221 ثالثاً النفس والنفس المكلفة: قسمت (النفس) قسمين: النفس المكلفة والنفس غير المكلفة. النفس المكلفة: أما النفس المكلفة، فهي النفس التي سواها الله فألهمها فجورها وتقواها، وأودع فيها أمره، وكلفها بتنفيذه، وزودها بالإمكانات التي تمكنها من القيام بما أمرت به. وهذه تسوية الله للنفس. قال تعالى: ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ( 7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا )، أي: أن الله سوى النفس قبل أن يرسلها إلى الجسد، فكتب فيها كل أقدارها، وألهمها كيف تتعامل مع تلك الأقدار، من فجور وتقوى، وبر وإثم، وإيمان وكفر، وطاعة ومعصية، وخير وشر، وما جبلت عليه من أخلاق، وما أضمرته من نوايا... إلخ. وتبين آيات القرآن الكريم أن تكليف الله وقع على النفس: ( لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْ سًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ )، وقد ذكر لفظ (كلّف) في القرآن الكريم سبع مرات، وكلها وقعت على النفس: (لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا )، (لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ )، (لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) ثلا ث مرات، ( لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ). فالنفس هي المكلفة. والله سوى هذه النفس تسوية خاصة بها، فأودع فيها أمر التكليف، ثم نفخ في الإنسان من روحه، فأرسل إليه هذه النفس حاملة تكليف ربها. وقد زودها بما يؤهلها للقيام بهذا التكليف.
عدد الصفحات ١٢٩235 النفس غ المكلفة: وهي نفس عامة الكائنات الحية، فهي نفس غير مكلفة، فلم يودع الله فيها من روحه، أي لم يودع فيها أمر التكليف (فالروح هو أمر التكليف)، بل أودع فيها الإمكانات التي تجعل الجسم يحيا بإذن ربه حين تسكنه النفس، فيمتلك إمكانات الحس والحركة والفعل والشعور الذي يناسب حياته. ومن العبث أن يحاول بعض الناس البحث عن أصل الإنسان في حيوانات أخرى، أو يحاولون تربية بعض الحيوانات ليمكنوها من إمكانات الإنسان. فمثلهم كمثل من يريد تشغيل جهاز الكمبيوتر بالطريقة التي يشغل بها السيارة، فالسيارة تُشغَّل بالطاقة، أما الكمبيوتر فيُ شغَّل ببرامج التشغيل المعروفة (والمثل للكمبيوتر والسيارة في الوقت الراهن، ففي المستقبل يمكن للإنسان أن يفعل ذلك). فالنفس المكلفة لها خواصها التي سواها الله عليها، فهي نفس مختلفة عن عامة النفوس، في أصلها، وليس في تطورها، أو ما تكتسبه. لا بل أصلها التركيبي مختلف اختلافا تاما عن النفس غير المكلفة. وكل نفس مزودة بإمكانات تناسبها. ** خلاصة الحقائق التي نتعلمها من القرآن الكريم ما يلي: الكائن الحي يتركب من جسم مصور، وأودع فيه: النفس، فأصبح حياً بإذن الله.
عدد الصفحات ١٣٠232 أما الإنسان فهو: جسد مصور، أودع لله فيه: النفسَ المكلفة ، فأصبح حياً مكلفاً بإذن الله. فالإنسان: جسد مصور ونفس مكلفة. ** رابعاً: عيسى كمثل آدم: بين القرآن الكريم لنا أن الله نفخ في آدم من روحه (أي: أرسل إليه النفس الأصل)، ومن هذه النفس الواحدة أنشأ ذريته كلهم، وذلك بطريق سنة الزوجية، حيث اقتضت هذه السنة أن يلقح الذكرُ الأنثى، فتكون مستقرا لنطفته، فتتخلق النطفة في الرحم (وهو المستقر)، حتى يأتي الملك بعد أربعين يوماً، فينفخ فيه (أي: يرسل النفس إليه)، فعندئذ يصبح الجنين (جسدا ونفساً) فيكون في المستودع (البطن)، حتى يخرج طفلاً. كما بين القرآن الكريم أن الله نفخ في مريم من روحه، (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ )، وقال: ( وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا ). فهذه النفخة مثل النفخة الأولى، ففي النفخة الأولى أرسل الله النفس الأصل إلى آدم ومنها أنشأ النفوس النسل. أما هذه النفخة فإن الله أرسل نفساً واحدة إلى مريم، وهي نفس نبي الله عيسى عليه السلام. فأودعها في رحم مريم، فحملته ثم وضعته. ولذلك كانت مريم وابنها آية للعالمين. فالبشر جميعا جاءوا من النفخة التي نفخ الله في آدم من روحه. أما عيسى فجاء من نفخة أخرى نفخ الله في مريم من روحه.
