبريــة عــن التوجــه إلى رب البيــت وطاعتــه. وقــد تحمــل في طياتهــا ذكريــات قديمــة مــن عهــد إبراهيــم عليــه الســام ومــا تــاه. وهــي ذكريــات الطاعــة والإنابــة، والتوجــه إلى الله منــذ نشــأة هــذه الأمــة المســلمة. فهــي والدعــاء والصــاة ســواء ٥/ 1(
عدد الصفحات ١٥١152 وفي هــذه الســورة ذاتهــا يؤكــد الله لعبــاده أن مــن فضلــه علينــا تســخر هــذه البهائــم لنــا، وإباحــة أكلهــا، واســتطابة طعامهــا لمــا يكــون في ذلــك مــن قــوام صحتنا وصابــة عضاتنــا، وقــوة عظامنــا، فنحــن أكــرم عليــه ﱫ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ مــن ســائر خلقــه ؛ لــذا فعلينــا أن نتذكــر تلــك ][ﮖ ﮠ ﱪ المنــة ونشــكر الله عليهــا متقربــن لــه بنحرهــا، منتقــن الأفضــل منهــا، لا لــيء ســوى الإعــان عــن تقديــم إرضــاء الله عــى كل شيء، وإيذانــا بــأن حبنــا لرضــاه فــوق حبنــا للــال والمتــاع الدنيــوي مهــا كنــا مفطوريــن عليــه. ﱫﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ، وهنــا تمــام المنــة ][ﮐﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﱪ
عدد الصفحات ١٥٢153 منــه تعــالى؛ فأبــاح لنــا أن ننتفــع بلبنهــا طيلــة الرحلــة، ولا حــرج في ذلــك؛ حتــى إذا بلغــت الحــرم نحرناهــا تقربــا! وفي ذلــك مــن المعــاني تمــام التخــي عــن المألــوف، فناقــة تســر معــك الطريــق كلــه، تــشرب لبنهــا، وتنظــر في طولهــا، وتتأمــل جمالهــا، والعــرب خاصــة مفتونــون ﱫ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﱪفي جمــال الإبــل ؛ ثــم ينحرهــا قربــاً مــن مــولاه، وكلــا زاد ][ ثمنهــا وعظــم تعلــق القلــب بهــا كان ذلــك أدعــى لتــام التحــول مــن التقــوى بنحرهــا؛ لــذا لم يــدع لعمــر ذبــح نجيبــة ثمينــة أهديــت إليــه بعــدد مــن الإبــل أكثــر وأقــل ثمنــا؛ لأن المــراد لم يكــن العــدد بقــدر غــاء المضحــى بــه، والمتنــازل عنــه؛ لأجــل مــولاك وحبيبــك. وتأمــل كيــف فعــل ســليان عليــه الســام بالخيــل ﱫ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﱪالتــي أعجــب بهــا
عدد الصفحات ١٥٣154 ، كان يمكــن أن يبيعهــا.. كان يمكــن أن يتصــدق ][ بهــا... كان يمكــن أن يهديهــا.. لكنــه لم يفعــل، بــل تلــص منهــا بأعنــف صــورة؛ تكــر تعلــق قلبــه بهــا؛ ليقــول لمــولاه لاشيء يصــدني عنــك، ولا أســمح لبقــاء محبــوب ينافــس حبــك في قلبــي، ولــو كانــت مزاحمتــه لحبــك لحظــات. تلــك القلــوب التــي أخلصــت مــن كل شيء ســوى مولاهــا، اســتحقت بقــدر ذلــك عظمــة ورفعــة! كثــرون يبحثــون عــن الأيــر في توفــر الهــدي والأرخــص، ولا يتلــذذون بنحــر الهــدي، ولا يتأملــون كيــف تهــدى، وكيــف تجــب جنوبهــا؟ ولا يستشــعرون التكبــر عليهــا، ولا يستشــعرون اتبــاع الســنة في الأكل منهــا والتقــرب إلى الله بذلــك، وكأنــا المــراد الإتيــان بواجــب الحــج كيفــا كان.
