221 المطلب الثاني: الموت شيء مخلوق أولاً: خلق الموت والحياة: الحياة والموت مخلوقان، كما قال تعالى: ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُ مْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا )، فهما شيئان مخلوقان، يخلقهما الله في الأشياء المخلوقة. ولذلك فإن الله وحده هو من يملكهما، قال تعالى: (وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا ). وفي الآيتين قدم الموت على الحياة، أي خلق الموت فيكم أولاً ، فكنتم أمواتا. كما قدمه في قو له: ( وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا )، فذكر الحالات الثلاث: الموت، والحياة، والنشور. والإماتة: إمساك النفس إمساكاً تاما عن الجسم الحي. والإحياء: إرسال النفس إلى الجسم الميت. وهناك أربع مراحل للجسم المصور: المرحلة الأولى: (كنتم أمواتا)، وهي إمساك النفس بعد تصوير الجسم. فهذه مرحلة موت، ولا تسمى إماتة؛ لأن النفس لم ترسل إلى الجسم بعد، ولكن الجسم يحل به الموت بعد تصويره. المرحلة الثانية: الإحياء الأول، وذلك بإرسال النفس لأول مرة إلى الجسم الميت، فيصبح حيا في الحياة الدنيا. المرحلة الثالثة: الموتة الأولى، وهي: إمساك النفس بعد الحياة الأولى للجسم. (وهو الموت الذي قضاه الله على الأحياء).
عدد الصفحات ١٤٥222 المرحلة الرابعة: الإحياء الثاني، وهو إرسال النفس إلى الجسم بعد الموتة الأولى، فيصبح حيا في الآخرة. وقد اجتمع ذكر هذه المراحل في قوله تعالى: ( كَيْفَ تَ كْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ). قوله (وكنتم أمواتا): حالة الموت، (فأحياكم): الإحياءة الأولى وهي الحياة في الدنيا، (ثم يميتكم): الإماتة الأولى، (ثم يحييكم): الإحياءة الثانية، وهي الحياة في الآخرة. وسأفصل الحديث عن هذا في مطلب قادم. ** ثانياً: الموت شيء يغشَى الجسم : يبين القرآن الكريم أن الموت شيء موجود، فهو ليس شيء عدمي، بل وجودي، ونحن لا ندري كنهه، ولكن القرآن الكريم أخبرنا عنه بأنه يحضر إلى الحي: ( إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ )، ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ )، ( أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ )، ( يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ )، ( إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ )، والإنسان يفر منه: (فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ ). وكل هذه صفات شيء موجود، وليس شيئا عدميا. كما أخبرنا القرآن الكريم عن الموت أنه يتوفى: (فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ )، أي: يمسك الموت نفوسهن، فالتوفي هو إمساك النفس. فالآية تبين أن الموت إذا حل بالجسم أمسك النفس
عدد الصفحات ١٤٦221 وأخرجها من الجسم، فأخلاهمنها، وإسناد التوفي إلى الملك باعتبار أن الملك يأتي ومعه الموت، فيدخل الموت في الجسم، فيمسك النفس، ثم يأخذها منه الملك، ومن ثم أسند التوفي إلى الموت، كما أسند إلى الملك. وسأبين هذا في المبحث القادم. ويبين القرآن الكريم كيف يأتي الموتُ الجسمَ، فهو يغشى الجسم، ( تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ )، ( يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ). فالغَشْية كما في مقاييس اللغة تدل على: (تغطية شيء بشيء، والغشاء: الغطاء). فالموت حين يأتي يغشى الجسم، أي يغطيه، والميت يعاينه حين يبدأ الموت بتغطيته، وفي هذه الحالة ينظر إلى الموت: (كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ )، فيصيبه الفزع، وتدور عيناه من شدة الفزع، ويبدأ الموت بإمساك النفس وإخراجها من الجسم، وهو إخراج استئصال للنفس، بحيث لا يبقى لها مأوى داخل الجسم تعود إليه، ومن ثم فالموت يتتبع أماكن إقامة النفس في الجسم، ويستأصلها، حتى لا يبقى منها شيئا، فإذا تم ذلك خرجت النفس، وأمسكها الملك الذي جاء بالموت. وحين يغشى الموتُ الجسم، ويبدأ المحتضر بمعاينته، فإنه يجد طعم الموت في كل جزء من جسمه، فالموت يدخل إلى كل خلية من خلايا الجسم، وكل موضع تقيم فيه النفس، ليستأصل الحياة التي كانت هنالك، ولذلك فكل خلية في الجسم تتذوق الموت، ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ). وفي الحديث الذي أخرجه مسلم عن أم سلمة قالت: دخل رسول