عدد الصفحات ١٣١232 فكما أن خلق آدم كان بأمر الله (وأمره هو أن نفخ فيه من روحه)، فكذلك عيسى كان خلقه بأمر الله (وأمره أن نفخ في أمه من روحه فحملته). قال تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْ دَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ). أي: خلقه من تراب، ثم نفخ فيه من روحه فقال له كن فكان. وسأتحدث عنها لاحقاً. إذن كان عيسى عليه السلام مخلوقا بأمر الله، حيث نفخ في أمه من روحه، وكذلك آدم فهو مخلوق بأمر الله (كن فيكون)، حيث نفخ فيه من روحه. أما بنو آدم كلهم فهم مخلوقون بسنن الله في خلقه، (وهنالك فرق بين سنن الله في خلقه، وسننه في أمره)، فسنن الله في الخلق، حيث قضى أن يخلق النسل عن طريق سنة الزوجية (وهي من سنن الخلق)، أما آدم وعيسى فخلقهما بالنفخ من روحه، (والروح من أمره لا من خلقه). ولما كان عيسى مختلفا عن عامة بني آدم، فقد ذكر الله بأنه روح منه، فقال: ( إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ). أي: خلقه الله بأمره؛ إذ نفخ في مريم من روحه فأرسل إليها (نفسَ) عيسى، فحملته، فوضعته. فعيسى كآدم، كلاهما خلقا بأمر الله (كن فيكون)، ولم يخلقا بسنة الزوجية والتناسل. وهذا هو معنى الأمر في قوله: (قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرً ا مَقْضِيًّا )، أي: كان خلق عيسى بأمر الله الذي قضاه، وقال: (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ
عدد الصفحات ١٣٢233 وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ). وكل الآيات التي في القرآن الكريم التي تتحدث عن خلق البشر، والتي جاء فيه أن الله نفخ فيه من روحه، فالمقصود بها آدم، وهي ثلاث آيات، في الحجر وفي ص، ودلالتها واضحة، وفي سورة السجدة: (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ( 7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ 8 ) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ )، والمقصود بهذا آدم، فهو الذي نفخ الله فيه من روحه، والآية جاءت لبيان أن الأصل (آدم) خلق بأمر الله؛ إذ نفخ فيه من روحه، أما النسل فخلق بسنة الله في خلقه وهي الزوجية (جعل نسله من سلالة من ماء مهين). ففرقت الآية ب ين خلق آدم وخلق نسله. وبينت لنا أن خلق الأصل كان بأمر الله (كن فيكون). ** فالخلاصة إذن أن للخلق مرحلتين: الأولى: مرحلة الخلق والتصوير: - بالنسبة إلى آدم، فقد خلق من طين، فأخرجه الله من الأرض، وأنبته كما ينبت النبات، وهذا خلق الأصل. - وبالنسبة إلى ذريته، فقد خلقوا من ماء مهين. الثانية: مرحلة النفخ - بالنسبة إلى آدم، فقد نفخ الله فيه من روحه، فأصبح رجلاً سويا.