عدد الصفحات ١٥٤155 وهنــا لا تتجــى معــاني العبوديــة بخشــوعها وهيبتهــا مــع جوازهــا مــن الحيثيــة الفقهيــة، إلا أنهــا تبقــى بعيــدة عــن مخالطــة المشــاعر، وضعيفــة في اســتثارة المعــاني الجليلــة، والمقاصــد النبيلــة لبنــاء الــروح الإيانيــة لــدى الحــاج. وكل ذلــك مرهــون بالقــدرة عــى الإتيــان بالنســك عــى أكمــل وجــه في ســائر مشــاعر الحــج. ولا ينبغــي أن يســجل الحــاج تنــازلا عــن شيء مــن الســنن والمشــاعر والإتيــان بالأعــال عى أكمــل وجهها إلا إذا اســتعى عليــه التــام ولم يجــد مــن المخالفــة بــدا، ﱫﭨ ﭩ ﭪ وليضــع نصــب عينيــه قولــه تعــالى: ][ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﱪ
عدد الصفحات ١٥٥156 افعل.. ول حرج في هــذا اليــوم يــوم الحــج الأكــر، يــوم النحــر يــؤدي الحــاج أكثــر المناســك، فرمــي، وينحــر، ويحلــق، ويطــوف، ويســعى، ويعــود لمنــى، فبأيهــا يبــدأ؟ هــو الســنة، لا شــك أن البــدء بــا بــدأ النبــي ولكــن مقاصــد الشريعــة تتقــدم عــى اتبــاع الحــذو الذي لم يلــزم فيــه المؤمــن بالمحــاكاة الكاملــة، ومــن ذلــك ترتيــب أفعــال هــذا اليــوم، فعليــك أن تنظــر في ظرفــك وظــرف رفاقــك، ومســر حملتــك والتزامــك بالضعفــة لــو كنــت ملتزمــا بهــم كالنســاء والشــيوخ الكبــار وأهل الأعبــاء مــن موظفــن ومتعاونــن وخدمــة الحجيــج فطــوع نفســك؛ لتقــدم وتؤخــر مــن الأعــال مــا تحقــق بــه مقصــود الحــج مــن التفكــر والتأمــل، وتذكــر قولــه
عدد الصفحات ١٥٦157 ، وتذكــر][ ﱫﯫ ﯬ ﯭ ﯮﯯ ﱪتعــالى: ﱫﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ قولــه: ][ﭱ ﱪ وتذكــر أن المــشرع لم يُــشرِّع لــك وحــدك، ولم يُــشرِّع لعــصر وحيــد، وزمــان فريــد، بــل كان في الحســبان ضيــق المشــاعر عــن أعــداد الحجيــج، فتخيــل لــو أنهــم جميعــا طافــوا في ســاعة واحــدة، ورمــوا في ســاعة واحــدة، ونحــروا في ســاعة واحــدة كيــف ســيكون الحــال؟ أصــاً رائعــاً، وقعــد قاعــدة ولــذا أصــل النبــي بليغــة حــن كان يســأل عــن التقديــم والتأخــر فيقــول: و قطــع الطريــق عــى المتحجريــن « في عقولهــم الذيــن لا يعــون المقاصــد حــن قــال 1(
عدد الصفحات ١٥٧158 أن« ثــمّ تضيقــو أفــق يحجــرون أنفســهم في زاويــة ويبدعــون مــن خــرج مــن دائرتهــا بــا برهــان! وكم عانى العلاء من هذا الصنف ما عانوا! وقــد قاومهــم الصحابــة في عصرهــم وتتــالى عــى ذلــك الأئمــة الربانيــون، وكان رأيهــم هــو الباقــي، واختيارهــم هــو المؤيــد، ولم تحفــل الأمــة كثــراً بمــن خالفهــم، ومــن عاداهــم، ومــن بدعهــم وخــذ مثــا عــى ذلــك عثــان بــن عفــان حــن جمــع النــاس عــى مصحــف واحــد وابــن تيميــة حــن قــاوم المعطلــة والمرجئــة وعــى طريقهــم ســار محمــد بــن عبدالوهــاب رحمهــم الله جميعــاً! 1(