عدد الصفحات ١٤٧223 الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه، ثم قال: «إن الروح إذا قبض تبعه البصر »، فيدل على أن خروج النفس يكون بالتدريج، والميت يشهد مطاردة الموت لنفسه، ويراها ببصره حين تخرج، وذلك آخر عهده بالحياة. وقوله تعالى: ( ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَ ى طَائِفَةً مِنْكُمْ )، فالنعاس يغشى الإنسان غشيانا، حتى يغطيه تماما، كما قال أيضاً: ( إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ ). ومجيء الموت كمجيء النوم. وهذا كقوله: ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَ ارَ نُشُورًا )، فالليل لباس ليس فقط للأرض، بل هو لباس أيضا لكل الكائنات الحية، حيث يغشاها، فهو لباس لها، أي يغطيها ويسترها، ولذلك قرن في الآية بين الليل والنوم. ** ثالثاً: (غمرات الموت): وقال تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ) فالغمر كما في مقاييس اللغة: (تغطية مع شدة، ومنه الغمر: الماء الكثير؛ لأنه يغمر ما تحته). فغمرات الموت، هو غشيان الموت للكائن الحي، ومعالجة المخلوق لشدة الموت حين يغشاه شيئا فشيئا، ويجفف منابع حياته، سواء التي
عدد الصفحات ١٤٨221 لجسمه أو التي لنفسه كما تبين الآية أن الموت حين يغشى الجسم، يغمره شيئا فشيئا حتى يغطيه تماما، ولذلك لم يقل (غمرة الموت)، فهي غمرات، ينتقل الموت من غمرة إلى غمرة أشد، حتى يصل إلى الغمرة الأخيرة فيموت. وحديث القرآن الكريم يبين لنا أن الموت حين يحضر، فإن المحتضر لا يموت مباشرة، بل يعيش غمرات الموت حتى تنتهي، ولذلك فهو يستطيع أن يوصي أو يقوم بأعمال ما، كقوله: ( أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي )، (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَ ضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ )، ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ). .. إلخ. وفي الآية: (وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ) تبين لنا أن الملائكة يحضرون الموت، والموت يغشى الجسم، والملائكة تنتظر حتى ينهي الموت مهمته كاملة، فيسلم النفس إليهم، ولذلك قال: (باسطو أيديهم)، أي بسطوا أيديهم وانتظروا أن يسلمهم الموتُ نفسَ الميت. ولذلك فهم يقولون للمح تضر: أخرج نفسك لو كنت تستطيع. فالذي يخرج النفسَ هو الموتُ، يخرجها ويسلمها إلى الملائكة الذين بسطوا أيديهم، لإمساك النفس والانطلاق بها إلى مستقرها. **
عدد الصفحات ١٤٩215 رابعاً (سكرة الموت): قال تعالى: ( وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ). وهذه الحالة، من حين دخول الموت الجسم إلى الخروج التام للنفس هي حالة (سكرة الموت)، أي: إغلاق كل المنافذ التي كانت تنفذ منها النفس إلى الجسم فتقيم فيه. فالسَّكْر في اللغة العربية: حبس الماء. فالنفس لها منافذها إلى الجسم، ولذلك فهي حين تغادر الجسم وقت النو م، تعود من تلك المنافذ، وتسري فيه كله، فيكون أثرها في كافة أجهزة الجسم وخلاياه. والموت يغلق كل هذه المنافذ منفذا تلو الآخر، والمحتضر يعاني من هول ما يفعله الموت. كما أن الموت يقوم بإخلاء الجسم من الماء الذي فيه، فالجسم يحيا بالماء (كما سأبين)، فيحبس الماء عن الجسم، حتى يجف منه، فيفقد الجسم ماءه، ولا يعود قابلاً للحياة. وعليه فسكرة الموت، تبين لنا كيف أن الموت يقوم بفعلين: الأول: حبس منافذ النفس، واستئصال أماكن إقامتها في الجسم، حتى لا يبقى لها فرصة للرجوع. والثاني: حبس الماء عن الجسم، فيخلو الجسم من العامل الأساس في حياته. **