عدد الصفحات ١٣٣232 - وبالنسبة إلى نسله، فإن الجنين حين يبلغ اثنين وأربع يوما، يرسل الله الملك وهو حامل للنفس، فينفخ في الجنين، أي: يرسل النفس إليه، ومن ثم ينشأ خلقا آخر. (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ). كيف خلق عيسى إذن؟ آدم خلق من طين، ثم نفخ الله فيه من روحه. وبنوا آدم خلقوا من ماء مهين، ثم يأتي الملك فينفخ فيهم الروح. أما عيسى فلم يخلق من الطين، فلم يشبه آدم في هذه. ولم يخلق من ماء مهين، بنص القرآن الكريم: ( قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ). وآدم بعد أن تَخَلّق جسده وخرج من الأرض وصوره الله - نفخ الله فيه من روحه، فأصبح حيا. (أما بنوه فيخلقون ويصورون في أرحام أمهاتهم، ثم يرسل الله الملك حاملاً نفوسهم). وعيسى، نفخ الله في فرج أمه مريم من روحه، ومن ثم لم يمر عيسى بمرحلة التخلق البشري (نطفة، فعلقة، فمضغة)، بل تجاوز هذه المرحلة (ثمانية أسابيع، أي: شهران تقريباً). كما أنه تجاوز مرحلة الخلق الآخر التي يمر بها بنو آدم ( ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ) وتستمر سبعة أ شهر، فهي مرحلة تابعة للمرحلة الأولى. أما عيسى فإنه خلق بأمر الله. وقد اختلف المفسرون في مدة حمل مريم، والأرجح كما يبدو لي ما قاله ابن عباس: أنها حين حملت وضعت.
عدد الصفحات ١٣٤231 فبعد أن نفخ فيها من الروح، حملته فانتبذت به فوضعته في ساعتها وقصة مريم في سورة مريم تبين أن مجيء الرسول إليها، وحملها ووضعها في اليوم نفسه. قال تعالى: ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ( 36) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ( 37) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ( 38) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا ( 39) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ( 10) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَ بُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا ). فهذا الحوار الذي دار بين الرسول ومريم، فبين لها أن الله قال: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا ). وبهذا انتهى الحوار. ثم قال: ( وَكَانَ أَمْ رًا مَقْضِيًّا ( 13) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا ( 11) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ )، أي: فقضى الله الأمر، فقوله (وكان أمرا مقضيا) ليس من قول الرسول، وإنما هو إخبار عما تم، كما قال عن خلق آدم (ثم قال له كن فيكون)، فقوله (وكان أمراً مَقْضِيّاً) في هذه السورة كقوله في سورة الأنبياء: (فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا )، فهذا هو الأمر المقضي: أن الله نفخ فيها من روحه. وعندئذٍ حملتْ فوضعتْ. ومما يدلّ على ذلك أيضاً أنّ قومها عندما عادت إليهم استنكروا: (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَ ا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا )، فهم لمْ يستنكروا من قبل، فلو أنها حملت من قبل واستمر حملها
عدد الصفحات ١٣٥232 عدة أشهر لرأوها وأنكروا عليها، ومن المستبعد أن تغيب عنهم مدة طويلة ولا يدرون عن أمرها، ولا يسألون عنها، فغيابها كان أمراً طبيعياً، ذهبتْ مكاناً شرقياً كما تذهب إليه في العادة، فغابت عنهم يوماً أوْ أقلّ، كما تغيب في العادة، ثم عادت بغلامٍ تحمله فأنكروا. ** وهذه الآية (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) تبين كيف أن (الروح) من أمر الله، قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي )، أي: الروح من أمر الله، والله له الخلق والأمر. فخلْق الله له سنن، وأمره له سنن. والله قد أمكن الناس من إدراك سننه في خلقه، ولم يمكنهم من إدراك سننه في أمره، ولذلك قال: ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا )، أي: أنتم أوتيتم قليلاً من العلم، وبهذا القليل تدركون سنن الله في خلقه، أما سننه في أمره فعلمها عند ربي. ومن سنن الله في أمره ما بينه في قوله: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ )، (وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ )، فهذا أمره، فهو خلق آدم من تراب (فهذا مِنْ خَلْقه)، ثم نفخ فيه من روحه (فهذا مِنْ أمْره). (وسأدرس هذه القضية مفصلة إن شاء الله، في بحثي: قدرة الله واستطاعة العبد). **