عدد الصفحات ١٥٨159 وعدنا.. للبيت العتيق ، فأفــاض إلى البيــت، (ثــمّ ركــب رســول اللهّ فصــىّ بمكّــة الظّهــر فأتــى بنــي عبــد المطّلــب يســقون عــى زمــزم، فقــال أن يغلبكــم النّــاس عــى ســقايتكم لنزعــت معكــم، .فناولــوه دلــوا فــشرب منــه حقــا.. إنــه الجهــاد.. كان بالإمــكان أن يؤجــل النبــي الطــواف إلى الغــد! فلــم يــا تــرى أفــاض في يومــه ذاك؟ وهــو الــذي لا يشــق عــى النــاس في ســنته وهديــه؛ لكنهــا رســالة أفهــم منهــا ألا تؤجــل الأعــال العظائــم، وفيــا دونهــا فأنــت عــى مهلــك. 1(
عدد الصفحات ١٥٩160 مــا مــن عمــل مــن أعــال الحــج لا يتــم الحــج إ بــه غــر الوقــوف بعرفــة وطــواف الإفاضــة؛ فــا يجــزئ عنــه فــداء ولا يصــح حــج إلا بــه ولــذا كان التتابــع؛ فالنفــوس تــكل! وفي ذلــك ملمــح جليــل، وهــو أن عرفــة تذكــر بيــوم الحــشر ومــا يكــون مــن اجتــاع النــاس للحســاب! والرمــي يحمــل معنــى مخالفــة الهــوى والاصطبــار عــى الأوامــر التــي راغمنــا بهــا الشــيطان! والفــداء حمــل لنــا معنــى التضحيــة ذاك اليــوم بــكل ﱫ ﭑﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ شيء: ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ][ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﱪ قــدم الفــداء فــاذا بعــد؟ لابــد أن يفيــض إلى رحمــة الله ويــؤوب إليــه ويســكن إلى جنــة المســتقر...فيؤوب إلى بيــت الله العتيــق مــرة أخــرى؛ ليعلــن اللجــأ إليــه؛
عدد الصفحات ١٦٠161 ولرتــاح بالقــرب منــه؛ فبيتــه يعنــي القــرب منــه، والتعلــق بأســتاره يعنــي تمــام الإنابــة، فالطــواف الأول طــواف القــدوم أو طــواف العمــرة أيــا مــا كان يمثــل اقترابــك منــه في الدنيــا بــكل عباداتــك! وطوافــك ببيتــه العتيــق، و في الإفاضــة يذكــرك بالعــودة إليــه في الأخــرى؛ لتعلــن أنــك منــه وإليــه، وأنــك متعلــق برحمتــه فلــن تدخــل الجنــة إلا برحمتــه ورضــاه! فهــا أنــت تعــود إليــه لتقــول: (وإن لم تغفــر لنــا وترحمنــا لنكونــن مــن الخاسريــن) يا لتلك الخاتمة العظيمة! يا لتلك القاعدة النبيلة! « النّــاس عــى ســقايتكم لنزعــت معكــم بــن العبــادات وأعــال الــشرف والكرامــة والمــروءات التــي تــص أناســا دون آخريــن، فــا تلــط يــا عبــد الله
عدد الصفحات ١٦١162 بــن أعــال العبــادات والشــعائر، وبــن حســن العمــل الــذي يهَُيــأ لــه بعــض النــاس بفضــل الله ورحمتــه. ولعلــك لــو فعلــت فســوف تعجــز أو توقــع النــاس في الحــرج! ألا تــرى أنــه يكمــن أقــوام لمواقــف لا يكمــن لهــا غرهــم! فبعضهــم يكمــن للخدمــة، وبعضهــم يكمــن لنفــع النــاس بالشــفاعة، وبعضهــم في الإغاثــة، وبعضهــم لا يملــك شــيئاً، فــا أقــل أن يكــف النــاس مــن شره، وبعضهــم- والعيــاذ بــالله - مــا أخــذ بــيء مــن حــظ؛ لكــن ســلطه الشــيطان عــى نفســه؛ ليحصــد حســناته بنفســه ويهديهــا لأقــوام كانــوا في شــغل بالنــاس، وكان هــو فيهــم في شــغل، فيــا لله كــم هــو محــروم مــن التوفيــق، وهــو لا يــرى، ولا يبــصر، مــع أن الحــق مبســوط بــن يديــه! ومــا مثلــه إلا كــا قــال الشــاعر:
عدد الصفحات ١٦٢163 كالعيـــس في البيـــداء يقتلهـــا الظمـــأ والمــاء فــوق ظهورهــا محمــول فيا للحرمان..نسأل الله السامة
عدد الصفحات ١٦٣