عدد الصفحات ١٥٠212 خامسانحن قدرنا بينكم الموت: بعد أن يخلق الله الشيء ويسويه ويصوره، فيصبح جسما مصوراً، يأتيه الموت، ولكن لأن الموت في هذه الحالة لا يأتي بعد حياة، فإنه يسكن في الجسم؛ إذ لا أعداء له حتى يستأصلهم. فيظل مقيما في الجسم حتى تأتي الحياة، فتطرد الموت، ويرسل الله النفس إلى الجسم، فتقيم فيه. غير أن الموت لم يغادر مغادرة تامة، فيظل يعاود الجسم كل ليلة (وذلك أثناء النوم)، فيستلب الحياة تمامها، ويخرج النفس من الجسد، فتكون حياة ناقصة، ولكن لقوة الحياة فإن الموت لا يستطيع السيطرة على الجسم، وهكذا يظل الموت يطارد المخلوق حتى يدركه إدراكا تاما، حين يقضى إليه أجله: ( أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ). وأفهم من الآية أن الله خلق كل نفس موتا، كما خلق لها حياة، فقدّر الموتَ، أي: فصله ومنحه الخواص المحددة ل لمخلوق، ووضع فيه الكيفية والأجلية وكافة المقادير المكانية والزمانية والكمية، كيف يموت المخلوق، ومتى يموت، وأين يموت، وكم عدد أنفاسه، وكم قطرات مائه... إلخ. وتم هذا كله قبل إرسال النفس إليه أول مرة (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ ( 58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ ( 59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ ). سادسا: يحييكم ثم يميتكم: والآيات الكريمة التي تتحدث عن الإحياء والإماتة تأتي ضمن هذه المراحل. وبتتبع آيات القرآن الكريم نجد أنه يتخذ نمطين
عدد الصفحات ١٥١212 للحديث عن الإحياء والإماتة الأول: العطف بين الأفعال بـ(ثم)، وفي هذه يدل على المراحل السابقة: الإحياء، ثم الإماتة، ثم الإحياء. كقوله مثلا: ( وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ )، يشير إلى المراحل الثلاث: الثانية والثالثة والرابع ة. وقوله: (اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ )، فذكر المرحلة الثالثة والرابعة وكنى عن الثانية. وقوله: (قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ )، فأشار إلى المرحلة الثانية والثالثة وكنى عن الرابعة. والثاني: العطف بالواو، كقوله: (وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ )، ففي هذه يشير إلى مطلق الفعل، فالله من شأنه الإحياء والإماتة، ولا يملك هذا أحد غيره. وليس المقصود الحديث عن المراحل. ولهذا فإن الفعل يأتي مطلقا غير واقع على مفعول: (يح يي ويميت)، ( وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا )، ( وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ )، ( لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ ). بخلاف الاستخدام الأول فلم يأت إلا واقعا على مفعول: (يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ )، (وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ) أي يميتني الموتة الأولى، ثم يحييني يوم القيامة. فالخلاصة أنه إذا عطف بـ(ثم) وقع فعل الإحياء والإماتة على مفعول، وكان مقصودا به إماتة أو إحياء معينا، أي يذكر بعض مراحل الإحياء والإماتة. وإذا عطف بالواو، فإن فعل الإحياء والإماتة يأتي مطلقا دون
عدد الصفحات ١٥٢213 مفعول، ويكون المعنى: أن الله هو الذي يفعل هذا الفعل وليس غيره فهو يتحدث عن الصفة. ** سابعاً: يخرج الحي من الميت: وقوله تعالى: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ )، وقوله: ( وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ )، وقوله: (وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ )، وقوله: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ). فقد ذكر: إخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي في أربعة مواضع، وكلها تذكر إخراج الحي من الميت أولا، فهو يتحدث عن سنة من سننه، فكل حي كان قبل حياته ميّتا، ثم خلق الله الحياة فيه فصار حيا، فالله أخرج المخلوق الحي من المخلوق الميت (وهذا إخراج الحي من الميت). ثم بعد أن يصير مخلوقا حيا، يخلق الله الموت فيه، فيصبح مخلوقا ميتا، (وهذا إخراج الميت من الحي). ** ثامناً: ملك الحياة والموت والنشور: قال تعالى: (وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا ). فالله هو الذي يملك الموت والحياة والنشور، ولا يملكه أحد غيره، سبحانه وتعالى. وقد فسرها المفسرون بالفعل، ففي البسيط للواحدي مثلا:
عدد الصفحات ١٥٣212 ({وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا } قال مقاتل: أن تميت أحدًا {وَلَا حَيَاةً } و يحيون أحدًا {وَلَا نُشُورًا } ولا تقدر الآلهة أن تبعث الأموات)، وقال أبو السعود: ( أي لا يقدرون على التصرف في شيء منها بإماتة الأحياء وإحياء الموتى وبعثهم)، وقال ابن عاشور: (والملك في قوله: لا يملكون مستعمل في معنى القدرة والاستطاعة). وتعليقي على ما سبق، أن حمل لفظ "الملك" هنا على حقيقته أولى من حمله على المجاز (القدرة)، وقد بين القرآن الكريم أن الموت شيء مخلوق، وكذلك الحياة، فالملك فيه حقيقي وليس مجازا عن القدرة. فالآية تبين أن الله يملك الموت والحياة والنشور كما يملك غيرها من الأ شياء المخلوقة، وعدم استطاعتنا تصور أن الموت شيء مخلوق مملوك، لا ينفي عنه حقيقة ذلك. وقد بين سبحانه وتعالى أنه وكل بالموت ملكا من ملائكته، فقال: ( قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ )، فالموت مودع لديه، وملك الموت ملك مسؤول عن إرسال الموت إلى النفس التي جاء أجلها، وإرسال ملائكة يحضرون مع الموت، وبعد أن يمسكها الموت، يسلمها إليهم، فيمسكونها ويعودون بها إلى مستقرها. فملك الموت معه رسل معاونون، قال تعالى: (وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ).
عدد الصفحات ١٥٤211 المطلب الثالث: النوم والموت والحياة ذكرت سابقاً أن النوم: شيء يغشَى الجسم؛ فيخليه إخلاء مؤقتاً من النفس. وهي ظاهرة تتكرر باستمرار، وطالما كان الكائن حياً فإن النوم من لوازم حياته. وقد ذكرت أن الجسد يقوم بوظائف الحياة حين تكون النفس فيه، أما حين تخرج منه النفس، فإن تلك الوظائف تتوقف، أو تتغير. قال تعالى: ( اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَ يُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى )، وأشرت إلى أن النوم شيء من جنس الموت، حين يحل بالجسم يؤدي إلى إخلائه إخلاء مؤقتا من النفس. وبذلك يظل الارتباط بين الجسم والنفس مستمرا، ولا ينقطع إلا بالموت. ولكن لماذا النوم؟ هناك عديد من الأبحاث تناولت هذا السؤال والإجابة عنه، من منظورات مختلفة (انظر بحث: النوم والأحلام، محمد الأمراني، مجلة كلية الآداب بجامعة القاضي عياض). وسأحاول أن أضع مقاربة تجيب عن هذا السؤال من منظور قرآني. يتبين لنا السبب من قوله تعالى: (الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ )، فسماها دار المقامة، وسميت المقامة لأن النفس تقيم في الجسم إقامة مستمرة، لا
عدد الصفحات ١٥٥212 تغادرها. ثم بينت الآية أن أهل الجنة لا يمسهم فيها (نصب) و (لغوب)، قال ابن عطية في تفسيره: («النصب»تعب البدن، و«اللغوب» تعب النفس اللازم عن تعب البدن ). فالجسم لا ينصب، والنفس لا تلغب. وهذا يعني أن الدنيا لم تكن دار مقامة؛ لأن الجسم ينصب، والنفس تلغب. فالنصب تعب الجسم، واللغوب تعب النفس. وكذلك قرن بين النصب والخلود في قوله: ( لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَ ا بِمُخْرَجِينَ )، أي: هم خالدون مقيمون إقامة مستمرة وقد جاء في قوله: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ )، فلم ينف النصب، بل نفى اللغوب. أما قوله: ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُ هُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ )، فأثبت للمجاهدين النصب، والنصب إعياء الأجسام نتيجة الجهاد، فالمؤمن قد ينصب جسمه ولكن لا تلغب نفسه، كما قال لنبيه: ( فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ )، أي: فاجعل جسمك يناله النصب في سبيلي. وبهذا يتبين لنا أن الجسمَ في الدنيا يصيبه النصب، والنفسَ يصيبها اللغوب، ومن ثم لا يمكن للنفس أن تقيم إقامة مستمرة في الجسم. بل لا بد من مدة زمني ة دورية، يعيد الجسم فيها تنظيمه الذاتي، ليستمر في الحياة، وتجدد النفس فيها طاقتها. ولذلك تجد أن من يشعر بالإعياء ثم ينام ولو قليلا يذهب ما به، بل إن الإعياء إذا ازداد عن درجة معينة فإن الإنسان ينام فجأة دون أن يملك نفسه ولو كان يقوم بنشاط من الأنشطة.