عدد الصفحات ١٣٦231 خامساً الوفاة والنوم والموت: الوفاة هي إمساك النفس من الجسد المصور، ولهذا الإمساك ثلاث حالات: الحالة الأولى (الأموات): إمساك النفس بعد تصوير الجسم. فبعد أن يصور الله الجسد يمسك النفس فيكون ميتاً، قال تعالى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ). ثم الإحياء الأول بعد أن يرسل الله النفس للجسد. الحالة الثانية (النوم): إمساك النفس إمساكاً مؤقتاً، وذلك حين النوم، فلا تنام إلا الكائنات ذوات النفوس، قال تعالى: (اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ). وفي هذه الحالة يظل الجسد المصور يقوم ببعض الوظائف التي تحافظ عليه حتى يكون متهيأ لعودة النفس إليه. وحين يرسل الله النفس إلى الجسم مرة أخرى، فإنه يُبعَث (يستيقظ)، قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ). والبعث في هذه الحالة لا يسمى إحياء، فالإحياء لا يعني إرسال النفس بعد إمساكها إمساكا مؤقتا. الحالة الثالثة (الموت): إمساك النفس إمساكا تاما، فيمسك الله النفس ولا يرسلها إلى الجسم مرة أخرى. وهذا هو الموت، كما
عدد الصفحات ١٣٧233 بينت آية الزمر والبعث في هذه الحالة يسمى: إحياء. فالخلاصة أن البعث يطلق على إرسال النفس بعد إمساكها إمساكا مؤقتا أو إمساكا تاما. ولا يطلق على إرسال النفس لأول مرة. والإحياء يطلق على إرسال النفس لأول مرة، أو إرسالها بعد إمساكها إمساكا تاما، ولا يطلق على إرسالها بعد إمساكها إمساكا مؤقتا. فيشترك البعث والإحياء في إرسال النفوس إلى الموتى يوم القيامة. وهذا يبين أن إمساك النفس إمساكا مؤقتا، لا ينزع عنها صفة الحياة، فيظل الجسم حيا، ويظل مرتبطا بالنفس التي أمسكت عنه مدة من الزمن. أما في حال الموت فإن الجسم يتوقف توقفا تاما، وتنقطع علاقته مع النفس. فالإحياء إذن: إرسال النفس إلى الجسم الميت (سواء أكان ميتا قبل حياة، أم ميتا بعد حياة)، أما البعث فهو إرسال النفس إلى الجسد أثناء حياته أو بعد حياته. وسأفصل الحديث عن هذه الحالات في المباحث القادمة من هذا الكتاب، إن شاء الله.
عدد الصفحات ١٣٨231 المبحث الثاني: حقيقة الموت والحياة تبين الآيات القرآنية مجموعة من الحقائق المتعلقة بالموت والحياة، كما يلي: 3. الموت والحياةشيئان مخلوقان. 1. الموت والحياةيقعان على النفس والجسم. 1. الكائنات الحية صنفان: حي لغيره وحي لذاته، والثاني قسمان: كائنات مائية وكائنات نفسية. 4. الماء سبب لحياة الأصل الأول من كل شيء حي وسأبدأ ببيان مفهوم كل من الموت والنوم والحياة.
عدد الصفحات ١٣٩225 المطلبالأول: مفاهيم الموت والنوم والحياة الموت: شيء يغشَى الجسم؛ فيخليه إخلاء تاما من النفس. النوم: شيء يغشَى الجسم؛ فيخليه إخلاء مؤقتاً من النفس. الحياة: إقامة النفس في الجسم. الإماتة: إمساك النفس إمساكاً تاما عن الجسم الحي. الإحياء: إرسال النفس إلى الجسم الميت. ** أولاً: الموت: شيء يغشَى الجسم؛ فيخليه إخلاء تاما من النفس. الجسم هو الجسم المصور، كما بينته سابقاً ، وهو الجسم المخلوق الذي صوره الله، أي ركبه فجعله قابلا لاستقبال النفس، فهو الجسم القابل للحياة. ويكون ميتا (حين يخلو خلوا تاما من النفس)، وتعريف الموت أنه شيء يحل في الجسم، لأن القرآن الكريم يبين لنا أن الموت شيء مخلوق، (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ )، وتحدث عنه بأنه يحضر ويجيء ويأتي ويدرك.. ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ )... ومن ثم فحلول الموت في الجسم يؤدي إلى إخلائه إخلاء تاماً من النفس. ويدل على الخلو التام من النفس ما أخرجه مسلم عن أم سلمة،
عدد الصفحات ١٤٠222 قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه، ثم قال: «إن الروح إذا قُ بض تبعه البصرُ ». قال النووي: ( معناه إذا خرج الروح من الجسد يتبعه البصر ناظرا أين يذهب). وهذا يدل على أن خروج النفس من الجسد يكون بالتدريج، وسأتحدث عن هذا الأمر. وإخلاء الجسم المصور من النفس يكون في حالتين: الحالة الأولى: بعد التصوير، وقبل ا لنفخ فيه. وسأفصلها في مطلب لاحق، فهذه مرحلة خلو وليست إخلاء، أي أن الجسم بعد تصويره يقدر الله فيه الموت، فيخلو من النفس. الحالة الثانية: بعد حياة الجسم في الدنيا، فإذا جاء الأجل المسمى للشيء، فإن الله يمسك نفسه، فيخلو جسمه خلوا تاما من النفس، وبذلك تموت النفس، أي تفارق جسدها الذي كانت فيه مفارقة تامة في الدنيا. وقولي (خلوا تاما)، احتراز من حالة النوم، كما سيأتي. وتعريف الموت أنه: خلو الجسم من النفس خلوا تاما، تعريف له بحقيقته لا بعلاماته، والبشر لا يعلمون كيفية الخروج، ولا يمكنهم التحقق من هذا الأمر، ولكنهم يعرفون الموت بعلاماته، وهناك عديد من العلامات التي يذكرها العلماء للموت، وأهمها: توقف القلب، وتوقف التنفس، وفقد الوعي والإحساس فقدا تاما. وهناك جدال بين العلماء بشأن ما يسمونه (موت الدماغ)، وهذا خارج نطاق البحث، إلا أنني أود القول أن مصطلح (موت الدماغ) غير صحيح، فلا ينسب
عدد الصفحات ١٤١222 الموت إلى الدماغ ولا إلى القلب ولا إلى غيره، ولكن ينسب إلى النفس، أما الدماغ وغيره فالمصطلح الذي ينسب إليه هو: (التوقف)، فنقول: توقف القلب، وتوقف الدماغ... إلخ. ** ثانياً: النوم: شيء يغشَى الجسم؛ فيخليه إخلاء مؤقتاً من النفس. قال تعالى: ( اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى )، فالنوم شيء من جنس الموت، حين يحل ب الجسم يؤدي إلى إخلائه إخلاء مؤقتا من النفس. وبذلك يظل الارتباط بين الجسم والنفس مستمرا، ولا ينقطع إلا بالموت. ** ثالثاً: الحياة: إقامة النفس في الجسم. فالجسم يحيا حين تقيم فيه النفس، وإقامة النفس في الجسم لها حالتان: الحالة الأولى: الإقامة الأَجَليّة (نسبة إلى الأجل)، فالنفس تقيم في الجسم إلى أجل مسمى، فإذا قضى الله ذلك الأجل فارقت الجسم، وانتهت الحياة، قال تعالى: ( وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ).
عدد الصفحات ١٤٢223 ولهذه الحالة مظهران المظهر الأول: الحياة التامة (اليقظة)، وذلك أثناء اليقظة، فالنفس مقيمة في الجسم متصلة به، وفي هذه الحالة تقوم النفس بوظائفها من خلال الجسم، كاملة. المظهر الثاني: الحياة الناقصة (المنام)، فالنفس أثناء النوم تفارق الجسم فراقا مؤقتا، فهي منفصلة عنه، ولكنها مرتبطة به، فهو انفصال مع ارتباط، ولذلك فهي في حالة حياة ناقصة. والفراق المؤقت لا ينافي الإقامة، كم يقيم في بلد ما، ثم يسافر ليقضي حاجة ويعود إلى بلده، فوصف الإقامة لا ينفك عنه. قال تعالى: ( وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى )، فأشارت الآية إلى المظهرين، وهما: الحياة الناقصة (يتوفاكم بالليل)، والحياة التامة (يبعثكم فيه)، وبين أن هذا الأمر يستمر في ا لدنيا حتى يقضي الله الأجل المسمى، فالنفس مقيمة إقامة أجلية في الجسم، أي: إلى أجلها المسمى. الحالة الثانية: الإقامة الخالدة. فالنفس تقيم في الجسم إقامة خالدة، ولا تفارقه أبدا، ومن ثم فلا نوم ولا موت. وهذا الخلود سيكون في الآخرة، سواء لأهل الجنة أو لأهل النار. جاء في الصحيحين مرفوعاً: ( يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي مناد: يا أهل الجنة فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا ؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار
عدد الصفحات ١٤٣222 فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا ؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيُذْبح، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت).
عدد الصفحات ١٤٤