عدد الصفحات ١٥٦211 يقولالعلماء إننا نحتاج إلى النوم لكي نبقى متيقظين، بل لنكون أحياء حرمانا كاملاً من النوم، مما أدى إلى موتها (فقد تسبب حرمانها من النوم في ضمور الخلايا وعدم إصلاحها). فالنوم أساس لاستمرار الحياة. فقد يستمر الإنسان أس بوعين دون طعام، ولكنه لا يستطيع الحياة أياما قليلة دون نوم. ويقرر الخبراء أن النوم يمنح الخلايا فرصة لإصلاح الأضرار التي لحقت بالأنسجة أثناء اليقظة، وترميم الخلايا أو تبديلها بخلايا جديدة. (نقلاً عن بحث مترجم بعنوان: النوم يرمم الخلايا المتضررة). ويقول الأطباء أن السهر يؤدي إلى فقدان التركيز وضعف الذاكرة، واضطراب القلب، واضطراب النطق، وارتعاش اليدين، والإجهاد، والتوتر، والقلق، وإذا لم ينم الإنسان خمسة أيام فقد يفقد الذاكرة تماما ويصاب بالجنون. في حين أن النوم يحافظ على الجسم من كل هذه الآفات، وينقي الخلايا من السموم؛ فيحافظ على نشاطه، ويضبط معدل ضربات القلب، وينظم درجة حرارة الجسم... (هناك عديد من الأبحاث العلمية تناولت ظاهرة النوم، ويمكن الرجوع إليها). إن النفس (برنامج تشغيل إلهي) للجسم الذي تقيم فيه، والنفس ذات قوة هائلة، فهي حركة ونشاط وحيوية، وهي شيء ذو طبيعة مختلفة عن طبيعة الجسد. فكان لا بد للجسم الذي يحملها من تحديث ذاتي مستمر، بحيث تفارق النفس الجسد مدة زمنية مؤقتة، يقوم الجسم في هذه المدة بالتحديث التلقائي، وإعادة تنظيم
عدد الصفحات ١٥٧213 أجهزته المختلفة، لتكون على استعداد مستمر لإقامة النفس كما أن النوم استجمام قهري للنفس، وتحديث أيضاً لها، حيث تعود إلى عالمها فتستمد طاقة الاستمرار في الدنيا حتى يأتي أجلها. ولذلك قضى الله بالنوم، فينام الجسم المصور، ويمسك الله النفس فتعود إلى عالمها الذي جاءت منه، ثم تعود إلى الجسم بعد مدة من الزمن. قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا )، وقال: ( وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا ( 9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ( 30) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ). فالنهار معاش ونشور تنشر فيه الأجسام والنفوس، أما الليل فلباس ساتر يغطي الأرض فتسبت فيه الكائنات ذوات الأنفس (الكائنات النفسية)، والسبات: الراحة والسكون. وأصل السبت كما قال الراغب: القطع، وفسرها بقطع العمل، فالنوم قطع للنفس من العمل، وقطع للجسم أيضاً من القيام بوظائفه التي يقوم بها في اليقظة، إلى وظائف أخرى لازمة لاستمرار حياته. ** كما أن النوم يحقق الأمن للنفس، فالنفس البشرية خلقت لدار غير الدنيا، خلقت للآخرة، فهي تظل في الدنيا غريبة، والغريب في دار الغربة لا ينال الأمن التام، بل يتوقع المكروه باستمرار. فالنوم يحقق الأمن للنفس، ويريحها من الالتصاق بالجسد برهة من الزمن، كي تستعيد عافيتها وأمنها، فالنوم إذن أمن وشفاء وعافية للنفس، وهذا ما يبينه قوله تعالى: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ )، وندرك هذا
عدد الصفحات ١٥٨211 الأمر في حياتنا، فحين يخاف الإنسان أو يفزعثم ينام، فإنه يستيقظ وقد ذهب ما به. بل سمى النعاس: أمنة، فقال: ( ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ ). ** كما أن النوم أساس لنمو الخلايا، ولذلك يحتاج الرضع إلى النوم كثيراً تقريبا 10 ساعة، وكلما تقدم به العمر قلت ساعات نومه، فالمخلوق في أول حياته يحتاج إلى ساعات نوم كثيرة، كي تساعده على النمو. ويقول العلماء أن الجنين يقضي 90% من حياته نائما. وهناك تجارب أجراها العلماء على فئران، تبين منها أن الخلايا تُنتَج أثناء النوم وخصوصاً أثناء الأحلام. وأكد العلما ء أن النوم يساعد على نمو الجسم؛ حيث يفرز أثناء النوم هرمون قوي الأثر في الجسم يساعده على النمو، ويساعده على إنتاج خلايا جديدة قد تبلغ مليارات الخلايا في اليوم الواحد. ويقول الباحثون أنه كلما كان الإنسان بحاجة إلى راحة، كالمريض والجهد والقلق والحزين، فإنه يحتاج إلى ساعات نوم أكثر من غيره؛ ذلك أن الإنسان وقت اليقظة تحدث في أنسجته تغيرات كيميائية كثيرة، ينشأ عنها النوم تلقائيا، وبالنوم تستعيد الأنسجة سيرتها الأولى كما كانت، ولو استمرت تلك التغييرات ومنع النوم بالقوة أدت إلى الموت (انظر: النوم والحياة، د. نبيل سليم). وهذا يؤكد ما ذكرته من قبل أن الحياة الحقيقية الخالدة لا نموَّ فيها ولا تغيّ رَ البتة. وهذا مقتضى الخلود، فيكون الناس على
عدد الصفحات ١٥٩225 حالة دائمة ونجد أن أهل الجنة (وكذلك أهل النار) كما في الأثر لا يَنْمُون، بل هم في حالة واحدة، ينبتهم الله، ويعظم أجسامهم، فتقيم فيها أنفسهم، ويخلدون كذلك دون نمو. فمقتضى الخلود عدم النمو والتغير، بل لزوم حالة واحدة، يكون عليها المرء منذ استقراره في داره، إما دار النعيم أو دار الجحيم. أخرج الطبراني مرفوعا: «يحشر ما بين السِّقْطِ إلى الشيخ الفاني يوم القيامة في خلق آدم، وقلب أيوب، وحسن يوسف مُرْدًا مُكَحَّلِينَ »قلنا: يا رسول الله، فكيف بالكافر؟ قال«يَعْظُمُ للنار حتى يصير غِلَظُ جلده أربعين ذراعا، وَقَرِيضَةُ الناب من أسنانه مثل أحد » . وأخرج الطبراني في الأوسط وصححه الألباني، مرفوعاما من أحد يموت سقطا ولا هرما - وإنما الناس فيما بين ذلك - إلا بعث ابن ثلاثين سنة، فإن كان من أهل الجنة كان على مَسْحَة آدم، وصورة يوسف، وقلب أيوب، ومن كان من أهل النار عُ ظِّموا، وفُخّموا كالجبال). وفي الحديث الذي أخرجه الترمذي وحسنه الألباني: ( يدخلُ أهل الجنةِ الجنةَ جُرْدًا مُرْدًا مُكَحَّلِ ينَ أبناءَ ثلاثين - أو ثلاثٍ وثلاثين - سنة). ** كما أن النوم تنفيس للإنسان، ولو لم ينم لمات قهراً وكمداً، ولذلك فالنائم في نومه (من خلال الرؤى والأحلام) يحقق كثيرا
عدد الصفحات ١٦٠